الْإِشَارَةُ فِي أُصُول الْفِقْه
تأليف
القَاضِي أبي الْوَلِيد سُلَيْمَان بن خَلَف بن سَعد بن أَيُّوب الْبَاجِيّ الذَّهَبِيّ الْمَالِكِي
الْمُتَوفَّى سنة ٤٧٤ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي
هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي المالكي الأندلسي الباجي.
وُلِد في مدينة بطليوس يوم الثلاثاء، النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة [٤٠٣ هـ].
قال أبو علي الغسانيّ: سمعت أبا الوليد يقول: مولدي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة.
ويُنسَب أبو الوليد إلى باجة الأندلس، وقد توهم اليافعي المتوفّى سنة ٧٦٨ هـ فذكر أنه منسوب إلى باجة إفريقية خلافًا لمن سبقه كأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، والحافظ أبو موسى الأصبهاني وابن خلكان، والحميري، والمقري وصديق حسن خان.
ورحل أبو الوليد الباجي إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة ولازم الحافظ أبو ذر الهروي فيها بمكة.
ثم رحل إلى بغداد ولقي الشيخ أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي، والصيمري، وغيرهم.
وذهب إلى الشام وسمع من ابن السمسار، وذهب إلى مصر وسمع من أبي محمد بن الوليد وغيره، وذهب الموصل ودرس على الشيخ السمناني الفقه، والأصول، والكلام.
ونقل ابن خلكان وابن كثير أنه تولى قضاء حلب، ثم عاد إلى الأندلس زاهدًا في دنياه وكان يتولى ضرب ورق الذهب، ويعضد الوثائق، قال القاضي عياض: ولقد
стр. 3
حدّثني ثقة من أصحابه، والخبر في ذلك مشهور، أنه كان حينئذ يخرج إلينا إذا جئنا للقراءة عليه، وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه، وعرف، وشهدت تآليفه، فعرف حقه، وجاءته الدنيا، وعظم جاهه، وقربه الرؤساء، وقدره قدره، واستعملوه في الأمانات، والقضاء، وأجزلوا صلاته، فاتسعت حاله وتوفر كسبه حتى مات عن مال وافر. مصنفاته:
١ - كتاب المنتقى شرح الموطأ [ط/ السعادة القاهرة].
٢ - الإشارة [وهو كتابنا].
٣ - الحدود [وهو كتابنا أيضًا].
٤ - الإيماء في الفقه.
٥ - التسديد إلى معرفة التوحيد.
٦ - السراج في الخلاف وغيرها.
٧ - سبيل المهتدين.
توفي ﵀ في المَرِّية وهي مدينة بالأندلس، واختلفوا في سنة وفاته: فالأكثر على أنه توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة [٤٧٤ هـ] وهو قول القاضي عياض [ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٨]، وابن بشكوال [الصلة ١/ ١٩٩] والضبي [بغية الملتمس ص/ ٢٨٩]، وابن خلكان [وفيات الأعيان ١/ ٢١٥] والذهبي [تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٨٢]، واليافعي [مرآة الجنان ٣/ ١٠٨]، وابن كثير [البداية والنهاية ٢/ ١٢٢]، وابن عساكر [صفة جزيرة الأندلس ص/ ٣٦]، وغيرهم.
وذهب البعض إلى أنه توفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة [٤٩٤ هـ] وهو قول ياقوت [معجم الأدبار ١١/ ٢٤٩]، والصلاح الكتبي [فوات الوفيات ١/ ٢٢٤]، وابن فرحون [الديباج المذهب ص/ ١٢١] (١).
ولذا اعتمدنا قول الأكثر، واللَّه أعلم.
_________
(١) انظر/ ترجمته في: ترتيب المدارك [٤/ ٨٠٢]، الصلة لابن بشكوال [١/ ١٩٧]، فوات الوفيات [١/ ٢٢٤]، مرآة الجنان [٣/ ١٠٨]، البداية والنهاية [٢/ ١٢٢]، النجوم الزاهرة [٥/ ١١٤]، نفح الطيب [١/ ٣٥٤]، هدية العارفين [١/ ٣٩٧].
стр. 4
وصف المخطوط
لقد اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب بالإضافة إلى النسخة المطبوعة بالمطبعة التونسية سنة ١٣٤٤ هـ، ومطبعة التلبسي بتونس ١٣٦٨ هـ، والمنار بتونس، وما طبع على هامش قرة العين للشيخ الخطّاب في مصر وبيروت والهند على: النسخة الأزهرية بمكتبة الأزهر تحت رقم ١٧٠ خصوص وتقع في [١٤٥ ق] مسطراته مختلفة.
ونرجو من طلبة العلم العفو، والدعاء لنا، على هذا العمل الضعيف الحقير.
طالب العلم
أبو عبد اللَّه محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الشهير بـ[محمد فارس]
стр. 5
لوحة [أ] من النسخة الخطية من ورقة الأزهرية
стр. 6
ل/ ب/ من نفس الورقة الملصوقة / الأزهرية
стр. 7
اللوحة الأخيرة - النسخة الأزهرية
стр. 8
بَابُ أَقْسَامِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ
أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل: ومعقول أصل، واستصحاب حال.
فأما الأصل: فهو الكتاب والسُّنّة وإجماع الأمة.
وأما معقول الأصل: فهو لَحْنُ الخطاب، وفَحْوَى الخطاب، ومعنى الخطاب، والحصر.
وأما استصحاب الحال، فهو: استْصحاب حال الأصل.
فصل
إذا ثبت ذلك، فالكتاب على ضربين: مجاز وحقيقة.
فأما المجاز (١): فكل لفظ تجوز به عن موضوعه، فعلى أربعة أضرب.
زيادة كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: الآية ١٥٥].
ونقصان: كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: الآية ٨٢].
وتقديم وتأخير: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: الآية ٤].
واستعارة كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ [البقرة: الآية ٩٣].
وكقوله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: الآية ٢٤].
قال مُحَمَّدُ بْنُ خويز منداد من أصحابنا ودَاوُدُ الأَصْفَهَانِيُّ: إِنه لا يصح وجود المَجَاز في القرآن وقد بينا ذلك.
стр. 9
فَصْلٌ
وأَمَّا الحقيقة (١)، فكل لفظ بَقِيَ على موضوعه، فعلى ضربين: مفصّل، ومجمل.
فأما المفصّل فهو ما فهم المراد به من لفظه، ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين: محتمل، وغير محتمل.
فأما غير المحتمل، فهو: النص ما رفع في بيانه إِلى أبعد غاياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨].
فهذا نص في الثلاثة لا يحتمل غير ذلك، فإذا ورد وجب المصير إليه والعمل به إِلا أن يرد ناسخ أو معارض.
فَصْلٌ
المحتمل (٢) فهو احتمال معنيين فزائدًا، وهو على ضَرْبَيْنِ: أحدهما: ألا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، نحو قولك: "لون" للذي يقع على السواد والبياض، وغيرهما من الألوان وقوعًا واحدًا، ليس هو في واحد منها أظهر منه في سائرها، فهذا قال من يلزمك أمره: اصبغ هذا الثوب لونًا، فإِن كان على سبيل التخيُّر، فأيّ لون صبغت الثوب كنت ممتثلًا لأمره، وإن أراد بذلك لونًا بعينه لم يمكنك امتثال أمره إلَّا بعد أن يبيّن اللون الذي أراد، ولا يجوز أن يتأخَّر البيان عن وقت الحاجة إلى امتثال الفعل.
والثاني: أن يكون اللفظ في أحد محتملاته أَظْهَرَ منه في سائرها كأَلْفَاظِ الظاهر والعموم، وغير ذلك.
فَصْلٌ
فأما الظاهر: فهو ما سبق إلى فهم سامعه معناه الذي وضع له، ولم يمنعه من العلم به من جهة اللغة مانع، كألفاظ الأوامر نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: الآية ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: الآية ٥]، فهذا
стр. 10
اللفظ إِذا ورد وجب حمله على الأمر، وإِن كان يجوز أن يراد به الإِباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المَائدة: الآية ٢]، والتعجيز نحو: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء: الآية ٥٠].
والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصل ت: الآية ٤٠].
والتعجب نحو قولك: أحسن يزيد وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: الآية ٣٨]، والتكوين نحو قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: الآية ٦٥] إلا أنه أظهر في الأمر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أَمْرٌ إِلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيُعْدَل عن ظاهره إِلى ما يدل عليه الدليل.
فَصْلٌ
إِذا ثبت ذلك، فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر، وهو على ضربين: وجوب وندب.
فالوجوب: ما كان في تركه عِقَاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: الآية ١١٠] والندب: ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عِقَاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: الآية ٣٣].
إلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب.
فإذا ورد لفظ الأمر عَارِيًا من القرائن وجب حَمْله على الوجوب، إِلا أن يدل الدليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.
وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه، ولا يحمل على وجوب، ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.
وقال أبو الحسينُ بْنُ المُنْتَابِ وأبو الفرج: يحمل على الندب، ولا يُعْدل عنه إلى الوجوب إلا بدليل.
والدليل على ما نقوله قوله -تعالى- لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: الآية ١٢]، فوبخه وعاقبه لَمَّا لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه، ولا وَبَّخَهُ على ترك ما لا يجب عليه فعله.
стр. 11
فَصْلٌ
إذا وردت لفظة "افعل" بعد الحَظر اقتضت الوجوب أَيضًا على أصلها، وقال جماعة من أصحابنا: إِنها تقتضي الإباحة، وبه قال بعض أصحاب الشَّافِعِيّ والدليل على ما نقوله إنا قد أجمعنا على أن لفظ الأمر بمجرده يقتضي الوجوب، وهذا لفظ الأمر مجردًا، فوجب أن يقتضي الوجوب، وتقدم الحظر على الأمر لا يخرجه عن مقتضاه، كما أن تقديم الأمر على الحظر لا يخرجه عن مقتضاه.
فَصْلٌ
الأمر المطلق لا يقتضي الفور وإليه ذهب القَاضِي أَبُو بكرِ البَاقِلانِيُّ، وذكر مُحَمَّد بْنُ خُوَيْزِ مِنْدَاد أنه مذهب المغاربة من المالكية وقال أكثر المالكية، من البغداديين إِنَّه يقتضي الفور.
والدليل على ما نقوله إن لفظة "افعل" لا تتضمن الزمان إلا كتضمن الأخبار عن الفعل للزمان، ولو أَن مخبرًا يخبر أنه يقوم لم يكن كاذبًا إِذا وجد منه قيامه متأخرًا، فكذلك من أمر بالقيام لا يكون تاركًا لما أمر به إِذا وجد منه القيام متأخرًا، فإذا ثبت ذلك، فإن الواجب على التَّراخي حالة يتعيَّن وجوب الفعل فيها، وهو إِذا غلب على ظَنِّهِ فوات الفعل، وتجري إِباحة تأخير الفعل للمكلف مَجْرَى إِبَاحَةِ تعزير الإِمام للجاني، وتأديب المعلّم للصَّبِي إِذا لم يغلب على الظن هَلَاكه، فإِذا غلب على الظن هلاكه حرم ذلك.
فَصْلٌ
إِذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز، ومنع من ذلك القاضي أَبُو مُحَمَّدٍ.
والدليل على ما نقوله إن الأمر بالفعل يقتضي وجوب الفعل وجوازه، والجواز ألزم بالفعل؛ لأنه قد يكون جائزًا، ولا يكون واجبًا ومحال أن يكون واجبًا ولا يكون جائزًا، لأنه مستحيل أن يُؤْمَرَ بفعل ما لا يجوز له فعله.
ومعنى الجائز ههنا ما وافق الشرع.
فإِذا ثبت ذلك ونسخ الوجوب خاصة بقي على حكمه في الجواز؛ لأن النسخ لم يتعلق بالجواز، وإنما يتعلق بالوجوب دونه.
стр. 12
فَصْلٌ
المسافر والمريض مأموران بصيام رمضان مخيَّران بين صومه وصوم غيره.
وقال بعض أصحابنا: المسافر مخاطب بالصوم، دون المريض.
وقال الكَرْخِيُّ: المسافر والمريض غير مخاطبين بالصوم.
والدليل على ما نقوله إن المسافر لو صام أُثِيبَ على فِعْلِهِ وَنَاب صومه عن فرضه، فلو كان غير مخاطب بصومه، لَمَا أُثِيبَ عَلَيْهِ كالحائض لَمَّا لم تخاطب بالصوم لم تُثَبْ عليه [في حال حيضها].
فَصْلٌ
لا خلاف بين الأُمَّة أن الكفار مخاطبون بالإيمان. والظاهر من مذهب مالك ﵀ أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزَّكاة، وغير ذلك من شرائع الإِسلام (١)، وقال مُحَمَّدٌ بْنُ خُوَيزَ مِنْدَاد: لَيْسُوا مخاطبين بشَيء من ذلك.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ [المدثر: الآية ٤٢] إلى قوله تعالى: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: الآية ٤٥] فأخبر اللَّه تعالى أن العذاب حق عليهم بترك الإيمان والصوم والصدقة والصلاة.
فَصْلٌ
إِذا قال الصحابي: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بكذا وكذا أو نهانا عن كذا وكذا وجب حمله على الْوُجُوب وحُكي عن أبي بكر بن داود أنه قال: "لا يُحمل على الوجوب" حتى ينقل إلينا لفظ الرسول ﷺ وما قاله ليس بصحيح، لأن معرفة الأمر لا تعرف من غير طريقة اللغة، وإِذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره، بقول امْرئٍ القَيْسِ والنَّابِغَةِ، فبأن نحتج بقول أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَولَى وَأحَق لكونهما من أفصح العرب، ولما يقترن بذلك من أمور الدين والفضل، واللَّه تعالى أعلم.
مَسَائِلُ النَّهْيِ
الذي ذهب إليه أهل السُّنَّة أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده (٢) والنهي ينقسم إلى قسمين:
стр. 13
نهي على وجه الكراهة، ونهي على وجه التحريم.
إلا أن النهي إذا ورد وجب حمله على التحريم إلا أن يقترن به قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهية، والنهي إذا ورد دل على فساد المنهي عنه، وبه قال جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم.
وقال القاضي أَبُو بكر البَاقِلانِي: لا يدل على ذلك.
والدليل على ما نقوله اتفاق الأمة من الصحابة فَمَن بعدهم على الاستدلال بمجرد النهي في القرآن والسنة على فساد العقد المنهي عنه كاستدلالهم على فساد عقد الربا بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: الآية ٢٧٨].
وينهى النَّبِيُّ ﷺ : "عَنْ بَيعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَب مُتفَاضِلًا" واحتجاج ابْنُ عُمَرَ في تحريم نكاح الْمُشْرِكَاتِ وفساده بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: الآية ٢٢١]، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
أَبْوَابُ الْعُمُومِ وَأَقْسَامُهُ
قد ذكرنا أن المحتمل الظاهر في أحد محتملاته منه على ضربين: أوامر، وعموم.
وقد تكلمنا في الأوامر، والكلام ههنا في العموم، وله ألفاظ خمسة:
منها لفظ الجمع كالمسلمين والمؤمنين والأبرار والفجار، وألفاظ الجنس كالحيوان والإبل، وألفاظ النفي، كقوله: ما آذاني من أحد، والألفاظ الْمُبهَمَة كـ"مَنْ" فيما يعقل، "وما" فيما لا يعقل، و"أى" فيهما، و"متى" في الزمان، و"أين" في المكان، والاسم المفرد إذا دخل عليه الألف والسلام نحو قولنا: الرجل والإنسان والمشرك.
فهذا إِذا ورد اقتضى أمرين:
أحدهما: أن يراد به واحد بعينه، وذلك لا يكون إِلا بقرينة عهدٍ.
والثاني: أن يراد به جميع الجنس، فإذا ورد عاريًا من القرائن حمل على جميع الجنس، والدليل على ذلك اتفاقنا على أنه معرفة ولا بد أن يكون معرفة بالعهد، أو باستيعاب الجنس، فهذا لم يكن عهد حُمِلَ على استيعاب الجنس، وإلا كان نَكِرةً.
стр. 14
ومن ألفاظ العموم والإضافة إِلى ما تصح الإضافة إليه من ألفاظ العموم، كقوله ﵇: "فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ".
فَصْلٌ
فإذا ثبت ذلك وورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة، وجب حملها على عمومها إلَّا أن يدل الدليل على تخصيص شيء منها، فيصير إلى ما يقتضيه الدليل، وقال القاضي أبو بكر: "يتوقف فيها ولا تحمل على عموم، ولا خصوص حتى يدل الدليل على ما يراد به.
وقال أبو الحسن بْنُ الْمُنْتَابِ: يحمل على أقلّ ما تقتضيه الألفاظ.
والدليل على ما نقوله ما قدمناه من كونها معرفة وإنما تكون معرفة إذا اقتضت استغراق الجِنْسِ، فيتميز ما يقع تحتها من غيره ولو لم يرد بها جميع الجنس لكانت نكرة لأنه لا يتميز المراد بها من غيره، إِذ قد بَقِيَ من جنسه ما يقع عليه هذا اللفظ.
ولذلك قلنا: إِن لفظ الجمع إِذا كان نكرة لا يقتضي من جنسه ما لم يرد باللَّفظ.
ولذلك قلنا: إِن لفظ الجمع إِذا كان نكرة لا يقتضي استغراق الجنس، لأنه لو اقتضى استغراق الجنس لكان معرفة.
فَصْلٌ
وَإِذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي على ما يتناوله اللفظ العام، بعد التخصيص على عمومه، أَيضًا يحتج به كما كان يحتجّ به لو لم يخصص بشيء منه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: الآية ٥].
فإن هذا اللفظ يقتضي قَتْلَ كل مشرك، ثم خصّ ذلك بأن منع من قتل من (دفع) الجزية من أهل الكتاب، فبقي الباقي على ما كان عليه من وجوب القتل، يحتج به في وجوب قتل المشركين غير من قد خرج بالتخصيص المذكور.
وكذلك لو ورد تخصيص آخر لبقي باقي اللفظ العامّ على ما كان عليه قبل التخصيص، ويجوز أن يَرِدَ التخصيص والبيان مع اللفظ العام، ويجوز تأخيره عنه إلى وقت فعل العِبادة، ولا يجوز أن يتأخَّر عن ذلك الوقت.
стр. 15
فَصْلٌ
أقلّ الجمع اثنانِ عند جماعة من أصحاب مالك ﵀ وذكر القاضي أبُو بَكْرٍ أنه مذهب مالك.
وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشَّافِعِيّ: أقل الجمع ثلاثة.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: الآية ٧٨] إلى قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: الآية ٧٨] وقوله: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: الآية ١٥].
وحُكِيَ أنه مذهب الخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ، وأنشد في ذلك قول النَّابِغَة: [السريع]
وَمَهْمَيَنْ قَذَفَبَنْ مِرْتَيْنْ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْل ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ
فَصْلٌ
إِذا ورد لفظ الجمع المذكور لم تدخل فيه جماعة المؤنث إلا بدليل، لأن لكل طائفة لفظًا يختص بها في مقتضى اللُّغة.
قال اللَّه : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: الآية ٣٥].
وقال بعض أهل اللغة: إن "الواو" في الجمع السالم تدل على خمسة أشياء: على التذكير، والسَّلامة، والرفع، والجمع، ومن يفعل، فلا يجوز أن يَقَعَ تحته المؤنث إلا بدليل، كما لا يقع تحته مَا لا يعقل إِلا بدليل.
فَصْلٌ
إِذا ثبت ذلك فقد يرد أول الخبر عامًّا، وآخره خاصًّا، ويرد آخره عامًا، وأوله خاصًّا.
فيجب أن يحمل كل لفظ على مقتضاه، ولا يعتبر سواه، وذلك نحو قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨].
وهذا عامّ في كل مطلقة مدخول بها رجعية كانت أو بائنة.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨].
стр. 16
وهذا خاصّ بالرجعيات وما خصّ أوله، وعمّ آخره قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: الآية ١].
فَصْلٌ
إِذا تعارض لفظان خاصّ وعام بني العام على الخاص، سواء كان الخاص متقدمًا أو متأخرًا.
وقال أَبُو حَنِيفَة: إذا كان العام متأخرًا فنسخ الخاص المتقدِّم.
والدليل على ذلك ما روِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" (١).
فاقتضى ذلك نفي كل صلاة بعد العصر، ثم قال: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةَ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (٢).
فأخرج هذا اللفظ الخاصّ الصوات المنسيات من جملة الصلوات المنهي عنها بعد العصر، وقال أبو حنيفة: وإذا كان العام متفقًا عليه، والخاص مختلفًا قدم العامّ على الخاصّ، والدليل على ما نقُوله إن الخاص يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التأويل، والعام يتناول على كل وجه محتمل التأويل، فكان الخاص أولى.
فَصْلٌ
إذا تعارض لفظان على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإِن عُلِمَ التاريخ فيهما نسخ المتقدِّم بالمتأخر، وإِن جهل ذلك نظر في ترجيح أحدهما على الآخر، بوجه من وجوه الترجيح التي تأتي بعد هذا، فإِن أمكن ذلك وجب المصير إلى ما يرجَّح، فإِن تعذَّر الترجيح في أحدهما ترك النظر فيهما، وعدل إلى سائر أدلة الشرع، فما دلّ عليه الدليل أخذ به، وإن تعذر في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة، كان الناظر مخيرًا في أن يأخذ بأي اللفظين شاء الحاظر أو المبيح، إِذ ليس في العقل حَظْر ولا إِباحة.
فَصْلٌ
يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وعليه جمهور الفقهاء، ويجوز تخصيص عموم السنة بالقرآن، وتخصيص عموم القرآن، وخبر الآحاد بالقياس الجليّ
стр. 17
والخفي، لأن ذلك جمع بين دليلين، ومتى أمكن الجَمْع بين دليلين كان أولى من اطِّرَاح أحدهما، والأخذ بالآخر، لأن الأدلة إِنما اقتضت الأخذ بها، والحكم بمقتضاها، فلا يجوز اطراح شيء منه ما أمكن استعماله.
فَصْلٌ
وقد يقع التخصيص بمعان من أفعال النبي ﷺ وإقراره على الحكم، وما جرى مَجْرَى ذلك ولا يقع التخصيص بمذهب الراوي، وذلك مثل ما روى ابْنُ عُمَرَ عن النبي ﷺ أنه قال: "الْمُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفتَرَقَا".
وقال ابْنُ عُمَر: التفريق بالأبدان.
وذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي إِلى أنه يقع التخصيص بذلك.
وذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يقع به التخصيص، وهو الصحيح، لأن الأحكام لا تؤخذ إِلا من قول صاحب الشرع، ولا يجوز أن يطرح قول صاحب الشرع لقول غيره.
فَصْلٌ
هذا الكلام في اللفظ العالمين الوارد ابتداء.
فأمَّا الوارد على سبب فَإِنَّه على ضَرْبَيْن مستقلّ بِنَفْسِهِ، وغير مستقلّ بِنَفْسِهِ.
فأما المستقلّ بنفسه، مثل ما روى النبي ﵇ أَنَّه (سُئِلَ عن بِئْرِ بضَاعَةَ)، فقال: "المَاءُ طَهُورُ لا ينَجِّسُهُ شَيءٌ".
فمثل هذا اللفظ العام اختلف أصحابنا فيه، فروي عن مالك ﵀ أنه يقصر على سببه، ولا يحمل على عمومه، وروي عنه أَيضًا أنه يحمل على عمومه، ولا يقتصر على سببه.
وإليه ذهب إِسْمَاعِيلُ القاضي، وأكثر أصحابنا.
الدليل على ذلك أن الأحكام متعلّقة بلفظ صاحب الشرع دون السبب، لأن لفظ صاحب الشرع لو انفرد لتعلّق به الحكم، والسبب لو انفرد لم يتعلّق به حكم، فيجب أن يكون الاعتبار بما يتعلّق به الحكم دون ما لا يتعلّق به.
стр. 18
وأَمَّا ما لا يستقل بنفسه، فمثل ما سُئِلَ رسول اللَّه ﷺ عن بيع الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ قال: فَلا إِذَا" (١).
فمثل هذا الجواب لا يقتصر على سببه، ويعتبر به في خصوصه وعمومه، ولا خلاف في ذلك.
بَابُ أَحْكَامِ الاسْتِثْنَاءِ
ومما يتصل بالتخصيص ويجري مجراه الاستثناء هو على ضربين:
استثناء يقع به التخصيص.
واستثناء لا يقع به التخصيص، فأما الذي يقع به التخصيص، فعلى ثلاثة أضرب:
استثناء من الجنس.
واستثناء من غير الجنس.
واستثناء من الجملة.
فأما الاستثناء من الجنس، فكقولك: رأيتُ النَّاس إلا زيدًا.
وأما الاستثناء من الجملة فكقولك: رأيت زيدًا إِلا يده.
وأما الاستثناء من غير الجنس، فلا يقع به التخصيص؛ لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما تناولته.
وقال مُحَمَّد بْنُ خُوَيز مِنْدَاد: لا يجوز ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: الآية ٩٢].
والخطأ لا يقال فيه للمؤمن أن يفعله، ولا ليس له أن يفعله، لأنه ليس بداخل تحت التكليف.
وقد قال النابغة [البسيط]:
وَقَفْتُ فِيهَا أصِيلًا كَيْ أُسَائِلَهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إِلا أَوَارِيّ لأيّا مَا أُبَينُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
стр. 19
فَصْلٌ
الاستثناء المتصل في جمل من الكلام معطوف بعضها على بعض، يجب رجوعها إلى جميعها عند جماعة من أصحابنا.
وقال القاضي أبو بكر: فيه مذهب بالوقف.
وقال المتأخرون من أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ: يرجع إِلَى أقرب مذكور إليه، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: الآيتان ٤، ٥].
والدليل على ذلك أن المعطوف بعضه على بعض بمنزلة المذكور جميعه باسم واحد، ولا فرق عندهم بين من قال: اضرب زيدًا وعمرًا وخالدًا، وبين من قال: اضرب هؤلاء الثلاثة، وإذا كان ذلك كذلك، فلو ورد الاستثناء عقيب جملة مذكورة باسم واحد لرد إلى جميعها، وكذلك إِذا ورده عَقِيبَ ما عطف بعضه على بعض، وقد أجمعنا على أن الاستثناء، واقع على جميع الجملة.
بَابُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ (١) وَالْمُقَيّدِ (٢) وَمَا يَتَّصِلُ بِالعَامِّ وَالْخَاصِّ
المطلق والمقيد، ونحن نبيّن حكمهما إن شاء اللَّه.
التقييد يقع بثلاثة أشياء بالغاية والشرط والصفة.
فأما الغاية، فقولك: اضرب عمرًا أبدًا حتى يرجع إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إِلى الحق لاقْتَضَى ضربه أبدًا.
وأما الشرط فكقولك: من جاءك من النَّاس، فأعطه درهمًا، فقيد ذلك بالشرط.
وأما الصفة، فكقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى اللفظ كل قرشي، فإذا ثبت ذلك، وورد لفظ مطلق ومقيد، فلا يخلو من أن يكون من جنس واحد، أو من جنسين، فإن كان من جنس واحد، فلا خلاف في أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأن تقييد الشهادة بالعدالة لا يقتضي تقيُّد رقبة
стр. 20
العتق بالأيمان. وأما إِن وإن من جنسين، فلا يخلو أن يتعلق بسببين مختلفين أو بسبب واحد، فإن تعلق بسببين مختلفين نحو أن يقيد الرقبة في القتل بالأيمان ويطلقها في الظهار، فإنه لا يحمل المطلق على المقيّد عند أكثر أصحابنا إِلا بدليل يقتضي ذلك.
وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشَّافِعِيّ: يحمل المطلق على المقيد من جهة وضع اللُّغة.
والدليل على ما نقوله إن الحكم المطلق غير مقيد، وإِطلاق المقيد يقتضي نَفْي التقيد عنه كما أن تقيُّد المطلق يقتضي نفي الإطلاق عنه، فلو وجب تقيد المطلق، لأن من جنسه ما هو مقيد لوجب إطلاق المقيد، لأن من جنسه ما هو مطلق.
وأما إذا كان متعلِّقين بسبب واحد، مثل أن ترد الزَّكاة في موضع مقيّدة بالسَّوْم، وترد في موضع آخر مطلقة، فإِنَّه لا يجب عند أكثر أصحابنا أَيضًا حمل المطلق على المقيد، ومن أصحابنا من أوجب ذلك، وهو من باب دليل الخِطَاب ثِقَة، وقد أجمعنا على أنه لو قال ذلك لوجب تقليده في تعديله، فكذلك إِذا أرسل عنه.
فَصْلٌ
إذا روى الراوي الخبر وترك العمل به لم يمنع ذلك وجوب العمل به عند أكثر أصحابنا.
وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة، إن ذلك يبطل وجوب العمل به.
والدليل على ما نقوله إن خبر النبي ﷺ إذا ورد وجب على الصحابة وغيرهم امتثاله، إلا أن يدل دليل على نسخه، وليس إذا تركه تارك مما يسقط وجوب العمل به عمن بلغه، ولذلك استدللنا بخبر ابن عباس في أن الأمة إِذا أُعتقت تحت عبد، فخيرت بخبر بريرة أنها عتقت تحت عبد فخيرت، وإن كان مذهب ابن عباس أن بيع الأمة طلاقها.
فَصْلٌ
إذا روى الراوي الخبر، فأنكره المروِيّ عنه، فإن ذلك على ضربين:
أحدهما: أن يتوقف فيه، ويَشك هو.
стр. 21
الثاني: أن يكذب الراوي ويقطع بأنه لم يحدثه، فإما إن شك المروي عنه، فقد ذهب جمهور أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي إلى وجوب العمل به.
ذهب الكرخي إلى أنه لا يجب العمل به.
والدليل على ما نقوله إن نسيانه لا يكون أكثر من موته، وقد أجمعنا على أن موته لا يسقط العمل به، وكذلك نسيانه.
فأما إذا قطع أنه من يحدث به فهو على ضربين أَيضًا:
أحدهما: أن يقول: هو في روايتي ولم أحدث به الراوي، فهذا لا يمنع وجوب العمل به من جهة المروي عنه.
وأما إذا قال: "لم أروه قط"، فهذا لا يجوز الاحتجاج به جملة، لأن المروي عنه إذا كان كذبًا فقد بطل الخبر من جهته، وإن كان صادقًا، فقد بطل الخبر أَيضًا لإخباره أنه لم يروه.
فَصْلٌ
رواية العدل الثبت، الحافظ، المتقين الزيادة في الخبر على رواية غيره معمول بها خلافًا لبعض أصحاب الحديث في قولهم: لا تقبل الزيادة من العدل على الإطلاق ولبعض المتفقه في قولهم: تقبل الزيادة من العدل على الإطلاق، والدَّلِيل على ما نقوله إنه لو شهد شاهدان لرجل على غريمه بألف [دينار]، وشهد شاهدان آخر بألف وخمسمائة أخذنا بالزيادة، فكذلك إذا انفرد بنقل زيادة في الخبر.
فَصْلٌ
يجب العمل بما نقل على وجه الإجازة، وبه قال عامّة العلماء وقال أهل الظاهر: لا يجوز بالإجازة إلا أن تكون مناولة أو أن يكتب إليه المجيز أن الكتاب الفلاني، أو الديوان الفلاني، يعد من ذلك من روايتي عن فلان فاروِ ذلك عني.
والدليل على ما نقوله: إن من كتب إلى غيره أن ديوان الموطأ أو غيره من الكتب المعلومة روايتها على زيد، فاروه عني إذا صح عندك فيحتاج في إثبات كتاب عنده إلى نقل الثقات، ولم يحتاج في تصحيحه كتاب الموطأ العلم بأنه مماثل لأصل المجيز له إلى نقل الثقة أَيضًا، فتحصل به الرواية بعد ثبات ذلك عنده من طريقين.
стр. 22
وإذا قيل له مشافهة: ما صح عندك من حديثي، فاروِه عني لم يحتج في ذلك إلى إخبار ثقة بأن هذا الكتاب رواه المجيز له عن فلان، فلا يحتاج أن يصح ذلك إلا من طريق واحد، ثم ثبت وتقرر، أن في النوع الأول يصح إجازته فبأن تصح هنا أولى وأحرى.
بَابُ أَحْكَامِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ (١)
فأَمَّا النسخ فهو إِزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم بشرع متأخِّر عنه لولاه لكان ثابتًا، وذلك أن الناسخ والمنسوخ لا بد أن يكون حُكمين شرعيين.
فأما الناقل عن حُكْم الأصل الساقط بعد ثبوته وامتثال موجبه، فإنه لا يُسَمَّى نسخًا.
فَصْلٌ
فإِذا ثبت ذلك فإِذا نقص بعض الجملة أو شرط من شروطها، فقد ذهب أكثر الفقهاء إِلى أنه ليس بنَسْخ، وبه قال أصحابنا، وأصحاب الشَّافِعِيِّ، وكذلك الزيادة في النَّصِّ.
وقال أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ: هو نسخ.
وقال القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إن كان النقص من العبادة أو الزيادة فيها بغير حكم المزيد فيه أو المنقوص منه، حتى يجعل ما لم يكن منه عِبَادَة [قائمة] بنفسها عبادة ثابتة وقُرْبَة مستقلة، أو يجعل ما كان عبادة شرعية غير شرعية، فهو نسخ نحو أن يزاد في الصَّلَوات التي هي رَكْعتَان ركعتان أخريان، فهذا يكون نسخًا، لأن الركعتين الأوْلَيَيْن حينئذٍ لا تكون صلاة شرعية، وكذلك إذا ورد الأمر في الصلوات الرُّبَاعية أن تصلّى ركعتين، فإِنه نسخ أَيضًا، لأن الأربع ركعات حينئذٍ لا تكون صلاة، وإِذا لم تغيّر الزيادة، ولا النقصان حكم المزيد عليه، ولا المنقوص منه، فليس بنسخ مثل أن يؤمر في حدّ شارب الخمر بأربعين، ثم يُؤْمَرُ بثمانين، فإِنَّ هذه الزيادة لا تبطل حكم المزيد عليه، لأنه لو ضرب الأربعين بعد الأمر بالثمانين لأجزأت عن الأربعين وبنى عليها إِذا أراد أن يتمّ الثمانين، والذي أمر بأربع فصلّى ركعتين لا تجزيه أن يتم عليها
стр. 23
ركعتين، حتى يبتدأ أربع ركعات، وكذلك لو أمر بجلد ثمانين في الخَمْر، ثم نقص منها، فإنَّه لا يكون نسخًا لجميع الحدّ، وإِنما يكون نسخًا لأربعين فقط.
فَصْلٌ
ذهب جمهور الفقهاء إلى أَنَّ النسخ لا يدخل في الأخبار، وقالت طائفة: يدخل النَّسْخُ في الأخبار، والصحيح من ذلك أن نفس الخبر لا يدخله النسخ، لأن ذلك لا يكون نسخًا، وِإنما يكون كذبًا، لكن إِن ثبت بالخبر حكم من الأحكام جاز أن يدخله النَّسْخ.
فَصْلٌ
يجوز نسخ العبادة بمثلها، وبما هو أخف منها وأثقل، وعليه جمهور الفقهاء، ومنع قوم نسخ العبادة بما هو أثقل منها.
وَالدَّليل على ما نقوله إن اللَّه تَعَالَى قد أوجب على المكلفين ما يشقّ عليهم إيجابه، وحرم عليهم ما يشق عليهم تحريمه، وإِذا جاز أن يبتدئ التعبد بما هو أثقل عليهم من حكم الأصل، جاز أَيضًا أن ينسخ عنهم العبادة بما هو أثقل عليهم منها.
فَصْلٌ
إذا وردت التلاوة متضمنة حُكمًا واجبًا علينا من تحريم، أو فرض أو غير ذلك من العبادات، وأمرنا بتلاوتها، فإِن فيها حكمين:
أحدهما: ما تضمنته من العبادة.
والثاني: ما ألزمناه من حفظها وتلاوتها، وذلك بمثابة ما لو تضمن الخبر حكمين:
أحدهما: صومًا.
والآخر: صلاة، فإذا ثبت ذلك جاز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة وجاز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
فأما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، فهو مثل نسخ حكم التخيير بين الصوم والفدية لمن أطاق الصوم، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ تقدير الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ وإن بقيت التلاوة لذلك كله.
стр. 24
وأما بقاء الحكم ونسخ التلاوة فما تظاهرت به الأخبار من نسخ تلاوة آية الرَّجْمِ، ونسخ الخمس رَضْعَات، وغير ذلك مما بقي حكمه بعد نسخ تلاوته.
فَصْلٌ
يصح نسخ العبادة قبل وقت الفعل وعلى ذلك أكثر الفقهاء.
وقال أبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِي وبعض أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ: لا يصح نسخ العبادة قبل وقت الفعل.
والدليل على ذلك ما أمر به إِبرَاهيمُ ﵇ من ذَبْح ولده، ثم نسخ عنه قبل فعله.
وأيضًا فقد ذكرنا أن النَّسخ إنما هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم، وإذا خرج وقت العبادة، فلا يخلو أن يكون فعلها أو لم يفعلها، فإن كان فعلها، فلا يحتاج إلى النسخ، لأن المأمور به قد امتثله، وإن لم يكن فعلها، فلا يصح النسخ أَيضًا؛ لأنه لا يقال له: لا تفعل أمس كذا، لأن الفعل فيما مضى غير داخل تحت التكليف فعله ولا تركه فلا يصح النسخ إلا قبل انقضاء وقت العبادة.
وأما إِسْقَاط مثل العبادة في المستقبل، فليس بنسخ لنفس المأمور به، وإِنما هو إِسقاط لمثله.
فَصْلٌ
لا خلاف بين أَهْل العلم في جواز نسخ القرآن بالقرآن (١)، والخبر المتواتر بمثله، وخبر الواحد بمثله.
وذهب أكثر الفقهاء إِلى أنه يجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر، ومنع من ذلك الشَّافِعِيُّ والدليل على ذلك أن القرآن والخبر المتواتر كلاهما شرع مقطوع بصحته، واِذا جاز أن ينسخ القرآن بالقرآن جاز أن ينسخ بالخبر المتواتر، ومما يبين ذلك أن قوله : ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٠] منسوخ بقوله ﵇: "إِن اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقَّه فَلا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ".
فَصْلٌ
ويجوز عند جمهور الفقهاء نسخ السُّنَّة بالقرآن، ومنع من ذلك الشافعي.
стр. 25
والدليل على ذلك ما ورد من القرآن، بصلاة الخوف بعد أن ثبت بالسنة تأخيرها [يوم الخندق] إِلى أن يَأْمَنَ نسخت، ونسخ التوجُّه لبيت المقدس بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: الآية ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [المُمتحنة: الآية ١٠]، بعد أن قرر ﵇ رد من جاءه من المسلمين إِليهم.
فَصْلٌ
يجوز نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد، وقد منعت من ذلك طائفة.
والدليل على ذلك ما ظهر من تَحَوُّلِ أَهْلِ "قِبَاء" إلى الكعبة بخبر الآتي فقد كانوا يعلمون استقبال بَيْت المقدس مِن دين النبي ﵇ ضرورة إِلا أنه لا يجوز ذلك بعد زمان النبي ﵇ للإجماع على ذلك.
وأما القياس فلا يصح النسخ به جملة.
فَصْلٌ
ذهبت طائفة من أصحابنا وأصحاب أَبِي حَنِيفَةَ والشَّافِعِي إِلَى أن شريعة مَنْ قبلنا لازمة لنا إِلا ما دَلَّ الدليل على نسخه.
وقال القاضي أَبُو بَكْرٍ وجماعة من أصحابنا بالمنع من ذلك.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: الآية ٩٠]، فأمر باتباعهم وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: الآية ١٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: الآية ١٣].
وما رُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاة أَوْ نَسِيهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"، فإن اللَّه : يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: الآية ١٤]، وإنما خوطب بذلك موسى ﵇ فأخذ به نَبيُّنَا ﵇.
بَابُ الإِجْمَاع وَأحْكَامِهِ
إجماع الأُمَّة على حكم الحادثة دليل شَرْعِي، فيجب المصير إلى ما اجتمعت عليه، والقطع بصحّته خلافًا للإمامية.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿مَصِيرًا﴾ [النساء: الآية ١١٥].
стр. 26
فتوعّد اللَّه على اتِّبَاع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمرًا باتباع سبيلهم.
فَصْلٌ
فإذا ثبت ذلك فالأُمَّة على ضربين: خاصة وعامة، فيجب اعتبار أقوال الخاصة، والعامة فيما كلّفت العامة والخاصة معرفة الحكم فيه.
فأما ما ينفرد الحكام والفقهاء بمعرفته من أحكام الطَّلاق والنكاح والبيوع والعِتْقِ والتدبير والكتابة والجنايات والرهون، وغير ذلك من الأحكام التي لا عِلْمَ للعَامَّةِ بها، فلا اعتبار فيها بخلاف العامّة، وبذلك قال جمهور الفقهاء.
وقال القاضي أَبُو بَكْرٍ: يُعْتبر بأقوال العامّة في ذلك كلّه.
والدليل على ما نقوله: إن العامَّة يلزمهم اتباع العلماء، فيما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من تقدمهم، بَلْ حال أهل العصر الثاني أفضل، لأنهم من أهل العلم والاجتهاد.
ثم ثبت أنه لا اعتبار بقول أهل العصر الثاني، مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول فبأن لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى.
فَصْلٌ
لا ينعقد الإجماع إلا باتفاق جميع العلماء، فإِن شذَّ منهم واحد لم ينعقد الإجماع.
وذهب ابْنُ خُوَيز مِندَاد إِلى أن الواحد والاثنين لا يعتد بهم.
والدليل على ما نقوله قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: الآية ١٠]، وقد وجد الاختلاف.
فَصْلٌ
إِذَا أجمع العلماء على حكم حادثة انعقد الإِجماع، وحرمت المخالفة، ولا اعتبار في ذلك بانقراض العصر، وعلى هذا أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم.
وقال أَبُو تَمَّام البَصْرِيُّ من أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي لا ينعقد الإجماع إلا بانقراض العصر.
стр. 27
والدليل على ذلك أن حُجَّة الإِجماع لا تخلو بأن تثبت بالإجماع أو بانقراض العصر أو بهما، ولا يجوز أنْ تثبت بانقراض العصر، لأنه ليس بقول ولا حجة، ولأن ذلك يوجب أن يكون الاختلاف حجة مع انقراض العصر.
ولا يجوز أن يكون انقراض العصر والاتفاق جميعًا حجة، لأن كل واحد منهما بانفراده إِذا لم يكن حُجَّة، فبإضافته إِلى الآخر لا يصير حُجَّة، فلم يبق إِلا أن يكون الاتفاق حُجَّة، وذلك موجود مع بقاء العصر.
فَصْلٌ
إجماع أهل كل عصر حُجَّة، هذا قول جماعة الفقهاء غير دَاوُدَ بْنِ عَليّ الأصْبَهَانِيِّ، فإنَّه قال: إِجماع عصر الصحابة حجة دون إِجماع المُؤْمنين في سائر الأعصار.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: الآية ١١٥].
فإِذا ثبت أن غير الصحابة يشارك الصحابة في هذا الاسم، وجب أن يثبت لهم هذا الحكم إن يدل دليل على اخْتِصَاصِ الصحابة.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِجْمَاع أَهْلِ المدينة، فقد أطلق أصحابنا هذا اللفظ، وإنما عوّل مالك ﵀ ومحققو أصحابه على الاحتجاج بذلك فيما طريقه النَّقل كمسألة الأذان، والصاع، وترك الجهر بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم في الفريضة، وغير ذَلِكَ من المَسَائِل التي طريقها النقل، واتصل العمل بها في المدينة على وجه لَا يخفي مثله، ونقل نقلًا متواترًا، وإنما خُصَّت المدينة بهذه الحجة دون غيرها من (سائر) البلاد، لأنها كانت موضع النُّبُوَّةِ، ومستقر الخلافة والصحابة بعده ﷺ ولو تهيأ مثل ذلك في سائر البلاد لَكَان حكمها كذلك أَيضًا.
فَصْلٌ
وَإِذا قال الصحابي قولًا وحَكَمَ بِحُكْم فظهر ذلك، وانتشر انتشارًا لا يخفي مثله ولم يعلم له مخالف، ولا سمع له منكر، فإنه إِجْمَاع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحابنا وأصحاب أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيّ.
وقال القَاضِي أبُو بَكْرٍ: لا يكون إِجْمَاعًا حتى ينقل قول كل واحد من الصحابة في ذلك كلهم وبه قال دَاوُدُ.
стр. 28
والدليل على ما نقوله إن العادة جارية بأنه لا يَجوزُ أن يسمع العدد الكثير والجمع الغفير الذين لا يصح عليهم التواطؤ على الكذب والتشاجر قولًا يعتقدون خطأه وبطلانه ثم يمسك جميعهم على إنكاره وإظهار خلافه بل كلهم يُسرع إلى ذلك ويسابق إليه.
فإذا ظهر قول وانتشر، وبلغ أقاصي الأرض، ولم يعلم له مخالف علم أن ذلك السكوت رضا منهم به وإِقرار عليه لما جرت به العادة، ولو لم يصح إجماع، ولا ثبتت به حُجّة إِلا بعد أن يروي الاتفاق على حكم الحادثة عن كل واحد، من أهل العلم في عصر الإجماع، لبطل الإجماع وبطل الاحتجاج به لاستِحَالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول والفروع، كما لا يُعْلَم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث بل أكثر العلماء لا يعلم بوجودهم في العالم.
فَصْلٌ
إِذا اختلف الصحابة على قولين لم يَجُزْ إِحداث قول ثالث، هذا قَوْل كافَّة أصحابنا وأصحاب الشافعي.
وقال دَاوُدُ يجوز إِحداث قول ثالث، والدليل على ما نقوله إنهم إِذا أجمعوا على قولين فقد أجمعوا على أنَّ ما عدا القولين خطأ، وإِنما اختلفوا في تعيُّن الحقِّ في أحدهما، ولم يختلفوا في أن ما عداهما خطأ، فمن قال بغيرهما، فقد صوَّب ما أجمعت عليه الصَّحابة على أنه خطأ.
فَصْلٌ
يصحّ أن ينعقد الإجماع على حكم من جهة القياس في قول كافَّة الفقهاء.
وذهب ابْنُ خُوَيزِ منْدَاد إِلى أن ذلك لا يصح وجوده، ولو وجد لكان دليلًا.
وقال دَاوُدُ: لا يصحّ ذلك، وهذا مبني عنده على أن القياس ليس بدليل، وسيأتي الكلام على ذلك إِن شاء اللَّه.
بَابُ الْكَلامِ فِي مَعْقُولِ الأَصْلِ
قد ذكرنا أن أدلة الشَّرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل.
стр. 29
وقد تقدم القول في الأصل، والكلام هنا في معقول الأصل.
وهو ينقسم على أربعة أقسام: لحن الخطاب، وفَحْوَى الخطاب والحَصْر، ومعنى الخطاب.
فأما لحن الخطاب: فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إِلا به، وهو مأخوذ من اللَّحْن، وهو ما يبدو في عرض الكلام من معناه، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤].
معناه: فأفطر، فعدّة من أيام أخر، فهذه حجة يجب المصير إليها والعمل بها، وقد يلحق بذلك ما ليس منه، وهو ادعاء ضمير يتم الكلام دونه نحو استدلالنا على أن العَظْم نحله الحَيَاة لقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: الآية ٧٨]، فيقول الحنفي المراد بذلك: مَنْ يحيي أصحاب العظام، فمثل هذا لا يجوز تقديم مُضْمَر إِلا بدليل استقلال الكلام دونه.
فَصْلٌ
وأما الضرب الثاني، وهو فَحوى الخطاب، فهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم لعرف اللغة، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: الآية ٢٣].
فهذا يفهم منه من جهة اللغة المنع من الضَّرب والشَّتم، ويجري مجْرى النص على ذلك، فوجب العمل به، والمصير إليه.
فَصْلٌ
وأما الضرب الثالث وهو الحَصْر، فله لفظ واحد، وهو "إِنما" وذلك قوله ﵇: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
فظاهر هذا اللفظ يدل على أن غير المعتق لا وَلاءَ له وقد يرد له، وقد يرد مثل هذا اللفظ لتحقيق المنصوص عليه، لا لنفي ما سواه نحو ذلك: "إِنما الكريم يُوسُف"، "وإِنما الشجاع عَنْتَرةُ" "ولم يرد نفي الكريم يُوسُف"، و"إِنما الشجاع عَنْتَرةُ" ولم يرد نفي الكرم من غير يوسف، ولا نفي الشجاعة من غير عنترة وإنما أراد إثبات ذلك ليوسف ﵇ وأن يجعل له مزية في الكَرَم على غيره إلا أن الظاهر ما بدأنا به أولًا، فلا يعدل عنه إِلا بدليل.
стр. 30
فَصْلٌ
ومما يلحق بذلك ويقرب منه عند كثير من الناس دليل الخطاب، وهو أن يعلّق الحكم على معنى في بعض الجنس، فيقتضي ذلك عند القائلين به نَفْيَ ذلك الحكم عمن لم يكن له ذلك المعنى من ذلك الجنس، نحو قوله ﷺ : "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ".
فيقتضي ذلك نفي الزكاة عن غير السَّائمة، فهذا النوع من الاستدلال يسمّى عند أهل النظر دليل الخطاب، وقد ذهب إِلى القول به جماعة من أصحابنا، وأصحاب الشافعي، ومنع منه جماعة من أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وأَبُو حنيفة، وهو الصحيح، لأن تعليق الحكم بالصفة في بعض الجنس يفيد تعليق ذلك الحكم بما وجدت فيه تلك الصفة خاصة، ويبقى الباقي في حكم المسكوت عنه يطلب دليل حكمه في الشرع، يدلُّ على ذلك ما روى البُخَاريُّ عن الشَّيبَانِيِّ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن الجَرِّ الأخْضَرِ قلت: أَشْرَبُ في الأَبْيَضِ؟ قال: لا) (١).
فوجه الدليل: منه أنه نصّ على الجَرِّ الأخضر، ثم ذكر أن حكم الأبيض حكمه، وهو من أهل اللسان.
ولو جاز التعليق بدليل الخطاب لوجب أن يحكم له بالمخالفة، وإن تعلّق الحكم بالجَرِّ الأخضر خاصّة.
بَابُ أَحْكَامِ الْقِيَاسِ
وأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس، وَحَدُّهُ: حَمْلُ أحد المعلومين على الآخر في إثبات حكم، أو إسقاطه بأمر جامع بينهما، وهو دليل شرعي عند جميع العلماء.
وقال دَاوُدُ: يجوز التعبُّد به من جهة العقل، إِلا أن الشرع منع منه.
والدليل على ما ذهب إِليه جماعة أهل العلم قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢].
стр. 31
والاعتبار في اللغة تمثيل الشيء بالشيء، وإِجراء حكمه بحكمه، ولذلك يقال: عَبَّرت الدنانير والدراهم أى: قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال عن الْمُفَسِّر للرؤيا، مُعَبَّر، وعَبَرْت الرؤيا أى: حكمت لها بحكم ما يماثلها، وقستها بما يُشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إِنما جئت بألفاظ تطابق معانيه، وتماثلها، ويقاس بها دليل ثان.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨].
ونحن نجد أحكامًا كثيرة ليس لها ذكر في القرآن، ولا في سنة رسول اللَّه ﷺ .
مثل رجل له دينار وَقعت في مَحْبَرة لغيره، فلم يستطيع إِخراجه ومثل ثوب أبيض وقع لرجل في قِدْر لصَبَّاغ فكمل صَبْغُهُ، وحسن، وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية نص على حكم حادثة القرآن، وإنما أراد به نصًّا فيه على بعض الأحكام، وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها.
فمن الأدلة التي أحال على الأحكام بها القياس، لأنَّا نجد أحكامًا أكثر لا طريق إلى إثباتها إلا بالقياس والرأي كالأحكام التي ذكرناها وما شاكلها، ومما يدلّ على ذلك من السُّنَّة قوله ﵇ لعمر حين سأله عن القُبْلَةَ للصَّائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمضمضت أَكَانَ عَلَيْكَ من جِناح؟ قال: لا ففيم إذًا؟ " (١).
وقوله ﵇ للخثعميَّة: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنُ أَكُنْتِ تَقْضِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى" (٢).
وقوله أَيضًا للذي أنكر لون ابْنِهِ: "هَلْ لَكَ من إِبَلٍ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْر قال: هَلْ فِيهَا من أَورْقَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: عِرْقٌ نَزَعَهُ قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ" (٣).
стр. 32
وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، ومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- اختلفوا في مسائل كثيرة جرت بينهم فيها مناظرات مشهورة، ومراجعات كثيرة كاختلافهم في توريث الجَدّ مع الإخوة واختلافهم في الحرام والقَوْل في الظَّهَار (١) والعدة، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يحتمل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، ولا يرد ذكر لحكمها جملة، وششحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل أو ظاهر يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسَارَعَ المخالف إليه الموافق له، وانقطع الخلاف، وثبت الإجماع على الحق، ويستحيل أن فيها نصًّا، فيذهب على جميعهم، لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز هذا، ولو جاز ذلك لجاز أَيضًا أن يذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين، ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويل، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقر العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي تعلق به، وليس احتجاجه عليه، ولا يعدل عند المناظرة، ولا يحتج بالرأي والقياس، لأن المستدلّ والمحتج إنما يحتجّ بما ثبت عنده به الحكم، وقصد إثبات الحق إِلى ما ليس بدليل، ولا حجة عنده، ولا عند خَصْمِهِ ولمَّا رأينا كل واحد منهم احتجّ في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف علمنا إِجماعهم على القول بصحّة القياس والرأي ومما يدل على ذلك إجماع الصحابة على أحكام كثيرة من جهة القياس والرأي، كإجماعهم على إِمامة أَبِي بَكْرٍ بالقياس، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه، ومن ذلك خبر عُمَرَ بْنِ الخَطابِ ﵁ إذ خرج إلى "الشام" بأصحاب النبي ﵇ فَلَمَّا بلغ "سرغ" بلغه أن الوباء نزل بالشام فاستشار الْمهَاجرين الأَوَّلين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال: أرى ألا نفر من قَدَرِ اللَّه، ومنهم من قال: لا تقدَّم ببقية أصحاب رسول اللَّه ﷺ على الوباء، ثم دعا الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين، ثم دعا مَنْ حضر من مَشْيَخَةِ قريش في مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن أحد منهم ذكر في ذلك آية من كتاب اللَّه -تعالى- ولا حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ بل أشار كل واحد منهم برأيه، وما أداه إِليه اجتهاده، ولم ينكر عليه أحد فعله، وقال عمر ﵁: إِني مصبح على ظهر
стр. 33
فأصبحوا عليه، فقال أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا من قَدَرِ اللَّه يَا عمر: قال لهُ عُمَرُ: لو غيرك قالها يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نعم نفر من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه، أرأيت لو كان لرجل إِبل في وَادٍ له عدوتان: إِحداهما خِصْبَة، والأخرى جَدْبة، أليس إن رعى الجَدبة رعاها بقدر، وَإن رَعَى الخِصْبَة رعاها بقدر اللَّه فاعترض عليه أَبُو عُبَيْدَة بالرأي وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب اللَّه ولا بِسُنَّة رسوله ﷺ ولا إِجماع ثم شاعت هذه القصة وذاعت، ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي، وما أعلم أَنَّ مسألة يدعى بالإجماع فيها أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.
فَصْلٌ
فإِذا ثبت أن القياس دليل شرعي، فإنَّه يصح أن يثبت به الحدود والكَفَّارات والمقدَّرات والأبدال.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يجوز أن يثبت شيء من ذلك بالقياس، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الآية عامّة في الأمر بالاعتبار، فلا يجوز أن تخصَّ إِلا بدليل.
فَصْلٌ
العلة الواقعة عندنا صحيحة نحو علّة منع التفاضل في الدَّنانير والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان وَقِيَم المُتْلِفَات.
وقال أصحاب أبي حَنِيفَةَ: ليست بصحيحة.
والدليل على ما نقوله إنَّ القياس أمارة شرعيَّة، فجاز أن تكون خاصَّة وعامَّة كالخبر.
فَصْلٌ
ذكر مُحَمَّدٌ بْنُ خُوَيْز مِنْدَاد أنَّ معنى الاستحسان (١) الَّذِي ذهب إليه بعض أصحاب مالك ﵀ وهو القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بَيع العَرَايا من بيع الرُّطَب بالتَّمر للسُنَّة الواردة في ذلك.
стр. 34
وذلك لأنه لو لم يرد شرع في إباحة بيع العَرَايَا بخَرْصِها تمرًا لما جاز، لأنه من بيع الرُّطب بالتمر، وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل، وإنما سماه استحسانًا على معنى الْموَاضِعَة، ولا يمتنع ذلك في عرف أهل كل صناعة.
والاستحسان الذي يختلف أهل الأصول في إثباته هو اختيار القول من غير دليل ولا تعليل.
وذهب بعض البصريين من أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ، وأصحاب مَالِكٍ إِلى إِثباتِهِ ومنع منه شيوخنا العراقيون، والشافِعِيّ، والدليل على ما نقوله إن هذه معارضة للقياس بغير دليل، فوجب أن يبطل أصل ذلك، إِذا عُورِضَ بمجرد الهَوَى.
فَصْلٌ
مذهب مَالِك ﵀ المنع من سدّ الذَّرَائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصَّل بها إِلى فِعْل المحظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إِلى أَجل، ثم يشتريها بخمسين نقدًا، ليتوصل بذلك إِلى بَيْع خمسين مثقالًا نقدًا بمائة إِلى أَجل.
وأباح الذَّرائع أبُو حَنِيفَةَ والشافعي:
والدليل على ما نقوله قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٦٣].
فوجه الدليل من هذا أنه حرم عليهم الاصطياد يوم السَّبت وأباحه سَائِر الأيام فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت وتغيبت عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحظرون عليها إذا جاء يوم السبت ويسدّون عليها المسالك، ويقولون: إِنما منعنا من الاصطياد يوم السَّبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذَّرَائع، ويدلس على ذلك أَيضًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَر (١) ثم قال: احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، لما رأى من شبهه بعتبه.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: الآية ١٠٤].
فوجه الدليل من هذا أنه منع المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لمَّا كان اليهود يتوصلون بذلك لسَبِّه ﵇ فمنع من ذلك المؤمنين.
стр. 35
وإن كانوا لا يقصدون به ما منع من أجله، وأيضًا فإن ذلك إجماع الصحابة وذلك أن عُمَر ﵁ قال: "يَأَيُّهَا النَّاس إِن النبي ﷺ قُبِضَ ولم يفسر لنا الربَا، فاتركوا الرّيبة والرِّبا".
وقول عَائِشَة ﵂ لما اشترى زَيْدُ بْنُ أرقم جارية من أُمِّ ولده بثمانمائة إِلى العطاء، وباعها منها بستمائة: أبلغوا زَيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول اللَّه ﷺ إِن لم يَتُبْ.
وقال ابن عباس لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفي: دراهم بدراهم والطعام مرجأ.
فَصْلٌ
يصح الاستدلال بالعَكْسِ.
وقال أبو حَامِدِ الأصْفَهَانِيُّ: لا يجوز، والدليل على قولنا إن المعقل إِذا قال: لا يحل الشَّعَر الروح، لأنه لو حله لما جاز أخذه من الحيوان حَالَ الحياة مع السلامة، ولما جاز أخذه منه حال الحياة، علمنا أن الروح لا تحلّه كالرِّيشِ، فهذا استدلال صحيح، لأنه لو حلّت الحياة الشَّعر، وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة لانقضت العلّة.
فَصْلٌ
لا يجوز الاستدلال بالقَرَائن عند أكثر أصحابنا.
وقال أبو مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ، يجوز ذلك، وبه قال المَازِنِيُّ.
والدليل على ما نقوله: إن كل واحد من اللفظين المقترنين له حكم نفسه، ويصح أن ينفرد بحكم دون ما قام به، فلا يجوز أن يجمع بينهما إِلا بدليل، كما لو وردا مفترقين، واللَّه أعلم.
بَابُ أَحْكَامِ اسْتِصْحَابِ الحَالِ
قد ذكرنا أن أدلّة الشرع ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول الأصل، واستصحاب الحال.
وقد مر الكلام في الأصل، ومعقول الأصل.
стр. 36
والكلام ها هنا في استصحاب الحال، وهو على ضربين:
أحدهما: استصحاب حال الفعل، وذلك إِذا ادَّعى في المَسْأَلة أحد الخَصْمَيْن حكمًا شرعيًا. وادّعى الآخر البقاء على حكم العقل، وذلك مثل أن يسئل المَالِكِيُّ عن وجوب الوِترِ، فيقول: الأصل بَرَاءَة الذِّمَّة، وطريق اشتغالها الشرع، فمن ادَّعى شرعًا يوجب ذلك، فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة من الاستدلال.
والثاني: استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل استدلال دَاوُدَ على أن أم الولد يجوز بيعها لأنَّا قد أجمعنا على جَوَاز بَيْعِهَا، قبل الحَمْل، فمن ادَّعى المنع من ذلك، فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخِلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حُجَّة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله، كلفظ صاحب الشرع إِذا تناول موضعًا خاصًّا لم يجز الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله.
فَصْلٌ
إِذا ثبت ذلك، فليس في العَقْل حَظْر، ولا إِباحة، وإنما تثبت الإِباحة أو التحريم بالشرع، والباري -سبحانه- يحلِّل ما شاء، ويحرّم ما شاء، هذا قول جمهور أصْحَابنا.
وقال أَبُو بَكْرِ الأَبْهرِيُّ: الأشياء في العَقْل على الحَظْر، وقال أَبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ: الأشياء في العقل على الإباحة، والدليل على ما نقوله إنه لو كان العقل يوجب إِباحة شيء من هذه الأعيان، أو حظره لاستحال أن ينقله الشرع عما يقتضيه في العقل، لاستحالة ورود الشرع لما ينافي العقل، كما يستحيل أن يرد نفي أن الاثنين أكثر من الوَاحِدِ.
فَصْلٌ
مَن ادَّعى نفي حكم وجب عليه الدليل، كما يجب ذلك على من أثبته.
وقال دَاوُدُ: لا دليل على النافي، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: الآية ١١١] الآية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: الآية ١١١].
стр. 37
فَصْلٌ
صفة المجتهد أن يكون عارفًا بموضع الأدلّة ومواضعهما من جهة العقل، ويكون عارفًا بطريق الإيجاب، وطريق الوضع في اللغة والشرع، ويكون عالمًا بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالمًا بأحكام الخطاب من العموم، والأوامر والنواهي، والمفسر والمجمل، والنّص والنسخ، وحقيقة الإجماع، عالمًا بأحكام الكتاب، عالمًا بالسُنَّة والأخبار والآثار وطرقها، والتمييز بين صحيحها وسقيمها، عالمًا بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم وبما أَجْمَعُوا عليه، واختلفوا فيه، عالمًا بالنحو والعربية بما يفهم به معاني كلام العرب، ويكون مع ذلك مأمونًا في دينه، موثوقًا به، فإِذا كملت هذه الخصال، وكان من أهل الاجتهاد جاز له أن يُفْتي، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه فيه.
بَابُ أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ
الترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوّة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما.
والدليل على صحّة ذلك إِجماع السلف على تقديم بعض أخبار الرواة على أخبار سائرهم، ممن يظن به الضبط، والحفظ والاهتمام بالحادثة.
فَصْلٌ
إِذا ثبت ذلك، فالترجيح يقع في الأخبار التي تتعارض، ولا يمكن الجمع بينها، ولا يعرف المتأخّر منها، فيحمل على أنه ناسخ في موضعين: أحدهما: الإسناده والثاني: المتون.
فأما الترجيح بالإسناد، فعلى أوجه: الأول: أن يكون أحد الخبرين مرويًّا في قضية مشهورة متداولة عند أهل النقل، ويكون المعارض له عاريًا عن ذلك، فيقدم الخبر المروي في قضية مشهورة، لأن النفس إِلى ثبوته أسْكن والظن في صحّته أغلب.
والثاني: أن يكون راوي أحد الخبرين أحفظ وأضبط، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كان جميعًا يحتج بحديثهما فيقدم خبر أحفظهما وأتقنهما، لأن النَّفْس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه.
والثالث: أن يكون رواة أحد الخَبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فيقدّم الخبر الكثير الرواة، لأن السهو والغلط أبعد عن الجماعة، وأقرب إلى الواحد.
стр. 38
والرابع: أن يقول راوي أحد الخبرين: سمعت رسول اللَّه ﷺ والآخر يقول: كُتِبَ إلى النبي ﵇ -فيقدم خبر من سمع النبي ﵇ لأن السماع مِنَ العَالِمِ أقوى من الأخْذ بِكِتَابِهِ الوَارد.
الخامس: أن يكون أحد الخبرين متفقًا على رفعه إلى رسول اللَّه ﷺ والآخر مختلفًا فيه فيُقَدَّمُ المتفق عليه، لأنه أبعد من الخَطَأ والسهو.
السادس: أن يكون أحد الخبرين مختلف الرواية، فيروي عنه إثبات الحكم ونفيه، وراوي الآخر لا تختلف الرواية عنه، وإنما يروي عنه أحد الأمرين، فيُقَدَّم رواية من لم تختلف عليه، لأن ذلك دليل على حِفْظ الرواية عنه، وشدّة اهتمامهم بِحِفْظِ ما رواه، فكان أولى.
السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة تَلَبَّسَ بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيًّا، فيقدم خبر صاحب القصَّة، لأنه أعلم بظاهرها وباطنها، وأشد إتقانًا بحفظ حكمها.
الثامن: إِطباق أَهْلِ المدينة على العَمَل بموجب أحد الخبرين، فيكون أولى من خبر من يخالف عمل أهل المدينة؛ لأنها موضع الرِّسالة، ومجتمع الصحابة، فلا يتصل العمل فيها إِلا بأصحِّ الروايات.
التاسع: أن يكون أحدُ الراويين أشدّ تقصِّيًا للحديث، وأحسن نسقًا له من الآخر، فيقدم حديثه عليه، لأن ذلك يدل على شدّة اهتمامه بحكمه، وبحفظ جميع أموره.
والعاشر: أن يكون أحد الإسنادين سالمًا من الاضطراب، والآخر مضطربًا، فيكون السَّالم أولى، لأن ذلك دليل على إتقان رواته وحفظ جملته.
الحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين يوافق ظاهر الكتاب، والآخر يخالفه، فيكون الموافق لظاهر الكتاب أولى.
بَابُ تَرْجِيحَاتِ المتُونِ
قد مضى الكلام في الترجيح من جهة الإسناد، والكلام ها هنا في الترجيح من جهة المَتْنِ، وذلك على أوجه:
стр. 39
أحدها: أن يسلم أحد الْمَتْنَينِ من الاضطراب والاختلاف، ويكون متن الحديث الثاني المُعَارض مضطربًا مختلفًا فيه، فيكون السالم من الاضطراب أولى، لأن ذلك دليل الحفظ والإتقان.
والثاني: أن يكون ما تضمنه أحد الخبرين من الحكم منطوقًا به، والآخر محتملًا، فيُقَدَّمُ ما نطق بحكمه، لأن الغرض فيه أَبْيَنُ، والمقصود فيه أجْلَى.
والثالث: أن يكون أحد الخبرين مستقلًا بنفسه، والآخر غير مستقل بنفسه، فيكون المستقلّ بنفسه أولى لأن المستقل يَتَيَقَّنُ المراد به، وغير المستقل بنفسه لا يتيقن المراد به، إِلا بعد نظر واستدلال.
والرابع: أَنْ يُستَعْمَلَ الخبران في موضع الخلاف، فيكون أولى من استعمال أحدهما، واطِّرَاح الآخَر، لأن في ذلك اطِّرَاحُ أحد الدليلين، واستعمالهما أولى من اطراح أحدهما.
والخامس: أن يكون أحد العمومين متنازعًا في تخصيصه، والآخر متفقًا على تخصيصه، فيكون المتعلق بعموم ما لم يجمع على تخصيصه أولى.
والسادس: أن يكون أحد الخبرين يقصد به بيان الحكم، والآخر لا يقصد به بيان الحكم، فيكون ما قصد به بيان الحكم أولى؛ لأنه أبعد من الاحتمال.
والسابع: أن يكون أحد الخبرين مؤثِّرًا في الحكم والآخر غير مؤثِّر، فيكون المؤثِّر أولى.
والثامن: أن يكون أحدهما ورد على سبب، والآخر ورد على غير سبب، فيقدم ما ورد على غير سبب على الوارد على سبب، لأن معارضته للخبر لا تدل على أنه مقصور على سببه.
والتاسع: أن يكون أحد الخبرين قد قضى به على الآخر في موضع من المواضع، فيكون أولى منه في سائر المواضع.
والعاشر: أن يكون أحد المعنيين واردًا بألفاظ مُتَغَايرة، وعبارات مختلفة، فيكون أولى مما روي من أخبار الآحاد، بلفظ واحد، لأنه أبعد من الغلط والسهو والتحريف.
стр. 40
والحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين ينفي النقص عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ والآخر يضيقه إِليهم، فيكون النافي أولى، لأنه أشبه بفضلهم ودينهم، وما وصفهم اللَّه به، وأثنى عليهم به.
بَابُ تَرْجِيحِ المَعَانِي
قد مضى الكلام في ترجيح الأخبار، والكلام ها هنا في ترجيح المعاني.
وذلك أنه قد تتعارض قياسات في حكم حادثة، أو يتردّد الفرع بين أصلين يصحّ حمله على أحدهما بعلّة مستنبطة منه، ويصح حمله على الثَّاني بعلَّة مستنبطة منه، فيحتاج الناظر إِلى ترجيح إحدى العِلَّتَيْنِ على الأخرى، وذلك على أحد عشر ضربًا.
الأوَّل: أن تكون إِحدى العلتين منصوصًا عليها، والأخرى غير منصوص عليها، فتُقَدَّم المنصوص عليها، لأن نص صاحب الشرع دليل على صحتها.
والثاني: أن تكون إِحدى العِلَّتين لا تعود على أصلها بالتخصيص والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعليق بالعُمُومِ أولى استنباطًا ونطقًا.
الثالث: أنْ تكون إحدى العِلَّتين موافقة للفظ الأصل، والأخرى مخالفة له فتُقَدَّم الموافقة، لأن الأصل شاهد بلفظها.
الرابع: أن تكون إِحدى العلّتين مُطَّردة منعكسة، والأخرى غير مُطَّردة غير منعكسة، فتُقَدَّم المُطَّردة المنعكسة، لأن العلّة إِذا اطردت، وانعكست غلب على الظن تعلق الحكم بها لوجوده بوجودها، وانعدامه بعدمها.
والخامس: أن تكون إِحدى العِلَّتَيْن يشهد لها أصول كثيرة، والأخرى لا يشهد لها إِلا أصل واحد، فَالَّتِي شهد لها أصول كثيرة أولى، لأن غلبة الظن إنما تحصل بشهادة الأصول لها، فكلما كثر ما شهد لها من الأصول غلب على الظن صحتها.
والسادس: أن يكُون أحد القياسين رد الفرع إِلى الأصل من جنسه، والآخر رد الفرع إِلى الأصل من غير جنسه، فيكون قِيَاسُ مَن رد الفرع إِلى جنسه أولى، لأن قياس الشيء على جنسه أولى من قياسه على مخالفة.
السَّابع: أن تكون إحدى العلّتين واقفة وأخرى متعدية، فَتَقْدِيم المتعدية أولى.