Полный текст (1 198 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أخرجه البيهقي كذلك في الشعب عن الحاكم: سمعت علي بن حمشاذ سمعت الحسين بن الفضيل، وحدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هقل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "ثلاثة لا يعادون: الضرس والرمد والدمل". وقال: هذا أصح. وقال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: ولع بعض العوام بأن الأرمد لا يُعاد، وقد أخرج أبو داود في "سننه" من حديث يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن زيد بن أرقام قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني. ورجاله ثقات. وقد حسن المنذري إسناده وسكت عليه أبو داود فهو عنده صالح ولم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سواه.
لكن قد رواه البيهقي في "الشعب" من طريق عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبيه عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال: أصابني رمد فعادني رسول الله ﷺ ، فلما كان الغد أفاق بعض الإفاقة ثم خرج، ولقيه النبي ﷺ فقال: "أرأيت لو أن عينيك لما بهما ما كنت صانعًا؟ قال: أصبر وأحتسب، قال: "أما والله لو كانت عينيك لما بهما، ثم صبرت واحتسبت ثم مت، لقيت الله ولا ذنب لك وله عنده طريق
стр. 37
أخرى، رواه من طريق محمد بن المصفى عن معاوية بن حفص عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: عاد رسول الله ﷺ زيد بن أرقم من رمد كان به. قال المنذري: وذكر بعضهم عيادة المغمى وقال: فيه رد لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض من عينيه، وزعموا ذلك، لأنهم يرون في بيته مالا يراه هو، قال: وحالة الإغماء أشد من حالة مرض العين، وقد جلس النبي ﷺ في بيت جابر في حالة إغماء، حتى أفاق وهو ﷺ الحجة.
قلت: ويتأيد ذلك أيضًا بما روي أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "اذهبوا بنا إلى بني واقف نزور البصير وكان محجوب البصر". وأما ما يروى من قوله: " لا غم إلا غم الدين، ولا وجع إلا وجع العين"، فهو
стр. 38
حديث منكر. والله أعلم.
٨ - حديث: أن النبي ﷺ تبسم في الصلاة فلما سلم قال: "مر بي ميكائيل" الحديث .
رواه أحمد بن منيع والطبراني في الأوسط والكبير من حديث علي بن ثابت عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ـ وليس بابن حرام، هذا ابن رئاب ـ قال: بينما النبي ﷺ يصلي العصر في غزوة بدر؛ إذ تبسم، فلما قضي الصلاة قيل له: يا رسول الله تبسمت في الصلاة؟ قال: "مر بي ميكائيل وعلى جناحه الغبار فضحك إلى، فتبسمت".
قال الطبراني بعده: لم يروه عن جابر إلا أبو سلمة، ولا عنه إلا الوازع تفرد به علي.
قلت: والوازع ليس بثقة، فيما قاله أحمد، ويحيى بن معين
стр. 39
وغيرهما، وقال الحاكم وغيره: روى أحاديث موضوعة. انتهى.
فالحديث بسببه ضعيف لا تقوم بمثله الحجة، ومن حسنه فقد وهم، وقد أورده الدميري عند قول المنهاج: والأصح أن التنحنح. والله أعلم.
стр. 40
٩ - حديث: "عمل علي ﵁ لبعض أهل الذمة ".
رواه ابن ماجه في سننه من طريق حنش عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: أصاب نبي الله ﷺ خصاصة، فبلغ ذلك عليًا ﵇، فخرج يلتمس عملاً يصيب فيه شيئًا، ليغيث به رسول الله ﷺ ، فأتى بستانًا لرجلٍ من اليهود، فاستسقى له سبعة عشر دلوًا كل دلو بتمرة، فخيره اليهودي من تمره سبع عشرة عجوة، فجاء بها إلى نبي الله ﷺ . لكن حنش ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد ويحيى بن معين وجماعة، وهو بفتح الحاء المهملة بعدها نون ثم شين معجمة لقب واسمه: حسين بن قيس، أبو علي الرحبي، وله طريق أخرى: أخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده قال: أخبرنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد، عن كعب بن القرظي، حدثني من سمع علي بن أبي طالب ﵁ يحدث قال: خرجت في غداة شاتية من بيتي جائعًا حرضًا قد أدلقني البرد، فأخذت إهابًا قد كان عندنا، فجبته ثم أدخلته في عنقي ثم حزمته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة فاطلعت إلى يهودي في حائط من ثغرة جداره، فقال
стр. 41
مالك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتح الحائط، ففتح لي، فدخلت فجعلت أنزع دلوًا ويعطيني تمرة، حتى إذا ملأت كفي قلت: حسبي منك الآن، فأكلتهن، ثم جرعت في الماء، ثم جئت إلى النبي ﷺ فجلست إليه في المسجد وهو في عصابة من أصحابه فاطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة، فلما رآه رسول الله ﷺ ، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو فيها، فذرفت عيناه فبكى ثم قال: "كيف أنتم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في أخرى، وسترت بيوتكم كما تستر الكعبة" قلنا: نحن يومئذ خير نكفي المؤنة ونتفرغ للعبادة؟ قال: "أنتم اليوم خير منكم يومئذ".
وهكذا أخرجه أبو يعلي في مسنده: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا وهب به ولفظه: خرجت في غداة شاتية جائعًا قد أوبقني البرد، فأخذت ثوبًا من صوف قد كان عندنا، ثم أدخلته في عنقي وحمزته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ شيء لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة فانطلقت إلى يهودي في حائطه، فاطلعت عليه من ثغرة جداره، فقال: مالك يا أعرابي، هل لك في دلو بتمرة؟ قلت: نعم، افتح لي الحائط، ففتح لي، فدخلت، فجعلت أنزع الدلو، ويعطيني تمرة حتى ملأت كفي، قلت: حسبي منك الآن فأكلتهن، ثم جرعت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فجلست إليه في المسجد، وهو مع عصابة من أصحابه فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة، وأرفهه عيشًا، فلما رآه
стр. 42
النبي ﷺ ، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال رسول الله ﷺ : "أنتم اليوم خير، أم إذا غدي على أحدكم بحفنة من خبز ولحم، وريح عليه بأخرى، وغدي في حلة وراح في أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ " قلنا: بل نحن يومئذ خير، نتفرغ للعبادة، قال: "أنتم اليوم خير".
وهو عند الترمذي في "جامعة" قال: حدثنا هناد، قال حدثنا هناد، قال حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: خرجت في يوم شات من بيت رسول الله ﷺ وقد أخذت إهابًا معطوبًا فحولت وسطه فأدخلته عنقي، وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله ﷺ طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئًا، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط، فقال: مالك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم، فافتح الباب حتى أدخل، ففتح، فدخلت فأعطاني دلوه، فكلما نزعت دلوًا أعطاني تمرةً، حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه، وقلت: حسبي فأكلتها، ثم جرعت من الماء فشربت، ثم جئت المسجد فوجدت رسول الله ﷺ فيه. وقال عقبه: حسن غريب.
قلت: هو كذلك لولا الراوي الذي لم يسم، فإن يزيد وثقه النسائي وبان حبان، لكن قال البخاري: لا يتابع على حديثه، والراوي عنه
стр. 43
قد صرح بالتحديث، وقد رواه العدني في "مسنده" فحدد المبهم وجعله عن محمد بن كعب بدل كعب، فإنه قال: حدثنا هشام بن سليمان حدثنا أبو رافع، سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث أن أهل العراق أصابتهم أزمة، فقام بينهم علي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس أبشروا فوالله إني لأرجو أن لا يمر عليكم إلا يسير حتى تروا بما يسركم من الرخاء، واليسر قد رأيتني، مكثت ثلاثة أيام من الدهر ما أجد شيئًا آكله حتى خشيت أن يقتلني الجوع فأرسلت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تستطعمه لي، فقال: يا بنية! والله ما في البيت طعام يأكله ذو كبد إلا ما ترين ـ لشيء قليل بين يديه ـ ولكن ارجعي فسيرزقكم الله، فلما جاءتني أخبرتني، وانقلبت وذهبت حتى آتي بني قريظة، فإذا يهودي على شفير بئر، فقال: يا علي هل لك أن تسقي نخلاً لي وأطعمك؟ قلت: نعم، فبايعته على أن أنزع كل دلو بتمرة، فجعلت أنزع، فكلما نزعت دلوًا أعطاني تمرةً حتى امتلأت يداي من التمر، فقعدت فأكلت، ثم شربت من الماء، ثم قلت: يا لك بطنًا، لقد لقيت اليوم خيرًا، ثم نزعت ذلك لابنة رسول الله ﷺ ثم وضعت، فانقلبت راجعًا حتى إذا كنت ببعض الطريق إذا أنا بدينار ملقى، فلما رأيته وقفت أنظر إليه وأوامر نفسي أأخذه أم أذره؟ وأبت إلا آخذه، وقلت: أستشير رسول الله ﷺ فأخذته، فلما جئتها أخبرتها الخبر، قال: هذا رزق الله، ومن الله، فانطلق فاشتر لنا دقيقًا، فانطلقت حتى جئت السوق، فإذا بيهودي من يهود فدك يبيع دقيقًا من دقيق الشعير، فاشتريت منه، فلما اكتلت، قال: ما أنت لأبي القاسم؟ قلت: ابن عمي وبنته امرأتي، فأعطاني الدينار، فجئتها فأخبرتها الخبر، فقالت: هذا رزق الله
стр. 44
ومن الله ، فاذهب به، فارهنه بثمانية قراريط ذهب في لحم، ففعلت، ثم جئتها به فقطعتها لها ونصبت وعجنت وخبزت ثم صنعنا طعامًا، وأرسلنا إلى رسول الله ﷺ ، فجاءنا فلما رأى الطعام قال: "ما هذا؟ ألم تأتيني آنفًا تسألني؟ " فقلنا: بلى اجلس يا رسول الله نخبرك الخبر، فإن رأيته أكلت وأكلنا فأخبرناه الخبر، فقال: "هو طيب فكلوا باسم الله"، ثم قام فخرج فإذا هو بأعرابية تشتد كأنه نزع فؤادها، فقالت: يا رسول الله: إني أبضع معي بدينار فسقط مني والله ما أدري أين سقط، فانظر بأبي وأمي أن يذكر لك، فقال رسول الله ﷺ : "ادعي لي على بن أبي طالب" فجئته فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب إلى الجزار فقل له: إن رسول الله ﷺ يقول لك: إن قراريطك عليّ فأرسل بالدينار"، فأرسل به فأعطاه الأعرابية فذهبت.
هكذا أخرجه العدني وشيخه قد أخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري تعليقًا، لكن قال أبو حاتم: إنه مضطرب الحديث ومحله الصدق، ما أرى بحديثه بأسا، وأبو رافع إن لم يكن إساعيل بن رافع القاص الذي ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال الدارقطني وغيره: متروك فلا أدري من هو؟
стр. 45
ولهذا الحديث طريق أخرى، أخرجها ابن ماجه أيضًا إلا أنها باختصار جدًا من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن أبي حية عن علي ﵁ قال: كنت ألدو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة.
وأبو حية ـ بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت ـ لا يعرف اسمه، وقال أحمد: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" وسماه عمرو بن عبد الله، وصحح ابن السكن وغيره حديثه.
والجلدة هي: اليابسة اللحاء الجيدة قاله الهروي. وجاء من وجه أخر فيه بعض مخالفة، وقال أبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة "بالغيلانيات": حدثنا الحارث بن محمد ـ يعني ابن أبي أسامة ـ حدثنا داود بن المحبر حدثنا عدي بن الفضل عن أيوب عن مجاهد ح وعباد بن كثير عن جعفر بن محمد عن أبيه، كلاهما عن علي بن أبي طالب قال: أصابنا وأنا بالمدينة جوع شديد حتى مررت بالنبي ﷺ ، فعرف جهد الجوع في وجهي، فخرجت ألتمس العمل، فإذا أنا بامرأة من اليهود قد جمعت
стр. 46
ترابًا لها تريد أن تبله، فقاطعتها على كل ذنوب بتمرة، فمددت لها ثلاثة عشر ذنوبًا حتى تزلعت يداي، فأتيتها فعدت ثلاثة عشر تمرة، فأتيت بها النبي ﷺ وصببتها بين يديه فأكلناها وأصبنا من الماء.
وداود ضعفه غير واحد، وقيل: إنه كان يخطئ ويصحف كثيرًا وهو في الأصل صدوق، وشيخه قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
لكن تابعه إسماعيل ـ وهو ابن علية ـ عن أيوب، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن ولفظه: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة ... الحديث. وهذه الطريق أجودها. وقد أخرجه أبي نعيم في "الحلية" من طريق "المسند" حدثنا إسماعيل بن علية، ومن طريق أبي يعلى: حدثنا أبو الربيع حدثنا حماد قالا: حدثنا أيوب السختياني عن مجاهد قال: خرج علينا علي بن أبي طالب يومًا متعجزًا فقال: جعت بالمدينة جوعًا شديدًا فخرجت أطلب
стр. 47
العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بله، فأتيتها فقاطعتها على كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا حتى مجلست يداي، ثم أتيت الماء فاصبت منه ثم أتيتها فقلت: يكفي هكذا بين يديها ـ وبسط إسماعيل يديه وجمعهما ـ فعدت لي ست عشرة تمرة، أو سبع عشرة فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها. وقال حماد في حديثه: استقيت ستة عشر، أو سبعة عشر، ثم غسلت يدي فذهبت بالتمر إلى رسول الله ﷺ فقال لي خيرًا، ودعا لي.
وقال عقبه: رواه موسى الطحان عن مجاهد نحوه. ثم ساقه كذلك من طريق عبد الله بن أ؛ مد بن حنبل: حدثني علي بن حكيم الأودي حدثنا شريك عن موسى الطحان عن مجاهد عن علي قال: جئت إلى حائط أو بستان، فقال لي صاحبه: دلو وتمرة، فدلوت دلوًا بتمرة، فملأت كفي ثم شربت من الماء ثم جئت إلى رسول الله ﷺ بملئ كفي، فأكل بعضه وأكلت بعضه. انتهى. وهو عند أحمد أيضًا عن أسود عن شريك إلا أن موسى.
وقد وقع ذلك لغير علي من الصحابة ﵃ فأخرج ابن ماجه في سننه من طريق محمد بن فضيل: حدثنا عبد الله بن سعيد عن جده ـ هو أبو سعيد المقبري ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل
стр. 48
من الأنصار فقال: يا رسول الله! ما لي أرى لونك منكفئًا؟ ـ يعني متغيرًا ـ قال: "الخمص"، فانطلق الأنصاري إلى رحلة، فلم يجد في رحله شيئًا، فخرج يطلب، فإذا هو بيهودي يسقي نخلاً له، فقال الأنصاري لليهودي: أسقي نخلك؟ قال: نعم، قال: كل دلو بتمرة، واشترط الأنصاري أن لا يأخذه خدرة ـ يعني المعفنة ـ ولا تارزة ـ يعني اليابسة ـ ولا حشفة، ولا يأخذ إلا جلدة، فاستقى بنحو من صاعين، فجاء به إلى النبي ﷺ . لكن عبد الله ضعيف جدًا. وأخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" بسند فيه مجاهيل من من طريق محمد بن إبراهيم بن عنمة الجهني، عن أبيه، عن جده، قال: خرج النبي ﷺ ذات يوم فلقيه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي إنه ليسؤني الذي ارى بوجهك وعما هو؟ قال: فنظر النبي ﷺ لوجه ارجل ساعة، ثم قال: "الجوع"، فخرج الرجل يعدو، أو شبيهًا بالعدو، حتى أتى بيته، فالتمس عندهم الطعام فلم يجد شيئًا، فخرج إلى بني قريظة فآجر نفسه على كل دلو ينزعها بتمرة حتى جمع حفنة، أو كفأ من تمر، ثم رجع بالتمر حتى وجد النبي ﷺ في مجلس لم يرم، فوضعه بين يديه وقال: كل أي رسول الله، فقال النبي ﷺ : "من أين لك هذا التمر؟ " فأخبره الخبر، فقال النبي ﷺ : "إني لأظنك تحب الله ورسوله؟ " قال: أجل، والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلىَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي، فقال: "أما لا فاصطبر للفاقه، وأعد للبلاء
стр. 49
تجفافًا فوالذي بعثني بالحق، لهما إلى من يحبني أسرع من هبوط الماء من رأس الجبل إلى أسفله". وأخرج الطبراني في "الكبير" أيضًا بسند جيد عن كعب بن عجزة قال: أتيت النبي ﷺ فرايته متغيرًا، قال: فقلت بابي أنت [وأميي مالي أراك متغيرًا؟ قال: "ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث" قال: فذهبت فإذا يهودي يسقي غبلاً له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمرًا وأتيت به النبي ﷺ فقال: "من أين لك يا كعب؟ " فأخبرته فقال النبي ﷺ : "أتحبني يا كعب؟ " فقلت: بأبي أنت وأمي نعم. وذكر الحديث. ويحتمل أن يفسر به المبهم.
стр. 50
١٠ - حديث "لا مهر أقل من عشرة دراهم ".
رواه الدارقطني والبيهقي في سننيهما، وأبو يعلي في مسنده وابن عدي في كامله والعقيلي في الضعفاء، كلهم من طريق مبشر بن عبدي عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء وعمرو بن دينار ع ن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم". وقال الدارقطني عقب تخريجه: مبشر بن عبيد متروك الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها، وفي موضع آخر: يضع الحديث ويكذب. وقال ابن عدي: هذا ليس بشيء وهو مع اختلاف ألفاظ المتن واختلاف إسناده باطل، ولا يرويه غير مبشر. وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف بمرة.
والحجاج بن أرطاة لا يحتج به، ولم يأت به عن الحجاج غير مبشر بن عبيد الحلبي، وقد أجمعوا على تركه، وكان أحمد بن حنبل يرميه
стр. 51
بوضع الحديث. ونقل ـ أعني البيهقي ـ عن ابن خزيمة أنه قال: وقد رواه من طريق بقية عن مبشر وأنا أبرأ من عهدته وعن الإمام أحمد: أنه ضعيف لا تقوم بمثله الحجة، وعن أبي علي الحافظ النيسابوري قال: مبشر بن عبيد متروك الحديث، وهذا يعني الحديث منكر لم يتابع عليه انتهى. وقال الإمام أحمد أيضًا: روي عنه بقية وأبو المغيرة أحاديث موضوعة، كذب قال ابن القطان في كتابه: وهو كما قال، لكن بقي عليه أن الحجاج بن أرطاة ضعيف، ويدلس على الضعفاء انتهى. وقال الجوزجاني عن أحمد: مبشر بن عبيد شغله القرآن عن الحديث، أحاديثه بواطيل. وقال ابن حبان: روى عن الثقات الموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا تعجبًا وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية للحنفية: هو حديث ضعيف وتبعه شيخنا في
стр. 52
«مختصره لهذا الكتاب» وقال: إسناده واه، فيه مبشر بن عبيد وهو كذاب انتهى. وقد جاء هذا عن علي بسندين ضعيفين لكنه من قوله، أخرجه الدارقطني والبيهقي أيضًا من طريق داود الأودي عن عامر الشعبي، والدارقطني أيضًا من طريق جويبر وغيره عن الضحاك عن النزال، كلاهما عن علي قال: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم. انتهى. وداود هو - ابن يزيد - قال أحمد وابن معين: ضعيف، وقال ابن معين أيضًا: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان فيما نقله ابن الجوزي: ضعيف، كان يؤمن بالرجعة، والشعبي لم يسمع من علي، وقد قال البيهقي: وقد أنكره حفاظ الحديث، قال سفيان: الحديث ما زال هذا ينكر عليه، قيل له: إن شعبة روى عنه فضرب جبهته، وقال: داود داود! وقال أحمد بن حنبل: لقن غياث بن إبراهيم: داود الأودي عن الشعبي عن علي: لا يكون مهرًا أقل من عشرة دراهم، فصار حديثًا. انتهى. وغياث هذا هو: ابن إبراهيم البصري، قال يحيى بن
стр. 53
معين: كذاب، ليس بثقة ولا مأمون، وقال محمد بن الحكم عن أحمد: بلغني أن غياثًا دخل على داود الأودي قال له: تحفظ عن الشعبي عن علي بهذا؟ فقال: لا يدخل شريك على داود، فحدثه داود عن الشعبي عن علي بذلك. قال أحمد: هذا باطل وإنما لقنوه له. قال أحمد: ولم يحد الله لنا في النكاح والمهر قليلاً ولا كثيرًا، وكان يحيى بن سعيد وابن مهدي لا يحدثان عن سفيان عن داود بن يزيد شيئًا قط. وقال ابن المديني: لا أروي عنه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال الأزدي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: هذا الحديث مع اختلاف إسناده باطل ولا يثبته أحد من أهل العلم بالحديث. انتهى. وجويبر أيضًا ضعيف، ورواية غيره عن الضحاك فيها من لا يعرف، والحديث على كل حال لذلك واه جدًا، وقد قال شيخنا عقب حديث على هذا: في "مختصر الهداية" أيضًا: أخرجه الدارقطني من وجهين ضعيفين ويعارضه حديث سهل بن
стр. 54
سعد في الواهبة: "التمس ولو خاتمًا من حديد" متفق عليه. وعن جابر رفعه "من أعطى في صداق امرأة ملأ كفه سويقًا، أو تمرًا فقد استحل". أخرجه أبو داود ورجح وقفه، وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن النبي ﷺ أجاز صداق امرأة على نعلين، أخرجه الترمذي، وابن ماجه.
والدارقطني من حديث أبي سعيد: "لا يضر أحدكم بقليل من ماله تزوج، أم بكثير بعد أن يشهد" إسناده ضعيف. انتهى. وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال: رووا عن علي فيه شيئًا لا يثبت مثله، لو لم يخالفه غيره أنه لا يكون مهرًا أقل من عشرة دراهم.
قلت: وقد روي عن علي ما يخالف هذا ولفظه: الصداق ما تراضى عليه الزوجان. لكن إسناده ضعيف.
فائدة: وقع في النسخة التي وقفت عليها من تخريج الرافعي للبدر الزركشي أن داود الأودي هذا هو: ابن عبد الله، لا ابن يزيد، فإنه ثقة وهذا
стр. 55
مقلوب لا أدري وقع كذلك من البدر أو من الناسخ فليتنبه لذلك.
تنبيه: كان السبب للسؤال عن هذا الحديث أن بعض من يتهم بالمجازفة نقل عن شيخنا فيه كلامًا يشهد القلب بوضعه، إلا أني بعد الإرسال بالجواب وقفت على شرح "الهداية" للعلامة كمال الدين ابن الهمام، فوجدته قد اعتمد هذا النقل، فتعجبت من ذلك، ولفظ الشيخ بعد أن ألم بشيء من كلام الأئمة، ثم وجدنا في شرح الشيخ برهان الدين الحلبي يعني على البخاري، ذكر أن البغوي قال: إنه حسن. وقال فيه: رواه ابن أبي حاتم من حديث جابر، عن عمرو بن عبد الله الأودي بسنده، ثم أوجدنا بعض أصحابنا صورة السند عن الحافظ، قاضي القضاة العسقلاني، الشهير بابن حجر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد، سمعت جابرًا يقول: قال رسول الله ﷺ : "ولا مهر أقل من عشرة ... الحديث الطويل" قال القاضي: إنه بهذا الإسناد حسن، ولا أقل منه. انتهى. وهذا التركيب لا يصدر إلا من عارف، وليس القائل متأهلاً لذلك، فابن أبي حاتم روي عن الأودي، وهو ثقة عن وكيع ـ وهو ابن محرز ثقة أيضًا، إلا أن البخاري قال: عنده عجائب وضعفه العقيلي عن عباد بن منصور ـ ثقة ـ عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ... وقد حار فكري في ذلك لا سيما وقد أمعنت في التفتيش عنه، فلم أظفر به. والله الموفق.
стр. 56
١١ - حديث: "الحج جهاد كل ضعيف "
رواه أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه من حديث أم سلمة بسند رجاله ثقات، ليس فيهم محل نظر إلا أن الراوي له عن أم سلمة وهو محمد بن علي بن الحسين لا يعرف له سماع منها، وقد تساهل الصاغاني فذكره في جملة الأحاديث التي زعم أنها مخرجة في مسند الشهاب للقضاعي وهي موضوعة، وتعقبه العراقي في ذلك ولله الحمد.
стр. 57
١٢ - حديث: "يغفر للحاج في ذي الحجة والمحرم وصفر والعشرين من ربيع الأول ".
لم أقف عليه مرفوعًا، وقد أخرجه مسدد في مسنده، وأبو الشيخ وغيرهما بسند، فيه ليث بن أبي سليم ـ وهو ضعيف ـ عن المهاجر، عن عمر ﵁ قال: يغفر للحاج ولمن يستغفر له الحاج، بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وعشرًا من ربيع الأول. وفي الجزء الثامن عشر من "المجالسة" للدينوري من طريق يوسف بن أسباط: حدثنا ياسين الزيات قال: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، في ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول.
قلت: ويمكن أن تكون الحكمة في ذلك أن أكثر الحاج يصل إلى مكة في أول ذي الحجة، أو قبله يسير، ومعلوم أن الحسنة بعشر أمثالها، فجُعل لكل يوم من عشر ذي الحجة، ما عدا يوم الوقوف، والذي بعده، لمزيد الثواب فيهما عشرة أيام، فتبلغ ذلك ثمانين يوما، والقدر المذكور هنا ذا المقدار، ويحتمل أن يكون ذلك أقصى زمن، ينتهي فيه القاصد لمكة غالبًا. وقد أخرج أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمر مرفوعًا.
стр. 58
"إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه، ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له".
وعند البزار والطبراني في "الصغير" عن أبي هريرة رفعه: "يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج". وكذا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في "مستدركه" والبيهقي بلفظ: "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وتعقب بأن في إسناده شريك القاضي، ولم يخرج له إلا في المتابعات، وفي الديلمي بلا سند مما لم يقف عليه ولده، ولا شيخنا، وهو ركيك لفظًا ومعنى، عن على رفعه: "يغفر للحاج، ولأهل بيت الحاج، ولقرابة الحاج، ولعشيرة الحاج، ولمن شيع الحاج، ولمن استغفر له الحاج أربعة أشهر، عشرون بقين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر" والعلم عند الله تعالى.
стр. 59
١٣ - حديث: "بشارة عثمان بالخلافة بعد عمر ".
رواه أبو نعيم في ترجمة يونس بن عبيد من "الحلية" قال: حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا الحسن بن الطيب، حدثنا أبو كامل، حدثنا عمرو بن الأزهر، حدثنا يونس بن عبيد، وأبان بن أبي عياش، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا، فجاء أبو بكر ﵁ فاستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة، وبالخلافة بعدي" ثم جاء عمر ﵁ فاستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة، وبالخلافة من بعد أبي بكر" ثم جاء عثمان ﵁ فاستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة وبالخلافة بعد عمر" وهذا الحديث واهٍ جدًا، بل لا يصح، فعمرو قال البخاري: إنه يُرمى يكذب مجازفة، لا أكثر الله في المسلمين مثله. وأبان ضعيف جدًا، قال فيه شعبة: لأن يزني الرجل أحبّ إليّ من أن يروي عن أبان.
وقد قال أبو نعيم عقب روايته هكذا ما نصه: غريب من حديث يونس عن أنس بهذا اللفظ، تفرد به أبو كامل الجحدري عن
стр. 60
عمرو. انتهى.
وقد رويناه من وجه آخر عن أنس، أخرجه أبو يعلي في "مسنده" ومن طريقه أبو سعد الكنجروذي في "فوائده" قال: حدثنا أبو يهز الصقر بن عبد الرحمن بن بنت مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن إ دريس، عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء النبي ﷺ فدخل بستانًا، وجاء آتٍ فدق الباب فقال لأنس: "قم يا أنس فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعدي" قال: قلت يا رسول الله أعلمه؟ قال: "أعلمه" فإذا أبو بكر قلت: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد رسول الله ﷺ ، قال: ثم جاء آتٍ فدق الباب فقال: "يا أنس قم فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعد أبي بكر"، قال: قلت: يا رسول الله أعلمه؟ قال: "أعلمه"، قال: فخرجت فإذا عمر، فقلت له: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد أبي بكر، قال: ثم جاء آتٍ فدق الباب، فقال: "قم يا أنس، فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعد عمر، وإنه مقتول" فخرجت فإذا عثمان فقلت له: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة بعد عمر، وإنك مقتول قال: فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لِمه؟ والله ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست فرجي منذ بايعتك، قال: "هو ذاك يا عثمان". قال أبو سعيد اليشكري: حسن من حديث المختار عن أنس،
стр. 61
غريب من حديث عبد الله بن إدريس بن يزيد عنه، وقيل: إنه تفرد به الصقر بن عبد الرحمن، وهو إسناد عال، وكلهم ثقات.
قلت: كذا قال، وهو مردود، فقد قال علي بن المديني: أنه كذب موضوع، والصقر، قد رماه أبو بكر بن أبي شيبة بالوضع، وقال أبو علي جزره: إنه كذاب، وقال ابن عدي: كان أبو علي ينسبه في هذا الحديث بعينه إلى الضعف، وقال ابن حبان: في قلبي من حديثه، ثم ساقه عغن أبي يعلي كما أخرجناه، على أن الصقر لم ينفرد به، فقد رويناه في ترجمة بكر بن المختار من "الضعفاء" لأبي حاتم بن حبان من رواية إبراهيم بن سليمان الزيات الكوفي، عنه عن أبيه عن أنس، قال: كنت مع النبي ﷺ فجاء أبو بكر فقال: "افتح له وبشره بالجنة وأخبره بأنه الخليفة من بعدي" وذكر الحديث. وبكر ضعيف، لكن لم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" قال: حدثنا إبراهيم بن خرزاد الأنطاكي وحمدون بن عمارة قالا: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، حدثنا المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ حائطًا
стр. 62
من حوائط الأنصار بالمدينة، ثم قال: يا أنس أحفظ الباب، قال: فضرب الباب فقلت: يا رسول الله! إن هذا الباب يضرب، فقال رسول الله ﷺ : (ائذن له وبشره بالجنة، وأعلمه أنه الخليفة من بعدي"، قال أنس: فجئت أفتح له الباب وأنا لا أدري من هو، فنظرت فإذا هو أبو بكر فبشرته بالجنة، وأخبرته بقول النبي ﷺ . وذكر الحديث.
وهكذا رواه أبي خيثمة في تاريخه عن سعيد بن سليمان، ونتعجب من أبي عوانة ﵀ كيف أخرج مثل هذا في صحيحه؟ وفي سنده عبد الأعلى، وقد كذبه ابن معين في إحدى الروايات عنه، وقال في أخرى: ليس بشئ، وضعفه غير واحد منهم ابن المديني، وأبو حاتم والدارقطني وقد قال شيخنا فيما قرأته بخطه: هذا حديث موضوع، قد أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق عبد الأعلى ابن أبي المساور، وأخرجه البزار من طريق بكر بن المختار، وبكر وعبد الأعلى واهيان، والصقر أو هي منهما، فلعله تحمله عن بكر، أو عبد الأعلى، فجعله عن عبد الله بن إدريس ليروج، ولو كان هذا وقع ما قال أبو بكر للأنصار: "قد رضيت لكم أحد الرجلين عمر أو أبو عبيدة" ولا جعل عمر الأمر شورى في ستة وكان يعهد إلى عثمان بلا نزاع. والله المستعان.
стр. 63
١٤ - حديث: "أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي تنزف الدم، فقال له أبي بن كعب: عليها شم الكافور، فقال له النبي ﷺ : "من أين لك هذا يا أبي؟ " فقال: من قول امرئ القيس ابن ماء السماء:
من عادة الكافور إمساك الدم
فقال له النبي ﷺ : "إن من الشعر حكمة"
هذا الحديث صحيح من حديث أبي، إلا أني لم أقف على سببه المذكور بعد الفحص الشديد، والظاهر أنه غير صحيح، نعم، قد ذكر الأئمة أن الكافور مما ينفع الرعاف.
стр. 64
١٥ - حديث: "الترهيب في النكاح ".
رواه أبو يعلي في مسنده وعباس الترقفي في جزئه كلاهما من حديث حذيفة بن اليمان رفعه "خيركم في رأس المأتين الخفيف الحاذ". قيل يا رسول الله ﷺ ما خفة الحاذ؟ قال: "من لا أهل له ولا مال". وسنده ضعيف لأنه مما انفرد بروايته رواد بن الجراح وهو مما أنكره عليه الحفاظ، وخطأوه فيه، وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده
стр. 65
من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "سيأتي على الناس زمان تحل فيه العزبة ولا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالطائر بفراخه وكالثعلب بأشباله، فأقام الصلاة وآتى الزكاة، واعتزل الناس إلا من خير ولمائة شاة عفراء أرعاها بسلع أحب إلي من ملك بني النضير وذلك إذا كان كذا وكذا". وسده ضعيف أيضًا، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من جهة الحاكم بسند فيه سليمان بن عيسى وهو متروك، من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا أتت على أمتي ثلاثمائة وثمانون سنة، أحلت لهم العزوبة" والعزبة هو الترهب على رؤوس الجبال. ومما يدخل هنا ما أخرج الطبراني في معجمه وتمام في فوائده من حديث ابن عباس وهو عند أبي نعيم في بعض تضانيفه من حديث حذيفة مرفوعًا: "لأن يربي أحدكم جرو كلبٍ من بعد أربع وخسمين
стр. 66
ومائة خير له من أن يربي ولدًا لصلبه". وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس رفعه: "يأتي على الناس زمان لأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا من صلبه" وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة رفه: "يا أبا هريرة تزوج، ولا تمت وأنت عزب، ألا وكل عزب في النار، يا أبا هريرة أطلب عزابها في آخر الزمان، فهم خيار أمتي" ومن حديث حذيفة رفعه: "خير أولادكم بعد أربع وخمسين ومائة البنات، وخير نسائكم بعد ستين ومائة العواقر". ومن جهة الطبراني، من حديث أنس رفعه: "في الأربعين بعد المائتين خير أولادكم البنات، وفي الخمسين خير نسائكم العقيمات، وفي الستين يغبط الرجل الذي ليس له أهل ولا ولد، وفي السبعين بعد المائتين البلاء المبين وفي الثمانين السيف وفي التسعين حلت لأمتي الرهبانية وفي الثلاثمائة نعم البيت القر". وكلها ضعيفة، وبعضها ينجبر ببعض، ولا تنافي بينهما وبين أحاديث الغريب في النكاح لما لا يخفى.
стр. 67
١٦ - حديث: "يأتي على الناس زمان يتحابون بألسنتهم ويتباغضون بقلوبهم ".
لم أقف عليه بهذا اللفظ وإنما أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني في معجمه معناه، من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان أقوام، إخوان العلانية، أعداء السريرة" قيل: يا رسول الله: وكيف يكون ذلك؟ قال: "ذلك برغبة بعضهم إلى بعض ورهبة بعضهم من بعض" وقال الطبراني عقب تخريجه: لا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو بكر.
قلت: وقد ضعفه غير واحد، وله شاهد من حديث ابن عمر رفعه: "يوشك أن يظهر العلم ويخزن العمل يتواصل الناس بألسنتهم ويتباعدون بقلوبهم فإذا فعلوا ذلك طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم".
أخرجه الديلمي في مسند الفردوس له بسند ضعيف.
واللائق أني تحرى الأخ مناصحة أخيه المسلم، فقد أوصى صعصعة بن
стр. 68
صوحان بعض أقربائه فقال: خالص المؤمن، وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه يحق علينا أن نخالص المؤمن. أخرجه غسحاق بن راهويه في مسند، والله الموفق.
١٧ - حديث: "سيد طعام أهل الدنيا والآخرة اللحم فابدوءا به ".
لم أقف على اللفظة الأخيرة في شيء من طرق الحديث، وقد أخرجه الطبراني في معجمه من حديث أبي عبيدة الحداد عن أبي هلال الراسبي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية". وأبو عبيدة اسمه: عبد الواحد بن واصل، أخرج له البخاري في صحيحه، واسم شيخه محمد بن سليم، وقد وثقه أبو داود، وقال ابن معين: إنه صدوق، ومرة: ليس به باس وليس بصاحب كتاب. وقال البزار: احتمل الناس حديثه وهو غير حافظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن
стр. 69
سعد: فيه ضعف، وقال ابن عدي بعد أن ذكر له أحاديث: كلها أو عامتها غير محفوظة، وله غير ما ذكرت، وفي بعض روايات ما لا يواقه عليه الثقات، وهو ممن يكتب حديثه. انتهى.
وقال الطبراني عقب تخريجه: لم يروه عن ابن بريدة إلا أبو هلال ولا عنه إلا أبو عبيدة تفرد به سعد.
قلت: ودعواه تفرد أبي عبيدة بروايته عن أبي هلال ليس بجيدة، فقد أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي له، من حديث اسماعيل بن عيسى البصري عن أبي هلال بلفظ: "خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم" وكذا رويناه في المائتين للصابوني من طريق يحيى بن أبي مسرة المكي: حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سليمان البصري حدثنا أبو هلال حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية".
وقال عقبه: غريب من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، لا أعلم رواه عنه غير ابي هلال الراسبي واسمه محمد بن سليم، ويروي أيضًا عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين انتهى. وفي فوائد تمام الرازي من حديث عبد الملك بن قُريب الأصمعي عن أبي هلال بلفظ: "سيد الإدام اللحم، وسيد الشراب الماء، وسيد الرياحين الفاغية" وحينئذ فمدار هذا الحديث على أبي هلال وقد قدمنا ما فيه. ووجدت لحديثه شواهد منها:
стр. 70
ما أخرجه ابن ماجه في "سننه" وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" من طريق سليمان بن عطاء عن مسلمة الجزري، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" لكنه ضعيف. وقد قال ابن حبان في "الضعفاء" في ترجمة سليمان هذا: أنه شيخ يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، وليست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة. انتهى.
وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من الطريق التي أخرجه منها ابن ماجه، وحكى مقالة ابن حبان المذكورة، لكن قرأت بخط شيخنا متعقبًا عليه: لم يتبين لي الحكم بالوضع على هذا المتن، فإن مسلمة غير مجروح وسليمان بن عطا ضعيف. انتهى. نعم، جزم الحافظ أبو الفضل العراقي وغيره من الأئمة بأنه إسناد ضعيف.
ومن شواهده أيضًا: ما أخرجه أبو نعيم في "الطب" له بإسناد
стр. 71
ضعيف عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز" ومنها: ما عزاه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس لحديث صهيب بن سنان، لكنني لم أقف عليه، فينظر في سنده، ومنها: ما رواه أبو الشيخ ابن حيان من رواية ابن سمعان قال: سمعت من علمائنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ اللحم، ويقول: "هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة، لو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل"، وسنده ضعيف مع انقطاعه، ومنها: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن بكير السكسكي عن أبيه عن أبي سنان الشيباني عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن ربيعة بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم" وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال عقبه نقلاً عن العقيلي: لا يعرف هذا الحديث إلا بعمرو، ولا يصح في هذا المتن عن رسول الله ﷺ شيء.
قلت: ودعوى الوضع مع ما تقدم من سياق طرقه ليست صحيحة، لا سيما وقد صح فضل عائشة عن النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذه فوائد لا بأس بها: أخرج أبو نعيم في "الطب" له بسند ضعيف عن علي قال: "اللحم من اللحم، فمن لم يأكل اللحم أربعين يومًا ساء خلقه". وعنه أيضًا قال: "اللحم ينبت اللحم" وهذا يفسر الذي قبله وفي
стр. 72
لفظ آخر: "عليكم بهذا اللحم، فكلوه فإنه يحسن الخلق ويصفي اللون ويخمص البطن" وهذا اللفظ أخرجه تمام الرازي مرفوعًا من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكل اللحم يحسن الوجه، ويحسن الخلق" زاد غيره "ويطيب النفس" وهو في مسند الفردوس، مع ما في الحديث، لكنه لم يذكر من خروجه، وإسناده فيه نظر، وعند أبي نعيم من حديث علي: "كلوا اللحم فإنه ينبت اللحم، كلوه فإنه جلاء للبصر، من تركه أربعين يومًا ساء خلقه". وسنده ضعيف، ومن حديث ابن عون عن الحسن البصري قال: "اللحم طعام الأحرار" وفي سنده ضعف أيضًا. وعند الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمرو ﵄ أنه كان لابد من اللحم شهريًا، إلا مسافرًا، أو رمضان قال: وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مزعة اللحم. ولأبي نعيم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للقلب فرحة عنه أكل اللحم" زاد غيره: "وإنه ما دام الفرح بأحد إلا أشر وبطر، ولكن مرة ومرة" وجزم ابن حبان، وابن الجوزي وغيرهما من الحفاظ كالذهبي بأنه موضوع.
стр. 73
ومن الأباطيل ما ذكره ابن الجوزي من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأكلوا اللحم" وقال عقبه: هذا محال، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يأكل اللحم ويحبه ويعجبه، وإنما يهجر اللحم المتهوسون من المتصوفة والمتزهدة حتى قال بعضهم: أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحًا، ولا جرم لما هجروه قويت الماليخوليا عليهم فخلطوا. انتهى.
وفي "الشمائل" للترمذي من حديث جابر: أتانا رسول الله ﷺ في منزلنا فذبحنا له شاة قال: " [كأنهم] علموا أنا نحب اللحم" وسنده صحيح، وعند الحاكم في "المستدرك" وصححه من حديث عبد الله بن جعفر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "إن أطيب اللحم لحم الظهر".
ولأبي الشيخ بسند ضعيف، من حديث ابن عباس: كان أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ الكتف.
ومن حديث أبي هريرة: "لم يكن يعجبه من الشاة إلا الكتف" وعند ابن ماجه بسند ضعيف من حديث أبي الدرداء قال: "ما دُعي
стр. 74
رسول الله ﷺ إلى لحم قط إلى أجاب، ولا أهُدي له لحم قط إلى قَبِلَه".
وعن أبي هريرة: أتِى رسول الله ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها. متفق عليه في حديث. وعن عائشة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ" رواه أبو داود، وغيره من طريق أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: سُئِلَ أحمد عنه فقال: ليس بصحيح، وقد كان رسول الله ﷺ يجتز من لحم الشاة.
قلت: ولا ينهض الحكم عليه بالوضع، لأن أبا معشر واسمه نجيح لم يترك، وإن كان هذا الحديث مما أنكر عليه، فقد توبع، ورويناه من طريق يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك عن هشام، وأيضًا فإنه لا تضاد بين صنيعه ﷺ ذلك وبين نهيه، فيحتمل أن يكون النهي عن كيفية مخصوصة، يدل عليه قوله: "إن ذلك صنيع الأعاجم" ويحتمل أن يكون النهي عامًا، والفعل لبيان الجواز.
وللحديث المذكور شاهد من حديث صفوان بن أبي أمية قال: قال رسول الله ﷺ : "انهسوا اللحم نهسًا فإنه أهنأ وأمرأ" رواه أبو
стр. 75
داود، والترمذي واللفظ له، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولفظه: رآني رسول الله ﷺ وأنا آخذ اللحم عن العظم فقال: "يا صفوان" فقلت: لبيك قال: "قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ".
رواه الترمذي عن عبد الكريم بن أمية المعلن عن عبد الله بن الحارث عنه، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى. وهو واه، روى له البخاري تعليقًا ومسلم متابعة وقد جاء من غير حديثه، أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق عبد الرحمن بن معاوية عن عثمان بن أبي سليمان عنه، لكن عثمان لم يسمع من صفوان، وحينئذ فتصحيح الحاكم له ليس بجيد، ولأبي نعيم من طريق ابن عوان قال: قال عمر: إذا أكلتم اللحم فكلوا الخبز فإنه يسد مكان الخلل، وجاء من طرق أخرى بعضها بعض من خرج الصحيح كما بينته فيما مضى أن النبي ﷺ قال: "عليكم بألبان البقر وسمنانها وغياكم ولحومها فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء".
следующие страницы →