← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

﴿طَائِفٌ﴾ ﴿الشيطان﴾ (٢٠١) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّ المُتَّقِينَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا أَلَمَّ بِهِمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ بَوَسْوَسَتِهِ إِلَيْهِمْ لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى المَعْصِيَةِ، أَوْ لِيُوقِعَ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ. . . تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ عَدُوِّهِمْ وَتَذَكَّرُوا أَنَّ رَبَّهُمْ قَدْ حَذَّرَهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ، وَسْوَسَتِهِ، فَتَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَعَاذُوا بِاللهِ، وَرَجَعُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا هُمْ قَدِ اسْتَقَامُوا وَصَحَوْا (مُبْصِرُونَ) . مَسَّهُمْ طَائِفٌ - ألَمَّ بِهِمْ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ.

стр. 1157

﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (٢٠٢) - وَإِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الكُفَّارِ، وَهُمُ الجَاهِلُونَ الذِينَ لاَ يَتَّقُونَ اللهَ، تَتَمَكَّنُ الشَّيَاطِينِ مِنْ إِغْوَائِهِمْ فَيَمُدُّونَهُمْ فِي غَيِّهِمْ وَفَسَادِهِمْ، وَيَزِيدُونَهُمْ ضَلاَلاً، وَلاَ يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ وَلاَ يُقَصِّرُونَ فِيهِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِذَا شَعَرُوا بِالنُّزُوغِ إِلى الشَّرِّ وَلاَ يَسْتَعِيذُونَ بِاللهِ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَمَسِّهِ. يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ - تُعَاوِنُهُمُ الشَّيَاطِينُ فِي الضَّلاَلِ. لا يُقْصِرُونَ - لاَ يَكُفُّونَ عَنْ إِغَوَائِهِمْ.

стр. 1158

﴿بِآيَةٍ﴾ ﴿بَصَآئِرُ﴾ (٢٠٣) - قَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﵇: ألاَ تُجْهِدُ نَفْسَكَ فِي طَلَبِ الآيَاتِ مِنَ اللهِ حَتَّى نَرَاهَا وَنُؤْمِنَ بِهَا؟ (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: إِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ بِأنْ تَرَاخَى الوَحْيُ عَلَيْكَ زَمَناً مَا، قَالُوا: لَوْلاَ اخْتَلَقْتَها، وَافْتَعَلْتَ نَظْمَهَا وَتَألِيفَهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِكَ؟) . وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّنِي لاَ أَتَقَدَّمَ إلى اللهِ تَعَالَى فِي طَلَبِ شَيءٍ، وَإِنَّمَا أتَّبِعُ مَا أمَرَنِي بِهِ رَبِّي، فَأمْتَثِلُ إلَى مَا يُوحِيهِ إليَّ، فَإِنْ أَنْزَلَ آيَةً أَبْلَغْتُها كَمَا أَمَرَ، وَإِنْ مَنَعَهَا لَمْ أَسْألْهُ ابْتِدَاءً عَنْهَا. إلاَّ أَنْ يَأذنَ لِي بِذَلِكَ. ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إلَى أَنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ أَعْظَمُ المُعْجِزَاتِ، وَأَبْيَنُ الدَّلاَلاتِ وَالبَييِّنَاتِ. الاجْتِبَاءُ - هُوَ الاخْتِرَاعُ وَالاخْتِلاَقُ. هَذَا بَصَائِرُ - هَذا القُرآنُ حُجَجٌ بَيِّنَةٌ وَبَرَاهِينُ نَيِّرَةٌ.

стр. 1159

﴿القرآن﴾ (٢٠٤) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ القُرْآنَ بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ، أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإِنْصَاتِ إِلَيْهِ عِنْدَ تَلاَوَتِهِ للانْتِفَاعِ بِهُدَاهُ، وَإِعْظَاماً لَهُ وَاحْتِرَاماً. فَإِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فِي صَلاَةِ الجَهْرِ فَالمُؤْتَمُّونَ بِهِ يَنْصِتُونَ وَلاَ يَقْرَؤُونَ مَعَه.

стр. 1160

﴿الغافلين﴾ ﴿الآصال﴾ (٢٠٥) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِذِكْرِهِ كَثِيراً فِي أَوْلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ، كَمَا أَمَرَ عِبَادَه بِعِبَادَتِهِ فِي هَذينِ الوَقْتَينِ، (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ) . وَيَأْمُرُ اللهُ بِأَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَبِالقَوْلِ خُفْيَةً وَسِرّاً، لاَ جَهْراً، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ خَفِيّاً لاَ نِدَاءً وَلاَ جَهْراً بَلِيغاً، وَبِأنْ لاَ يَكُونَ الإِنْسَانُ غَافِلاً عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَأَنْ يَسْتَشْعِرَ قَلْبُهُ الخُضُوعَ لَهُ، وَالخَوْفَ مِنْ قُدْرَتِهِ. تَضَرُّعاً - مُظْهِراً الضَّرَاعَةَ وَالذِّلَّةَ. خِيفَةً - خَائِفاً مِنْ عِقَابِهِ.

стр. 1161

(٢٠٦) - يُعْلِمُ اللهُ عِبَادَهُ أَنَّ المَلاَئِكَةَ الكِرَامَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لاَ يَفْتُرُونَ وَلاَ يَسْتَكْبِرُونَ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ الاقْتِدَاءُ بِهِمْ.

стр. 1162

﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ (١) - الأنفالُ هِيَ المَغَانِمُ التِي يَغْنَمُها المُقَاتِلُونَ فِي الحَرْبِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، بَعْدَ نَصْرِهِمْ عَلَى قُرَيْشٍ، حَوْلَ الطَّرِيقَةِ التِي تُقْسَمُ بِمُوجِبِهَا الغَنَائِمُ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي الفَضْلَ فِي نَصْرِ المُسْلِمِينَ، وَهَزِيمة أعْدَائِهِمْ، فَانْتَزَعَها اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَجَعَلَها إلى اللهِ، وَإلى رَسُولِهِ، لِيَقْسِمَها الرَّسُولُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وَيَقُولُ تَعَالَى: يَسْألُكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الأَنْفَالِ. قُلْ: هِيَ للهِ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِهِ، وَلِلرَّسُولِ يَقْسِمها وَفْقاً لِمَا شَرَعَهُ اللهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أُمُورِكُمْ، وَاجْتَنِبُوا مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخِلافِ حَوْلَ قِسْمَتِها، وَأَصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَلا تَخْتَصِمُوا وَلا تَتَظَالَمُوا، وَلاَ تَتَشَاتَمُوا، وَلاَ يُعَنِّفُ بَعْضُكُمْ بَعضاً، فَمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الهُدى خَيْرٌ مِمَّا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقاً لِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، مِنْ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ. الأَنْفَالِ - غَنَائِمِ الحَرْبِ. للهِ وَالرَّسُولِ - مُفَوَّضٌ إِلَيْهِمَا أَمْرُها. ذَاتَ بَيْنِكُمْ - أَحْوَالَكُمْ التِي يَحْصُلُ بِهَا اتِّصَالُكُمْ.

стр. 1163

﴿آيَاتُهُ﴾ ﴿إِيمَاناً﴾ (٢) - يُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ: الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ فَزِعَتْ قُلُوبُهُمْ وَخَافَتْ (وَجِلَتْ) ، وَعَمِلَتْ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَتَرَكَتْ مَا نَهَى عَنْهُ. فَالمُؤْمِنُونَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَهُمُّوا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ يَظْلِمُوا، وَقِيلَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ، ارْتَدَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ خَوْفاً مِنَ اللهِ. وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ رَسَّخَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَزَادَ فِيهِ، وَهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ، لاَ يَرْجُونَ سِوَاهُ، وَلاَ يَلُوذُونَ إِلاَّ بِجَناَبِهِ، وَلاَ يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ. وَجِلْتْ - فَزِعَتْ وَرَقَّتِ اسْتِعْظَاماً وَهَيْبَةً. يَتَوكَّلُونَ - يَعْتَمِدُونَ عَلَى اللهِ وَإِلَيهِ يُفَوِّضُونَ أمُورَهُمْ.

стр. 1164

﴿الصلاة﴾ ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٣) - وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ تَعَالَى إِيمَانَ المُؤْمِنِينَ وَاعْتِقَادَهُم، أَشَارَ هُنَا إلَى أعْمَالِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ حَقَّ أَدَائِها، بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قُلُوبٍ، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ جِهَادٍ، وَزَكَاةٍ، وَصَدَقَاتٍ، وَيَفْعَلُونَ الخَيْرَاتِ كُلَّهَا.

стр. 1165

﴿أولائك﴾ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ (٤) - وَالمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصَّفَاتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقَّ الإِيمَانِ، لَهُمْ دَرَجَاتٌ مِنَ الكَرَامَةِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَهُمْ مَنَازِلُ وَمَقَامَاتٌ فِي الجَنَّاتِ، وَيَغْفِرُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيَشْكُرُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ رِزْقاً طَيِّباً وَافِراً كَرِيماً.

стр. 1166

﴿لَكَارِهُونَ﴾ (٥) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ كَمَا اخْتَلَفْتُمْ حَوْلَ قِسْمَةِ المَغَانِمِ، فَأَخَذَهَا اللهُ مِنْكُمْ، وَجَعَلَهَا لِرَسُولِهِ، يَقْسِمُهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِينَ، كَذَلِكَ كَرِهْتُمُ الخُرُوجَ إلَى الأَعْدَاءِ، وَفَضَّلْتُمُ الاتِّجَاهَ نَحْوَ عِيرِ قُرَيشٍ، لِتَفُوزُوا بِالمَغْنَمَ، دُونَ التَّعَرُّضِ إلَى مَخَاطِرِ الحَرْبِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدَّرَ لِقَاءَكُمْ بِالمُشْرِكِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَعَلَى غَيْرِ انْتِظَارٍ، فَأَخْرَجَكُمْ رَبُّكُمْ إِلَيْهِمْ، وَكَثيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَارِهُونَ لِلْحَرْبِ، وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ.

стр. 1167

﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ (٦) - خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ إلَى بَدْرٍ لِيَعْتَرِضَ سَبيلَ قَافِلَةٍ لِقُرَيشٍ قَادِمَةٍ مِنَ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ، وَعَلِمَ أَبُو سُفْيَانَ - وَكَانَ عَلَى رَأسِ القَافِلَةِ - بِخُرُوجِ المُسْلِمِينَ فَأْرَسَل إلَى قُرَيشٍ خَبَراً لِيَخْرُجُوا لِمَنْعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الاسْتِيلاَءِ عَلَى القَافِلَةِ. وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِخُرُوجِ قُرَيشٍ، وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يُفَضِّلُونَ العِيْرَ، وَيَكْرَهُونَ القِتَالَ، وَيُرِيدُونَ المَغْنَمَ السَّهْلَ. وَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُمْ سَيَلْقُونَ حَرْباً لاسْتَعَدُّوا لَهَا. وَأَخَذُوا يُجَادِلُونَ النَّبِيَّ فِي أَمْرِ القِتَالِ، مَعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُمْ بِأنَّ اللهَ وَعَدَهُ النَّصْرَ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ حَقّاً، فَهُمْ فِي ذَهَابِهِمْ إلَى القِتَالِ كَأنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيهِ.

стр. 1168

﴿الطائفتين﴾ ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ ﴿الكافرين﴾ (٧) - خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ وَهُمْ فِي حَوَالَي أَلَفِ رَجُلٍ، وَانْحَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ بِالقَافِلَةِ إلَى طَرِيقِ البَحْرِ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ حَتَّى وَصلوا بَدْراً، وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ قُرْيَشٍ بِالقُرْبِ مِنْهُمْ. وَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ بِوُجُودِ قُرَيشٍ قَريباً مِنْهُمْ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا حَوَاليِ ٣١٧ رَجُلاً، فِيمَا يَفْعَلُ. وَكَانَ يُرِيدُ مَعْرفَةَ رَأي الأَنْصَارِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا الكَثْرَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَتَكَلَّمَ المُهَاجِرُونَ يُفَوِّضُونَ الأَمْرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَالأَنْصَارُ سَاكِتُونَ، فَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُكَرِّرُ طَلَبَ المَشُورَةِ، يَقُولُ: أَشيرُوا عَلَيَّ أَيُّها النَّاسُ. وَفَطِنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ سَعْدُ بْنُ معَاذٍ، رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوْسِ -، إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يُرِيدُ مَعْرِفَةَ رَأْي الأنْصَارِ وَمَوْقِفَهُمْ، فَقَالَ قَوْلاً كَرِيماً، وَفَوَّضَ الأَمْرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَكَّدَ لَهُ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَخَلَّفُوا بِنُفُوسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ. وَوَعَدَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنَّهُ سَيُظْفِرُهُ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى قُرَيشٍ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَإِمَّا أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الاسْتِيلاَءِ عَلَى القَافِلَةِ وَكَانَ كَثيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - وَأَكْثَرُهُمْ فُقَرَاءُ - يُرِيدُونَ العِيرَ، لأَنَّهَا تُصْلِحُ حَالَهُمْ مِنْ دُونِ تَعَرُّضٍ إلَى مَخَاطِرَ الحَرْبِ. وَبَيْنَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَشَاوَرُونَ اقْتَرَبَتْ قُرَيْشٌ كَثِيراً مِنْ مَوَاقِعِ المُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَدُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِمَكَانِ الآخَرِ، فَلَمْ يَتْرُكِ اللهُ خِيَاراً لأَحَدٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ، فَكَانَتِ الحَرْبُ. وَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِذَلِكَ ثَبَّتَ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ، وَسَحَقَ قُوَّةَ المُشْرِكِينَ، وَقَضَى عَلَى رُؤُوسِ الكُفْرِ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَأَعَزَّ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ. الطَّائِفَتَينِ - العِيرِ وَالقَافِلَةِ أَوْ النَّفِيرِ. ذَاتِ الشَّوْكَةِ - ذَاتِ السِّلاَحِ وَالقُوَّةِ وَهِيَ النَّفِيرُ. دَابِرَ الكَافِرِينَ - آخِرَهُمْ، وَمَتى قُطِعَ الدَّابِرُ قُطِعَ الأوَّلُ وَهَلَكَ.

стр. 1169

﴿الباطل﴾ (٨) - وَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَأَرَادَ أَنْ يَلْتَقِي المُؤْمِنُونَ بِالقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ لِقُرَيشٍ لِيَكْسِرَ شَوْكَةَ الشِّرْكِ، وَيُثَبِّتَ الإِسْلاَم، َ وَيَرْفَعَ رَايَتَهُ (يُحِقَّ الحَقَّ) ، وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ المُعْتَدُونَ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالاسْتِيلاَءِ عَلَى العِيرِ، وَإِنَّما بِالقَضَاءِ عَلَى رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَقَادَتِهِ.

стр. 1170

﴿الملائكة﴾ (٩) - حِينَمَا التَقَتِ الفِئَتَانِ، المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ فِي سَاحَةِ المَعْرَكَةِ، وَجَدَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ كَثِيرِي العَدَدِ، فَاسْتَغَاثَ الرَّسُولُ بِرَبِّهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي وَعْدَكَ الذِي وَعَدْتَنِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَفِيهَا يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنَّهُ اسْتَجَابَ لِدُعَائِهِ وَدُعَاءِ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ سَيَمُدُّهُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ يَأْتُونَهُمْ مَدَداً يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، أَيْ يَأتي بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ. مُرْدِفِينَ - يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.

стр. 1171

﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ (١٠) - وَيَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ إِرْسَالَ المَلاَئِكَةِ لإِمْدَادِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ إلاَّ بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَطْمِيناً لِقُلُوبِهِمْ، بِأنَّهُمْ سَيَنْتَصِرُونَ، وَتَثْبِيتاً لأَقْدَامِهِمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ، لأنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ، لأنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ العَزِيزُ الجَانِبِ، الحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ.

стр. 1172

﴿الشيطان﴾ (١١) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإلْقَائِهِ النُّعَاسَ عَلَيْهِمْ لِيُؤمِّنَهُمْ بِهِ مِنَ الخَوْفِ الذِي اعْتَرَاهُمْ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، كَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِأنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَمَلأَ المُسْلِمُونَ أَوْعِيَتَهُمْ، وَشَرِبُوا وَتَطَهَّرُوا، فَارْتَاحَتْ نُفُوسُهُمْ، وَكَانَ بَيْنَ مَوَاقِعِهِمْ وَمَوَاقِعِ المُشْرِكِينَ أَرْضٌ رَمْلِيَّةٌ، فَلَمَّا نَزَلَ المَطَرُ ثَبَتَ رَمْلُها تَحْتَ الأَقْدَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَوْناً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المَعْرَكَةِ. يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ - يَجْعَلُهُ غَاشِياً عَلَيْكُمْ كَالغِطَاءِ. أمَنَةً مِنْهُ - أمْناً مِنَ اللهِ وَتَقْوِيَةً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. رِجْزَ الشَّيْطَانِ - وَسْوَسَتَهُ وَتَخْوِيفَهُ إِيَّاكُمْ. لِيَرْبِطَ - لِيَشُدَّ وَيُقَوِّي بِاليَقِينِ وَالصَّبْرِ.

стр. 1173

﴿الملائكة﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٢) - وَهَذِهِ نِعْمَةٌ خَفيّةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ تَعَالَى لِلمُسْلِمِينَ لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فَقَدْ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَى المَلاَئِكَةِ الذِينَ أَرْسَلَهُمْ لِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، بِأَنْ يُثَبِّتُوا المُسْلِمِينَ وَيُقَوُّوا قُلُوبَهُمْ، فَيُلْهِمُوهُمْ تَذَكُّرَ وَعْدِ اللهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّصْرِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ، وَأنَّهُ تَعَالَى سَيَجْعَلُ الرَّعْبَ يَسْتَوْلي عَلَى قُلوبِ المُشْرِكِينَ فَيُصِيبُهُمُ الفَزَعُ. ثُمَّ أمَر اللهُ المَلاَئِكَةِ بِأنْ يَضْرِبُوا رِقَابَ المُشْرِكِينَ وَيَقْطَعُوهَا، وَبِأَنْ يَقْطَعُوا الأَيْدِي ذَاتِ البَنَانِ التِي هِيَ أَدَاةُ الضَّرْبِ فِي الحَرْبِ. (وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾ ، هُوَ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لاَ لِلْمَلاَئِكَةِ، وَالأوَّلُ أَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ) . أَنِّي مَعَكُم - أَنِّي مُعِينُكُمْ عَلَى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ. الرُّعْبَ - الخَوْفَ وَالفَزَعَ. كُلَّ بَنَانِ - كُلَّ الأَطْرَافِ أَيْ كُلَّ مِفْصَلٍ.

стр. 1174

(١٣) - وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِذَلِكَ لأنَّ الكَافِرِينَ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُما، وَابْتَعَدُوا عَنْهُمَا، وَتَرَكُوا شَرْعَ اللهِ. وَمَنْ يُخَالِفْ شَرْعَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَالِبُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَلاَ أحَدَ أَجْدَرُ بِالعِقَابِ مِمَّنْ يُخَالِفُ اللهَ وَرَسُولَهُ. شَاقُّوا اللهَ - خَالَفُوا وَعَصَوْا وَعَانَدُوا.

стр. 1175

﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ (١٤) - إِنَّ هَذا العِقَابَ نَزَلَ بِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، أَيُّهَا الكَافِرُونَ المُشَاقُّونَ للهِ وَرَسُولِهِ: مِنِ انْكِسَارٍ وَذِلَّةٍ وَخِزْيٍ. . . إِنَّمَا هُوَ عِقَابُ الدُّنْيَا الذِي عَجَّلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيهَا، وَاعْلَمُوا أنَّ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ، إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَهُوَ أَشَدُّ وَأدْهَى مِنْ عَذَابِ الدُّنْيا.

стр. 1176

﴿يَآأَيُّهَا﴾ ﴿آمنوا﴾ (١٥) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ فِي المَعْرَكَةِ، وَبِمُوَاجَهَةِ الكَافِرِينَ بِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ وَتَوْلِيَةِ الظُّهُورِ لِلأَعْدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الكَافِرُونَ أَكْثَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَدَداً، لأنَّ الفِرَارَ يُحْدِثُ الوَهَنَ فِي الجَيْشِ الإِسْلاَمِي المُقَاتِلِ. زَحْفاً - جَيْشاً زَاحِفاً نَحْوَكُمْ.

стр. 1177

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿وَمَأْوَاهُ﴾ (١٦) - وَلَكِنَّهُ تَعَالَى سَمَحَ لِلْمُقَاتِلِ بِحُرِّيَّةِ الحَرَكَةِ أَثْنَاءِ المَعْرَكَةِ، كَأنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ فِي المَعْرَكَةِ إلى مَكَانٍ آخَرَ، لِنُصْرَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ لِسَدِّ ثَغْرَةٍ نَفَذَ مِنْهَا العَدُوُّ، فَالمُهِمُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ هَدَفُ المُقَاتِلِ المُسْلِمِ النَّصْرَ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِ القِيَادَةِ. أَمَّا الذِينَ يَتْرُكُونَ المَعْرَكَةَ فِرَاراً وَهَرَباً مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذَابِ الألِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ. (وَعَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّولِيَّ يَوْمَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبَائِرِ) (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ) . مُتَحَرِّفاً - مُظْهِراً الفِرَارَ خُدْعَةً ثُمَّ يَكُرُّ. مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ - مُنْضَمّاً إلَى فِئَةٍ لِيُقَاتِلَ العَدُوَّ مَعَهَا. بَاءَ بِغَضَبٍ - رَجَعَ مُتَلَبِّساً بِهِ، مُسْتَحقّاً لَهُ.

стр. 1178

(١٧) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، وَأَنَّهُ المَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّكُم لَمْ تَقْتُلُوا الكُفَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، بَلِ اللهُ هُوَ الذِي أَظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَأَظْهَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الذِي قَتَلَهُمْ بِأَيْدِيكُمْ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَبْلَ بَدْءِ المَعْرَكَةِ قَدْ أخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلاَّ أَصَابَهُ شَيءٌ مِنْهَا فِي عَيْنَيْهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ أَوْ فِي مُنْخَرِهِ. . فَكَانَتْ مِمَّا سَاعَدَ عَلَى إِلْقَاءِ الذُّعْرِ فِي نُفُوسِ قُرَيشٍ وَخِذْلاَنِهِمْ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ ، فَالرَّمْيَةُ لَمْ تَكُنْ لِتَبْلُغَ قُرَيْشاً لَوْلاَ إِرَادَةُ اللهِ. وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لأنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ المُؤْمِنِينَ القَلِيلِي العَدَدِ بِإِظْهَارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، الذِي يَفُوقُهُمْ عَدَداً وَعُدَّةً، اخْتِبَاراً حَسَناً، وَلِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ وَلِيَشْكُرُوهَا، وَاللهُ تَعَالَى سَمِيعٌ لاسْتِغَاثَةِ الرَّسُولِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ. لِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ - لِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالأَجْرِ.

стр. 1179

﴿الكافرين﴾ (١٨) - وَهَذِهِ بِشَارَةٌ أُخْرَى لِلْمُسْلِمِينَ تُضَافُ إلَى نَصْرِ اللهِ لَهُمْ، فَقَدْ أَعْلَمَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُضْعِفٌ كَيْدَ الكُفَّارِ، وَمُوهِنٌ تَدْبِيرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَبِالمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ مُصَغِّرٌ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَجَاعِلُهُمْ إلى تَبَارٍ وَبَوَارٍ. مُوهِنٌ - مُضْعِفٌ.

стр. 1180

(١٩) - قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي بِدْءِ المَعْرَكَةِ: (اللَّهُمَّ أقْطَعُنَا لِلرَّحْمِ، وَآتَانَا بِمَا لاَ نَعْرِفُ، فَأَحِنْهُ الغَدَاةَ) . فَكَانَ هُوَ المُسْتَفْتِحَ بِاللهِ وَالمُسْتَنْصِرَ بِهِ. وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ قُرَيْشاً، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَدْرٍ، طَافَتْ بِالكَعْبَةِ وَأَخَذَتْ بِأَسْتَارِهَا، فَاسْتَنْصَرُوا بِاللهِ وَقَالُوا: (اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعَلَى الجُنْدَينِ، وَأَكْرِمَ الفِئَتَينِ، وَخَيْرَ القَبْلَتَيْنِ) . فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وَمَعْنَاهَا: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا بِاللهِ، وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ. وَإِنْ تَنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ عُدْتُمْ إلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ وَمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ وَالمُؤْمِنينَ وَعَدَاوَتِهِمْ، نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، وَلَنْ تَنْفَعَكُمْ وَلَنْ تُفِيدَكُمْ (تُغْنِي عَنْكُمْ) جُمُوعُكُمْ شَيْئاً، وَلَنْ تُحَقِّقَ لَكُمُ النَّصْرَ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ وَمَعَ المُؤْمِنِينَ، وَمَنْ كَانَ مَعَ اللهِ فَلاَ غَالِبَ لَهُ. إِنْ تَسْتَفْتِحُوا - إِنْ تَطْلُبُوا النَّصْرَ لإِحْدَى الفِئَتَينِ.

стр. 1181

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ (٢٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِطَاعَةِ اللهِ، وَإِطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَبِالاسْتِجَابَةِ لِلْرَّسُولِ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَتَرْكِ طَاعَتِهِ، وَرَفْضِ الاسْتِجَابَةِ لَهُ إِذَا دَعَاهُمْ إلَى الجِهَادِ، لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ الذِي يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَمُوَالاَتِهِ وَنَصْرِهِ، وَيَعْقِلُونَهُ.

стр. 1182

(٢١) - وَلا تَكُونُوا كَالمُنَافِقِينَ وَكَالمُشْرِكِينَ الذِينَ قَالُوا: سَمِعْنَا مَا قُلْتَهُ يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئاً، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، فَكَانُوا كَغَيرِ السَّامِعِينَ (وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) .

стр. 1183

(٢٢) - وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَِسْمَعُونَ، هُمْ شَرُّ المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ، وَأَسْوَؤُهَا لأَنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، وَبُكْمٌ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَهُ، وَكُلُّ الدَّوَابِّ مُطِيعَةٌ لِخَالِقِهَا، أَمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ خَلَقَهُمُ اللهُ لِعِبَادَتِهِ فَكَفَرُوا، فَهُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ. الدَّوَابِّ - كُلَّ مَا دَبَّ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ وَقَلَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلإِنْسَانِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا لِلْمُشْرِكِينَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِمْ.

стр. 1184

(٢٣) - إِنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ لاَ تَفْهَمُ فَهْماً صَحِيحاً، وَلَيْسَ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ صَالِحٍ، وَلَوْ كَانَ اللهُ يَعْلَمُ فِيهِمْ اسْتِعْدَاداً لِلإِيمَانِ وَالاهْتِدَاءِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ لأَسْمَعَهُمْ وَأَفْهَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُم لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَعَهُمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا عَنِ القَبُولِ قَصْداً وَعِنَاداً، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ.

стр. 1185

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٢٤) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالاسْتِجَابَةِ إلَى دَعْوَتِهِ تَعَالَى، وَإِلَى دَعْوَةِ رَسُولِهِ ﷺ التِي أَمَرَهُ اللهُ بِإِبْلاَغِهَا إِلَيْهِمْ، لأَنَّهَا تُزكِّي نُفُوسَهُمْ وَتُطَهِّرُهَا، وَتُحْيِيها بِالإِيمَانِ، وَتَرْفَعُها إلَى مَرَاتِبِ الكَمَالِ فَتَحْظَى بِرِضَا اللهِ، ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى قُلُوبِ العِبَادِ يُوَجِّهُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، فَيَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، فَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ وَالوِجْدَانَ وَالإِدْرَاكَ فِيهِ، فَتُشَلُّ الإِرَادَةِ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَيَتْبَعُ هَوَاهُ، فَلاَ تَعُودُ تَنْفَعُ فِيهِ المَوَاعِظُ وَالعِبَرُ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا تَرَدَّوْا فِيهِ، إِذَا اتَّجَهُوا إلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّونَ. يُحْيِيكُمْ - يُورِثُكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ.

стр. 1186

(٢٥) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ وُقُوعِ البَلاَءِ وَالفِتَنِ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ نَحْوَ دِينِهِم وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَفِي الضَّرْبِ عَلَى أَيْدِي المُفْسِدِينَ، وَفِي النُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي إِطَاعَةِ أُوْلِي الأَمْرِ. وَيُنَبِّهُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّ العِقَابَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُقَصِّرَةِ بِالقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا لاَ يُصِيبُ السَّيِّىءَ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَعُمُّ بِهِ المُسِيءَ وَغَيْرَهُ، وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تُخَالِفُ سُنَنَهُ وَهُدَى دِينِهِ، وَتُقَصِّرُ فِي دَرْءِ الفِتَنِ، وَفِي التَّعَاوُنِ عَلَى دَفْعِهَا، وَالقَضَاءِ عَلَيْهَا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ) .

стр. 1187

﴿فَآوَاكُمْ﴾ ﴿الطيبات﴾ (٢٦) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إِلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعَمِ الوَفِيرَةِ، فَقَدْ كَانُوا قَلِيلِي العَدَدِ، مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ، يَعْتَدِي عَلَيْهِمُ النَّاسُ، خَائِفِينَ مِنْ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، فَقَوَّاهُمْ وَآوَاهُمْ، وَنَصَرَهُمْ وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ النَّعَمِ التِي أَنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيْهِمْ تَسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا، فَاللهُ تَعَالَى مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُكْرَ مِنْ عِبَادِهِ. يَتَخَطَّفَكُمْ - يَسْتَلِبُوكُمْ وَيَصْطَلِمُوكُمْ بِسُرْعَةٍ.

стр. 1188

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٢٧) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ حِينَ بَعَثَهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، فَاسْتَشَارَ اليَهُودُ أَبَا لُبَابَةَ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ - فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، أَيْ أَنَّه الذَّبْحَ. ثُمَّ شَعَرَ أَنَّهُ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةِ المَسْجِدِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ لاَ يَذُوقُ طَعَاماً حَتَّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، الذِي أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى قُرَيْشٍ مَعَ امْرَأَةٍ يُعْلِمُهَا فِيهَا بِأَنَّ الرَّسُولَ تَجَهَّزَ لِغَزْوِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) . وَالآيَةُ عَامَّةٌ. يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَخُونُوا اللهَ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ سُنَنِهِ، وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا أَمَانَاتِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ التِي ائْتَمَنَ اللهُ العِبَادَ عَلَيهَا: يَعْنِي الفَرَائِضَ، وَهِيَ تَشْمَلُ أَمَانَةَ الإِنْسَانِ نَحْوَ النَّاسِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهُمْ: كَالمِكْيَالِ وَالمِيْزَانِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ. . إلخ. فَالأَمَانَةُ وَاحِدَةُ وَلاَ تَبْعِيضَ فِيهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مَسَاوِىَء الخِيَانَةِ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهَا.

стр. 1189

﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ ﴿وَأَوْلاَدُكُمْ﴾ (٢٨) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاكُمُ الأَمْوَالَ وَالأَوْلاَدَ لِيَخْتَبِرَ إِيمَانَكُمْ، وَلِيَرَى هَلْ تَشْكُرُونَ رَبَّكُمْ عَلَيْها، وَتُطِيعُونَهُ فِيهَا، أَمْ تَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْهُ، وَتَعْتَاضُونَ بِهَا مِنْهُ؟ وَثَوابُ اللهِ وَعَطَاؤُهُ وَجَنَّاتُهُ خَيْرٌ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، فَالأَوْلاَدُ قَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ، وَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لاَ يُغْنُونَ عَنِ الإِنْسَانِ شَيْئاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَدَى اللهِ الثَّوَابُ الجَزِيلُ الذِي يُغْنِي الإِنْسَانَ عَنِ المَالِ وَالوَلَدِ. فِتْنَةٌ - اخْتِبَارٌ وَابْتِلاَءٌ.

стр. 1190

﴿يِا أَيُّهَا﴾ ﴿آمنوا﴾ (٢٩) - يُخْبِرُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّهُمْ إِذَا آمَنُوا بِهِ وَاتَّقُوا، فَاتَّبَعُوا أَوَامِرَهُ، وَانْتَهُوا عَنْ زَوَاجِرِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجاً، وَمِنْ ضِيقِهِمْ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لَهُمْ نُوراً وَهُدًى (فُرْقَاناً) يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكَفَّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَغَفَرَ ذُنُوبَهُمْ، وَاللهُ عَظِيمُ الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، جَزِيلُ الثَّوَابِ، يُثيبُ عَلَى القَلِيلِ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الكَثِيرِ. فُرْقَاناً - هِدَايَةً وَنُوراً، أَوْ نَجَاةً وَمَخْرَجاً.

стр. 1191

﴿الماكرين﴾ (٣٠) - تآمَرَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُرِيدُونَ سَجْنَهُ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ إِخْرَاجَهُ مِنْ مَكَّةَ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخِطَّتِهِمْ. وَجَاءَ جِبْرِيلُ، ﵇، فَأَمَرَهُ بِأَلاَّ يَبيتَ فِي مَكَانِهِ الذِي يَبِيتُ فِيهِ، فَدَعَا الرَّسُولُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ، وَيَتَسَجّى بِبُرْدِهِ فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ وَالقَوْمُ الذِينَ كُلِّفُوا بِقَتْلِهِ وَاقِفُونَ بِالبَابِ، وَكَانَ مَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يَذْرُوهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَأَخَذَ اللهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة (يس) . وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُمْ يُخَطِّطُونَ وَيَمْكُرُونَ وَيُدَبِّرُونَ لإِيقَاعِ الأَذَى بِكَ وَبِالمُؤْمِنِينَ، وَاللهُ يَمْكُرُ بِهِمْ، وَيُدَبِّرُ مَا يُفْسِدُ تَدْبِيرَهُمْ، وَيُعَطِّلُ مَكْرَهُمْ، وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ لأنَّ مَكْرَهُ نَصْرٌ لِلْحَقِّ، وَإِعْزَازٌ لأَهْلِهِ، وَخُذْلاَنٌ لِلْبَاطِلِ وَحِزْبِهِ. يَمْكُرُ اللهُ - أَيْ أَنَّ اللهَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ المَاكِرِينَ.

стр. 1192

﴿آيَاتُنَا﴾ ﴿أَسَاطِيرُ﴾ (٣١) - حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَتْلُو القُرْآنَ عَلَى كُفّارِ قُرَيشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنا، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ. وَلَكِنَّ أَحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ شَيءٍ مِنْهُ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَجْلِسِهِ الذِي يَقْرَأ فِيهِ القُرْآنَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إلى رَبِّهِمْ، يَأْتِي النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَيَجْلِسُ مَكَانَ الرَّسُولِ، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَسَاطِيرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَصَصِهِمْ القَدِيمَةِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: بِاللهِ أيُّنَا أَحْسَنُ قَصَصاً أَنَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - أَكَاذِيبُهُمُ المَسْطُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ.

стр. 1193

(٣٢) - يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ: إِنَّ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: وَيلَكَ إِنَّهُ كَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ. . وَمَعْنَى الآيَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا القُرْآنُ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ لِتَهْدِيَ بِهِ عِبَادَكَ، كَمَا يَدَّعِي مُحَمَّدٌ، فَارْجُمْنَا بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْزَلَ بِنَا عَذَابَكَ الأَليمَ. وَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ عُتُوَّ قُرَيْشٍ كَانَ كَبِيراً، وَعِنَادَها كَانَ بَالِغاً، إِذْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَذا القَوْلَ، وَهُوَ مِمَّا عِيبَ عَلَيهِمْ. وَلَوْ أنَّهُم قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَاهْدِنَا إِليهِ، وَوَفِّقْنَا لاتِّبَاعِهِ، لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ.

стр. 1194

(٣٣) - وَمَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ، وَلاَ مِنْ مُقْتَضَى رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ أَيًُّهَا الرَّسُولُ فِيهِمْ، لأنَّ اللهَ إِنَّمَا أَرْسَلَكَ رَحْمَةً وَنِعْمَةً، لا عَذاباً وَنَقْمَةً، وَأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ ألاَّ يُعَذِّبَ المُكَذِّبِينَ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَظْهِرِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ جُريرٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ رَسُولَ اللهِ إلَى المَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَكَانَ قَدْ بَقِيَ فَي مَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ فَأَذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِفَتْحِ مَكَّةَ. (وَقِيلَ فِي مَعْنى: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ الحَرَامِ وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، وَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ) .

стр. 1195

(٣٤) - إنَّهُمْ أَهْلٌ لأنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ لأنَّهُمْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنِ الصَّلاةِ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطَّوَافِ بِالكَعْبَةِ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ بِهِم العَذَابَ لِبَرَكَةِ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، أَوْقَعَ اللهُ بَأْسَهُ فِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، لَيْسُوا هُمْ أَهْلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَهُمْ دَنَّسُوهُ بِالشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأصْنَامِ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الوَلاَيَةِ عَلَيهِ، هُمُ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ المُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ.
следующие страницы →