← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17874

تقريب الوصول إلي علم الأصول

ابن جزي الكلبي

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقريب الوصُول إِلى علم الأصُول تأليف أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن أَحْمد بن جُزَيّ الْكَلْبِيّ الغرنَاطي الْمَالِكِي الْمُتَوفَّى سنة ٧٤١ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة المصنّف هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن جُزي الكلبي، كنيته أبو القاسم. وُلِدَ سنة ٦٩٣ هـ في الأندلس، وأخذ عن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي: النحوي، الأصولي، الأديب، المقرئ، المفسّر، المؤرّخ، وأبو القا سم قاسم بن عبد اللَّه بن محمد بن الشاط الأنصاري السبتي، الحافظ الفقيه، المالكي، الأصولي. وأبو عبد اللَّه محمد بن أحمد اللخميّ المعروف بابن الكماد، وأبو عبد اللَّه محمد بن عمرو الفهري السبتي، المعروف بابن رشيد، وأبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر الهاشمي الطناجي، وغيرهم. له مصنفات كثيرة منها: وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، والدعوات والأذكار المتخرجة من صحيح الأخبار، والقوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، والتنبيه على مذهب الشافعية، والحنفية، والحنبلية، وتقريب الوصول إلى علم الأصول [وهو كتابنا]. وفاته: توفي ﵀ شهيدًا يوم الكائنة بطريف سنة [٧٤١ هـ] (١). وصف المخطوط لقد استعنّا في تحقيق هذا الكتاب بالإضافة إلى المطبوعة على النسخة الخطية في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم [١٨٦٣]، وتقع في [٦٥/ ق].

стр. 3

ل/ أالورقة الأولى

стр. 4

الورقة الأولى [ل/ ب] الرباط

стр. 5

ورقة من المخطوط [ل/ أ] الرباط

стр. 6

ورقة من المخطوط [ل/ ب] الرباط

стр. 7

اللوحة الأخيرة

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى اللَّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الشيخ الفقيه الأستاذ العالم أبو القاسم بن أحمد بن جزي وحمه اللَّه تعالى، وجعل الجنة مثواه، آمين: الحمد للَّه الذي رفع بالعلم درجات أهله، وأجزل ثوابهم على اكتسابه وعلى نقله، كما أنعم عليهم بالتوفيق لدرسه وحمله، وصلوات اللَّه وسلامه على سيدنا محمد خاتم أنبيائه ورسله، الذي هدى كافة الخلق إلى منهاج الحق وسبله، وبالغ في تبليغ الرسالة بقوله وفعله، بذل جهده بين إقامة دين اللَّه وبيان فرعه وأصله، حتى ظهر مصداق قول الملك ﷻ : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: الآية ٣٣]. ورضي اللَّه عن أهل بيته الطاهرين وأصحابه الأكرمين وحشرنا معهم تحت ظلال عرشه يوم لا ظل غير ظله. أما بعد:. . . فإن العلوم على ثلاثة أضرب: علم عقلي، وعلم نقلي، وعلم يأخذ من العقل والنقل بطرف، فلذلك أشرف في الشرف على أعلى شرف، وهو علم أصول الفقه الذي امتزج به المعقول بالمنقول، واشتد على النظر في الدليل والمدلول، وإنه لنعم العون على فهم كتاب اللَّه وسنة الرسول ﷺ ، وناهيك من علم يرتقي الناظر فيه عن حضيض رتبة المقلدين، إلى رفيع درجات المجتهدين، وأقل أحواله أن يعرف وجوه الترجيح فيفرقه بين الراجح والمرجوح، ويميز بين السقيم والصحيح، وإني أحببت أن يضرب ابني محمد -أسعده اللَّه- في هذا العلم بسهمه، فصنفت هذا الكتاب برسمه ورسمته بوسمه، لينشط لدرسه وفهمه، وعولت فيه على الاختصار والتقريب، مع حسن الترتيب والتهذيب، وقسمته إلى خمسة فنون: الفن الأول: في المعارف العقلية.

стр. 9

الفن الثاني: في المعارف اللغوية. الفن الثالث: في الأحكام الشرعية. الفن الرابع: في الأدلة على الأحكام الشرعية. الفن الخامس: في الاجتهاد والترجيح. وجعلت في كل فن عشرة أبواب، فاحتوى الكتاب على خمسين بابًا، وقدمت في أوله مقدمته يحتاج إليها وسميته: "تقريب الوصول إلى علم الأصول" واللَّه المستعان. الفصل الأول: في تفسير أصول الفقه وهو مركب من كلمتين، فنفسر كل واحدة على انفراد، ثم نفسر المركب منهما. أما الأصول فجمع أصل، وله في اللغة معنيان: أحدهما: ما منه الشيء والآخر ما يبنى عليه الشيء (١) حسيًّا أو معنى، وله في الاصطلاح معنيان: أحدهما: الراجح والآخر: الدليل (٢). وأما الفقه فهو في اللُّغة الفهم (٣)، وهو في الاصطلاح: (العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها على التفصيل في الأحكام وفي أدلتها). فقولنا: العلم، نريد به ما يشمل القطع والظن، لأن الفقه منه مقطوع به ومظنون، فالعلم هنا الظن وما في معناه. وقولنا: بالأحكام، تحزّزًا من العلم بالذوات. وقولنا: الشرعية، تحزّزًا من العقلية وغيرها. وقولنا: الفرعية، تحزّزًا من أصول الدين. وقولنا: بأدلتها، تحزّزًا من التقليد، وهو: (الاعتقاد بغير دليل)، فإنه لا يسمى في الاصطلاح فقهًا. وقولنا: على التفصيل في الأحكام وفي أدلتها: تحرزًا من أصول الفقه، فإنَّ الفقيه يعرف آحاد مسائل الأحكام، ويستدل بآحاد أدلة، والأصولي إنما يعرف أنواع

стр. 10

الأحكام ويستدل عليها بآحاد الأدلة من تعيين آحادها، وتحرزًا أيضًا بقولنا: على التفصيل في الأدلة من استدلال المقلد على الجملة، فإنه يستدل بأصل إمامه على صحة قوله. وأما أصول الفقه: (فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية على الجملة وبأدواتها والاجتهاد فيها وما يتعلق به). الفصل الثاني: في وجه تقسيم هذا الكتاب إلى الفنون الخمسة المذكورة وذلك أن المقصود الأول إنما هو معرفة الأحكام الشرعية، فهذا الفن هو المطلوب لنفسه، وإنما احتيج إلى سائر الفنون من أجله، ولما كان ثبوت الأحكام متوقفًا على الأدلة احتيج إلى فن الأدلة، ولما كان استنباط الأحكام من الأدلة متوقفًا على شروط الاجتهاد احتيج إلى فن في الأدلة وشروطه، وكيفيته من الترجيح وغيره، ثم إن ذلك كله يتوقف على أدوات يحتاج إليها في فهمه والتصرف فيه، وهي له آلات، وهي على نوعين: منها ما يرجع إلى المعاني وهو من المعارف العقلية. ومنها ما يرجع إلى الألفاظ وهي فن المعارف اللغوية، فانقسم العلم بالضرورة إلى تلك الفنون الخمسة، فقسمنا كتابنا هذا إليها، وقدمنا الأدوات، لأنه لا يتوصل إلى فهم ما سواها إلا بعد فهمها.

стр. 11

الفن الأول من علم الأصول في المعارف العقلية وفيه عشرة أبواب: الباب الأول: في مدارك العلوم وهو ضربان: تصور وتصديق: - فأما التصور، فإدراك الذوات المفردة كمعرفة معنى الجسم، والحركة، والحيوان، والجماد، والحادث، والقديم، وغير ذلك. - وأما التصديق، فهو إسناد أمر إلى ذات بالنفي والإثبات، كقولنا: الجسم حادث والجسم ليس بقديم (١)، فالتصور مقدم والتصديق متأخر عنه، ثم إن الإسناد التصديقي على خمسة أنواع: علم، وجهل، وشك، وظن، ووهم. - فالعلم: هو الجزم المطابق للحق، وقيل في حده: معرفة المعلوم على ما هو به (٢)، فاعترض بلزوم الدور فقيل فيه العلم صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض (٣). - والجهل: هو الجزم غير المطابق، وقد يقال فيه جهل مركب (٤). - والشك: هو احتمال أمرين فأكثر من غير ترجيح (٥). - والظن: هو الاحتمال الراجح (٦). - والوهم: هو الاحتمال المرجوح (٧).

стр. 12

تكميل: حكم العقل بأمر على أمر يسمى تصديقًا، فإن تكلم به فهو خبر فإن رام الاحتجاج عليه سمي دعوى، فإن ذكره في معرض الحجة سمي قضية. الباب الثاني: فيما يوصل إلى التصور وذلك ثلاثة أشياء: الحد، والرسم، واللفظ المراد. - فأما الحدّ: فهو تعريف ماهية الشيء بجنسه وفصله. - وأما الرسم: فهو تعريف ماهية الشي بجنسه وخاصته. فقولنا: ماهية الشيء، هي التي يسأل عنها بـ "ما"، وتحرزنا بذلك مما يسأل عنه بـ "أي" وبـ "أين" و"متى" و"كيف". وقولنا: بجنسه، يشمل الجنس الأعلى وما تحته النوع، فإن النوع جنس بالنسبة إلى ما تحته، ولكن الأولى أن يذكر في الحد والرسم الجنس الأقرب. وقولنا في حد: الحد بفصله هو الوصف اللازم الذاتي الذي لا يفهم الشيء بدون فهمه كالنطق النفساني للإنسان. وقولنا في حدة الرسم بخاصته الخاصة وصف لازم، إلا أنه غير ذاتي فلا يتوقف الفهم عليه كالضحك بالقوة للإنسان، بقولنا الإنسان هو الحيوان الناطق حد وقولنا: الإنسان هو الحيوان الضاحك رسم، وإنما اشترطنا ذكر الجنس ليعم فيكون (الحد والرسم) جامعًا، وهو المقصود. واشترطنا الفصل والخاصة ليخرج غير المطلوب، فإنهما وصفان يتميز بهما الموصوف من غيره فيكون الحد أو الرسم مانعًا وهو المنعكس، وقد يسقط ذكر الجنس من الحد أو الرسم فيكون ناقصًا كقولنا: الإنسان هو الناطق أو الضاحك. - وأما اللفظ المرادف فنحو قولنا: البر وتقول: القمح، ويشترط أن يكون مساويًا لا أعم ولا أخص (١)، ويحترز في الحد والرسم والمرادف من التعريف [بالمساوي]، والأخفى من الإجمال في اللفظ، ومن الدور، وهو التعريف بما لا يعرف إلا بحد معرفة المطلوب، فيتوقف.

стр. 13

تنبيه: الحد غير المحدود إن أريد به اللفظ وهو نفسه، إن أريد به المعنى، فإنَّ لكل شيء في الوجود أربع مراتب: حقيقتُه في نفسه، ومثالُه في الذهب، وذكرُه باللسان، وكتابتُه بالقلم (١). الباب الثالث: فيما يوصل إلى التصديق فالمُوصل إلى العلم يسمى دليلًا (٢)، والمُوصل إلى الظن يسمي أمارة، ثم إن الدليل ينقسم أربعة أنواع: سَمعي، وعقلي، وحسي، ومركب من العقل والحسن. - فأما السمعي: فهو دليل الكتاب والسنة المتواترة، والإجماع لا غير فإن غيرها كالقياس وشبهه إنما يفيد الظن. - وأما العقلي: فينقسم قسمين: ضروري، ونظري. فالضروري: هو الذي لا يفتقر إلى نظر واستدلال، ويسمى أيضًا البديهي، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وعلمه بأن المصنوع لا بد له من صانع، وشبه ذلك من الأوليات. والنظري خلافه: وهو الذي يفتقر إلى نظر واستدلال. - وأما الحسي: فهو الإدراك بالحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم، والذوق، واللمس، وينخرط في سلكها الوحدانيات كعلم الإنسان بلذته وألَمِه. - وأما المركب عنهما من الحس والعقل، فهو التواتر والتجريب والحدس وزاد أبو المعالي وأبو حامد قرائن الأحوال، كصفرة الوجل (٣) وحمرة الخجل، فتلخص من هذا أن المفيدات للعلم تسعة وهي: السمع، وضرورة العقل، والنظر العقلي، والحس، والوجدان، والتواتر والتجريب، والحدس، وقرائن الأحوال.

стр. 14

ثم دون هذه المرتبة ما يفيد الظن وهي ثلاثة أشياء: المشهورات، والمقبولات، والوهميات. فأما المشهورات: فهي ما اتفق عليه الناس أو أكثرهم أو به الأفاضل منهم من العوائد وغيرها، وقد يحكم العقل بمقتضى ذلك أو لا يحكم به ولا يخالفه. وأما المقبولات: فهي ما يخبر به الثقة أو الثقات الذين لم يبلغوا مبلغ التواتر، ولكن تسكن النفس إليها. وأما الوهميات: فهي ما يتخيل أنه عقلي وليس كذلك (١). الباب الرابع: في أسماء الألفاظ وهي: المشترك، والمترادف، والمتواطي، والمشكك، والمتباين، ونبينها بتقسيم وهو: أن اللفظ ومعناه على أربعة أقسام: الأول: أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى فهو المشترك كالعين. الثاني: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى، فهو المترادف كالقمح والبر والحِنطة. الثالث: أن يتحدد اللفظ والمعنى، فإن كان معناه مستويًا في محاله كالرجل فهو المتواطي، وإن كان معناه متفاوتًا أو مختلفًا، فهو المشكك كإطلاق النور على ضوء الشمس وضوء المصباح. الرابع: أن يتعدد اللفظ والمعنى، فهو المتباين كالإنسان والفرس والطير (٢). ومن هذا التقسيم، تؤخذ حدودها. تنبيهان: - الأول: قد يتوهم في ألفاظ أنها مترادفة، وهي متباينة كالسيف، والصارم، والمُهَنَّدِ، فإن السيف اسم للذات فقط والصارم باعتبار القطع، والمهند باعتبار أنه من الهند. وكذلك قولنا زيد متكلم فصيح، فإن الأول للذات، والثاني للصفة، والثالث لصفة الصفة (٣).

стр. 15

- الثاني: إن المشترك هو: اللفظ الموضوع لمعنيين وضعًا لم ينقل من أحدهما إلى الآخر، فإن كان منقولًا من أحدهما إلى الآخر فلا يسمى مشتركًا في الاصطلاح ولكن إن نقل لغير علاقة، سمي بالمنقول، وإن نقل لعلاقة، سمي بالنظر إلى المعنى الأول حقيقة وبالنظر إلى الثاني مجازًا. الباب الخامس: في الدَّلالة وهي ثلاثة أنواع: مطابقة، وتضمن، والتزام. - فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على كمال مسماه كدلالة لفظ البيت على جميعه. - ودلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء مسماه كدلالة لفظ البيت على سقفه. - ودلالة التزام: هي دلالة اللفظ على لازم مسماه كدلالة السقف على الجدار (١). تنبيهات ثلاثة: الأول: زاد فخر الدين بن الخطيب (٢) قيدًا في دلالة التضمن وهو أن قال على جزء مسماه من حيث هو جزء تحرز من دلالة اللفظة بالمطابقة على معنى، وبالتضمن على غيره كقولنا: حرف لأحد حروف المعنى نحو: لَيْتَ، ولَعَلَّ وحرف اللام وحدها بمعنى حرف هجاء، فالأول يدل على اللام بالتضمن، والثاني يدل عليها مطابقة. - الثاني: يشترط في دلالة الالتزام أن تكون الملازمة في الذهن والخارج، أو في الذهن خاصة لا في الخارج خاصة. - الثالث: جعل شهاب الدين القرافي الدلالة قسمين: دلالة اللفظ وهي ما ذكرنا. والدلالة باللفظ: وهي استعمال المتكلم اللفظ في حقيقته أو مجازه.

стр. 16

الباب السادس: في الفرق بين الجزئي والكلي، والكل والجزء والكلية والجزئية - أما الكلىُّ: فهو الذي لا يمنع تصور معناه من تعدده سواء وجد في الوجود متحددًا كالإنسان أو واحدًا كالشمس أو لم يوجد في الوجود، فإن الاعتبار هنا من جهة تصوره في الذهن. - أما الجزئي: فهو الذي يدل على واحد بعينه كالاسم العلم ويسمي النحويون الكلي نكرة، ويسمون الجزئي معرفة. وأنواعها خمسة: المضمر: وأسماء الإشارة، والعلم، والمعرف بالألف واللام، والمضاف إلى المعرفة. فائدة: المضمر عند أكثر الناس جزئي كاختصاصه بمتكلم أو مخاطب أو غائب، وقال النحويون فيه: إنه أعرف المعارف. وقال شهاب الدين: إنه كلي في وضعه وإنما اختص في استعماله. - وأما الكل: فهو المجموع بجملته كأسماء الأعداد. - والجزء: هو ما تركب الكل منه كتركيب العشرة من اثنين في خمسة. - وأما الكلية: فهي ما يقتضي الحكم على كل فرد من أفراد الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: الآية ٢٦]. والجزئية: ما تقتضي الحكم على بعض أفراد الحقيقة، كقولنا: بعض الحيوان إنسان. بيان: قد يعسر الفرق بين الكل والكلية، وهو أن الحكم في الكل على المجموع لا على كل فرد بانفراده، وذلك كقولنا: كل إنسان يَشِيلُ الصخرة العظيمة، والحكم في الكلية على كل فرد بانفراده حتى لا يبقى فرد، كقولنا: كل إنسان يشبعه رغيف. الباب السابع: في نسبة بعض الحقيقة من بعض إذا نظرنا إلى حقيقة مع أخرى وجدتها على أربعة أقسام:

стр. 17

- الأول: أن تكون إحداهما أعم مطلقًا، والأخرى أخص مطلقًا، كالحيوان والإنسان، يستدل بوجود الأخص على وجود الأعم، وينفي الأعم على نفي الأخص، ولا دليل في عدم الأخص ولا في وجود الأعم. - الثاني: أن يكون كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه آخر كالإنسان والأبيض، فلا دليل لأحدهما على الآخر أصلًا. - الثالث: أن يكونا متساويين كالإنسان والضاحك بالقوة، فيستدل بوجود كل واحد منهما على وجود الآخر، وبعدمه على عدمه. - الرابع: أن يكونا متباينين كالحيوان والجماد، والمعلومات أيضًا على ثلاثة أقسام: نقيضان: وهما اللذان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا كوجود زيد وعدمه، فيستدل بوجود أحدهما على عدم الآخر، وبعدمه على وجوده. وضدان: وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما كالسواد والبياض، فيستدل بوجود أحدهما على عدم الآخر، ولا دليل في عدم واحد منهما. وخلافان: وهما اللذان يمكن اجتماعهما وارتفاعهما كالإنسان والفرس، فلا دليل في وجود واحد منهما ولا في عدمه. قانون: في هذا الباب وذلك بإدخال كل على إحدى الحقيقتين والإخبار بالأخرى فإن صدقت القضية من الجهتين فهما متساويان كقولنا: كل إنسان ضاحك، وكل ضاحك إنسان، وإن كذبت من الجهتين، فهما متباينان، أو أعم من وجه وأخص من وجه، وإن صدقت من الجهة الواحدة، فهما أعم مطلقًا وأخص مطلقًا كقولك: كل إنسان حيوان، والمضاف إلى "كلُّ" هو الأخص، والخبر هو الأعم، وإن عكستها كذبت. الباب الثامن: في أنواع الحجج العقلية وهي ثلاثة أنواع: قياس، واستقراء، وتمثيل. - فأما القياس: فهو عبارة عن كلام مُؤلَّفٍ مقدِمتين فأكثر، يتولد منهما نتيجة (١) وهي المطلوب إثباتها أو نفيها، فنذكره في موضعه.

стр. 18

وهذا القياس في اصطلاح أهل المنطق، وأما القياس في اصطلاح الفقهاء فنذكره في موضعه. ثم إن هذا القياس المنطقي إن كانت مقدماته قطعية وركبت كما يجب بشروطها، سمي برهان، وكانت النتيجة علمًا يقينيًا (١)، وإن كانت مقدماته أو واحدة منهما غير قطعية أو دخله خلل في التركيب أو نقص من شروطها لم يفد اليقين، وقد يفيد الظن أو ما دونه. - وأما الاستقراء: فهو أن ينظر الحكم في كثير من أفراد الحقيقة، فيوجد فيها على حالة واحدة، فيغلب على الظن أنه على تلك الحالة في جميع أفراد الحقيقة (٢). - وأما التمثيل: فهو أن يحكم لجزء بحكم جزء آخر (٣) وهو أضعفها. والفرق بينها: أن القياس احتجاج منقول على معنى كلي إلى معنى كلي تحته، أو إلى جزئي، وأن الاستقراء منقول من جزئيات متعددة إلى كلي، وأن التمثيل منقول من جزئي إلى جزئي. الباب التاسع: في أنواع القياس المنطقي وهو خمسة: برهان، وجدل، وخطابة، وشعر، وسفسطة. - فأما البرهان: فهو القياس اليقيني الصحيح. الصحيح: وهو الذي تكون مقدماته قطعية كلها البديهيات، والنظريات الصحيحة، والحسية السالمة من غلط الحس. - وأما الجدل: فهو الذي تكون مقدماته مقبولة أو مشهورة عند الكافة وهي في الأغلب صادقة، وقد تكون كاذبة في النادر. وفائدة الجدل أن يغلب الخصم خصمه. - وأما الخطابة: فهي التي تكون مقدماتها مقبولة يحصل بها غلبة الظن فتقتنع النفس بها وتركن إليها مع حضور نقيضها بالبال، أو قبول النفس لنقيضها.

стр. 19

وفائدة الخطابة أن يميل السامع إلى ما يراد منه ويركن إليه ويقوي ذلك بفصاحة الكلام وعذوبة الألفاظ وطيب النغمة. - وأما الشعر: فهو ما يتضمن تشبيهًا أو تمثيلًا أو استعارة، أو تخييل أمر في النفس يقصد به الترغيب أو الترهيب أو التشجيع أو الحث على العطاء أو تحريك فرح أو حزن أو تقريب بعيد أو غير ذلك، وهو يؤثر في النفس مع العلم بكذبه، ويشتمل تأثيره بحسن الصوت والتلحين. - وأما السفسطة: فهي المغالطة، والغلط يقع بوجوه كثيرة من جهة اللفظ أو من جهة المعنى أو من طريق الحذف والإضمار، أو في تركيب المقدمات الوهمية مكان القطعية إلى غير ذلك. تحقيق هذه الألفاظ في هذا الاصطلاح بخلاف معناها في اللغة والاصطلاح العام: - أما البرهان: فهو في اللغة كل ما يوصل إلى التحقيق، سواء كان كلامًا أو غيره. وفي هذا الاصطلاح كلام مُؤَلَّفٌ على وجه مخصوص بشروط مخصوصة. - وأما الخطابة فهي في اللغة كلام الخطيب سواء تكلم بما يفيد الظن أو اليقين وهي هنا ما يفيد الظن خاصة (١). - وأما الشعر: فهو في هذا الاصطلاح أعم منه في الاصطلاح العام لأنه هنا المجاز والتمثيل وشبه ذلك، مما ليس بحقيقة سواء كان منظومًا أو منثورًا، وهو في الاصطلاح العام: المنظوم الأعاريض المعروفة. الباب العاشر: في البرهان ونتكلم في أجزائه التي تتركب منها، وفي ضروبه. - أما أجزاؤه فلا بد في كل برهان وقياس منطقي من مقدمتين فأكثر ونتيجة تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها.

стр. 20

والمقدمة هي جملة خبرية تسمى قضية، وتشتمل على موضوع ومحمول ويسمي أهل المنطق المخبر عنه بالموضوع والخبر بالمحمول، ويسميها النحويون مبتدأ وخبرًا، ويسمي الفقهاء حكمًا، والمبتدأ محكومًا عليه. ويشترط أن تكون ما تقتضيه هذه القضية من نفي أو إثبات معلومًا أو مُسَلَّمًا عند الخصم، فإذا ازدوجت هذه القضية وهي المقدمة مع مثلها، تولدت بينهما النتيجة، وهي جملة أخرى خبرية تسمى أيضًا قضية، وهي التي قصد إثباتها أو نفيها، ولذلك يقول الفقهاء وجه الدليل ويعنون به وجه لزوم النتيجة من المقدمات. وتنقسم القضايا أيضًا قسمين: موجبة وهي المثبتة، وسالبة وهي المنفية وتنقسم كل واحدة أربعة أقسام: كلية محصورة، وجزئية محصورة، وشخصية، ومهملة. - فالكلية المحصورة هي التي يكون موضوعها عامًّا كقولنا: كل مسكر حرام. - والجزئية المحصورة نحو قولنا: بعض الحيوان إنسان، واللفظ الحاصر لهما يسمى سيورًا نحو كل وبعض. - والشخصية: هي التي يكون موضوعها جزئيًا كقولنا: زيد قائم. - والمهملة: وهي التي يتبين فيها أن الحكم للكل أو للبعض كقولنا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: الآية ٢]. إلا أن الشخصية والمهملة مطرحتان في العلوم، فبقيت المحصورتان الكلية والجزئية، وكل واحدة منهما تكون موجبة وسالبة، فالقضايا على هذا أربع. - ثم إن البرهان من طريق صورة تركيبه على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ويسميه بعض الناس القياس الاقتراني، ويسميه أهل المنطق الحسيني، ويسميه أهل اللغة برهان العلة، وهو يشتمل على مقدمتين، في كل مقدمة محمول وموضوع وهما الحكم والمحكوم عليه فتلك أربعة أشياء، إلا أن واحدًا منها يتكرر في المقدمتين فتبقى ثلاثة أشياء يسميها أهل المنطق حدودًا وهي الحد الأوسط، والحد الأكبر والحد الأصغر. - فأما الحد الأوسط فيسميه الفقهاء علة، وهو الذي يتكرر في المقدمتين. - وأما الحد الأكبر: فهو الحكم وهو الذي يكون في النتيجة محمولًا.

стр. 21

- وأما الحد الأصغر: فهو المحكوم عليه وهو الذي يكون في النتيجة موضوعًا. والمقدمة التي فيها الأصغر تسمى صغرى. والمقدمة التي فيها الحد الأكبر تسمى كبرى. ومثال ذلك قولنا: كل مسكر حرام، ومنبيذ مسكر، فالنبيذ حرام فقولنا: كل مسكر كلية موجبة وهي المقدمة الكبرى. وقولنا: منبيذ مسكر مقدمة أخرى وهي أيضًا كلية موجبة وهي المقدمة الصغرى. وقولنا: والنبيذ حرام هي النتيجة. والحد الأوسط هو المسكر لأنه تكرر في المقدمتين، والأصغر هو النبيذ لأنه موضوع في النتيجة وهو المحكوم عليه، والحد الأكبر هو الحرام، لأنه محمول في النتيجة، وهو الحكم. ثم إن هذا الضرب له ثلاثة أشكال: - الشكل الأول: أن يكون الحد الأوسط موضوعًا في إحدى المقدمتين محمولًا في الأخرى، كان عبرت بعبارة الفقهاء، قلت أن تكون العلة حكمًا في إحدى المقدمتين محكومًا عليه في الأخرى وذلك كالمثال الذي ذكرنا ألا ترى أن المسكر -وهو العلة- وقع محكومًا عليه في قولنا: كل مسكر حرام، ووقع حكمًا في قولنا: النبيذ مسكر. ويشترط في هذا المثال أن تكون المقدمة الصغرى موجبة لا سالبة، وأن تكون الكبرى كلية لا جزئية، وحينئذٍ تنتج نتيجة صحيحة (١). - الشكل الثاني: أن يكون الحد الأوسط محمولًا في المقدمتين، ويسميه الفقهاء "الفرق"، يشترط في إنتاجه أن تكون الكبرى كلية، وأن تكون إحدى المقدمتين مخالفة للأخرى في الإيجاب والسلب. ومثاله قولنا: كل ثوب مزروع ولا ربوي مزروع فلا ثوب واحد ربوي (٢).

стр. 22

- الشكل الثالث: أن يكون الحد الأوسط موضوعًا في المقدمتين، ويسميه الفقهاء بـ "النقض"، ويشترط في إنتاجه أن تكون المقدمة الصغرى موجبة وأن تكون إحداهما كلية. ومثاله قولنا: كل قمح مطعوم، وكل قمح ربوي، فبعض المطعوم ربوي (١). تنبيهات ثلاثة: - الأول: متى كان في البرهان مقدمة سالبة أو جزئية أو مظنونة كانت النتيجة كذلك، لأنها تتبع أخس المقدمات، ولا تتبع أشرفها. - الثاني: تجتمع الأشكال الثلاثة في أنها لا تنتج إذا كانت المقدمتان معًا سالبتين أو جزئيتين. - الثالث: لا تكون نتيجة الشكل الثالث إلا سالبة، ولا تكون نتيجة الشكل الثالث إلا جزئية، أما نتيجة الشكل الأول فتكون موجبة أو سالبة، أو كلية أو جزئية. تلخيص: يتصور في تركيب كل شكل ست عشرة صورة، لأن كل واحد من المقدمتين يمكن أن تكون على أربعة أنواع، وأربعة في أربعة ستة عشر ولكن إنما ينتج في الشكل الأول أربع صور، وفي الثاني أربع، وفي الثالث ست صور، ولا ينتج سائر الصور لعدم شروط الإنتاج فيها. - الضرب الثاني: الشرطي المتصل، ويسميه الفقهاء التلازم، وهو مركب من مقدمتين: الأولى منهما مركبة من قضيتين، قرن إحداهما بحرف شرط، وتسمى المقدمة الأخرى إجزاء الشرط، وتسمى التالي، وقد يسمى المقدم باللزوم والتالي باللازم. المقدمة الثانية من قضية واحدة قرن بها حرف استثناء على اصطلاح أهل المنطق مثل "لكن" أو لم يقرن، ويكون الكلام في معناه.

стр. 23

وتشتمل هذه المقدمة الثانية على ذكر إحدى القضيتين المتقدمتين تسليمًا إما بالنفي أو بالإثبات حتى ينتج إحدى القضيتين أو نقيضها. مثال ذلك: إن كان الوتر يُؤَدِّي على الراحلة، فهو نافلة، ومعلوم أنه يؤدي على الراحلة، فهو نافلة. وهذا الضرب قسمان: - أحدهما: أن يكون اللازم أعم من الملزوم، فينتج على وجهين: أحدهما: أن يكون الاستثناء عين المقدم، كقولنا: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر. وأخرى: أن يكون الاستثناء نقيض التالي كقولنا: لكنه غير متطهر فالصلاة غير صحيحة، ولا ينتج استثناء نقيض المقدم وعين التالي. - القسم الثاني: أن يكونا متساويين، فحينئذٍ ينتج على أربعة أوجه كقولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وذلك لأن المتساويين يلزم من إثبات كل واحد منهما إثبات الآخر، ومن نفي كل واحد منهما نفي الآخر، بخلاف الأعم والأخص، فإنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ولا من إثبات الأخص، فلذلك يبطل من إنتاجها وجهان (١). - الضرب الثالث: الشرطي المنفصل. ويسميه المتكلمون السبر والتقسيم، ويسميه بعض الفقهاء نمط التعاند، وهو مركب من مقدمتين فأكثر يقترن بالأولى حرف منهما معاندة، بالثانية حرف استثناء أو معناه، ومثاله: قولنا: هذا العدد إما زوج وإما فرد، ولكنه زوج فليس بفرد، وإنتاجه على أربعة أوجه: مثال الأول: ما ذكرنا، ومثال الثاني: لكنه فرد فليس بزوج، ومثال الثالث: لكنه ليس بزوج فهو فرد، ومثال الرابع: لكنه ليس بفرد فهو زوج، وذلك أنهما قسمان متناقضان، فينتج إثبات كل واحد منهما نفي الآخر، ونفي كل واحد منهما إثبات الآخر، فتلك أربعة أوجه.

стр. 24

ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين، فقد تكون ثلاثة وأكثر، ويشترط أن يستوي جميعها، كقولنا: العدد إما متساو أو أقل أو أكثر، ومثاله في الفقه إما واجب أو مندوب أو حرام أو مكروه أو مباح، فإثبات واحد من الأقسام يقتضي نفي ما عداه (١). تكميل: إذا لم يقم دليل على قضية، فقد استدل على إثباتها ببطلان نقيضها أو يستدل على بطلانها بإثبات نقيضها. والقضيتان المتناقضتان هما اللذان إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى وبالعكس، ويشترط أن يكون المحكوم في القضيتين واحدًا وأن يكون الحكم واحدًا، وحينئذ يصدق الحكم على النقيض.

стр. 25

الفن الثاني من علم الأصول في المعارف اللغوية وهي عشرة أبواب: الباب الأول: في الوضع والاستعمال والحمل - أما الوضع: فهو جعل اللفظ دليلًا على المعنى، وهو قسمين: وضع أولي: وهو الذي لم يسبق بوضع آخر ويسمى المرتجل. ووضع منقول من معنى إلى آخر، وهو على قسمين: - منقول لعلاقة وهو المجاز. - ومنقول لغير علاقة، ويختص باسم المنقول كتسمية الولد جعفر والجعفر في اللغة النهر الصغير (١). - وأما الاستعمال: فهو التكلم باللفظ بعد وضعه وسواء أطلق على معناه الأول أو نقل عنه لعلاقة أو غير علاقة. - وأما الحمل: فهو اعتقاد السامع لمراد المتكلم من لفظه سواء أصاب مراده أو أخطأه. فالاستعمال من صفة المتكلم، وهو الحمل من صفة السامع، والوضع متقدم عليها. فروع ثلاثة: - الأول: في واضع اللغات، فذهب قوم إلى أنها اصطلاحية، ووضعهما الناس فيما بينهم ليتخاطبوا بها، وذهب قوم إلى أنها توقيفية وضعها اللَّه وعلمها عباده بواسطة الملائكة والأنبياء.

стр. 26

والأمر في ذلك محتمل ولا تبتغي عليه فائدة (١). - الفرع الثاني: أجاز مالك والشافعي استعمال اللفظ الواحد في معنيين فأكثر في حالة واحدة، ومنعه قوم، وذلك كالمشترك، يطلق على معنيين، وكالحقيقة والمجاز يجمع بينهما في اللفظ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٦]، لأن الصلاة من اللَّه الرحمة، ومن الملائكة الدعاء، وقد استعمل في المعنيين معًا (٢). - الفرع الثالث: إذا ورد اللفظ المشترك بقرينة، حمل على المعنى الذي تدل عليه القرينة، وإن ورد مجردًا عن القرائن، توقف فيه، فلم يتصرف فيه إلا بدليل. وقال الشافعي يحمل على جميع محتملاته احتياط والفرق بين هذه الفروع أن الأول في الوضع والثاني في الاستعمال، والثالث في الحمل. الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز وفيه فصلان: الفصل الأول: ففي حدهما أما الحقيقة: فهي اللفظ المستعمل في معناه. والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير معناه لعلاقة بينهما. والمراد بالمعنى هنا: هو ما يعنيه العرف الذي وقع التخاطب، وذلك أن الاستعمال على ثلاثة أضرب: لغوي، وشرعي، وعرفي. واللفظ يكون حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، وهو تصيير الحقيقة مجازًا، والمجاز حقيقة باختلاف الاستعمال، ألا ترى أن الدابة في اللغة حقيقة في كل حيوان، وفي العرف أهل مصر حقيقة في الحمار لا غير، وفي عرف أهل المغرب حقيقة في المركوبات كلها، وهي مجاز بالنظر إلى كل استعمال منها إذا أطلقت على سواه.

стр. 27

وكذلك الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من الألفاظ الشرعية، لها معانٍ في اللغة، ومعانٍ في الشرع، وهي بالنظر إلى الشرع حقيقة في المعاني الشرعية مجاز في اللغوية، وهي بالنظر إلى اللغة بعكس ذلك (١). الفصل الثاني: في أقسام المجاز وهو ينقسم قسمين: مجاز في الإفراد، وهو الأكثر. ومجاز في التركيب والإسناد، كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٦] لأن الربح في الحقيقة من صفة التاجر لا من صفة التجارة. وينقسم من طريق علاقته عشرة أقسام: أولها: مجاز التشبيه، كتسمية الشجاع بالأسد، وتدخل الاستعارة في هذا القسم. وثانيها: تسمية المجاور باسم مجاوره. وثالثها: إطلاق اسم الكل على البعض. ورابعها: إطلاق البعض على الكل. وخامسها: تسمية السبب باسم المسبب. وسادسها: تسمية المسبب باسم السبب. وسابعها: التسمية أو الوصف بما يستقبل. ثامنها: بما مضى. وتاسعها: الزيادة في اللفظ. وعاشرها: النقصان منه (٢).

стр. 28

الباب الثالث: في العموم والخصوص وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في حد العموم وأدواته أما حده فالعموم وهو: شمول الحكم لكل فرد من أفراد الحقيقة والعام هو: اللفظ الموضوع لمعنى كلي بشرط شمول الحكم لكل فرد من أفراده فهو من الكلية لا من الكل. وأدوات العموم: كل، وجميع، وأجمع، والجمع إذا كان بالألف واللام سواء كان سالمًا أو متكسرًا، واسم الجمع كذلك والمفرد إذا كان بالألف واللام التي للجنس، والنكرة في سياق النفي، والذي، والتي وتثنيتهما وجمعهما، ومن، وما، وأي، ومتى في الزمان وأين، وحيث في المكان، ومهما (١)، وقال الشافعي: ترك الاستفصال في حكاية الأحوال تقوم مقام العموم في المقال (٢)، واختلف في الفعل في سياق النفي (٣). الفصل الثاني: في حد التخصيص وذكر المخصصات أما التخصيص: فهو إخراج بعض ما يتناوله العموم قبل تقرر حكمه، وتحرزنا بهذا القيد من النسخ، لأنه بحد تقرر الحكم الأول. - وأما المخصصات للعموم فضربان: متصلة، ومنفصلة. فالمتصلة: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية (٤). والمنفصلة: العقل، والحس، ومنطوق الكتاب والسنة، ومفهومهما، وفعل النبي ﷺ ، وإقراره، والإجماع (٥)، والقياس على خلاف فيه (٦) كل هذه تخصص الكتاب والسنة.

стр. 29

ولا يخصص العموم وروده على سبب خاص خلافًا للشافعي (١)، ولا يخصصه العرف والعادة على خلاف ذلك (٢)، ولا مخالفة راويه له (٣) ولا عطفه على خاص، ولا عطف خاص عليه (٤). الفصل الثالث: في مسائل متفرقة - الأولى: مذهب مالك والقاضي أبي بكر بن الطيب، أن أقل الجمع اثنان، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما أن أقل الجمع ثلاثة (٥). - المسألة الثانية: يتدرج العبيد في خطاب الناس (٦)، ويندرج النساء في خطاب الرجال لاستوائهم في الأحكام إلا ما خصصه الدليل (٧). - المسألة الثالثة: يجوز التخصيص حتى لا يبقى من العموم إلا واحد. - المسألة الرابعة: إذا خص العام، بقي حجة بعد التخصيص. - المسألة الخامسة: إذا ورد الاستثناء أو الشرط أو الغاية بعد أشياء فمذهب مالك: أنه يرجع إلى جميعها، ومذهب أبي حنيفة أنه يرجع إلى الأخير خاصة. تقسيم: الألفاظ أربعة أقسام: عام أريد به العموم نحو: كل مسكر حرام، وخاص أريد به الخصوص كقوله ﷺ في الذهب والحرير: "هَذَانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي" (٨) وعام أريد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: الآية ٢]، فإنه يراد به غير المحصن، وخاص أريد به العموم كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: الآية ٢٣] فإن المراد النهي عن أنواع العقوق كلها (٩).

стр. 30

الباب الرابع: في الاستثناء وفيه فصلان: الفصل الأول: في حده قال بعضهم: هو إخراج الأول عما دخل فيه الثاني بإلّا ونحوها وقيل: هو إخراج بعض ما يتوهم دخوله في اللفظ الأول بأدوات الاستثناء مع ما بعدها حتى يصل بما قبلها. وتحرّز بوصف أدواته من التخصيص، وخرج عند الاستثناء المنقطع لأنه لا يتوهم دخوله في اللفظ الأول، كقولك: جاءني القوم إلا حمار، فإن الحمار لا يتوهم دخوله في القوم، وذلك أن الاستثناء على أربعة أنواع: تارة يخرج ما لولاه لعلم دخوله، وهو الاستثناء من الظواهر والعمومات نحو: اقتلوا الكفار إلا النساء والصبيان. وتارة يخرج ما لولاه لجاز دخوله، وهو الاستثناء من الأزمان، نحو: صلّ إلا عند طلوع الشمس، ومن المكان، نحو: اجلس إلا على المقابر، ومن الأحوال، نحو: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: الآية ٦٦]. وتارة يخرج ما يقطع بعدم دخوله، وهو الاستثناء المنقطع، لأن الثاني من غير جنس الأول (١) واختلف فيه هل حقيقة أو مجاز (٢)، فإن جعلناه مجازًا، فالحد صحيح لأن الحدود إنما توضع للحقائق، وإن جعلناه حقيقة، فيزاد في الحد أو ما يعرض في نفس المتكلم والسامع ليشمل المنقطع. الفصل الثاني: في مسائل متفرقة - الأولى: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات (٣). - الثانية: يجوز استثناء الأكثر من الجملة (٤) خلافًا للقاضي أبي بكر بن الطيب.

стр. 31

- الثالثة: يجوز أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، وحكي عن ابن عباس جوازه ولو بعد شهر (١). والتحقيق أن قول ابن عباس ليس في الاستثناء "بإلّا" ونحوها وإنما هو في الاستثناء في اليمين بمشيئة اللَّه. الباب الخامس: في المطلق والمقيد وفيه فصلان: الفصل الأول: في معناهما فالمطلق: هو الكلي الذي لم يدخله تقيد، فلذلك لا يكون إلا نكرة لشياعها، وليكتفي في الحكم عليه بفرد من أفراده، أي فرد كان. والمقيد: هو الذي دخله تعيين ولو من بعض الوجوه، كالشرط والصفة وغير ذلك. والتقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرب مطلق مقيَّد بالنسبة، ورب مقيَّدًا مطلق فإذا قلت إنسان فهو مطلق ولو قلت فيه حيوان ناطق لكان مقيَّد لوصف الحيوان بالنطق وقد يكون اللفظ مقيَّدًا من وجه مطلقًا من وجه كقولك: أكرم رجلًا صالحًا، فإنه مقيَّد بالصلاح مطلق في غير ذلك من الصفات كالبياض والسواد (٢). الفصل الثاني: في أحكامهما إذا ورد الخطاب مطلقًا لا مقيدًا له حمل على إطلاقه، وإن ورد مقيدًا لا مطلق له حمل على تقييده، وإن ورد مطلقًا في موضع ومقيدًا في آخر، فإن ذلك ينقسم إلى أربعة أقسام: - الأول: متفق الحكم والسبب، كتقييد الغنم بالسَّيوم في حديث (٣)، وإطلاقها في آخر (٤) فهذا يحمل فيه المطلق على المقيد. - ومتحد الحكم مختلف السبب، كالرقبة المعتقة في الكفارة، قُيدت في القتل بالإيمان وأطلقت في الظهار، فاختلف هل يحمل فيه المطلق على المقيد أم لا؟

стр. 32

- ومختلف الحكم متحد السبب، كتقييد الوضوء بالمرافق، وإطلاق التيمم، والسبب فيهما واحد، وهو الحدث، فاختلف فيه أيضًا، ومذهب الشافعي حمل المطلق على المقيد في هذين القسمين خلافًا لأبي حنيفة، واختلف فيه أصحاب مالك. - والرابع: مختلف الحكم مختلف السبب، فلا يحمل فيه المطلق على المقيد إجماعًا. الباب السادس: في النص والظاهر والمؤوّل والمبيَّن وفيه فصلان: الفصل الأول: في معنى هذه الألفاظ ولذكرها بتقسيم وهو أن اللفظ إن دل على معنى ولم يحتمل غيره، فهو النص، على أن أكثر فقهاء الزمان يقولون النص في المحتمل وغيره. وإن احتمل معنيين فأكثر، فلا يخلو إما أن يكون أحدهما أرجح من الآخر أم لا، فإن كان أحدهما أرجح من الآخر سمي بالنظر إلى الراجح ظاهرًا، وبالنسبة إلى المرجوح أو الأخفى مؤولًا، وهو مشتق من التأويل، ومعناه: إخراج اللفظ عن ظاهره، وإن لم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر فهو المجمل. وأما المبيَّن: فهو ما أفاد معناه إما بالوضع أو بضميمة تبينه وهو يشمل النص والظاهر، فهو نقيض المجمل (١). الفصل الثاني: في مسائل متفرقة المسألة الأولى: البيان يقع بالقول وبالمفهوم وبالكتابة، وبالإشارة وبالقياس وبالدليل العقلي والحسي وبالتعليل (٢). المسألة الثانية: وقع المجمل في الكتاب والسنة خلافًا لقوم. المسألة الثالثة: إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ليس مجملًا، فيحمل على ما يدل عليه الحرف في كل عين، فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:

стр. 33

الآية ٢٣]. محمول على النكاح، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: الآية ٣]. محمول على الأكل (١). المسألة الرابعة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويجوز تأخيره عن وقت الخطاب (٢). الباب السابع: في لحن الخطاب وفحواه ودليله أما لحن الخطاب: فهو ما حذف من الكلام ولا يستقل المعنى إلا به كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: الآية ٦٣] تقديره: فضرب فانفلق، ومثله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤] تقديره: إن أفطر في المرض أو السفر، وأخذ به العلماء كلهم إلا الظاهرية (٣). وأما فحوى الخطاب، فيسمى تنبيه الخطاب، ومفهوم الموافقة، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، وأخذ به العلماء أيضًا إلا الظاهرية. وهو نوعان: - تنبيه بالأقل على الأكثر كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: الآية ٢٣] فإنه نبه بالنهي عن قول أف على النهي عن الشتم والضرب وغير ذلك. . ومثله قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: الآية ٧٥]. - وتنبيه بالأكثر على الأقل كقوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: الآية ٧٥]. أما دليل الخطاب: فهو مفهوم المخالفة، وهو الذي يطلق الفقهاء عليه اسم المفهوم في الأكثر، وهو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وهو حجة عند مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة. وكل مفهوم فله منطوق، ولا خلاف أن المنطوق حجة لأنه الذي وضع له اللفظ، مثال ذلك: "إنَّما الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٤).

стр. 34

فمنطوق هذا اللفظ إثبات الولاء لمن أعتق، ومفهومه نفي الولاء عمن لم يعتق. وهو عشرة أنواع: - مفهوم العلة: نحو: "مَا أُسْكرَ فَهُوَ حَرَامٌ" (١)، فمنطوق هذا اللفظ تحريم المسكر، ومفهومه تحليل غير المسكر. - ومنهم الصفة: نحو "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" الفرق بين العلة والصفة، أن العلة سبب الحكم بخلاف الصفة. - ومفهوم الشرط: نحو: من تطهر صحت صلاته. - ومفهوم الاستثناء: نحو: قام القوم إلا زيدًا. - ومفهوم الغاية: نحو: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]. - ومفهوم الحصر: نحو: (إنما الولاء لمن أعتق). وأدوات الحصر أربعة: - إنما. - وتقدم النفي قبل أدوات الاستثناء. - وتقدم المعمولات. - والمبتدأ مع الخبر. - ومفهوم الزمان: نحو ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: الآية ٢]. - ومفهوم المكان: نحو: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]. - ومفهوم العدد: نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: الآية ٤]. - ومفهوم اللقب: وهو تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات نحو: "فِي الغَنَم الزَكاةُ". وأقواها مفهوم العلة، وأضعفها مفهوم اللقب، ولم يقل به أحد إلا الدَّقاق وخالف في مفهوم الصفة القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو المعالي. فرع: إذا خرج المفهوم مخرج الغالب فليس بحجة إجماعًا نحو: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: الآية ٣١].

стр. 35

الباب الثامن: في تعارض مقتضيات الألفاظ وفيه فصلان: الفصل الأول: في تعارض احتمال راجح مع احتمال مرجوح فيقدم الراجح، ويحمل الكلام عليه إلا إن دل دليل على إرادة المرجوح، فحينئذٍ يحمل عليه، وإلا تقدم الراجح لأنه الأصل، فتقدم الحقيقة على المجاز، والعموم على الخصوص، والإفراد على الاشتراك، والاستقلال على الإضمار، والإطلاق على التقييد، والتأصيل على الزيادة، والترتيب على التقديم والتأخير، والتأسيس على التأكيد، والبقاء على النسخ، والشرعي على العقلي، والعرفي على اللغوي. الفصل الثاني: في تعارض احتمالين مرجوحين فيُقدّم التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ، وتقدم الأربعة الأول على الاشتراك، والثلاثة الأول على النقل، والأولات على الإضمار، ويقدم التخصيص على المجاز (١) خلافًا لفخر الدين بن الخطيب. فرع: إذا تعارضت الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، قدمت الحقيقة عند أبي حنيفة، والمجاز عند أبي يوسف، وتوقف في ذلك فخر الدين (٢). الباب التاسع: في الأمر والنهي وفيه فصلان: الفصل الأول: في الأمر إذا ورد مجردًا عن القرائن حمل على الوجوب عند مالك وأكثر العلماء (٣)، وقيل على الندب. وإن ورد بقرينة حمل على ما تدل عليه القرينة من الوجوب كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: الآية ٤٣]، أو الندب كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: الآية

стр. 36

٣٣]. أو الإباحة كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: الآية ٢] لأنه إذا ورد بعد الحظر فهو للإباحة على الأصح (١)، وقد يرد للتعجيز نحو: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٣]، وللتهديد نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: الآية ٤٠]، وللخبر نحو: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: الآية ٧٥] كما أن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٣]. فروع: - الأول: الأمر يدل على إجزاء المأمور به عند الجمهور (٢). - الثاني: اختلف هل يقتضي الأمر فعل المأمور به على الفور أم لا؟ (٣). - الثالث: اختلف هل يقتضي التكرار أم لا؟ (٤) - الرابع: إذا نسخ الأمر، فاختلف هل يحتج به على الجواز أم لا؟. الفصل الثاني: في النهي إذا ورد مجردًا عن القرائن حمل على التحريم عند مالك وأكثر العلماء، وقيل على الكراهة، وإذا ورد بقرينة حمل على ما تدل عليه القرينة من تحريم أو كراهة (٥). فروع: - الأول: النهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات خلافًا للقاضي أبي بكر فيهما وفرق فخر الدين بين العبادات فيقتضي الفساد وبين المعاملات فلا يقتضي (٦). - الثاني والثالث: يقتضي النهي الفور والتكرار على الأصح ليحصل الانتهاء من زمان وروده إلى الأبد. - الرابع: الأمر يقتضي النهي عن الأضداد المأمور به كلها، والنهي يقتضي الأمر بضد واحد من أضداد المنهي عنه.

стр. 37

الباب العاشر: في معاني الحروف يحتاج إليها الفقيه، وجرت عادة الأصوليين بذكرها: - الباء: على ثمانية أنواع: للإلصاق، وهو للتعدي، وللاستعانة وللقسم، وللمصاحبة، وللتعليل، وزائدة، وظرفية، وزاد بعض الكوفيين للتبعيض. - اللام: على خمسة أنواع: للملك، وللاختصاص، وللاستحقاق، وللتعليل، وللتأكيد وهي المفتوحة. - الواو: على خمسة أنواع: واو العطف، وهي تقتضي الجمع بين الشيئين من غير ترتيب في الزمان، وواو الحال، وواو القسم، وواو رب، وواو الناصبة للفعل. - الفاء: على ثلاثة أنواع: عاطفة، وفاء رابطة، وناصبة للفعل، وهي تقتضي الترتيب، والتسبب، والتعقيب. - ثُمَّ: للعطف، وللترتيب، والمهملة. - لكن: للاستدراك، ويسميها أهل المنطق باستثناء (١). - حتى: للغاية (٢). - مِنْ: على أربعة أنواع: للتنويع، ولابتداء الغاية، ولبيان الجنس، وزائدة (٣). - إلى: لانتهاء الغاية، وقيل بمعنى مع. - الكاف: للتشبيه، والتعليل. - في: للظرفية والسببية (٤). - أو: لها خمسة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والإباحة والتنويع (٥). - إِمَّا: المكسورة المشددة، لها أربعة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والتنويع. - أما: المفتوحة المشددة للتفصيل.

стр. 38

- ألَا: للتنبيه، والاستفتاح، وللعرض، والتخصيص. - إِنَّ: المكسورة المشددة، والمفتوحة المشددة، كلاهما للتأكيد. - أنْ: المفتوحة المخففة، أربعة أنواع: مصدرية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة، وحرف عبارة وتفسير. - إِنْ: المكسورة المخففة، أربعة أنواع: شرطية، ونافية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة. - لمَّا: على نوعين: نافية، وحرف وجوب لوجوب. - لوْ: على نوعين: للتمني، ولامتناع شيء لامتناع غيره، وهي للشرطية، فإذا دخلت على النفي صيرته إثباتًا، وإن دخلت على الإثبات صيرته نفيًا (١). لوْلَا: على نوعين: للعرض وللتحضيض، ولامتناع شيء لوجود غيره (٢).

стр. 39

الفن الثالث من علم الأصول في الأحكام الشرعية وفيه عشرة أبواب: الباب الأول: في أقسام الأحكام وهي خمسة: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه ومباح. - فالواجب: ما طلب فعله طلبًا جازمًا. - والمندوب: ما طلب الشرع فعله طلبًا غير جازم. - والمحرم: ما طلب الشرع تركه طلبًا جازمًا. - والمكروه: ما طلب الشرع تركه طلبًا غير جازم. - والمباح: ما لم يطلب الشرع فعله ولا تركه (١). وهذه الحدود صح من تحديدها بالثواب والعقاب كقولهم للواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب لوجهين: أحدهما: إن الثواب والعقاب ليس أحدهما وصفًا ذاتيًا للأحكام، وإنما هما جزاء عليهما، فلا يجوز الحد بهما. والثاني: إن العقاب قد يعدم إذا عفا اللَّه، والثواب قد يعدم إذا عدمت النية. ومثل ذلك يَردُّ على من قال: إن الواجب ما ذم تاركه، والمحرم ما ذم فاعله. الباب الثاني: في أسماء هذه الأقسام ودرجاتها أما الواجب: فهو الفرض، والمفروض، والمكتوب، والمحتوم، والمستحق.

стр. 40

وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت وجوبه بدليل قطعي، والواجب: ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه (١). وينقسم الفرض قسمين: فرض عين: وهو ما يجب على كل مكلف، كالصلاة، والصيام، وفرض كفاية: وهو الذي إذا قام به بعض الناس سقط عمن سواهم كالصلاة على الجنائز، وطلب العلم، والجهاد، فإن تواطأ الجميع على تركه أُثِموا (٢). وأما المندوب: فهو المتطوع، وهو على درجات أعلاها السنة، ودونها المستحب، وهو الفضيلة ودونها النافلة، وقد يقال نافلة في المندوب على الأعيان وهو الآكد، كالوتر والفجر، وصلاة العيدين، وقد يكون على الكفاية كالآذان والإقامة، وبما يفعل بالأموات من المندوبات. وأما الحرام: فهو المُحرَّم والممنوع، والمحظور، والمعصية، والسيئة، والذنب، والإثم (٣)، وهو على درجتين: صغائر وكبائر وقد يقال فيه مكروه (٤). وأما المكروه: فقد تغلظ كراهيته حتى يقرب من الحرام، وقد تخف. وأما المباح: فهو الحلال والجائز (٥) وقد يعبر عنه بلا جناح، ولا حرج، ولا إثم ولا بأس. الباب الثالث: في الواجب الموسع والمخيَّر ينقسم الواجب بالنظر إلى الوقت قسمين: مضيق وموسع. - والموسع: هو أن يكون وقت الفعل يسع أكثر منه، وقد يكون محدودًا كأوقات الصلوات، وقد يكون غير محدود، بل موَسَّعًا بطول العمر كالحج، ويتعلق الوجوب بجميع الوقت عند جمهور المالكية، وقيل بجزء من الوقت غير معين، ويعينه المكلف بفعله ويعزي إلى الشافعية إنكار الواجب الموسع، لأنهم يقولون إن الوجوب يتعلق بأول الوقت، ويعزي إلى الحنفية إنكاره، لأنهم يقولون إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت (٦).
следующие страницы →