← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17879

الإبانة في اللغة العربية

الصحاري

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الْخِطَابِ﴾ قال هو: أمَّا بَعْد. ويُقال: أمَّا بَعْدُ فأطال الله بقاءك إنه كان كذا وكذا، وأمّا بَعْدُ أطال الله بقاءك أنه كان كذا وكذا، فمن أدخل الفاء على أطال قال ابتداء الكلام أطال فدخلت الفاء عليه كما تدخُلُ على خبر الاسم الملاصق لأمّا. ومن تخطى بالفاء أطال الله فأدخلها على إن قال إن ابتداء الخبر، وأطال الله بقاءك دعاء معترض بمنزلة الملقى المؤخر. وكان أبو العين يكتبُ في كتبه في موضع أما بعدُ أمّا قبلُ إلا كلمة تامة يستفتحُ بها الكلام توكيداً وإيجاباً، وهم يفتتحون الكلام بيا، وبألا، وبألايا وقد زعم بعض النحويين أن يا للنداء ١/ ٣٣١ والاستفتاح كلام كأنهم قالوا يا هذا، وألا يا هذا، ويا هؤلاء. وأكثر ما يتكلمون بذلك في الأمر والدعاء والتعجب والتلهف لكثرة ذلك في كلامهم. فمن الأمر قول الأعشى: ألا قل لِتَيَّا قبل مرتها اسلمي ... تحية مشتاقٍ وإن لم تكلم وفي الدعاء قول الأخطل: يا فَلَّ خيرَ الغواني كيف رُعْنَ به ... فشربُه وشلَّ منهم وتصريد وفي التعجب قول الصِّمَّة بن عبد الله القشيري: ألا قاتلَ الله اللوى من محلةٍ ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت وفي التلهف قول بعض بني أسد: ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

стр. 562

وقد جاءت مع رُبَّ على طريق التعجب والتلهف. قال عمر بن أبي ربيعة: ألا ربما أنضيت فيك ركائبي ... وكلفتها طي الفلا وهي ظُلَّعُ فالظَّلْعُ كالغمزِ في الرجل من داء يكونُ بها. والدابة تَظْلَعُ في مشيتها عنه. قال الله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ وقال : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهو كثيرٌ في القرآن وفي كلامهم وأشعارهم، فيقول أحدهم: هل رأيت فلاناً فيقول: ألا لا، فتكون ألا زائدة مفتاح الكلام. وكان الحسنُ يقولُ في خطبةِ النكاح ألا إنَّ فلاناً قد خطب إليكم. وقال امرؤ القيس: ألا انعم صباحاً أيها الطللُ اليالي ... وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي وقال كثير: ألا لا أرى بعد ابنة العمِّ لذة ... لشيء ولا مِلْحاً لمن يتملحُ وألا معناها هلا في حال، وف يحال تنبيه كقولك: ألا أكرم زيداً، تكونُ ألا صلة لابتداء الكلام، ١/ ٣٣٢ كأنه يُنَبِّه المخاطب وقد تُرْدَفُ بلا أخرى فيقال: ألا لا كما قال: فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هندِ

стр. 563

ويقال: هل ذاك فيقول: ألا لا جعَلَ ألا تنبيهاً ولا نفياً. وأمَّا قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، فهذه لا أدخلت عليها ألف الاستفهام كما تقول: أليس تَعْلَمُ؟ فليس للنفي، وكذلك ألم. والعربُ تأمرُ بلفظ الاستفهام ومعناه أمر. قال الله - تعالى- حكاه عن إبراهيم ﵇ فقال: ﴿أَلا تَاكُلُونَ﴾ أي كُلوا كما قال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحبٌ فيُقْضى أم ضلال وباطلُ أي سلا المرء. ألاَّ ألا مثقلة جمعُ أن لا. وتقولُ: أمرتك أن لا تفعل ذاك، ولكن النون تُدْغَمُ في اللام، وفي لغة تُبَيَّنُ، وكذلك لئلا معناه لأن لا. إلاَّ إلاّ حرْف تحقيق بَعْدَ جَحْد، وتكونُ أيضاً استثناء كقولك: ما رأيتُ إلا زيداً، وتكونُ إيجاباً لشيء يؤكد فيكون معناهام عنى ما ولكن كقولك: زيد غيرُ وادّ غير أنّي أخذنا بالفضل. قال: وجارة البيت أراها محرما ... كما يراها الله إلا أنَّما مكارم السَّعْي لمن تَكَرَّما وأمَّا قولهم: وألاّ فإنها [أن] لا تُقال من كلمتين شَتَّى. ألا ترى إلى قوله

стр. 564

تعالى: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. معناه: وأن لم تعلوا. وتكون إلا بمعنى إلا أن تكون. قال الله : ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ مجازه إلا أن يكون قليلٌ منهم. وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ﴾ مجازه إلا أن يكون الله. وقال الشاعر: فليس غير سُليمى اليوم غيره ... وقع الحوادث إلا الصارم الذكر مجازه إلا أن يكون الصارم الذكر. وقال الآخر: وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا ١/ ٣٣٣ اليعافيرُ وإلا العيسُ مجازه إلاً أن يكون اليعافيرُ وإلا أن يكون العيسُ. ويقول في تقديم المستثنى وتأخيره: فما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مشعب الحق مشعبُ مجازه ما لي شيعةٌ إلا آل أحمد. وتقول: ما أتاني من القوم إلا زيدٌ وما زارني من الرجال إلا عمرو فترفع على التحقيق إلا أن يكون الكلام لا يتم دونه. قال الله -

стр. 565

عز وجل- ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ﴾ ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ و ﴿هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ و ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ فترفع هذا كله على التحقيق، وعلى أن الكلام لا يتم دونه. وتقول: هذا درهم غير زائق، فترفع لأن الزائف من الدرهم ولا يحسن أن تقول: هذا درهم إلا زائفاً تستثنى النعت من المنعوت، فغيرُ زائف نعتٌ للدرهم وتكون إلا بمعنى الواو فتقول: كل يموت إلا زيدٌ وعمرو والمعنى زيدٌ وعمرو، وقد قُريء ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾، ومجازه: ومن ظلم. لا يحب الله لأنه ليس بمستثنى، وكذلك ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ومجازه: واللمم. قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ومعناه: والفرقدان. ويكون إلا وغير بمعنى ولكن. وقوله : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مجازه ولكن الذين آمنوا لأنه لا يستثنى الشيء إلا من جنس الشيء. وقال الفرزدق: وما لي ذنبٌ غير أني ابن غالبٍ ... وأني من الأثرين غير الزعانف مجازه: ١/ ٣٣٤ ولكني ابن غالب. وتقول: أتاني القومُ إلا زيداً إلا عمراً. قال جل

стр. 566

وعز ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ فأتى باستثناءين من غير حرف عطف. وقد يأتون بالتحقيق من غير حرف عطف، فيقولون: مالك إلا درهم إلا دينار. قال الراجز: مالك من شيخك إلا عملُه ... إلا رسيمُه وإلا رملُه وأما بيت الفرزدق: وعض زمانٍ بابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مُجلفُ فمعنى لم يدع أي لم يبق كأنه قال: لم يُبْقِ من المال إلا مسحت أو مُجَلَّفُ. ورواية الكوفيين إلا مُشْحَفٌ أو مُجَلَّفُ، أي: والمُجَلَّفُ تلك حاله. ويقولون: ما بقي من المال إلا درهما فيضمرون النكرة ولا يضمرون المعرفة. وقال الراجز: لم يبق إلا الدين والقصائدا ... ويعملات تقطع الفدافِدا كأنه قال: لم يبق شيء إلا الدين والقصائدا والفدافدا. وما جاء إلا بمعنى الواو قول الأعشى: إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا معناه: وكخارجة. وقال دجاجة بن عمرو الزاري:

стр. 567

إلا كناشرة الذي ضيعتُمُ ... كالغُصن في غُلوائه المتنبت يريد: وكناشرة. وقوله: غُلوائه: سُرعة بنائه وارتفاعه وبهوه. وكل ما في كتاب الله من ذكر إلا والابتداء به قبيح إلا في سورة الأنفال: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ وفي سورة التوبة: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ و ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾ وتقول: ألق زيداً، ١/ ٣٣٥ والالقاء معناه: وإن لم تلق زيداً فدع زيداً. وقال: فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحُسامُ فأضمروا إنْ لا يُطلَقها يعلُ. إلى إلى حَرْف من حروف الصفات، وهي تخفض مثل على ومِن وفي وأشباهها وقد تكونُ بمعنى مع. قال الله - تعالى-: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم. ومثله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي مع الله - وتكون بمعنى الانتهاء والحد كقوله - تعالى-: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فهذا حد وانتهاء. ومثله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ فهذا انتهاء.

стр. 568

أوْلى أولى تهدد ووعيد. قال الله- تعالى-: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وقال : ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. وقال الشاعر لمنهزم: ألفيتا عيناك عند القفا ... أوْلى فأوْلى لك ذا واقيه ومعنى أوْلى لك وأوْلى لهم، أي قد وليك شر فاحذر. قالت الخنساء: هممتُ بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أوْلى لها أين والأين: وقتٌ من الأمكنة. تقول: أين فلان فيكون منتصباً في الحالات كلها لأنه غير منصوب. وأمَّا الأيْن من الإعياء فإنَّه تَصَرَّف وهو يجري مَجْرى الكلام في كل شيء. والعربُ تشتق منه فاعل. وقالوا في الشعر: يقول يا آن أينا ... ...............

стр. 569

وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً﴾. أينما حرف لأنها شرط، وهي من حروف الجزاء. تقول: أينما تكن أكن ١/ ٣٣٦ فتجزم الفِعْلَ الأول بأينما وتجعل الفعل الثاني جواب الجزاء. أيَّان وأيَّان مشاكلة لمتى إلا أنها كناية للحين. إذا قُلْت للرجُل: أيَّان تخرج، فمعناه في أي حين تخرج. قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، والمعنى في أي حين مرساها. وقال ابن قتيبة: أيان بمعنى متى، ومتى بمعنى أيٌ، ويرى أصلها أي أوان فحذف الهمزة والواو، وجُعِلَ الحرفان واحداً. قال الله -تعالى-: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ و ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي يوم القيامة. أوان أوان بمنزلة الساعة إلا أنَّ الساعة جزء مؤقت من أجزاء الليل والنهار. قال: * هذا أوانُ الشد فاشتدي زيم * وزيم: اسم فرس. الآن والآن اسم الساعة التي فيها الكلام والأمور ريثما تتبدى وتسكت. والعربُ

стр. 570

تنصبه في الجر والنصب والرفع لأنه [لا] يتمكن في التصريف، فلا يثنى ولا يجمع، ولا يُصغر، ولا يُضاف إليه شيء. هذا قولُ الخليل. وقال ابن قتيبة: "الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حدُّ الزمانين حد الماضي من آخره، وحد الزمان المستقبل من أوله". قال الفراء: "وهو حرفٌ بني على الألف واللام ولم يُخلعا منه، وتُرك على مذهب الصفة، لأنه صفة في المعنى واللفظ، كما رأيتهم فعلوا بالذي فتركوه على مذهب الأداة، والألف لازمة غير مفارقة، وأرى أنَّ أصله الأوان، حذفت منه الألف وغُيَّرت واوه إلى الألف، كما قالوا في الراح والرياح. وأنشد امرؤ القيس: كأن مكاكي الجواء غُديَّةً ... [نشاوي] تساقوا بالرياح المفلفل قال: فهي مرةً على تقدير فعلِ، ومرة على تقدير فَعَال، كما قالوا: زمن وزمان. وإن شئت جعلتهما من قولك: آن لك أن تَفْعَلَ كذا، أي حان أدخلت عليها ١/ ٣٣٧ الألف واللام ثم تركتهما على مذهب فَعَل منصوبة، كما قالوا: "نهى رسولُ

стр. 571

الله ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال" فكانتا كالاسمين وهما منصوبتان، ولو خفضتا على النَّقْلِ لهما من حدِّ الأفعال إلى الأسماء في النية كان صواباً. وسمعتُ العرب تقولُ: من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبَّ إلى دُبَّ مخفوض مُنَوَّن يذهبون به مذهبَ الأسماء، والمعنى مُذْ كان صغيراً يشبُّ إلى أن دَبَّ كبيراً. قال الله - تعالى-: ﴿الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ قال : ﴿الآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ﴾ أي في هذا الوقت وهذا الأوان تتوب وقد عصيت قبلُ؟ ". أنَّى أنّى تكون بمعنيين بمعنى كيف نحو قوله : ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي كيف. وقوله تعالى: ﴿فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وتكون بمعنى مِنْ أيْنَ نحو قوله- : ﴿قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقوله- تعالى-: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾. والمعنيان متقاربان، يجوز أن يتأول في كل واحدٍ منها الآخر. قال الكميت: أنى ومن أينَ آبك الطربُ ... من حيثُ لا صبوةٌ ولا ريبُ فأتى باللغتين معاً, وقال الخليل: أنى: معناه: كيف ومن أين شئت. وقوله

стр. 572

تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ و ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي كيف يكون. قال: ومطعم الغُنْمِ يوم الغُنْمِ مُطعمُهُ ... أنى توجه والمحروم محرومُ أي من ما توجه وكيف ما توجه. قال ابن الأنباري: أنى مُشاكلة لأين. وقال السجستاني: أنى على ثلاثة معان من أين لك، وكيف شئت، ١/ ٣٣٨ ومتى شئت. وقوله-تعالى-: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ على وجه التعجب لا على وجه الاستفهام. وأنى بمعنى متى. ومنه قوله تعالى: ﴿فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي متى شئتم، وكيف شئتم. وأنى بمعنى أين، وقد تأوله قوم ههنا، وبمعنى أي جهة. ومنه قوله - تعالى-: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ وقال الكميت يصف حماراً مع أنه: تذكر من أنى ومن أين شُربه ... يؤامر نفسيه كذا الهجمة الأبِل يؤامر نفسيه، أي نفس تقول له: اقصد هذا المشرب، ونفس تمنعه منه. وتقول: اقصد غيره، وذلك من حذر الصائد الأبِل الحاذق برعيه الإبل والقيام عليها. والهجمة ما بين الستين إلى التسعين من الإبل. هذا (قول) المفضل بن سلمة

стр. 573

الضبي. وقال الخليل: الهجمة ما بين التسعين إلى المائة وإذا بلغت مائة فهي هُنَيْدة. آن آن الشيء يئينُ أيْنَاً إذا حان وقوعه فهو أين، وأني يأني أنْيَاً وإِنْيَاً وإنيّ مقصور فهو آن. قال الله : ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي ألم يحن. قال الشاعر: ألما يئن في أن تُجلى عمايتي ... وقد شاب أصداغي بل قد أنى ليا فجمع اللغتين. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، أي بلوغه. أدنى أدنى على خمسة أوجه. أدنى: أحْرَز. ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾، أي: أحرز لأموالكم. وأدنى بمعنى أقرب، ومنه: العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، أي الأقرب. وأدنى: أحرى، ومنه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾. وأدنى بمعنى أقل، ومنه: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ﴾، وأدنى بمعنى دون ومنه: ١/ ٣٣٩ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

стр. 574

أنْ الخفيفة أنْ الخفيفة نِصْفُ اسم وتمامه يَفْعَلُ كقولك: أحبُّ أن ألقاك فصار أنْ وألقاك في المنزل اسماً واحداً. وكل ما في كتاب الله من ذكر أن لن فإنَّه حرفان إلا في موضعين في الكهف: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾، وفي سورة القيامة: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فهذان الموضعان في المصحف بلا نونٍ. وتقولُ: أن سيقوم زيد فترفع يقومُ لا غير لدخول السين عليه. قال الله- : ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فإذا لم تفرق بين أن والفعل بشيء نصبتَ ولم ترفع كقولك: ظننتُ أن يقوم زيدٌ، وحسبتُ أن يقعُدَ عمرو ولأنَّ أن المشددة لا تلي الفِعْلَ فلما وليته المخففة لم تحكم المشددة، وتقولُ: أردتُ أن لا يقوم زيدٌ، وأحببتُ أن لا أسُوءَ عمراً فتنصب المستقبل بأن ولا يجوزُ رَفْعُه، لأن المشددة لا تكونُ مع الإرادة والمحبَّة. ألا ترى أنك تقول: ظننت أنَّ زيداً لا يقوم، ولا تقولُ: أردتُ أنَّ زيداً لا يقومُ. فإذا قُلْت خِفْتُ أنْ لا يقوم زيدٌ أو أعجبني أن لا يقعد عمرو، وكان لك في المستقبل الرَّفْعُ والنصبُ، إذا رفعْتَ قلت: المشددة تقعُ مع هذه الأفعال فأقول: خفت أنَّ زيداً قائمٌ وأعجبني أن زيداً لا يقوم. قال الشاعر في الرفع: إذا مُتُّ فادفني إلى أصل كرمةٍ ... تُروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالعراء فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فرفع المستقبل، لأن الشديدة تقع في موضع الخفيفة، وتقول: أردت أن أقوم،

стр. 575

وأراد زيدٌ أن يقعد، ١/ ٣٤٠ تنصبه فتقول: أردتُ أقوم. قال طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فنصب أحضر بإضمار أن. وقال آخر: يا ليتني مت قبل أعرفكم ... وصاغنا الله صيغة ذهبا أراد قبلَ أن أعرفكم. وقال آخر: من بعد تنزله الجميعُ وفيهم ... خود تطلَّى بالعبير وتصنعُ أراد من بعد أن تنزله الجميع. وقال ذو الرمة: وحُقَّ لمن أبو موسى أبوه ... يوفقه الذي نصب الجبالا أراد أن يوفقه. ويجوز رفعُ المستقبل في هذه الأبيات كلها من قول الفراء لأن الناصب لما سقط رجع المستقبلُ إلى حقه. وقال جرير: نفاك الأعزُّ بن عبد العزيز ... وحقك تُنفى عن المسجد فلكُ [في] تُنفى الرَّفْعُ والنصب. إذا نصبت قُلْتَ: أضمرتَ أنْ، وإذا رَفَعْتَ

стр. 576

قلت لما سقطت أن رجع المستقبل إلى حقه. ويُروى: بحقك تُنْفَى عن المسجد. فالباء صلة تُنْفَى كأنه قال: تُنْفَى عن المسجد باستحقاقك، وتكون أن والفُعْل اسماً وتنصب الفعل بها، وكقولك: يسرني أن يأتيني، فهو اسم، كأنك قلت: يَسُرّني ذلك. وفي كتاب الله- : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ كأنه قال: والصيام خيرٌ، وتكون زائدة نحو قولك لما أن جاءوا، وأما والله لو [أن] فعلْتَ كذا لكان خيراً لك. يريد: أما والله لو فعلتَ كذا. وقد تكون في معنى أي. قال الله : ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا﴾ أي: امشوا. وتكون في معنى إذ. قال ذو الرمة: ذكرتك أن مرت بنا أمُّ شادنٍ ... أمام المطايا تشرئبُّ وتسنحُ ١/ ٣٤١ تشرئبُّ أي تمدُّ عُنقها وترفعُ رأسها لتنظر. وتسْنَحُ أي تجيء عن اليمين. سأل يونس رؤبة عن السانح والبارح فقال: السانح ما ولاك ميامنه، والبارحُ: ما ولاك مياسره. وتقول: كتبتُ إليك أن لا تقول ذاك أي أنك لا تقول ذاك. وقد يخففون أن مع الكاف. يقولون: ظننت أنكَ عالمٌ فخففوا مع الكاف لاتصاله بأنْ ولم يقولوا في ظننت أنَّ زيداً يقومُ حتى ثقلوا أنَّ. قال:

стр. 577

فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخلْ وأنتِ صديقُ فخفف مع الكاف. وقال آخر: أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما شاء صاحبه حريص أراد أنَّ فخففها. وأن الثقيلة منصوبة الألف إذا حَسُن في موضعها ذاك أبداً نحو قولك: قد بلغني أنه ظريف، لأنك قد تقول: قد علمتُ ذاك، وما لم يحسن في موضعه ذاك فهو إنَّ مكسورة. تقولُ: إنَّ زيداً منطلق لأنَّه لو ألْقَى إنَّ وما عملت فيه ثم قال ذاك لم يكن كلاماً وإنَّ بمنزلة الفعل وأنّ بمنزلة أسماء الفاعلين. وإذا حسُن أن تجعَلَ مظانّ أن وما عملت فيه ذاك حرفاً من حروف الجر فهي أيضاً أن مفتوحة. تقولُ: أشهدُ أنك ظريفٌ، لأنك تقول: أشهدُ على ذاك، فكلُّ ما حسُن فيه ذاك فهو أنَّ بالفتح. قال الله - تعالى-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ﴾ على معنى أوحى إليَّ بذاك. وقد يخففون أنّ ومعناها التثقيل مع سوف وقد ولا ومع السين. تقولُ: قد علمتُ ١/ ٣٤٢ أن سيذهبون وأن سوف يذهبون وأن لا يذهبون، لأنك تقول: قد علمتُ أنكم لا تذهبون، فكل ما حسُنَ فيه الضمير هكذا فإنَّ فيه ثقيلة في المعنى، والفِعْلُ بَعْدَها رَفْعٌ نحو قولك: قد علمت أنْ لا تضربُها لأنَّك

стр. 578

تقول: علمت أنَّك لا تضربها، وظننت أن لا تضربُها لأنك تقول: ظننت أنك لا تضربها، وإنما احتمل التخفيف، لأن هذه لحروف التي تكون معها عوضاً من الثقيل، وحذف الإضمار. وقد قُريء هذا الحرف رفعاً ونصباً ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وتكونُ. ولا يجوز نصب شيء من هذا مع السين ولا مع سوف ولا مع قد، إنما يجوز مع لا خاصة، لأنَّ لا لا تحولُ بين العامل وعمله. تقول: أمرتُه أن لا يصنع ذاك وأخبرني أن سيصنع ذاك، وأن سوف يصنع ذاك. وأن الرجلُ يئن أنيناً من الأنين. قال: يشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما ... أن المريضُ إلى عُواده الوصيبُ والخشاش: ما في أنف البعير. والعِران أن يُجعل في البرة وهو بين المنخرين ويكون للبخاتي. والبُرة تكونُ في أحد جانبي المنخرين وهي من صُفْرِ أو فضة، وربما كانت من شعر، فإذا كانت من شعر فهي الخُزامة. يُقال: خششتُ الناقةَ بالخشاش وعرنْتُها بالعِران وخزَمْتُها بالخُزامة وزمَمْتُها وخطمْتُها وأبْرَيتُها بالبُرة. هذه وحْدَها بالألف. أنَّ وإنَّ أعْلَم أنَّ أنّْ تُخَفَّف وتثقل، ومعنى التخفيف بها التثقيل، ثم اعْلَم أنَّ إنَّ في أربعة مواضع مكسورة الألف. عند الابتداء، وعند لام الخبر، ١/ ٣٤٣ وَبَعْد القول وبعد

стр. 579

القسم. تقولُ في الابتداء: إنَّ زيداً قائمٌ. وتقول عند القسم: والله إن زيداً قائم، وعند لام الخبر: علمت إنَّ زيداً لقائم. لولا اللام لزم أن تقول: علمتُ أنَّ زيداً قائم. قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ فلولا اللام كان الكلام والله يَعْلَمُ أنَّك رسوله فلما جاءت اللام كُسرت أنَّ فصارت إنَّ. قال الشاعر: وأعلَمُ علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وإن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليلُ فقال في البيت الأول: "أنَّه" ففتح لأنها قد توسطت. وقال في الثاني: وإنَّ فكسر لمجيء لام الخبر. وقال آخر- وهو جرير-: فعليك جزيةُ معشر لم يشهدوا ... والله إنَّ محمداً لرسولُ فكسر إنَّ لمجيء لام الخبر. وكلُّ ما لم يحسُن في موضعه ذاك فهو إنَّ مكسورة تقول: إنَّ زيداً قائمٌ وعمرو، ترفَعُ عمراً من ثلاثة أوجه على الموضع قَبْلَ دخول إنَّ. قال جل وعز -: ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ كأنه قال: الأمر كله لله فدخلت إنَّ فعملت في الأمر، وبقي كلُّه على حال رَفْعِه. وقال - تعالى-: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ و ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ﴾. وقال - عز

стр. 580

وجل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ و ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ فرفع ما جاء بعد الخبر على ثلاثة أوجه على الموضع قبل دخول إنَّ وعلى ضمير هو كأنَّك قُلت: إنَّ زيداً قائمٌ هو وعمرو وأنَّ الله بريءٌ من المشركين هو ورسوله على اشتراكه في خبرٍ واحد كقولك: جاء زيدٌ وعمرو وأنا وجاء عمرو فاشتركا في فعل واحد. وقال جرير بن عطية: إنَّ الشواحج بالضُّحى هيجنني ... في دار زينب والحمامُ الوقعُ رفعَ الحمامَ لمجيئه على الأوجه الثلاثة. وقال آخر: ألا لا تلمني إن صدرك واغر ... ونفسك إن دارت عليك الدوائر فرفع ما جاء ١/ ٣٤٤ بعد الخبر. ومن قال: إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً نصب عمراً على العطف على زيد، وقد كان ابن مسعود يقرؤها: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ نصب رسوله وقد جاء بعد الخبر على العطف. وقال الشاعر: فما كنتُ ممن يبعثُ الحرب بينهم ... ولكن مسعوداً حباها وجندبا فنصب جندبا على العطف، وقد جاء بعد الخبر على العطف. وتقول: إنَّ زيداً في الدار قائم وقائماً. فمن قال قائمٌ نصب زيداً بأنَّ ورفع قائماً بخبر إنَّ وألقى فيها وجعله على مستقر فكأنَّه قال: إنَّ زيداً قائم فيها. قال الله : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ رفع على منتهى الخبر و ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

стр. 581

الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فرفع فيها على منتهى الخبر، وقيل: فيها غير مستقر، كأنه قال: إنَّ المجرمين خالدون فيها، وإن أصحاب الجنة فاكهون في شغل. قال النابغة: فبت كأني ساورتني: أتتني واشتغلت عليَّ، فرفع ناقِعاً على منتهى الخبر وجعل فيها لغواً. وقال أيضاًك وتُسقى إذا ما شئت غير مُصردٍ ... بزوراء في أكنافها المسكُ كارعُ فرفع كارعاً على منتهى الخبر، فكأنه في التمثيل: المسكُ كارعٌ في أكنافها. وقال آخر: لا درَّ دري إن أطعمتُ نازلكم ... قرف الحتي وعندي البُر مكنوزُ فرفع مكنوزاً على منتهى الخبر كأنه قال: والبُرُّ مكنوزٌ عندي وجعل عندي ١/ ٣٥٥ غير مستقرة. وقِرْفُ الحَتيِّ: قِثْرُ المُقْل ونحوه من قِشْرِ الشَّجَر. والحَتيُّ: سويقُ المُقْل. ومن قال: إنَّ في الدارِ زيداً قائماً فإنما نصب زيداً بأنَّ والخبر في الصفة وفيها

стр. 582

مستقر، ونصب قائماً على القطع في قول الكوفيين، وعلى الحال ف يقول البصريين. قال جل وجهه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ﴾، وقال الله- تعالى-: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ فنصب فاكهين وآخذين على القطع والحال والاستغناء وتمام الكلام وجعل فيها مستقراً. وتقول: إنَّ زيداً في الدار وعمراً وعمروٌ، فمن نصب عمراً جعله عطفاً على زيد. قال جل وعز: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ﴾ بالنصب إلى آخر الآية. وحكى هذه القراءة عن النبي ﷺ فجعله عطفاً. وقال الشاعر: إن الخلافة والنبوة فيهم ... والمكرمات وسادة أبطالا فنصب سادة أبطالاً على العطف. ومن قال: وعمرو رفعها على الثلاثة الأوجه التي ذكرناها مُقدماً، وهي الموضع، وعلى أنَّه جاء بعد الصفة كأنه قال: وفيها عمرو، وعلى ضمير هو أي هو وعمرو. وقال الفرزدق: تنحوا عن البطحاء إن قديمها ... لنا والجبالُ الباذخاتُ الفوارعُ

стр. 583

رفع الجبال لما جاء بعد الصفة على الأوجه الثلاثة. وقد جاء في بعض القراءات: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخر الآية، وهي حجة لمن قال: إنَّ زيداً فيها وعمرو. وفي لغة تميم وباهلة تقول: إنْ زيداً قائمٌ مخففة في معنى مثقلة. وبَلَغنا أنَّ ابن مسعود كان يقرأ: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ يأتي بها مخففة في معنى مثقلة. وقال الشاعر: إن الحي والقوم الذي أنا منهم ... لأهل مقاماتٍ وشاء وجامل فأتى بها مخففة في معنى مثقلة. وقال الأعشى: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كل من يحفى وينتعلُ أراد أنه هالك. وقال آخر: أمسى أبانٌ ذليلاً بعد ١/ ٣٤٦ عزته ... وإن أبان لمن أعلاج سورائي وتقول: إن زيدٌ قائم. وتأويل الكلام: ما زيدٌ قائمٌ، ومعناها الجحد ودليله أنك تُدخِلُ معها إلا فتقول: إنْ زيدٌ إلا قائم. قال الله جل ذكره: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي

стр. 584

وَلَدْنَهُمْ﴾ فالمعنى ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. فإذا دخلت على أن ألا خرجت من معنى الجحد وصارت إيجاباً كقولك: ألا أنْ زيدٌ قائمٌ، وألا أن قام زيدٌ وألا أنْ جلس بكرٌ. فتأويل الكلام قد قعد زيدٌ وقد جلس بكر. قال الشاعر: ألا أن سرى همي فبتُّ كئيبا ... أحاذرُ أن تنأى النوى بغضوبا وقال آخر: ألا أنْ بليل [ان] مني حبائبي ... وفيهن ملهى لو أردن الاعب فتأويل الكلام: قد سرى همي، وقد بان مني حبائبي، فإذا دخلت اللامُ معها كانت أيضاً إيجاباً كقولك: أن قام لزيد وأن قعد لعمرو. وكذلك أن ضرب زيدٌ لعمراً. ولا يجوز أن تدخل اللام على الفاعل. فخطأ أن تقول: أن ضرب لزيدٌ عمراً وأن شتم لزيدٌ بكراً. وتكون إن تعني ما. قال ﷻ ﴿إِنْ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾. وتكون مضمومة إلى ما فترفعُ خبرها. قال: وما إن طِبّنا جُبْنٌ ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا وقيل في قوله : ﴿إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ أي قد نفعت الذكرى. إنَّ قال الأخفش: كلُّ شيء جاء بَعْدَ القول وهو إنَّ مكسورة الألف إن حَسُنَ

стр. 585

مكانه ذاك نحو قولك: قُلْتُ إنّ زيداً منطلق، وقُلْتُ إنك ظريف، لأنَّ القوْلَ لا يَقَعُ ما بعده إلا على الابتداء ١/ ٣٤٧ منقطعاً من الأول. ألا ترى أنَّ العربَ تقول: قُلْتُ: عبد الله منطلقٌ، وأقول أخوك ذاهب. وقال الله جل ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ إلا يُجْرونَها مُجْرى الظن. قال الشاعر: أمَّا الرحيلُ يكون بعْدَ غدٍ ... فمتى تقول الدار تجْمَعُنَا تقول في هذا: متى تقول إنَّ زيداً منطلقٌ، كما تقولُ: متى تظنُّ أنَّ زيداً منطلقٌ لأنك تقول: متى تظنُّ ذاك. وتقول: أما أنه منطلق لأنه لا يحسن ههنا أما ذاك. وقد قالت العرب: أما أنه منطلق تجعلُ أما في معنى حقاً، لأنَّ أما في المعنى حقاً كأنه ذكر حقاً فجعلها طرفاً وأن تقول حق أنك ذاهب أجود كأنك قلت يحقُّ ذاك. وقال الشاعر: أحقاً أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريقُ وقد قال ناسٌ حقاً أنك منطلق على قولك أنه منطلق حقاً فنصب حقاً على المصدر كأنَّه قال: أحق ذاك حقاً، وهذا وهو من كلام العرب، وإنما يفتح لأنَّه ليس يحْسُن أن تبتديء أن في كل موضع. لو قُلْتَ اليوم أن عبد الله منطلق لم يَحْسُن. ويقولون: إنَّ في موضع أجَل فيكسرون ويثقلون. ويقولون في هذا المعنى إنّه

стр. 586

يكون الفاصلة في الوقوف وتسقط إذا صرفوا. وبلَغَنا أنَّ أعرابياً أتى عبد الله بن الزبير فسأله فحرمَه فقال: لعن الله ناقةَ حَمَلَتْني إليك. فقال ابنُ الزبير: إنَّ وراكبها، أي أجل. وقيل: إنَّ رجلاً من الأعراب جاء إلى عمر بن الخطاب ﵀ فقال: يا عمر الخير: جُزيتَ الجَنَّة اكسُ بُنَيَّاتي وأمَهُنَّه ... واجعل جوابي إنَّ إنَّ إنَّه أولى فإني سوف أمضينَّه. فقال عمر: فإذا مضيت فماذا يكون؟ فقال: أكن على حالي لتُسألنَّه ... يوم يكون الأعطيات جُنَه ١/ ٣٤٨ والوقف المسؤول بينهُنَّه ... إما إلى نارٍ وإمّا جَنَّه فبكى عمر ﵀ بكاءً شديداً وخلع جبته فكساه وأمر له بشيء من الزَّاد وقال: خذه لا لشعرك ولكن لهول ذلك اليوم. قال الفراء: في لغة هذيل وذبيان وغطفان يقول الرَّجُل للرَّجل: أفَعَلْت كذا؟ فيقول: إنَّه، أي نعم وأجل. وأنشد ذلك: شاب المفارقُ إنّ إنّ من البلى ... شيب القَذال مع العذاب الواصل فقال: إن إنّ أي نعم نعم. وقال آخر: إذا قال صحبي إنك اليوم رائحٌ ... ولي حاجة لم أقضها قلت إنّ لا

стр. 587

وقال آخر: كلهم كان خطيباً مقولاً ... يحكي من وجد عليه الكَلْكَلا للمنعوها من على إنَّ لا. قال بعض الرُّجَّاز: قُلْنَ بناتُ العم يا سلمى وإن ... كان فقيراً مُعدماً قالت وإنْ أي نعم وأجل. وقال بعضُ البصريين إنَّ بمعنى نعم وإنَّ لا اسم ولا خبر. قال الشاعر: إنَّ لا خير فيه أبعده ... م الله ليزري بنفسه ويدني وقال بعضهم: إنَّ بمعنى نَعَم ومعَها هاء مضمرة في قوله- : ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ أراد إنَّه هذان لساحرانِ ودخلت اللام على ساحرين كما يقولون زيدٌ لقائم. قال الشاعر: خالي لأنتَ ومن جريرٌ خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا

стр. 588

واحتجوا بقول الآخر: أمُّ الحليس لعجوزٌ سلهبه ... ترضى من اللحم بعظم الرَّقبه وقال آخر: بكرت عليَّ عواذلي ... يلحينني وألو مُهُنَّه ويقُلْنَ شبَّ قد علاك ... م وقد كبرتَ فقلت إنَّه وللعرب فيهن لغتان: التخفيف والتثقيل. فمن خَفَّفَ رَفَع بها إلاَّ أنَّ ناساً من أهل الحجاز يخففون وينصبون على أيْ نعم توهم الثقيلة ١/ ٣٤٩ وقيل: إنهم يقرءون: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا﴾ يخففون وينصبون كلا و ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. ومنهن من يجعَلُ اللام في موضع إلاَّ ويجعلُ إنْ جحداً على تفسير ما هذان إلا ساحران. قال: أمسى أبانٌ ذليلاً بعد عزته ... وإنْ أبانٌ لمن أعلاج سورائي وتقول: إنَّ زيداً إنَّ عمراً يُكرمه إذا رجع إليه ذكره قلت: إنَّ زيداً إنَّ عمراً يكرم كان محالاً لأنَّ الضمير لم يرجع إليه وهو ملتبس. قال جرير:

стр. 589

إن الخليفة إن الله سربله ... سربال مُلْكٍ به تُرْجى الخواتيم فأتى بتكرير لما رجع الذَّكْرُ. وهم يقولون: إنَّ رجلاً ويسكنون ويضمرون للنكرة الخبر. قال الأعشى: إنَّ محلاً وإنَّ مُرتحَلاَ ... وإنَّ في السَّفرِ ما مضى مهلا أراد: إنَّ لنا ههنا محلاً وإنَّ لنا ثمَّ مُرْتَحلا. ويقولون: إنَّ رجلاً وإنَّ مالاً وإنَّ ولداً يُضْمِرون الخبر. يريدون: إنَّ لنا رجلاً وإنَّ لنا مالاً وإنّ لنا ولداً. ويقولون: إنْ حقاً وإن كذباً. يريدون إن كان حقاً وإن كان كذباً فيضمرون. قال: قد قيل ذلك إنْ حقاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا أنا أنا فيها لغتان بحذف الألف وإثباتها. وأحسن ذلك أن تُثْبِتَها في الوقوف. فهذه الآية: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ معناه لكن أنا فحذف الهمزة وحذفت نون لكن فالتقت نونان فأدغمت في صاحبتها. وأنا تُخفَّفُ وتثقل، فيقال: أنّا وأنَا. ومن العرب من يقول: أنه على الهاء، والاسم أنْ والألف صلة ليس بها حركة النون. دليله أنَّكَ إذا وَصَلْتَ كلامك ذهبت الألف في الوصل فتقول: أنا فَعَلْتُ ١/ ٣٥٠ ذلك، فالألف محذوفة من أنا في اللفظ، وإنما كتبت بالألف لئلا يلتبس أنا بأنْ التي تقعُ

стр. 590

على العقل في قولك: أحِبُّ أن تَفْعَلَ ذلك. قال الشاعر: أنا سيفُ العشيرة فاعرفوني ... حُميداً قد تذربتُ السناما وقال آخر: أنا الضامنُ الحامي عليهم وإنما ... يُدافعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي ومن العرب من يقف إني وإنني بمعنى، وكذلك أنا وأننا. قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ و ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ أحد النونين زائدة، والعربُ تزيد هذه النون. ويُقال: قد آن لك يئين أن تفْعَلَ كذا وأنا لك يأني أنا. وأنشد الثوري: تقولُ بِنْتي قد أنا أناكا ... يا أبتا علَك أو عساكا ويُقال: قدْ نال لك وأنا لك في ذلك المعنى، وقد أتى الشاعر فيه اللغتين فقال:

стр. 591

ألمَّا يئن لي أن تسلا عمايتي ... وأسلو عن ليلي بلى قد أنا لنا ويُرْوى: ألما يئن لي فهذا من آن. ويُرْوى: ألَّما ينل لي، فهذا من نال. والأنا من الأناة، وهي التؤدة، وأنه لذو أناةٍ إذا كان لا يعجل في الأمور، أي تأنَّى فهو آن أي مُنَأنَ. قال النابغة: الرفقُ يُمنٌ والأناةُ سعادةٌ ... فاستأن في رفق تلاقِ نجاحا ويُقال: استأنيتُ فلاناً أي لم أعجله، واستأنيتُ في الطعام أي انتظرتُ إدراكه. ويقال للمرأة الحليمة المواتية أناة والجميع الأنوات. وقال أهل الكوفة: إنما هي من الونى. ويقال: هي الباركة. وإذا أوْقَعْتَ ١/ ٣٥١ عندها إذا أثبت الألف. وإذا وقفتَ قُلْتَ أنه، وإن شئت: أنا، وحذفُها أحسن. وتقولُ: أني يأني لك كذا أنا، وقد آن لك وأنى لك أن تفعل كذا، وقد آن لكذا يأني بوزن يعين مثل: حان يحينُ حيناً، وقد أني يأني أنياً. وأنى مقصور. والإناءُ ممدود، واحدُ الآنية. والأواني جمع الجَمْع فعال على أفعِلة على فواعل. إذ وإذا وإذن العربُ تقولُ: إذا ما مضى وهي واجبة، وإذن غير واجبة. تقول: أتيتُك إذ أتاك زيدٌ. فهذا الواجب. قال الشاعر: ذكرتُك إذ فاض الفراتُ بأرضنا ... وفاض بأعلى الرَّقَّتين بحارُها وتقول: أتيتُك إذا أتاك زيدٌ، فهذا غير الواجب. قال امرؤ القيس:

стр. 592

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب فهذا غيرُ واجب. وإذا لما يُستقبل لوقتين من الزمان. وقد يكون معنى إذ معنى إذا، وتكون إذ لما يُستقبل كما تكونُ إذا لما يُسْتَقْبَلُ، وهو في القرآن والأشعار كثير. قال الله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾. ومثله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ كأنه قال: إذ وُقِفُوا، لأن هذا لم يقع بعد. قال أبو النجم: ثم جزاه الله عنَّا إذ جنى ... جنات عدنٍ في العلالي العلا يعني إذا جزاه، لأنَّ لم يقع بعد. وقال الأسود: فالآن إذ هازلْتُهنَّ فإنما ... يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا والمعنى: إذا هازلتهن. وقال أوس: الحافظ الناس في تحوط إذا ... لم يُرسلوا تحت عائذ رُبَعَا وهبت الشمألُ البليلُ وإذ ... بات كميعُ الفتاة مُلْتَفِعا فقال إذا وإذ في معنى واحد. وقال بعض أهل اليمن: وندمان يزيد الكأس طيباً ١/ ٣٥٢ سقيتُ إذا تغوَّرتِ النجومُ فقال: إذا والمعنى إذ تغورت، وإذ تكون من حروف الزوائد، وقوله تعالى:

стр. 593

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾، وكل ما كان مثله فالمعنى على ما فُسر. وكذلك إذا قد تكون زائدة. قال الأسود بن يعْفُر النهشلي: فإذا وذلك لامهاه لذكره ... والدهر خلطَ صالحاً بفساد معناه: وذلك لامهاه لذكره، أي لا طعم ولا فضل. وقال عبد مناف بن ربع الهذلي، وهو آخرُ القصيدة: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلاً كما تطردُ الجمالةُ الثُّرُدا معناه: حتى أسلكوهم وإذا زائدة. وقتائدة: موضعٌ أو جبل. وإذا أُضيف إلى إذ كلمة جُعلت غاية للوقت وجرت كقولك: يومئذ، وعشينئذ يكتبان معاً، فإن وصلتهما وكنايتهما ملزوقة فإن وصلتها بكلمة تكونُ صلة ولا تكون خبراً كقوله: (عشية إذ تقول بنو لؤي) ... ..................... كما كانت في الأصل حيثُ جُعِلَت صلة أخرجتها من حد الإضافة، وصارت الإضافة إلى قولك إذ تقول جملة، فإذا أفردتها نونتها لالتزاقها بالكلمة التي معناها كأنها كلمة واحدة، وهو قولك: عشينئذ بنو فلان يقولون كذا، لأنَّ يقول ههنا خبر، وفي البيت صلة، وإنما جاءت في سبع كلمات موقتات في حينئذ وساعتئذ وعامئذ ويومئذ وليلتئذ وغداتئذ وعشيتئذٍ، ولم يقل إلا بإذ، وإنما خُصَّت هذه الكلمات بها لأنها أٌرب ما يكون في الحال كقولك: الآن. وإذ وإذا اسمان

стр. 594

يكونان ظرفين في موضع نصب، وذلك أنك إذا قُلْت: أتيتُك إذ كنت أميراً فإن معناه لما كنت أميراً. وإذا قلت آتيك إذا أدرك البرُّ أي آتيك زمن يدرك البُرَّ فيدلك على أنَّ إذ وإذا ظرفان منصوبان انتصاب زمن لأنَّ زمناً ظرفٌ ١/ ٣٥٣ وإذن: جواب تأكيد الشرط تُنَوَّنُ في الاتصال وتُسكَّنُ في الوقف. وتكتبُ إذاً بالألف ولا تكتب بالنون، لأن الوقف عليها بالألف وهي تشبه النون الخفيفة مثل قوله- تعالى-: ﴿لَنَسْفَعاًَ بِالنَّاصِيَةِ﴾ ﴿وَلَيَكُونَاً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ إذا أنت وقفت على الألف. قال الفراء ينبغي إذا نصبتَ الفعل المستقبل أن تكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام كانت لغواً كتبت بالألف. قال القتيبي: وأحبُّ إليَّ أن تُكْتَبَ بالألف في كل حالٍ، لأنَّ الوقوف عليها بالألف في كلِّ حال. أذُن موضعُ السمْع ظاهره وباطنه. يُقالُ للرجل هو أُذُن، وللمرأة هي أُذُن، والقوم كذلك، وهو الذي يسمع من كل أحد. قال الله : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. والأذُنُ: عُرْوَة الكوز ونحوه. ويُقال: الأكوابُ كيزان لا آذان لها. والأذن مصدر أذِنْتُ بالشيء، وذلك إذا استشنعته واستمعت له وأصْغَيْتَ إليه. وآذنت للشيء آذنُ إِذْناً وآذَنْتُ بهذا الشيء أي عَلِمْتُ به. وآذنني فلان أي أعلمني. قال : ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمتكم، ثم قال الحارث بن

стр. 595

حلزة: آذنتنا ببينها أسماءُ ... رب ثاوٍ يملُّ منه الثواء أي: أعلمتنا. والآذان اسم للتأذين، كما أنَّ العذاب اسمٌ للتعذيب. وقال: * حتى إذا نودي بالآذين * فحولوه إلى فُعْلُل. والإذْن تَسَهُّلُ الأمر بالدخول. تقول: أذِنَ لي يَاذَن بالدخول على الوالي وغيره. وقال: سأترك باباً أنت تملك إذنه ... وإن كنتُ أعمى عن طريق المسالك فلو كنت بواب الجنان ١/ ٣٥٤ تركتها ... وحولتُ رجلي مُسرعاً نحو مالك وقال: سأترُكُ باباً أنت تملكُ إذنه ... وأهجره حتى تلين قليلا إذا لم نجد يوماً إلى الإذنُ سلَّما ... وجدنا إلى ترك الوصول سبيلا أذى الأذى: كلُّ ما تأذَّيْتَ به وما يكره ويغمّ، ورجل أذىّ إذا كان شديد التأذي فعل لازم، والفِعْلُ أذِيَ يَاذَى أذَىّ. قال الله- تعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قيل: قذر ونجس. أتى أتى - مقصور - من الإتيان، وهو المجيء. قال الله-تعالى-: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ

стр. 596

فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. وآتى - ممدود- من الإتيان، وهو الإعطاء. آتاه: أعطاه. قال جل وعز: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أي أعطوهم من مال الله الذي أعطاكم، وكذلك: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي أعطوا. وأنْطَى لغة في أعطى، وقُرِيء: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. أفٌ أفٌ من التأفيف. تقول: قد أفَّفْتُ فلاناً، أي قُلتُ له: أفٌ لك ويُقال: "أفٌ: وسخ الأذُن، وتُفٌ: وسخُ الأظْفَارِ، ثم اسْتُعْمِلَ ذلك عند كلِّ شيء يُضْجَرُ منه. وقيل: الأفُّ: القِلَّة وهو مأخوذ من الأفَفِ، وهو القِلَة. التف منسوق على أفٌ ومعناه كمعناه. قال الشاعر: ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هند ... وهندٌ أتى من دونها النأي والبعدُ وقال آخر: وقدمت الأديم لراهشيه ... وألقى قولها كذباً وميسنا والمين هو الكذب. "فإذا أفردت أف ففيها عشرة أوجه: أفَّ لك - بفتح الفاء-، وأفِّ -بكسر الفاء -، وأفُّ بضم الفاء، وأفاً بالنصب والتنوين، وأفٍّ -

стр. 597

بالخفض والتنوين-، وأُفٍّ بالرفع والتنوين وأُفّي - بإثبات الياء-، وإِفَّ لك بكسر الألف وفتح الفاء، وأُفَّةٌ لك بضم الألف وإدخال الهاء، وأُفْ - بضم الألف وتسكين الفاء. قال حسان: ١/ ٣٥٥ فأف للحيان على كل آلة ... على ذكرهم في الذكر كل عفاء وقال أبو حية النميري: حياء وبُقيا أن تشيع نميمةٌ ... بنا وبكم أُفٌّ لأهل النمائم وقال الآخر: عصيتم رسول الله أف لبغيكم ... وأمركُم الشيء الذي كان غاوياً فمن قال أُفًّ جعله بمنزلة مُدَّ يدك يا رجل، ومن قال: أفٍّ جعله بمنزلة مُدَّ يدك، ومن قال: أفٌّ جعله بمنزلة مُدُّ يدك، وأُفْ بمنزلة مُدْ قال: إذا أنتَ لم تنفع فضر فربما ... يُرجى الفتى كيما يضر وينفعا وقال: قال أبو ليلى لحبل مُدَّه ... حتى إذا مددته فُشده إن أبا ليلى نسيج وحدِه

стр. 598

ومن قال: أفَأ نصبه على مذهب الدعاء كما تقول: وَيْلاً للكافرين، ومن قال: أُفٍّ لك رفعه باللام كقوله-تعالى-: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، ومن قال: أفٍّ خفضه على التشبيه بالأصوات كما تقول: صهٍ ومهٍ. ومن قال: أُفَّةٌ نصبه أيضاً على مذهب الدعاء وترفعُ أيضاً مع التنوين، وكذلك إذا قالوا: أفَ وَتُفَ لم يجاوزوا الرفع والنصب مع التنوين، ومن قال أُفّي لك أضافه إلى نفسه؛ ومن قال: أُفْ شبهه بالأدوات بمن وكم وبل وهل. أخّ أخّ كلمة فارسية يتكلم بها عند التوجع. قال: * وصار وصلُ الغانيات أخا * معناه أفّ وَتُفّ آه الآه من التوجه. قال المثقبُ: إذا ما قُمتُ أرحلها بليل ... تأوه آهةَ الرجل الحزين ويُروى تهوه هاهة الرجل الحزين. وبيان القطع أحسن. ويكون هاه في موضع آه. وتقول في النداء: آفلان، وتمدُّ أيضاً فيقال: أيا فلان.

стр. 599

إيه إيه- بالكسر - للاستزادة والاستنطاق ١/ ٣٥٦ كقول ذي الرمة: وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم ... وما بالُ تكليم الديار البلاقع وتقول للرجل يحدثُك إيه أي زد من الحديث. وإيه - بالفتح- تكونُ زجراً ونهياً كقولك: إيه حسبُك يا رجل. والعربُ قد تنونهما جميعاً فيقولون: إيهٍ وأيهاً. قال حاتم. أيها فدى لكم أمي وما ولدت ... حاموا على مجدكم واكفوا الذي اتكلا وقيل: إيه حدث، وأيهاً كفَّ، ولا يقال بغير التنوين ها بفخامة الألف. [واه] وآه تلذُّذٌ وتلهف، وتنونُ أيضاً كقول أبي النجم: * واهاً لريا ثم واهاً واهَا * وقال الساجعُ: أو من بناتك واهاً تركن قلبي هباها هذا من التوجع. أوّاه الأوّاه: الدعاءُ بالخير. قال الله-تعالى-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ﴾. ويقال:

стр. 600

هو الكثير الدعاء، ويقال: كثير التأوه أي التوجع شفقاً وفرقاً. والتأوُّه أن تقول: [آه] وأوه، وفيه سبع لغات: أوْهِ، وأوْهُ، وأوْهَ وأوَّه وآه وآهة وأوْه من عذاب الله - بالتشديد ولاقصر-. ويقال: هو يتَاوَّه ويتأوى. وقال قيس بن ذريح: فأوه من الذكرى إذا ما ذكرتها ... ومن بُعد أرض دوننا وسماء ويروي فأوِّ من الذكرى. وفي الأوَّاه سبعةُ أقوال: الرحيمُ، والفقيه، والمُسبحُ، والدعاءُ، والمؤمنُ، والموقِنُ. وقال أهلُ اللغة: الذي يتأوَّه من الذنوب. أوَّاب رجاع، أي: توّاب، والآيبُ: الراجعُ، والمآب: المرجع. والتأوُّبُ الجيدُ الأوب أي: سريع الرجوع. وقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قيل: سبحي معه نهاره كله كتأويب السائر نهاره كله. وقيل: أوبي سبحي بلسان الحبشة. قال ابن الأنباري: "فيه سبعةُ أقوال. قال قوم: الأوابُ: الراحم وقيل: التائب،
следующие страницы →