يذهبون إلى ديار محبوباتهم ومعشوقاتهم ويَنُوحُون عليهنَّ، وهذا مثل قول الشاعر (١):
أمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيلَى … أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وذَا الجِدَارَ
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلبِي … وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَ
فالناظمُ ﵀ يقول أيضاً: دع عنك النَّوحَ والبكاءَ على مَنْ تعلَّق قلبُك بها، وكَنَّى عن جِنْسِ المرأة ب «سُعْدَى».
ثم قال: «إِنَّمَا تَذْكَارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لم يَسْعَدِ» يعني: أن الاشتغال بتذكر الجَمَال، وتذكر الحُبِّ، وتذكر المتعة، هذا كلُّه شُغْلُ مَنْ لم يَسْعَد السعادةَ الحقيقيَّة، فتضيع عليه أوقاتُه بهذه الذِّكرَيَات الذاهبة الضائعةِ، فيبقى قلبُه يطوف في مواطن ومحاسن من فُتِنَ بهنَّ من النِّسَاء وفي محاسِنِهِنَّ.
وقوله: «مَنْ لَمْ يَسْعَدِ» أصله: «مَنْ لَمْ يَسْعَدْ» بجزم الفعل المضارع، ولكن وقع الكسر من أجل القافية.
стр. 37
قال الناظمُ ﵀:
٣ - وَاسمَعْ مَقَالِي إِنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصاً … يَومَ الحِسَابِ وَخُذْ بِهَذَا تَهْتَدِي
بدأ الناظمُ ﵀ بتقديم النصائح لقارئ هذه المنظومة فقال: «وَاسمَعْ مَقَالِي» أي: اسمع سَمَاعَ قَبُولٍ واستجابةٍ لما سأقوله وأُبَيِّنُه لك.
«إِنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصاً يَومَ الحِسَابِ» أي: إن أردت النجاة يوم الحساب من العذاب، ومن شدائد يوم القيامة فاسمع مقالي وأصغ لما سأقوله لك.
وقوله: «وَخُذْ بِهَذَا تَهْتَدِي» وفي نسخة: «وَخُذْ بِهَدْيِي تَهْتَدِي» وكلٌّ منهما له وجهٌ، فنسخة: «خُذْ بِهَذَا» يعني: خذ بهذا القول الذي سأقوله لك في هذه المنظومة، وأمَّا نسخة: «خُذْ بِهَدْيِي» يعني: خُذْ بما سأقدِّمُه لك من دلالةٍ وإرشادٍ تهتدِ إلى الصواب وطريق الحق، فهذه أيضاً نصيحةٌ من النصائح.
فمعنى هذا أنه صَدَّرَ هذه المنظومة بنصائح لكل مسلم، ولا سيما طالب العلم.
قال الناظمُ ﵀:
٤ - وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَفَيْتُ مُوَفَّقاً … نَهْجَ ابنِ حَنْبَلٍ الإِمَامِ الأَوْحَدِ
قوله: «اقصِدْ» أي: اقصِدْ بقلبِك وسعيك وجِدِّك نهجَ الإمامِ أحمدَ ابنِ حنبل ﵀، فكأنه يقول: اقصد ما قصدتُ وما قَفَيتُ من مذهب الإمام أحمد ومنهجه.
стр. 38
وقوله: «وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَفَيْتُ»، وقع في نسخةٍ: «وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَصَدْتُ»، وكلا النسختين مؤداهما متقارِبٌ، فإنَّ مَنْ قَفَا وتَبِعَ إماماً فإنَّه يتبعه بقصده وبموافقته.
وقوله: «مُوَفَّقاً» هي حالٌ من الفاعل، يعني: حال كوني موَفَّقاً، ويحتمل أن تكون حالاً من ضمير الفاعل في «اقْصِدْ»، وهو المخاطَب.
وهذا إمَّا أن يكون من باب الرجاء، يعني: أرجو أن أكون مُوَفَّقاً، وإما أن يكون لبيان أنَّ ما سلكه من عقيدة الإمام أحمد حقٌّ وصوابٌ، فإن الإنسان إذا سار على طريق الحق والصواب فلا ضير أن يقول: إني - ولله الحمد - مُوَفَّقٌ حيث سلكتُ هذا الطريق.
وقوله: «نَهْجَ ابنِ حَنْبَلٍ»، أي: منهجه وسبيله الذي سار عليه في اعتقاده وفي سيرته ﵀ ورضي عنه.
و «ابنُ حَنْبَلٍ» هو الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، وهو مشهورٌ بهذه النسبة، فإذا قيل: «ابنُ حَنْبَل» فلا ينصرف إلَّا إلى الإمام أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ حنبل الإمام الشهير.
وقوله: «الإِمَامِ» هذا صحيحٌ، فإنه ﵀ كان إماماً في زمانه، حتى صار قدوةً لمن بعده.
وقوله: «الأَوْحَدِ» هو أفعل تفضيل من «الوَحْدَة» و «التَّوَحُّد»؛ لأنه صار فريداً في زمانه، وهذا مِثْلُ قولهم: «فَريدُ مِصْرِه، وَوَحِيدُ عَصْرِه».
فالإمامُ أحمدُ ﵀ أوحدُ من غيره وأكثر تفرداً من غيره، وهذا ما يقتضيه أفعل التفضيل التي عبَّرَ بها الناظمُ.
стр. 39
فالناظمُ ﵀ لم يقل: «الإمام الوحيد»، بل زاد في الثناء فقال: «الإِمَامِ الأَوْحَدِ».
قال الناظمُ ﵀:
٥ - خَيرِ البَرِيَّةِ بَعْدَ صَحْبِ مُحَمَّدٍ … وَالتَّابِعِينَ إِمَامِ كُلِّ مُوَحِّدِ
يواصل الناظمُ ﵀ الثناء على الإمام أحمد ﵀ فيقول:
«خيرِ البَرِيَّة» خيرُ البَرِيَّة مطلقاً هو نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ ، لكنَّ الناظمَ ﵀ قيَّد خيرية الإمام أحمد بقوله: «بَعْدَ صَحْبِ مُحَمَّدٍ وَالتَّابِعِينَ»، وفي هذا التقييد احترازٌ عظيمٌ خرج به الناظم من المبالغة الشديدة في المديح.
وما قاله الناظم في حق الإمام أحمد يقتضي تفضيله على كل أحد بعد الصحابة والتابعين، وفي هذا الإطلاق والتعميم نظر.
فكأنه يقول: هو خير الناس بعد الصحابة والتابعين.
فمع جلالة الإمام أحمد، وعِظَمِ شأنه، وما أكرمه الله به من العلم بالسنة والفقه في الدين، والصلابة فيه، وقمع البدع والمبتدعين، لا يصح أن نقول عنه: إنَّه خير الناس.
فهو ﵀ من خير أئمة أهل السنة، بل امتاز بِلَقَبِ «إمام أهل السنة»، وهذا أمرٌ معروفٌ يعترف به كل أحدٍ، فإنه لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن كان هو أعظم من واجه هذه الفتنة بردِّه وصبره على البلاء، فقد سُجِن وضُرِب وجُلِد وامتُحِن ومع هذا كله لم يلجأ إلى التأويل
стр. 40
الذي يتخلص به من هذا البلاء مع أنَّ له به فُسْحَة، لكنَّه صَبَرَ وصَابَرَ وصَدَعَ بالحق، فبذلك ذاع صِيتُه، وجعلَ الله له بهذا الصبر لِسَانَ صِدْقٍ في الأُمَّة، وصار قدوةً لمن جاء بعده، وكما قيل: «بالصبر واليقين تُنَالُ الإمامةُ في الدِّين».
وقوله: «إِمَامِ كُلِّ مُوَحِّدِ»: هذا تعبير عن كون الإمام أحمد إمام أهل السنة، فهو إمامُ كلِّ موحِّدٍ من أهلِ عصرِه ومن جاء بعدهم.
والمُوَحِّد: هو كل من وَحَّدَ الله بأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته .
قال الناظمُ ﵀:
٦ - ذِي العِلْمِ وَالرَّأْيِ الأَصِيلِ وَمَنْ حوَى … شَرَفاً عَلَا فَوقَ السُّهَا وَالفَرْقَدِ
هذا هو البيت الثالث في الثناء على الإمام أحمد ﵀.
قوله: «ذِي العِلْمِ» أي: صاحبِ العلم الواسع بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والفقه في الدين.
وقوله: «وَالرَّأْيِ الأَصِيلِ» أي: وصاحب الرأي المكين في السداد والصواب.
وقوله: «وَمَنْ حَوَى شَرَفاً» هذه الجملة معطوفة على قوله: «ذِي العِلْمِ» يعني: والذي حوى شرفاً.
стр. 41
قوله: «فَوقَ السُّهَا وَالفَرْقَدِ» وفي نسخة: «فَوقَ السَّمَا وَالفَرْقَدِ» وكأنَّ ذكر «السُّهَا» أنسب؛ لأنه كثيراً ما يُقْرَنُ بين السُّهَا والفَرْقَدِ، وهما نجمان معروفان، يعرفهما أهل الشأن، ويقال لهما من باب التغليب: «الفَرْقَدَان».
و «السُّهَا» يُقالُ: إنَّه نجمٌ خَفِيٌّ، وأمَّا «الفَرْقَد» فهو نجمٌ نَيِّرٌ واضحٌ، يعرفه المهتمُّون بالنجومِ ومنازلِها (١).
ويحتمل أنَّ يكون قوله: «وَمَنْ حَوَى شَرَفاً» كلاماً مستأنفاً يُبيِّن به النَّاظمُ أنَّ مَنْ حوى شَرَفاً فقد عَلَا فوق السُّهَا، يعني: علا قَدْرُهُ وارتفعت منزلتُه، والإمامُ أحمدُ كذلك حوى شرفاً عظيماً؛ شرف العلم والتقى، وشرف الجهاد والصبر، فلا غَرْوَ حينئذٍ أن يَتَبَوَّأَ ﵀ هذه المنزلةَ العظيمةَ.
ولعل هذا التوجيه هو الأقرب، وهو اعتبار أن هذه الجملة مستأنَفَة.
стр. 42
قال الناظمُ ﵀:
٧ - وَاعْلَمْ بِأَنِّي قَدْ نَظَمْتُ مَسَائِلاً … لَمْ آلُ فِيهَا النُّصْحَ غَيرَ مُقَلِّدِ
يقول ﵀: «وَاعْلَمْ» أي: يا طالب العلم، وهذا يُعَبِّرُ به عن ما قصد إليه في هذه المنظومة، وتصديرُ المؤلِّفِين كلامهم بقول: «اعلم» يدل على أهمية ما يأتي بعده.
قوله: «قَدْ نَظَمْتُ مَسَائِلاً» أي: من مسائل الاعتقاد.
وقوله: «مَسَائِلاً» هي بالتنوين من أجل الوزن، وإلا ف «مسائل» من صيغ منتهى الجموع، وهو لا ينصرف.
وقوله: «لَمْ آلُ فِيهَا النُّصْحَ» أي: لم أُقصِّر فيها، بل اجتهدتُ في نظمها نصحاً للعباد.
وقوله: «غَيرَ مُقَلِّدِ» أي: أنا فيها متَّبِعٌ غير مقلِّد فيها لأحدٍ.
فالناظمُ ﵀ وإن ذكر أنه مقتفٍ لنَهْجِ الإمامِ أحمدَ إلا أنَّه متَّبِعٌ له لا مقلِّدٌ له، وفَرْقٌ بين «الاتباع» و «التقليد».
ف «الاتباع»: هو الموافقة والاقتداء بالسَّلَف الصالح في منهجهم الواضح عن بَيِّنَةٍ ومعرفةٍ وبصيرةٍ بما هم عليه، فالاقتداء بالعالم إنما هو باتباع منهجه - بعد معرفة أنه على الحق - والانتفاع بفهمه وبيانه وروايته، وهذا ليس بتقليد بل هو اتباع.
وأما «التقليد»: فهو قَبول القول بغير حجة، يعني: تقليدٌ أعمى.
стр. 43
فالناظم بهذا يتبرأ من التقليد، وهذا شيءٌ طيِّبٌ، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يكون مقتدياً بالسلف الصالح وبالأئمة المرْضِيِّين على بيِّنَةٍ وعلى بصيرة، لا يكون مقلِّداً لأحدٍ من الناس، فلا يقول بالقول الفلاني لأن الإمام المعيَّن الذي يُعَظِّمُه يقول به، بل عليه أن يكون مُتَّبِعاً لا مقلِّداً، لكن الانتفاع بفهم أولئك الأئمة واستنباطهم ورواياتهم وبيانهم هذا لا بد منه؛ لأن هذا العلم إنما جاءنا من طريقهم، فلا نستبد عنهم بفهمٍ يُخَالِف فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
قال الناظمُ ﵀:
٨ - وَأَجَبْتُ عَنْ تَسْآلِ كُلِّ مُهَذَّبِ … ذِي صَوْلَةٍ يَومَ الجِدَالِ مُسَوَّدِ
قوله ﵀: «وَأَجَبْتُ» أي: في هذا النظم، «عَنْ تَسْآلِ كل مهذَّب» «التَّسْآل» مصدرٌ بمعنى السؤال.
والمعنى: أني أجبتُ في هذا النظم عن سؤال كل طالبِ علمٍ، مُهَذَّبِ الأخلاقِ، مُؤدَّبٌ في طلبه للعلم من حيث قصده ومطلوبه وأسلوبه في السؤال.
وقوله: «ذِي صَوْلَةٍ» يعني: صاحب قوَّةٍ في البيان والمناظرة، مقتدرٍ في ذلك، لا للانتصار للرأي بل لبيان الحق وإظهاره، فهذا هو الذي يمدح في الجدال والبيان والمناظرة والحِجَاج.
وقوله: «يَومَ الجِدَالِ» وقع في بعض النسخ: «عند الجدال» وهي أنسب.
стр. 44
وقوله: «مُسوَّدِ» يعني: ذي سيادة بأخلاقه، وحصافة عقله، وحسن بيانه ومقدرته، ومن كانت هذه صفته كان جديراً أن يتخذه الناس سَيِّداً.
قال الناظمُ ﵀:
٩ - هَجَرَ الرُّقَادَ وَبَاتَ سَاهِرَ لَيلِهِ … ذِي هِمَّةٍ لَا يَسْتَلِذُّ بِمَرْقَدِ
في هذا البيت يثني الناظمُ ﵀ على هذا الصِّنْف من طلَّابِ العلمِ ذَوِي الهِمَمِ العَالِيَةِ، فقال عنهم:
«هَجَرَ الرُّقَادَ» يعني: ترك النَّومَ، والمراد به النوم الفضولي، وأما النوم من حيث هو فلا بُدَّ للإنسان منه، يَسْتَجِمُّ به، ويستعِيدُ به نشاطَه وقوَّتَه.
وقوله: «وبَاتَ سَاهِرَ لَيلِه» فهو يَسْهَرُ لكن لا كَسَهَرِ أكثر النَّاس اليوم، تجدهم يسهرون في الفضول أو على باطلٍ وحرام، وأما هذا فسهره في طلب العلم بالمذاكرة والمجالسة لأهله وبالقراءة واستخراج العلم من مستَودَعَاتِه وخَزَائِنِه التي هي تُرَاثُ العُلَمَاءِ ومؤلفاتهم.
وقوله: «ذِي هِمَّةٍ» يعني: صاحب هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، له طموحٌ وأهدافٌ لا يَقْنَع باليسير ولا بالقليل، بل يسعى في تحصيل معالي الأمور فهو «لا يَسْتَلِذُّ بِمَرْقَدِ» أي: لا يستلذ بالنوم لهذه الهمة العالية والمطلب الكبير الذي يسعى له، فلا يأخذ من النوم إلا بأقل القليل.
وهذا وصفٌ جميلٌ مَلِيحٌ.
стр. 45
قال الناظمُ ﵀:
١٠ - قَومٌ طَعَامُهُمُ دِرَاسَةُ عِلْمِهِمْ … يَتَسَابَقُونَ إِلى العُلَا وَالسُّؤدَدِ
في هذا البيت انتقل الناظمُ ﵀ من وصف هذا النموذج من ذوي الهمم العالية وعاد يعبّر عن المجموعة وعن الجنس فقال عنهم:
«قَومٌ طَعَامُهُمُ دِرَاسَةُ عِلْمِهِمْ» أي: هذا الصنف الذي سبق وصفه في الأبيات السابقة طعامُهُم وغذاؤُهُم هو دراسةُ العلمِ ومذاكرتُه، فهم يتلذَّذُونَ بطلبِ العلمِ والسعي في تحصيلِه، ويتحمَّلون المشاقَّ في سبيلِ ذلك أكثر مما يتلَذَّذُ أصحابُ المطاعمِ والملذَّاتِ بالطعامِ والشرابِ وسائرِ اللذات، فهؤلاء طعامهم غذاءٌ للعقول والأرواح، وأولئك طعامهم غذاءٌ للبطون والأبدان، والفرقُ بين الفريقين كالفرقِ بين الثَّرَى والثُّرَيَّا.
وقوله: «يَتَسَابَقُونَ إِلَى العُلَا» أي: يتسابقون إلى الخيرات، ويتنافسون في تحصيلها، وهذا - ولا شك - مطلبٌ مهمٌّ.
ومن ذلك: المنافسةُ في طلبِ العلم، وفي الأعمال الصالحة، وفي القيام بالمهام العظيمة، فنحن في هذه الدنيا في ميدان تنافس وسباق، فنسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.
وقد أمر الله عباده بالمسابقة إلى الخيرات، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ في موضعين من كتابه [البقرة: ١٤٨، والمائدة: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم (٢١)﴾ [الحديد]، وأمرهم بالمسارعة فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة
стр. 46
مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وأمرهم بالمنافسة فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (٢٦)﴾ [المطففين].
وقوله: «إِلَى العُلَا» أي: إلى المنازل العالية والرتب الرفيعة، وذلك بالأعمال الصالحة النافعة، وبالجهود المخلصة الصادقة.
وقوله: «وَالسُّؤدَدِ» أي: السيادة، ولا ريب أن من آمن واتقى نال السعادة والسيادة، ولا ريب كذلك أن تحصيل العلم النافع من أعظم أسباب السيادة.
فهذه هي سيرة هذا الصِّنْفِ من أهل العلم وطُلَّابِه.
فالناظمُ ﵀ يستثير في هذه الأبيات هِمَمَ طلاب العلم، ويستنهض همم المبتدئين منهم أو المتقاعسين لتحصيل ما سيذكره من مسائل، وما سيقرره من تأصيل.
فهو يستثير هممهم بوصف هذا النوع من طلاب العلم بالجد والاجتهاد وطلب المعالي، والصبر والمصابرة وسهر الليالي.
قال الناظمُ ﵀:
١١ - قالوا: بِمَا عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّهُ؟ … فَأَجَبْتُ: بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ
هذا أول الشروع في المقصود، وقد ذكر الناظمُ ﵀ المسائلَ التي قصد بيانها بطريقة السؤال والجواب، فكل بيت فيه سؤال وجواب.
стр. 47
قوله: «قالوا: بِمَا عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّهُ؟»، «بِمَا» لعل الإشباع هنا للوزن، وإلا فالأصل أن «ما» الاستفهامية إذا دخل عليها حرفُ الجَرِّ - كاللام أو الباء مثلاً - تُحْذَف أَلِفُهَا، فيقال: «بِمَ» و «لِمَ».
و «المُكَلَّف» في اصطلاح الأصوليين هو: الإنسانُ العاقلُ البالغُ.
وهذا الذي ذكره الناظمُ ﵀ هنا هو من جنس قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في «الأصول الثلاثة»: (إذا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياتِه ومخلوقَاتِه).
ولَمَّا ذكر الناظمُ ﵀ السؤال عقَّبه بذكر الجواب فقال: «فَأَجَبْتُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ»، أي: عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّه بالنظر الصحيح المرشِد، وحَذَفَ النَّاظِمُ جملةَ (عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّه) من الجواب اكتفاءً بورودها في السؤال.
وقوله: «بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ»، أي: بنظر العقلِ المستقيمِ المرشِد إلى المطلوب، وذلك بالتفكر في مخلوقات الله ، ولا شك أن النظر والتفكر في مخلوقات الله طريقٌ إلى معرفة الله .
فمعرفة الله تحصل بثلاثةِ طُرُق:
١ - بالفطرة.
٢ - وبالعقل، وذلك بالنظر والتفكر في مخلوقات الله .
٣ - وبالوحي.
стр. 48
لكنَّ المعرفة الحاصلة بالفطرة وبالعقل هي معرفةٌ إجماليةٌ، فالعبدُ يعرفُ رَبَّه بمقتضى الفطرة، فهو مفطورٌ على أنه لا بد له من خالقٍ، بل لا بد لهذا العالم كله من خالق، وهذا أمرٌ فِطْرِيٌّ.
ثم إنَّ النظر في السماوات والأرض والتفكر فيهما مما تحصل به معرفة الله ، فهذا العالم لا بد له من خالقٍ وصانِعٍ، وصانِعُه قادرٌ وحكيمٌ وعليمٌ وهكذا.
ف «النظرُ الصحيحُ» طريقٌ من طُرُقِ المعرفةِ، لكنَّ الطريقَ الأعظم لمعرفة الله معرفةً تفصيليةً هو بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأفعاله الحكيمة المتضمنة للحكمة والعدل والرحمة.
وهذه المعرفة طريقُها الوحي الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب (٥٠)﴾ [سبأ]، ولهذا سمَّى اللهُ الوحيَ الذي بعث به محمَّداً نوراً ورُوْحاً؛ لأنه هو الذي به الإبصار التام، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى].
فقوله: «بِالنَّظَرِ» هذا صحيحٌ، فإنَّه بالنَّظَر والتفكُّر يُعْرَفُ الله ، لكنه ليس هو الطريق الوحيد لمعرفته سبحانه.
وهذه المسألة التي ذكرها الناظم غير مسألة: «أَوَّلُ وَاجِبٍ هو النَّظَرُ» (١)، فنحن وإن قلنا: إنَّ «النَّظَرَ الصَّحِيحَ» طريقٌ إلى معرفة الله
стр. 49
، لكننا لا نقول بأنَّ أوَّلَ واجبٍ على المكلَّف هو «النَّظَر»، أو «القَصْد إلى النَّظَر»، بل هذا قولُ أهل الكلام، وهو قولٌ مُبْتَدَعٌ، بل إنَّ أوَّلَ واجبٍ على المكلَّف هو «الشهادتان» - شهادةُ أن لا إِلَهَ إلا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله ﷺ وهذا هو مذهب أهل السنة في هذه المسألة (١).
قال الناظمُ ﵀:
١٢ - قَالُوا: فَهَلْ رَبُّ الخَلائِقِ وَاحِدٌ؟ … قلتُ: الكَمَالُ لِرَبِّنَا المُتَفَرِّدِ
قوله: «قَالُوا: فَهَلْ رَبُّ الخَلائِقِ وَاحِدٌ؟» هذا هو السؤال، أي: هل ربُّ المخلوقات واحدٌ، أو للمخلوقات أرباباً متعدِّدِين؟
فأجاب الناظم عن هذا السؤال بقوله: «قلتُ: الكَمَالُ لِرَبِّنَا المُتَفَرِّدِ» يعني: أنَّ الكمالَ في الصفاتِ والأفعالِ هو لرَبِّنَا .
وقوله: «المُتَفَرِّدِ» يعني: المتَوَحِّد، فهو سبحانه الفرد الذي لا ربَّ غيره، ولا إله سواه، فهو سبحانه لا شريك له في ربوبيته، ولا في إلهيته،
стр. 50
ولا في أسمائه وصفاته، وهذه كلمةٌ عامَّةٌ، فإذا قلنا: (اللهُ واحدٌ) فمعناه: أنَّه واحدٌ في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته.
فَإنَّ وَصْفَ الله تعالى ب «التفرُّدِ» مطلقاً يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحدٌ في ربوبيته فلا ربَّ غيره، وواحدٌ في إلهيته فلا معبود سواه، وواحدٌ في أسمائه وصفاته فلا شريك له، ولا مِثْل له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله على حَدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى].
وَوَصْفُهُ سبحانه ب «الكمال» مطلقاً يتضمن إثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال، وتنزيهه عن جميع النقائص على وجه الإجمال كذلك.
وجوابُ النَّاظِمِ عن السؤالِ بقوله: «قلتُ: الكَمَالُ لِرَبِّنَا المُتَفَرِّدِ» مفادُهُ أنَّ ربَّ الخلائق واحدٌ لا ربَّ سواه، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ ومليكُه ومالكُه، وهو الإله الحقُّ الذي لا يستحق العبادة أحدٌ سواه.
قال الناظمُ ﵀:
١٣ - قَالُوا: فَهَلْ تَصِفُ الإِلهَ؟ أَبِنْ لَنَا … قُلْتُ: الصِّفَاتُ لِذِي الجَلَالِ السَّرْمَدِ
قوله: «قَالُوا: فَهَلْ تَصِفُ الإِلهَ؟» هذا السؤال معناه: هل تثبتُ لله صفاتٍ؟ «أَبِنْ لَنَا» أي: بَيِّن لنا مذهَبَك، أو بَيِّن لنا الصوابَ في هذه المسألة.
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلْتُ: الصِّفَاتُ لِذِي الجَلَالِ السَّرْمَدِ» يعني: الصفاتُ لله ذي الجلال السرْمَدِ، و «السَّرْمَد» هو: الدَّائِم.
стр. 51
وقوله: «السَّرْمَد»: يحتمل أن تكون صفةً ل «الجلال»، يعني: الجلال الدائم، فصفات الله دائمة، ويحتمل أن تكون صفة لله ، فهو سبحانه الدائم الذي لا يزول، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخِرُ الذي ليس بعده شيء، كما عَبَّر عن ذلك الطحاويُّ في «عقيدته» المشهورة بقوله: (قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاء، دَائِمٌ بِلا انْتِهَاء).
وهذا الجواب من الناظم فيه نوعُ إجمالٍ، وهو جوابٌ مُقْتَضَبٌ، ولعل عذره في ذلك أنه في مقام نظمٍ، بل هو نظمٌ مختصَرٌ، فلا يكون الجواب فيه واضحاً كما ينبغي.
والمهم أنَّنا نأخذ من هذا أنَّ الناظمَ ﵀ يُثْبِتُ الصفات في الجملة، فليس هو من النفاة المعطِّلة كالجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إنه لا تقوم به أيّ صفة، بل هو بهذا الجواب معدودٌ من مُثْبِتَةِ الصِّفَات.
لكن ليُعْلَم أنه إذا قيل: «مُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ» فإنه يدخل فيهم من كان يثبت ولو بعض الصفات كالأشاعرة؛ لأنَّ الأشاعرة والكُلَّابِيَّة هم من المثبتة في الجملة، فليسوا من المعطلة التعطيل العام كالمعتزلة والجهمية.
стр. 52
قال الناظمُ ﵀:
١٤ - قَالُوا: فَهَلْ تِلْكَ الصِّفَاتُ قَدِيمَةٌ … كَالذَّاتِ؟ قُلتُ: كَذَاكَ لَمْ تَتَجَدَّدِ (١)
قوله ﵀: «قَالُوا: فَهَلْ تِلْكَ الصِّفَاتُ قَدِيمَةٌ كَالذَّاتِ؟»، يعني: هل هذه الصفات التي أثبَتَّها - في البيت السابق - قديمةٌ كذاتِه أم لا؟
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلتُ: كَذَاكَ» يعني: أنَّ الأمر كما قلتُم من أنَّ صفات الله قديمة كذاته، ويؤكد الناظم ذلك بقوله: «لَمْ تَتَجَدَّدِ»، فقوله: «لَمْ تَتَجَدَّدِ» شرحٌ وبيانٌ وتأكيدٌ لقوله: «قُلتُ: كَذَاكَ» يعني: الأمرُ كما ذُكِرَ من أنَّ صفات الله كذاته قديمةٌ لم تتجَدَّد.
والمراد ب «القديم» في مثل هذا المقام - مقام الكلام في ذات الله وصفاته - هو الذي لا بداية لوجوده ولم يُسبق بِعَدَم، فالله قديمٌ بهذا الاعتبار، ولكن لا يصح أن يطلق «القديم» باعتباره اسماً من أسماء الله
стр. 53
، وأما على سبيل الإخبار فيصح إطلاقه على الله ، فيقال: (الله قديمٌ) بمعنى: أنه لا بداية لوجوده (١).
وقول الناظم ﵀: «قُلتُ: كَذَاكَ لَمْ تَتَجَدَّدِ» يعني: أن صفاته كذاته قديمةٌ لم تتجدد، وفي هذا الإطلاق نظر، فإن صفات الله نوعان:
١ - صفاتٌ قديمةٌ لا بداية لها كذاته، وهي ما يسمَّى في اصطلاح أهل العلم ب: «الصفات الذاتية»، وهي: الصفات اللازمة لذاته، التي لا تنفك عن ذات الرب، ولا تنفك عنها الذات، ولا تتعلق بها المشيئة، مثل: حياته ، فحياة الله قديمة، وعلمه قديم، وسمعه قديم، فإنَّه سبحانه لم يزل سميعاً، ولم يزل بصيراً، ولم يزل عليماً، ولم يزل عزيزاً، ولم يزل حَيّاً قَيُّوماً … إلخ.
٢ - صفاتٌ فعلِيَّةٌ، وهي: الصفات التي تتعلق بها المشيئة، كما نقول: إنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، وهو يعطي إذا شاء، ويمنع إذا شاء، ويؤتي المُلْكَ مَنْ يشاء وينزعه ممن يشاء، هذه أفعالٌ متعلقةٌ بمشيئته .
стр. 54
ومن الصفات أيضاً: صفاتٌ ذاتِيَّةٌ فعلِيَّةٌ، فهي قديمَةٌ من وجهٍ، حادِثَةٌ من وجهٍ آخَرَ، ومثاله: الكَلامُ والخَلْقُ، فإنَّه سبحانه لم يزل متكلِّماً إذا شاء، لم يَحدُث له أن صار متكلِّمَاً بعد أن لم يكن، ولكن آحاد كلامه تحدث تبعاً لمشيئته؛ ولهذا يُعَبَّر عن هذا بأنَّ الكلامَ قديمُ النَّوعِ حادِثُ الآحاد (١).
فعبارة الناظم مجملةٌ، وهذا الإطلاق غَلَطٌ، وعبارتُه مُشْعِرَةٌ بأنَّه ممن يقول بِقِدَمِ جميعِ الصفات، وأنَّه تعالى لا تقوم به الصفات الفعلِيَّة، أو أنَّ ما يُسَمَّى ب: «الصفات الفِعْلِيَّة» قديمَةٌ لا تتعلق بها المشيئة، فبهذا لا يتضح لنا مذهبه في هذه المسألة.
فهو إما أنه ينتهج منهج الكُلَّابِيَّة القائلين بإثبات صفات فعلية لكن قديمة لا تتعلق بها المشيئة.
أو أنه ينتهج منهج الأشاعرة أو السالمية، وكلُّهم ممن ينفي قيام الأفعال الاختيارية به كالنزولِ، والمجيءِ، وحقيقةِ الاستواء، وما أشبه ذلك.
стр. 55
قال الناظمُ ﵀:
١٥ - قَالُوا: فَهَلْ لله عِنْدكَ مُشْبِهٌ؟ … قلتُ: المُشَبِّهُ في الجَحِيمِ المُوصَدِ (١)
قوله ﵀: «قَالُوا: فَهَلْ لله عِنْدكَ مُشْبِهٌ؟» يعني: هل أنت تقول بأن لله شبيهاً من خلقه؟
فأجاب ﵀ بقوله: «قلتُ: المُشَبِّهُ في الجَحِيمِ المُوصَدِ»، وهذا الجواب مقتضاه أنه يُكَفِّرُ المُشَبِّه، ولذا قال: إنَّ «المُشَبِّه في الجَحِيمِ المُوصَدِ»، أي: في جهنَّم دار العذاب، الموصدة على أصحابها، نعوذ بالله منها.
و «المشَبِّه»: هو الذي يقول: إنَّ صفات الله مثل صفات عباده، فيقول: له سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وحُبٌّ كحُبِّي، ونحو ذلك (٢).
стр. 56
وقد قال بعض أهل السنة: «من شَبَّه الله بخلقه كَفَر، ومن جَحَدَ ما وَصَفَ الله به نفسه فقد كَفَر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيهٌ» (١).
قال الناظمُ ﵀:
١٦ - قالوا: فَأَنْتَ تَرَاهُ جِسْماً؟ قُلْ لَنَا … قُلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ
قوله: «قالوا: فَأَنْتَ تَرَاهُ جِسْمَاً؟ قُلْ لَنَا»، وفي نسخةٍ: «جِسْماً مِثْلَنَا»، أي: هل أنت ممن يقول ويعتقد بأن الله جِسْمٌ؟ «قُلْ لَنَا» أي: بَيِّن لنا.
ثم أجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «قلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ»، وظاهرٌ من جوابه أنَّه ينفي أن يكون اللهُ جِسْماً، وأن من قال: إنَّ الله جسمٌ فإنَّه كَالمُلْحِدِ، هذا جوابه.
ووَصْفُ الله بأنَّه جِسمٌ أو ليس بجسمٍ هو مما لم يتكلم به السلف، ولم يرد في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله ﷺ ذكر هذا اللفظ، لا نفياً ولا إثباتاً، وهكذا أهل السنة لم يتكلموا في ربّ العالمين بمثل هذا، فلم يقولوا: إنَّ الله تعالى جِسْمٌ، ولا إنَّه ليس بجسمٍ، ولا يرتضون إطلاق هذا اللفظ في النفي ولا في الإثبات، وذلك لأمرين:
стр. 57
أولاً: لأنه لم يرد وصف الله بهذا اللفظ، لا نفياً ولا إثباتاً، وهم يقفون مع النصوص.
ثانياً: لأن لفظ «الجسم» لفظٌ مُجْمَلٌ، يحتمل معاني كثيرة، منها ما هو حقٌّ يمكن إضافته إلى الله ، ومنها ما هو باطلٌ لا تجوز إضافته إلى الله .
ف «الجسم» له معنىً لغويٌّ، وهو الجسد والبدن، كما يقولون: الجسم والروح، قال تعالى عن طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وله أيضاً معانٍ اصطلاحيَّةٌ عند المتكلِّمِين، منها: الموجود، والقائم بنفسه، والمركَّب من الجواهر المفردة.
وعلى هذا فلفظ: «الجسم» لفظٌ مجملٌ (١)؛ ولهذا قال أهل السنة: إن من أضاف هذا اللفظ إلى الله نافياً أو مُثْبِتاً، يقال له: ماذا تريد بلفظ «الجسم»؟ فإن أراد حقاً قُبِلَ، وإن أراد باطلاً رُدّ، وإن أراد حقاً وباطلاً وُقِف اللفظُ وفُسِّر، وأُثْبِت ما يجبُ إثباتُه، ونُفِيَ ما يجبُ نَفيُه (٢).
стр. 58
إذاً فنحن لا نطلق هذا اللفظ، ولا يجوز أن نقول: إنَّ الله جسمٌ، ولا إنه ليس بجسمٍ، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا اللفظ وأمثاله من الألفاظ المبتَدَعَة.
وأما طوائف المتكلِّمين فجمهورهم كالجهمية والمعتزلة، بل والأشاعرة أيضاً، كلهم ينفون أن يكون الله جسماً، فهم يطلقون هذا اللفظ على سبيل النفي، وكلام الناظم هنا جارٍ على هذا المسلك.
وعند المعتزلة أن جميع الصفات تستلزم الجسمية؛ ولذلك ينفون جميع الصفات؛ لأنه لو قامت به الصفات لكان جِسْماً.
وأما الأشاعرة فعندهم تفصيلٌ في ذلك، فهم يقولون: إن بعض الصفات تستلزم الجسمية، وبعضها لا يستلزم ذلك، فالصفات التي ينفونها تستلزم التجسيم عندهم، وأما الصفات التي يثبتونها فلا تستلزم التجسيم، وهذا من التناقض الذي يقوم عليه مذهبهم، فإن مذهب الأشاعرة قائمٌ على التناقض والتذبذب والتلفيق.
ويقابل هؤلاء كلهم الكَرَّامِيَّة، فإنهم يُثبِتُون لفظ «الجسم» لله ، ويقولون: «إنَّ اللهَ جِسْمٌ».
وكلُّ هؤلاء - النافي والمُثْبِت - مُبتَدِعٌ، فقول الناظمِ ﵀ وعفا عنَّا وعنه -: «قلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ» لا ندري ماذا تحته، هل يعني ب «المُجَسِّم» مَنْ يُطلق هذا اللفظ على الله ويقول: «إن الله جِسْمٌ» كالكَرَّامِيَّة، أو يعني به مَنْ يصف الله بصفاتٍ هو يرى أن إثباتها تجسيمٌ؟
стр. 59
فمثلاً الجهمية والمعتزلة يَعُدُّونَ الأشاعرة مُجَسِّمَة؛ لإثباتهم بعض الصفات، والأشاعرةُ يَعُدُّونَ أهلَ السُنَّةِ مُجَسِّمَة؛ لأنهم يثبتون ما تنفيه الأشاعرة من الصفات.
فعند الأشاعرة أنَّ من يُثْبِتُ الوجه، أو اليدين، أو القدمين، أو يُثْبِتُ مثلاً النزول، أو المجيء، أو ما أشبه ذلك من الصفات التي ينفونها، يعتبرونه مُجَسِّمٌ.
ف جوابُ النَّاظم فيه إِجمالٌ كثيرٌ، لكن واضحٌ من جوابه أنه يجزم بنفي «الجسم»، فسبيلُه سبيلُ جمهور المتكلمين في نفي «الجسم» عن الله ، ثم إننا لا ندري ما الذي يستلزم التجسيم عنده؟
وقوله: «المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ» المُلْحِد هو: الكافر بالله ، ولعل الناظمَ أراد بهذا أنَّ المُجَسِّم يشبه المُلْحِد في الافتراء على الله وتَنَقُّصِه، وفي وَصْفِ الله تعالى بما لا يليق به، والله أعلم.
قال الناظمُ ﵀:
١٧ - قَالُوا: فَهَلْ هُوَ في الأَمَاكِنِ كُلِّهَا؟ … قُلتُ: الأَمَاكِنُ لا تُحِيطُ بِسَيِّدِي
قوله ﵀: «قَالُوا: فَهَلْ هُوَ في الأَمَاكِنِ كُلِّهَا»، أي: هل الله في كلِّ مكانٍ، حالٌّ في شيءٍ من مخلوقاته؟ كما يقوله فريقٌ من الجهمية الحُلُولِيَّة، الذين يقولون: إن الله بذاته حَالٌّ في كلِّ مكانٍ، تعالى الله عن قولهم عُلوّاً كبيراً.
стр. 60
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلتُ: الأَمَاكِنُ لا تُحِيطُ بِسَيِّدِي»، وهذا الجواب يتضمن نفي الحلول، فالله عظيمٌ، أعظمُ من أن يحيط به شيءٌ من مخلوقاته؛ لأنَّ القول بالحلول يتضمن أنَّ المخلوقات تحوي الربَّ وأنها محيطةٌ به.
وقوله: «لا تُحِيطُ بِسَيِّدَي» أي: بربي، فهو سبحانه السيِّد ذو الصفات العظيمة، وله العظمة والسيادة المطلقة.
فجواب الناظمِ ﵀ يتضمن نفي الحلول، وأنه تعالى لا تحيط به الأماكن، وذِكْرُ «الأماكن» هنا كنايةٌ عن المخلوقات؛ لأنَّ القائلين بالحلول يقولون: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ، يعني: أنَّه في الأرض، وفي السماء، وفي باطن الأرض، تعالى الله عن ذلك وتقدَّسَ.
فإنَّ مطلق هذا القول يقتضي أموراً بشِعَةً قبيحةً، ولهذا رَدَّ عليهم الأئمةُ - كالإمام أحمد (١) - بأنَّ قولهم يتضمن أنَّ الله في البطون، وفي الحُشُوشِ، وفي الأماكن المستَقْذَرة المستَقْبَحَة الرديئة.
وكفى بهذا دليلاً عقلياً على بطلان هذا المذهب الخبيث المنافي للعقل والشرع.
وهنا ينبغي أن يُعلم أن نفي «الحلول» لا يستلزم إثبات «العلو» عند نفاته ؛ لأنَّ منهم من يقول: إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه.
هذا وقد اختلفت النُّسَخ في رواية هذا البيت، فمنها ما تقدم الشرح عليه من قول الناظم: «قُلتُ: الأَمَاكِنُ لا تُحِيطُ بِسَيِّدي»، ووقع في بعض
стр. 61
النسخ مكان هذه الجملة: «فَأَجَبْتُ: بَلْ في العُلُوِّ مَذْهَبُ أَحمدِ»، وهذه الرِّوَاية أدَلُّ على المعنى الحقِّ من الرِّوَاية الأولى؛ لأن فيها التصريح بعلو الله على خلقه دون الرواية الأولى، فهي محتَمِلةٌ، كما سبق التنبيه عليه.
قال الناظمُ ﵀:
١٨ - قَالُوا: أَتَزْعُم أَنْ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى؟ … قُلتُ: الصَّوَابُ كَذَاكَ أَخْبَرَ سَيِّدِي
قوله ﵀: «قَالُوا: أَتَزْعُم أَنْ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى؟» يعني: إذا كنتَ تقول: إن الله تعالى لا تحيط به الأمكنة، فكيف تزعم أنه على العرش استوى؟ يعني: هل تزعم أن الله فوق المخلوقات؟
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلتُ: الصَّوَابُ كَذَاكَ» أي: أنَّ الصواب ما ذُكِرَ، وهو أنه سبحانه مستوٍ على عرشه، استواءً يليق بجلاله وكماله.
وقوله: «كَذَاكَ أَخْبَرَ سَيِّدِي»، أي: كذاك أخبر ربي أنه مستوٍ على العرش.
وقد أخبر الله أنه استوى على العرش في سبعة مواضع من القرآن؛ في سورة: الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد.
في ستَّةِ مواضعَ منها يقول مخبِراً عن خلق السماوات والأرض: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤، والحديد: ٤]، وفي سورة طه قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه].
стр. 62
قال الناظمُ ﵀:
١٩ - قَالُوا: فَمَا مَعْنَى اسْتِوَاه؟ أَبِنْ لَنَا … فَأَجَبْتُهُمْ: هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِيْ
قوله: «قَالُوا: فَمَا مَعْنَى اسْتِوَاه؟» أي: ما معنى أن الله استوى على العرش؟ «أَبِنْ لنا»، أي: وَضِّح لنا وبَيِّن.
وقوله: «فَأَجَبْتُهُمْ: هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِي»، هذا الجواب يتضمن رفض الجواب ورفض السؤال، ومضمونه أن معنى الاستواء غير معلوم.
فقوله: «هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِيْ»، أي: هذا سؤال المتعدي في سؤاله؛ لأن السؤال عن كيفية الاستواء لا يجوز، ولذا قال الإمام مالك في رَدِّهِ على من قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال: (السؤال عنه بدعة) (١).
وأما السؤال عن معنى الاستواء فلا حرج فيه، وليس هو من الاعتداء في السؤال، ولذا قال الإمام مالك ﵀ في جوابه السابق: (الاستواءُ معلومٌ) يعني: أن الاستواء معلومٌ معناه؛ لأنه لفظٌ معروفُ المعنى في اللغة العربية، والقرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيّ، والله خاطبَ عبادَه باللسانِ
стр. 63
الذي يعرفونه كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين (١٩٥)﴾ [الشعراء].
وهذا البيت يمكن أن يؤخذ منه أن الناظمَ ﵀ يذهب في إثبات الاستواء إلى القول بالتفويض، فهو يثبت الاستواء، ولكنه لا يُثبْتُ له معنى معلوماً؛ بل اعتبر السؤال عن المعنى من الاعتداء في السؤال، وهذا مذهب أهل التفويض، فإنهم يقولون: إن نصوص الصفات ليس لها معنى مفهوم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها ألفاظاً من غير فهمٍ لها.
والناظمُ ﵀ في البيت السابق ينفي الحلول، وفي هذا البيت يثبت الاستواء، ولكن المؤسف أنه يمتنع عن تفسير الاستواء، ويقدح في السؤال عن معناه، فهو إذاً يُثْبِتُ لفظ النَّص ويقول: نعم، إن الله مستوٍ على العرش، ولكن من غير تفسيرٍ لذلك؛ لأنه قال لمن سأله عن معنى استواء الله: «فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي».
فيظهر من هذا أنه يثبت الاستواء ولكن لا يُفَسِّرُه بشيءٍ، هذا هو مُحَصَّلُ الجواب، فكأنه يقول: نعم، الواجب أن نقول: إن الله مستوٍ على العرش كما أخبر ، ولكن لا ندري ما معنى استوى، ولا يجوز أن نسأل عن معنى استوى، وهذا غلطٌ، فإنَّه بهذا لا يكون مُثْبِتاً للاستواء على حقيقته، فهو أثبت النصَّ القرآني من غير فهمٍ لمعناه، ومن لم يفهم المعنى فإنه لا يمكن له أن يثبت حقيقة ذلك اللفظ، فهو لم يثبت لله معنى مفهوماً يَصِفُ اللهَ به، بل يقول: الله تعالى استوى على العرش كما أَخْبرَ ولا ندري ما معناه، وهذا خلاف المأثور عن السلف، فقد
стр. 64
جاء تفسير الاستواء بألفاظٍ معروفةٍ: (علا، وارْتَفَعَ، واستَقَرَّ، وصَعِدَ) (١)، وقال الإمام مالك - كما تقدم -: (الاستواءُ معلومٌ)، فلو أنَّ هذا السائل قال للإمام مالك: ما معنى الاستواء؟ لأمكن أن يقول: (علا وارتفع)، ولكن السائل كان مُعْتَدِياً في سؤاله فقال: كيف استوى؟ فأجاب بهذا الجواب المُحْكَم السَّدِيد، قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا رجلَ سُوءٍ) فأمر به فأُخْرِجَ، فاستعظم ﵀ هذا السؤال المُنْكَر؛ لأنَّه تَكَلُّفٌ، وسؤالٌ عما لا سبيل إلى العلم به.
قال الناظمُ ﵀:
٢٠ - قَالُوا: النُّزُولُ؟ فقُلتُ: نَاقِلُهُ لَنَا … قَومٌ هُمُ نَقَلُوا شَرِيعَةَ أَحْمَدِ (٢)
المراد ب «النزول» هنا النزول الإلهي الذي جاءت به النصوص، وتواترت به الروايات، ونقله الثقات، وهو نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ حين يبقى ثلث الليل الآخِر.
стр. 65
فقوله: «قَالُوا: النُّزُولُ؟» أي: ما تقول في نزولِ الربِّ ؟ هل تُثْبِتُهُ؟ أو تتأوَّله كما يقول المعطلة: تنزل رحمتُه، أو ينزل مَلَكٌ من الملائكة، أو نحو ذلك؟
فأجاب بقوله: «قُلتُ: نَاقِلُهُ لَنَا قَومٌ هُمُ نَقَلُوا شَرِيعَةَ أَحْمَدِ»، ومضمون هذا الجواب أن خبر النزول الإلهي إلى السماء الدنيا نقله لنا الرواة الثقات الذين نقلوا لنا الشريعة، فهم الذين نقلوا لنا الصلاة والزكاة والصيام والحج وأحكامها، فكيف نرد حديثاً ونقبل منهم أحاديث؟ لا شك أن هذا تناقض، فلا بد حينئذ من قَبول ما رَوَوْه من الأخبار في النزول الإلهي (١).
وهذا الجواب أيضاً مضمونه أن النزول الإلهي حقٌّ وصدقٌ؛ لثقة النقلة وكثرتهم، فقد نقل حديث النزول جَمْعٌ من أصحاب الرسول ﷺ ، فقد ذكر بعض العلماء (٢) أنه نقله ثلاثون من الصحابة الكرام أو أزيد،
стр. 66
فخبر النزول الإلهي متواترٌ لا مَدْفَعَ له (١).
فأهلُ السنة والجماعة يثبتون النزول حقيقةً، ويقولون: إن الله ينزل كيف شاء إذا شاء.
فليس المراد - عندهم - من قوله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا» (٢) تَنزِلُ رحمتُه، أو ملائكتُه، أو أمرُه، أو نحو ذلك مما يقوله المبتدعة، بل هذا تحريفٌ للكَلِمِ عن مواضعه، إذ كيف يصح أن يقال هذا مع قوله إذا نَزَلَ: «مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ مَنْ يسألني فأعطيه؟ مَنْ يستغفرني فأغفر له؟»، فالملَكُ لا يجوز له أن يقول: «من يدعوني .. من يسألني .. من يستغفرني .. »!!، وكذلك الرحمة ليست شيئاً قائماً بنفسه حتى تتكلَّم، فهذا نصٌّ قاطعٌ بأنَّ الذي ينزل هو الله ، وأنه هو الذي يقول إذا نزل: «من يدعوني … ، من يسألني … ، من يستغفرني … ».
فالناظم أجاب عن السؤال بجوابٍ يتضمَّن أنه ممن يُثبتُ النزول ويُقرُّ به.
стр. 67
والنزولُ صفةٌ فعليَّةٌ بلا شك؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه، فنقول: إنه ينزل إذا شاء، وليس «النزول» عبارةٌ عن شيءٍ، أو عن معنى قائمٍ بالرب لم يزل ولا يزال، بل هو فعلٌ يقوم به إذا شاء كيف شاء.
فالذين ينفون جميع الصفات ينفون صفة «النزول» كغيرها، وهناك من ينفي الصفات الفعلية الاختيارية، ومنها: «النزول» كالأشاعرة، فإنَّ المشهور من مذهبهم هو نفي الصفات الاختيارية، كالنزول، والاستواء، والغضب، والرِّضَا، وهذا يجعلهم يتأوَّلُون صفة النزول بنزول المَلَك، أو نزول الرَّحمة، أو ما أشبه ذلك.
وأما أهل السنة فيثبتون له الصفات الفعلية الاختيارية، ومعنى أنها «اختيارية» يعني: أنها متعلقة بمشيئته سبحانه، فهذا هو ضابط الصفات الفعلية الاختيارية.
قال الناظمُ ﵀:
٢١ - قَالُوا: فَكَيفَ نُزُولُه؟ فَأَجَبْتُهُمْ: … لَمْ يُنْقَلِ التَّكْيِيْفُ لِي في مُسْنَدِ
هذا السؤال متعلق بالمسألة السابقة، وهي مسألة «النزول».
فقال ﵀: «قَالُوا: فَكَيفَ نُزُولُه؟» يعني: إذا كنتَ تُثْبِتُ النزول لله فبيِّن لنا كيف يَنْزِل؟.
فأجابهم بقوله: «فَأَجَبْتُهُمْ: لَمْ يُنْقَل التَّكْيِيْفُ لِي في مُسْنَدِ» أي: إن كيفية نزول الرب لم تُنْقَل لنا في خبرٍ مُسْنَدٍ عن النبيِّ ﷺ ، وما
стр. 68
دام الأمر كذلك فيجب علينا أن نمسك عن الخوض في الكيفية، فنحن نؤمن بنزوله سبحانه ونثبت له ذلك، ولكننا لا نعلم كيفية نزوله إذ لم ينقل لنا ذلك في خبرٍ من الأخبار عن رسول الله ﷺ .
وقوله: «في مُسْنَدِ» أي: في حديثٍ مُسْنَدٍ عن النبي ﷺ .
و «الحديثُ المسْنَدُ» في اصطلاح أهل الحديث (١) هو: الخبر المنقول بسندٍ متصلٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فلا بد فيه من اتصال السند، وأن يكون مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
وهذان البيتان في إثبات صفة النزول، ونفي التكييف، هما من أوضح ما جاء في هذه القصيدة، ففي البيت الأول أثبتَ ﵀ النزول الإلهي الذي نقلته الثقات، وتواتر ذكره عن الصادق المصدوق ﷺ ، وفي البيت الثاني نفى العلم بالكيفية، وهذا هو الواجب في هذه الصفة وفي كل الصفات، الإثبات مع نفي التمثيل ونفي العلم بالكيفية، وهو المراد بقول أهل السنة: «بلا تكييف».
و فرقٌ بين نفي الكيفية، ونفي العلم بالكيفية.
ف لصفات الله كيفيةٌ لا يعلمها غيرُه سبحانه، كما قال الإمامُ مالكٌ وغيرُه: «والكيفُ مجهولٌ»، فلم ينف الكيفية بل نفى العلم بها، فنزول الله له كيفية، لكننا لا نعلمها، واستواؤه سبحانه على العرش له كيفية، ولكننا لا نعلمها، ولهذا قال الإمام مالك في جوابِه المُسَدَّد:
стр. 69
(الاستِوَاءُ مَعْلومٌ، والكَيفُ مَجْهُولٌ) (١)، فالاستواء له معنى معروف في اللغة العربية، والله خاطب عباده بلسانٍ عربيٍّ، فنحن نثبته بمعناه المعروف عند العرب، ولكن كيفية استوائه سبحانه مجهولة لنا، وهكذا نقول في نزوله سبحانه.
فإذا قال القائل: كيف النزول؟ قلنا له: (النزول معلوم) أي: أن له معنًى معقولاً، ف النزول فيه معنى الدُّنُوّ والاقتراب، والله تعالى - وهو فوق سماواته على عرشه - يَقْرُبُ من خلقه إذا شاء كيف شاء، ولا يصح أن نطلق للعقول العنان في التفكير في كيفية نزول الله ، بل لا يجوز أن نفكر في كيفية النزول، وأيضاً لا يجوز أن نفكر في ذات الله سبحانه.
وهنا أصلٌ ذكره أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) وهو: أنَّ «القول في الصفات كالقول في الذات»، ومن هذا الأصل نقول: فكما أنَّه لا يَعْلَم كيف هو إلَّا هو سبحانه، فكذلك لا يعلم كيفية نزوله إلا هو سبحانه، فالعلم بكيفية الصفة فرعٌ عن العلم بكيفية الموصوف.
فمن قال لنا: كيف ينزل الرب ؟ قلنا له: كيف هو؟ فإذا قال: لا يَعْلَم كيف هو إلا هو، قلنا له: فكذلك لا يعلم كيفية نزوله إلا هو.
стр. 70
قال الناظمُ ﵀:
٢٢ - قَالُوا: فَيُنْظَرُ بِالعُيُونِ؟ أَبِنْ لَنَا … فَأَجَبْتُ: رُؤيَتُه لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي
قوله: «قَالُوا: فَيُنْظَرُ بِالعُيُونِ؟» يعني: أفيُنْظَرُ الله سبحانه بالعيون؟ وهذا على تقدير حذف همزة الاستفهام، وهو كثير في لغة العرب.
والمعنى: هل يُنظر الله بالأبصار نظراً حقيقياً؟
وقوله: «أَبِنْ لَنَا» يعني: بيِّن لنا أيها الشيخُ الصوابَ في هذه المسألة، ووضح لنا الحق فيها، وذلك لأن الناس اختلفوا في رؤية العباد لربهم يوم القيامة.
وقوله: «فَأَجَبْتُ: رُؤيَتُهُ» هذا مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول؛ أي: رؤيةُ العِبَادِ لربهم.
وقوله: «لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي» أي: إنَّ رؤيتَه حاصِلَةٌ وَوَاقِعَةٌ يومَ القيامةِ لكل مَنْ هو مهتَدٍ، ف «مَنْ» اسمٌ موصولٌ من صِيَغِ العموم، فتشمل كل مهتدٍ بهُدَى الله، من الأولين والآخرين.
فالمهتدون بهدى الله والسائرون على صراط الله يرون ربهم يوم القيامة رؤيَةً بصريَّةً حقيقيَّةً.
وهذا الجواب من الناظم جوابٌ سديدٌ، لكنَّه مُجْمَلٌ، كما سيأتي.
و الأدلة على إثبات الرؤية معلومةٌ من الكتاب والسنة.
стр. 71
أما الكتاب: ففي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، فقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢)﴾ أي: بَهِيَّةٌ مشرِقَةٌ نَضِرَةٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ يعني: تنظر إلى ربها، وهذا هو الصواب في تفسير هذه الآية (١)، وهذه الآية أصرحُ آيةٍ استدل بها أهلُ السنة على إثبات الرؤية.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، ففي هذه الآية توعَّدَ اللهُ الكفَّارَ بأنَّهم محجُوبُون عن ربِّهم لا يرونَه، فدلَّ ذلك على أنَّ المسلمين على خلاف ذلك، وأنَّهم يرونه وهو راضٍ عنهم، ولهذا قال سبحانه بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، قيل: ينظرون إلى ربهم (٢)، ونظرهم إلى ربهم داخلٌ في هذه الآية على كل تقديرٍ، سواءٌ قيل: إنَّ الآية خاصةٌ بهذا النَّظر، أو شاملةٌ لكلِّ ما يَنْظُرُونَ إليه.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم (٢٤)﴾ [المطففين]، هذه الآية تضمنت ذِكْرَ نضارةِ وجوه الأبرار، ونظرِهم بأبصارهم إلى ربهم، فأشبهت هذه الآيةُ قولَه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة].
ومن الآيات الدالة على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]، قد
стр. 72
فسَّر النبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃ والتابعون «الزيادة» (١) و «المزيد» (٢) في هاتين الآيتين ب: النظر إلى وجهه الكريم .
وأما السنّة: فالأدلة الدالة على ذلك كثيرةٌ شهيرةٌ (٣)، ولهذا قيل: إن السنة متواترة في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم (٤).
стр. 73
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جَرِير بن عبد الله ﵁ قال: كنا جُلُوساً عِنْدَ النبيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ (١) في رُؤْيَتِهِ … » (٢).
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال أُنَاسٌ: يا رَسُولَ اللهِ، هل نَرَى رَبَّنَا يومَ الْقِيَامَةِ؟ فقال ﷺ : «هل تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قال: «هل تُضَارُّونَ (١) في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ليس دُونَهُ سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ الله، قال: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يوم الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ» (٣).
стр. 74
فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس صحواً ليس دونهما سحاب» في هذا تشبيهٌ للرؤية بالرؤية، لا تشبيهُ المرئي بالمرئي.
فالمُشَبَّه: هو رؤية المؤمنين لربهم، والمُشَبَّه به: هو رؤيتهم للشمس والقمر، وذلك أنهم يرونه بأبصارهم من غير إحاطة، ويرونه رؤيةً جَلِيَّةً لا خَفاءَ فيها، ويرونه أيضاً في جهة العلو.
فهذا هو وجه الشبه بين المُشبَّه والمُشَبَّه به، فوجه الشبه بين رؤية المؤمنين لربهم وبين رؤيتهم للشمس والقمر إنما هو من هذه الوجوه، من كونها رؤيةً بصريَّةً واضحةً، ومن غير إحاطةٍ، وفي جهة العلو.
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله يُرى بالأبصار حقيقةً، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عَيَاناً بأبصارهم.
وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة، فقالوا: إنَّه تعالى لا يُرى بالأبصار، وحرّفوا كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وفسّروا الآيات والأحاديث بخلاف ما تدل عليه، واستدلوا على مذهبهم الباطل بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقولِه لموسى ﵇ لما قال له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقد بيَّن أهل العلم بطلان هذا الاستدلال، وبيَّنُوا أنَّ هاتين الآيتين حجَّة عليهم لا لهم؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ هو نفيٌ للإدراك الذي هو الإحاطة، فهو سبحانه لا تحيط به الأبصار، فليس في هذا نفيٌ للرؤية مطلقاً، بل هو نفيٌ للرؤية التي تكون
стр. 75
معها الإحاطة، ولو كان لا يُرى لما صحَّ نفيُ الإدراك، فلا يصح أن يقال حينئذٍ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، بل يُقال: (لا تَرَاهُ الأَبْصَارُ)، فلما نفى إدراك الأبصار له دلَّ على أنه يُرى لكن من غير إحاطة، فالأبصار لا تحيط به سبحانه؛ لكمال عظمته .
وهكذا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فقد زعم المستدلون بهذه الآية على نفي الرؤية بناء على أنَّ «لن» تدل على التأبيد، يعني: لن تراني أبداً.
وقد ردَّ المحقِّقُون من أهل اللُّغَة القول بأنَّ «لن» تفيد التأبيد، كما قال ابن مالك في «الكافية»:
وَمَنْ يَرَى النَّفْيَ بِ «لَنْ» مُؤبَّدَا … فَقَولَهُ ارْدُدْ وَخِلَافَهُ اعْضُدَا (١)
فالصحيح أنَّ «لن» تكون للتأبيد ولغير التأبيد، ومما يدل على ذلك قوله في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ يعني: الموت ﴿أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فاجتمع في هذه الآية «لن» مع ذكر التأبيد، وقد أخبر أن أهل النار يتمنون الموت كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُون (٧٧)﴾ [الزخرف]، فعُلم أن النفي في آية البقرة - وهو نفي تمنيهم الموت - إنما هو في الدنيا، بدليل تمنيهم الموت في الآخرة بعد دخولهم النار كما في آية الزخرف.
وأيضاً فإنه تعالى لو كان لا يُرى أبداً لم يقل لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولقال له: (إني لا أُرى)، وفرقٌ بين اللَّفظين، فإنَّ قوله: ﴿لَنْ