← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

(٢٥) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ عَلَيهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فِي نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ (مَوَاطِنَ) مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبَتَأيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لاَ بِعَدَدِ المُسْلِمِينَ، وَلاَ بِعُدَدِهِمْ، وَلاَ بِعَصَبِيَّتِهِمْ، وَلا بِقُوَّتِهِمْ، وَلاَ بِكَثْرَةِ أمْوَالِهِمْ، وَنَبَّهَهُمْ تَعَالَى إلى النَّصْرَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، قَلَّ الجَمْعُ أوْ كَثُرَ. وَفِي يَوْمِ حُنَينٍ أعْجَبَتِ المُسْلِمِينِ كَثْرَتُهُمْ فَلَمْ تُفِدْهُمْ شَيْئاً، فَوَلَّوا مُدْبِرِينَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْضَ عَلَى سَعَتِها مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى النَّجَاةِ سَبِيلاً، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ إلاَّ عَدَدٌ قَلِيلٌ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ عَلَى عُجْبِهِم بِكَثْرَتِهِمْ. (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ وَتَأيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ قَلَّ الجَمْعُ) . بِمَا رَحُبَتْ - عَلَى رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا. فَلَمْ تُغْنِ - فَلَمْ تَنْفَعْ وَلَمْ تُفِدْ.

стр. 1262

﴿الكافرين﴾ (٢٦) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الطُمَأنِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَىالمُؤْمِنِينَ الذِينَ ثَبَتوا مَعَهُ، فَأذْهَبَ رَوْعَهُمْ، وَأزَالَ حَيْرَتَهُمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتَهُمْ، وَلَزِمَ الرَّسُولُ ﷺ مَكَانَهُ، وَمَعَهُ القِلَّةُ التِي ثَبَتَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَاسْتَنْصَرَ الرَّسُولُ رَبَّهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ جُنُوداً مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، بَلْ وَجَدُوا أَثَرَها فِي قُلُوبِهِمْ، بِمَا عَادَ إِلَيْهَا مِنْ رَبَاطَةَ جَأْشٍ، وَشِدَّةِ بَأْسٍ. وَأَخَذَ الرَّسُلُ ﷺ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ قَذَفَهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبْقَ مُقَاتِلٌ مِنْ هَوَازِنْ إلاَّ وَدَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ أَوْ فَمِهِ حَبَّةٌ مِنْ تُرَابٍ أشْغَلَتْهُ عَنِ القِتَالِ، وَتَرَاجَعَ الذِينَ هَرَبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَى حَيْثُ كَانَ يَقِفُ رَسُولَ اللهِ وَصَحْبُهُ الثَّابِتُونَ، وَحَمَلُوا عَلَى هَوَازِنَ فَنَصَرَهُمُ اللهُ، وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا، وَقَاتَلُوا رَسُولَ اللهِ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ وَأَذَلَّهُمْ بِالقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَهَذَا هُوَ مَصِيرُ القَوْمِ الكَافِرِينَ، وَجَزاؤُهُمْ. السَّكِينَةُ - الطُّمَأنِينَةُ أَوْ رَحْمَةُ اللهِ.

стр. 1263

(٢٧) - ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ، مِنْ بَعْدِ القَتْلِ وَالخِزْيِ وَالتَعْذِيبِ، عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ هَوَازِنَ فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَقَدْ قَدِمُوا عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْلِمِينَ، وَلَحِقُوا بِهِ فِي مَكَّةَ فِي مَكَانٍ يُعْرَفُ بِالجعْرانَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ المَوْقِعَةِ بِعِشْرِينَ يَوْماً، وَحِينَئِذٍ خَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ سَبْيِهِمْ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، فَاخْتَارُوا سَبْيَهُمْ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلافِ أَسِيرٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ فَرَدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ الأَمْوَالَ بَيْنَ المُقَاتِلِينَ.

стр. 1264

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ (٢٨) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِمَنْعِ المُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطوَافِ بِالكَعْبَةِ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، (وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي العَامِ التَّاسِعِ لِلْهِجْرَةِ) لأَنَّهُمْ قَذِرُونَ، قَلِيلُو النَّظَافَةِ (نَجَسٌ) ، لِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولَ اللهِ أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: إِذَا خِفْتُمْ بَوَارَ تِجَارَتِكُمْ، وَقِلَّةَ أَرْزَاقِكُمْ، بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَجِيءِ المُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَسَيُعَوِّضُ عَلَيْكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ الخَيْرَ وَالمَصْلَحَةَ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُهُ وَيُقَرِّرُهُ. المُشْرِكُونَ نَجَسٌ - شَيءٌ قَذِرٌ أَوْ خَبِيثٌ لِفَسَادِ بَوَاطِنِهِمْ. خِفْتُمْ عَيْلَةً - خِفْتُمْ فَقْراً وَفَاقَةً بِانْقِطَاعِ تِجَارَتِهِمْ عَنْكُمْ.

стр. 1265

﴿قَاتِلُواْ﴾ ﴿الآخر﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿صَاغِرُونَ﴾ (٢٩) - بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ ﷺ لِقِتَالِ الرُّومِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ، وَالْوَقْتُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، وَخَرَجَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ إِلَى تَبُوكَ، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا قُرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْماً، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ، وَضَعْفِ النَّاسِ. فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ. وَيَجِبُ قِتَالُ أَهْلِ الكِتَابِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أَرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ العِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ: - أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، لأَنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ المَسِيحَ وَعُزَيْراً. - أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، إِذْ يَقُولُونَ إِنَّ الحَيَاةَ الآخِرَةَ هِيَ حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ يَكُونُ فِيهَا النَّاسُ كَالمَلائِكَةِ - أَنَّهُمْ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِمَا حَرَّمَ عَلَيهِمْ. - أَنَّهُمْ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ الذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ دِيناً وَضَعَهُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَأَسْاقِفَتُهُمْ. يُعْطُوا الجِزْيَةَ - الخَرَاجَ المُقَدَّرَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. عَنْ يَدٍ - عَنِ انْقِيَادٍ وَخُضُوعٍ، أَوْ مِنْ قَهْرٍ وَقُوَّةٍ. صَاغِرُونَ - مُنْقَادُونَ لِحُكْمِ الإِسْلاَمِ وَهُمْ أَذِلاَّءُ.

стр. 1266

﴿النصارى﴾ ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ ﴿قَاتَلَهُمُ﴾ (٣٠) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِقَوْلِهِمْ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ، إِذِ ادَّعَى اليَهُودُ أَنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ، وَادَّعَتِ النَّصَارَى أَنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللهِ، وَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلاَ سَنَدَ لَهُمْ فِيمَا ادَّعُوهُ سِوَى افْتِرَائِهِمْ وَاخْتِلاَقِهِمْ، وَهُمْ يُشَابِهُونَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ التِي ضَلَّتْ كَمَا ضَلَّ هَؤُلاَءِ، قَاتَلَهُمُ اللهُ وَلَعَنَهُمْ، كَيْفَ يَضِلُّونَ عَنِ الحَقِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْهُ إِلَى البَاطِلِ؟ يُضَاهِئُونَ - يُشَابِهُونَ فِي الكُفْرِ وَالقَوْلِ. أَنَّى يُؤْفَكُونَ - كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ سُطُوعِهِ؟

стр. 1267

﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ ﴿وَاحِداً﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ (٣١) - اتَّخَذَ أَهْلُ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كِبَارَ رِجَالِ دِينِهِمْ أَرْبَاباً وَمُشَرِّعِينَ، فَأحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ المُتَابَعَةُ هِيَ المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً﴾ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ للهِ وَلَداً عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ، كَعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، لاَ إِلهَ غَيْرُ اللهِ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدْ وَالصَّاحِبَةِ، وَعَنِ النُّظَرَاءَ وَالأَعْوَانِ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. الأَحْبَارُ - عُلَمَاءُ اليَهُودِ. الرُّهْبَانُ - مُتَنَسِّكُو النَّصَارَى. أَرْبَاباً - أَطَاعُوهُمْ كَمَا يُطَاعُ الرَّبُّ.

стр. 1268

﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿الكافرون﴾ (٣٢) - يُرِيدُ الكُفَّارُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ، وَهُوَ دِينُ الإِسْلاَمِ الذِي شَرَعَهُ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ، وَأَنْ يُخْفُوا مَابَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ بِهِ، مِنَ الدَّعْوَةِ إلَى التَّوْحِيدِ وَالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ بِمُجَرَّدِ جِدَالِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، فَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُطْفِئَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، أَوْ نُورَ القَمَرِ، بِنَفْخَةٍ مِنْ فَمِهِ. وَبِمَا أَنَّ هَذَا لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَذَلِكَ لاَ سَبِيل َإِلَى إِخْفَاءِ نُورِ النُّبُوَّةِ، وَلاَ بُدَّ لِمَا أَرْسَلَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ أَنْ يَتمَّ وَيَظْهَرَ، وَاللهُ يَأْبَى إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ذَلِكَ. الكُفْرُ - سَتْرُ الشَّيءِ وَتَغْطِيَتُهُ.

стр. 1269

(٣٣) - اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي اَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدُ ﷺ بِكِتَابٍ هُوَ القُرْآنُ، كَفِلَ حِفْظَهُ حَتَّى آخِرِ الزَّمَانِ، فِيهِ الهُدَى وَدِينُ الحَقِّ، وَسَيُظْهِرُهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ، لأَنَّهُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الذِي جَاءَ بِالدَّعْوَةِ الصَّحِيحَةِ (التِي جَاءَتْ بِهَا جَمِيعُ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ) وَهِيَ دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ وَالإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَبَدَّلَ النَّاسُ، وَحَرَّفُوا فِيها، فَجَاءَ الإِسْلاَمُ لِتَصْحِيحِ ذَلِكَ، وَلِيُعِيدَ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ صَفَاءَهَا وَأَصَالَتَهَا وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ. يُظْهِرَهُ - يُعْلِيهِ حَتَّى يَظْهَرَ وَيَغْلِبَ.

стр. 1270

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَمْوَالَ﴾ ﴿بالباطل﴾ (٣٤) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ، وَعُبَّادِ الضَّلاَلَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، بِصُوَرٍ وَطَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَسْتَغِلُّونَ رِئَاسَتَهُمُ الدِّينِيَّةَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلاَلِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، طَمَعاً فِي أَنْ تَبْقَى لَهُمْ تِلْكَ الرِئَاسَاتُ، وَأَخَذُوا يَصُدُّونَ النَّاسَ وَيَصْرِفُونَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الإِسْلاَمِ، وَهُوَ دِينُ الحَقِّ، وَيُلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ أَنَّهُمْ إِنَّما يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ، وَذَلِكَ لأَنَّهُمْ لَوُ أَقَرُّوا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ، وَصِحَّةِ دِينِهِ، لَتَوَجَّبَ عَلَيْهِمْ مُتَابعَتُهُ، فَيبْطُلُ حُكْمُهُمْ، وَتَزُولُ مَكَانَتُهُم، وَتَنْقَطِعُ مَوَارِدُهُمْ، وَمَصَادِرُ رِزْقِهِم العَرِيضَةُ. وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ، وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةِ (أَيْ يُكَدِّسُونَ الأَمْوَالَ) ، وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي الجِهَادِ لِنُصْرَةِ دِينِ اللهِ، وَفِي الإِحْسَانِ إِلَى عِبَادِهِ وَمَصَالِحِهِمْ، وَيُبَشِّرهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

стр. 1271

(٣٥) - قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: المَقْصُودُ بِالكَنْزِ هُوَ المَالُ الَّذِي لاَ تُؤدَّى زَكَاتُهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، ﵁: أَيُّ مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُوناً فِي الأَرْضِ، وَأَيُّ مَالٍ لَمْ تُؤدَّ زَكَاتَهُ هُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ المَالَ الذِي لَمْ تُؤدَّ زَكَاتُهُ سَيُحْمَى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَتُكْوَى بِهِ جِبَاهُ أَصْحَابِهِ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، وَسَيُقَالُ لَهُمْ تَبْكِيتاً وَتَقْرِيعاً: هَذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَلَمْ تُؤَدُّوا مِنْهُ حَقَّ اللهِ، وَهَذَا مَا حَبَّأْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا طَعْمَهُ الآنَ عَذَاباً أَلِيماً.

стр. 1272

﴿كِتَابِ﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿وَقَاتِلُواْ﴾ ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣٦) - خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ: " أَلاَ إِنَّ الزَمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (أَيْ فرَضَ اللهُ احْتِرَامَهَا، وَحَرَّمَ فِيهَا القِتَالَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) ، ثَلاَثَةٌ مُتَتَالِيَاتٍ: ذو القعدةِ وذو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَر بَيْنَ جُمادى وَشَعْبَانَ " وَذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ الصَّحِيحُ، الذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَشْهُرِ الحُرُمِ مِنْ أَحْكَامٍ، فَلا تَظْلِمُوا فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِكُمُ المَعَاصِي لأنَّ الإِثْمَ فِيهَا يَتَضَاعَفُ، كَمَا أَنَّ المَعَاصِي فِي البَلَدِ الحَرَامِ يَتَضَاعَفُ فِيهَا الإِثْمُ. وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ وَفِي البَلَدِ الحَرَامِ أَعْظَمُ ثَوَاباً عِنْدَ اللهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى - لاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ - هُوَ لاَ تَجْعَلُوا حَرَامَ هَذِهِ الأَشْهُرِ حَلاَلاً، وَلاَ حَلاَلَها حَرَاماً، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَقَاتَلُوا المُشْرِكِينَ جَمِيعُكُمْ كَافَّةً، وَكُونُوا يَداً وَاحِدَةً فِي دَفْعِ عُدْوَانِهِمْ، وَكَفِّ أَذَاهُمْ، لأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً لِهَدْمِ دِينِكُمْ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَإٍطْفَاءِ نُورِ اللهِ، فَأَنْتُمْ أَجْدَرُ بِالاتِّحَادِ لِدَفْعِ العُدْوَانِ، وَجَعْلِ كَلِمَةِ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ، يَنْصُرُهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِعَوْنِهِ وَجُنْدِهِ) . (وَقِيلَ إِنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ قَدْ نُسِخَتْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ ذِي القِعْدَةِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَقَالَ: فَلاَ تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ. وَدَلِيلُ السِّيَاقِ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ أَمْراً عَاماً) . الأَشْهُرُ الحُرُمُ - ذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَب. الدِّينُ القَيِّمُ - الدِّينُ المُسْتَقِيمُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ.

стр. 1273

﴿اء أَعْمَالِهِمْ﴾ ﴿الكافرين﴾ (٣٧) - النَّسِيءُ لُغَةً هُوَ التَّأْخِيرُ، وَالنِّسِيءُ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، إِذْ يُحِلُّونَ أَحَدَ الأَشْهُرِالحُرُمِ، فَيُقَاتِلُونَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَّفِقُونَ عَلَى جَعْلِ أَحَدِ أَشْهُرِ الحِلِّ مُحَرَّماً مَكَانَهُ ذَلِكَ العَامَ، لِيَجْعَلُوا عِدَّةَ الشُهُورِ الحُرُمِ أَرْبَعَةً كَمَا أَمَرَ اللهُ. وَيَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ لِتَصَرُّفِهِمْ بِشَرْعِ اللهِ بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، وَبِآرَائِهِم الفَاسِدَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يُحَرِّمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَلاَ بَأْسَ عِنْدَهُمْ فِي تَأْخِيرِ التَّحْرِيمِ أَوْ تَقْدِيمِهِ، فَالمُهِمُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيهِمْ أَنْ تَكُونَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ أَرْبَعَةً فِي السَّنَةِ، لاَ تَخْصِيصَ أَشْهرٍ بِعَيْنِهَا تَقَرَّرَتْ حُرْمَتُهَا، وَإِذْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ، وَقَدْ حَسَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ المُضِّلُّ عَمَلَهُمُ السَّيِّىءَ هَذا بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ البَاطِلَةِ، إِذِ اكْتَفَوْا بِالعَدَدِ، وَلَمْ يُدْرِكُوا حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ. وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ إِلَى الحَقِّ وَالْهُدَى. النَّسِيءُ - تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ. لِيُواطِئُوا - لِيُوافِقُوا.

стр. 1274

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بالحياة﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿الحياة﴾ (٣٨) - يُعَاتِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ تَخَلَّفَ، مِنَ المُؤْمِنِينَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ، وَكَانَ الْوَقْتُ حَارّاً قَائِظاً، فَيَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذَا دُعِيْتُمْ إِلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَكَاسَلْتُمْ وَتَبَاطَأْتُمْ، وَمِلْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ وَالإِقَامَةِ فِي الظِّلِ وَطِيبِ الثِّمَارِ؟ أَفَعَلْتُمْ ذَلِكَ رِضاً مِنْكُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَدَلاً مِنَ الآخِرَةِ؟ وَمَا قِيمَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا مَتَاعُهَا إِلاَّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخِرَةِ، إِذْ يَنْتَظِرُونَ المُؤْمِنِينَ رِضْوانٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَجَنَّاتٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. انْفِرُوا - اخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ. اثَّاقَلْتُمْ - تَبَاطَأْتُمْ وَأَخْلَدْتُمْ إِلَى الرَّاحَةِ.

стр. 1275

(٣٩) - وَإِذَا لَمْ تَنْفِرُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَمْ تَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الجِهَادِ فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا، بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا عَنْكُمْ، وَفِي الآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلاَ يَصْعُبُ عَلَى اللهِ أَنٍ يَسْتَبْدِلَ قَوْماً غَيْرَكُمْ بِكُمْ، يَخِفُّونَ لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، وَيُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَضُرُّ اللهَ، لأَنَّهُ الغَنِيُّ عَنِ العِبَادِ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ.

стр. 1276

﴿لِصَاحِبِهِ﴾ (٤٠) - يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذَا لَمْ تَنْصُرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ وَكَافِيهِ، كَمَا تَوَلَّى نَصْرَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَكَّةَ حِينَ هَاجِرَ، فَخَرَجَ مِنْهَا هَارِباً بِصُحْبَةِ صَدِيقِهِ وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَجَأَ إلَى غَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمَا حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الغَارِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكرٍ جَزِعاً: لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ : مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ طُمَأْنِينَتَهُ وَتَأْيِيدَهُ وَنَصْرَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَيَّدَهُ بِالمَلاَئِكَةِ تَحْفَظَهُ وَتَحْمِيهِ (بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الشِّرْكِ وَأَهْلَهُ السُّفْلَى، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الإِيمَانِ (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) هِيَ الْعُلْيَا، وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ وَانْتِصَارِهِ، وَهُوَ مَنِيعُ الْجَانِبِ لاَ يُضَامُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. الغَارِ - غَارِ جَبَلٍ ثورٍ قُرْبَ مَكَّةَ. لِصَاحِبِهِ - لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.

стр. 1277

﴿وَجَاهِدُواْ﴾ ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٤١) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ، وَالْخُرُوجِ جَمِيعاً مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إِذَا دَعَاهُمْ إِلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَلْزَمَهُمْ بِالخُرُوجِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، فَقَالَ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً، وَأَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَرُكْبَاناً وَمُشَاةً وَأَقْوِيَاءَ وَضُعَفَاءَ، لأَنَّ فِي ذَلِكَ خَيْرُ المُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، لأَنَّهُ لاَ عِزَّ لِلأُمَمِ، وَلاَ سِيَادَةَ إِلاَّ بِالْقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ، وَفِيهِ أَيْضاً خَيْرُهُمْ فِي الدِّينِ لأَنَّهُ لاَ سَعَادَةَ لِمَنْ لَمْ يَنْصُرِ الحَقَّ، وَيُقِمِ العَدْلَ بِاتِّبَاعِ الْهُدَى وَالعَمَلِ بِشَرْعِ اللهِ. وَقَدْ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾

стр. 1278

﴿لَكَاذِبُونَ﴾ (٤٢) - يُوَبِّخُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، مُعْتَذِرِينَ بِأَنَّهُمْ ذَوُو أَعْذَارٍ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِغَنِيمَةٍ قَرِيبَةٍ (عَرَضاً قَرِيباً) ، أَوْ سَفَرٍ قَرِيبٍ لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ (سَفَراً قَاصِداً) لاَتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالمَدِينَةِ (الشُّقَّةُ) قَدْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ نَبيَّهُ أَنَّهُمْ سَيَحْلِفُونَ لَهُ بِاللهِ، بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الغَزْوَةِ، أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ لَخَرَجُوا، وَسَيُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالأَيْمَانِ وَالأَعْذَارِ لِيُرْضُوهُ، إِذْ أَنَّهُمْ بِهَذا النِّفَاقِ وَالكَذِبِ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِي حَلْفِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِمْ: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) وَلَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُمْ. عَرَضاً قَرِيباً - مَغْنَماً سَهْلاً. سَفَراً قَاصِداً - مُتَوَسِّطاً بَيْنَ القَرِيبِ وَالبَعِيدِ. الشُّقَّةُ - المَسَافَةُ التِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ.

стр. 1279

﴿الكاذبين﴾ (٤٣) - لَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْكَ، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُكَ مِنَ الإِذْنِ لَهُمْ بِالْقُعُودِ حِينَ اسْتَأَذَنُوكَ، فَهَلاَّ تَرَيَّثْتَ فِي الإِذْنِ لَهُمْ، وَتَوَقَّفْتَ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أَمْرُهُمْ، وَيَنْجَلِيَ وَضْعُهُمْ، فَتَعْرِفَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ وَالكَاذِبِينَ فِي اعْتِذَارِهِمْ، فَتُعَامِلَ كُلاًّ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ؟

стр. 1280

﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾ ﴿الآخر﴾ ﴿يُجَاهِدُواْ﴾ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ (٤٤) - لاَ يَسْتَأْذِنُكَ، فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ، أَحَدٌ يٌؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لأنَّهُمْ يَرَوْنَ الجِهَادَ قُرْبَةً إِلَى اللهِ، وَإِذَا نَدَبَهُمُ النَّبِيُّ إِلَيْهِ بَادَرُوا مُمْتَثِلِينَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَنْ هُمُ الْمُتَّقُونَ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ، وَيَطْلُبُونَ مَرْضَاتِهِ، وَيُعِدُّونَ لِلْجِهَادِ عُدَّتَهُ.

стр. 1281

﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾ ﴿الآخر﴾ (٤٥) - وَلَكِنَّ الذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ ، فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ، وَلاَ عُذْرَ لَهُمْ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يَرْجُونَ ثَوَابَ اللهَ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَإِنْفَاقِهِم الْمَالَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ الإِسْلاَمُ، وَقَدْ شَكَّتْ قُلُوبُهُمْ فِي صِحَّةِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، فَهُمْ يَتَحَيَّرُونَ، وَيَتَرَدَّدُونَ مُتَشَكِّكِينَ. يَتَرَدَّدُونَ - يَتَحَيَّرُونَ.

стр. 1282

﴿القاعدين﴾ (٤٦) - وَلَوُ أَنَّهُمٍ أَرَادُوا الخُرُوجَ مَعَكَ إِلَى الجِهَادِ، وَصَحَّتْ نِيَّتُهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ، لَكَانُوا تَأَهَّبُوا لَهُ، وَأَعَدُّوا الحَرْبَ وَالسَّفَر، وَلَكِنَّ اللهَ كَرِهَ خُرُوجَهُم مَعَكَ، فَثَبَّطَهُمْ، وَثَنَى عَزَائِمَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُمْ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالْعَجَزَةِ وَالشُّيُوخِ. انْبِعَاثَهُمْ - نُهُوضَهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ. فَثَبَّطَهَمْ - فَحَبَسَهُمْ وَعَوَّقَهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكُمْ.

стр. 1283

﴿خِلاَلَكُمْ﴾ ﴿سَمَّاعُونَ﴾ ﴿بالظالمين﴾ (٤٧) - يُبَيّنُ اللهُ تَعَالَى فِيِ هَذِهِ الآيَةِ أَسْبَابَ كَرَاهِيَتِهِ لِخُرُوجِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ إِلَى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لَزَادُوهُمُ اضْطِرَاباً وَضَعْفاً (خَبَالاً) لأَنَّهُمْ جُبَنَاءُ مَخْذُولُونَ، وَلأَخَذُوا بِالسَّعْيِ بَيْنَكُمْ فِي الدَّسِّ وَالنَّمِيمَةِ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَيُوجَدُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِهِمْ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ، مِنْ ضِعَافِ الإِيمَانِ، وَضِعَافِ العَزَائِمِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى وُقُوعِ الشَّرِّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وَاللهُ يَعْلَمُ الظَّالِمِينَ، وَمَا يُبَيِّتُونَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ لَوْ خَرَجُوا مَعَهُمْ إِلَى الغَزَاةِ. خَبَالاً - شَرّاً وَفَسَاداً، أَوْ عَجْزاً وَضَعْفاً. لأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ - لأَسْرَعُوا بَيْنَكُمْ بِالدَّسِّ وَالوَقِيعَةِ وَالنَّمِيمَةِ لإِفْسَادِ مَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنْ رَوَابِطِ الأُخُوَّةِ. يَبْغُونَكُمْ الفِتْنَة - يَطْلَبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ.

стр. 1284

﴿كَارِهُونَ﴾ (٤٨) - يُحَرِّضُ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ فَيَقُولُ لَهُ: لَقَدْ أَعْمَلُوا رَأَيَهُمْ فِي الكَيْدِ لَكَ، وَلأَصَحَابِكَ وَلِدِينِكَ، مُدَّةً طَوِيلَةً، فِي بَدْءِ مَقْدَمِكَ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْكَ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَالمُنَافِقُونَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَيَهُودُ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَصَرَكَ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْلَى كَلِمَةِ الإِسْلاَمِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِجَمَاعَتِهِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ظَاهِراً، وَكَانُوا كُلَّمَا زَادَ اللهُ الإِسْلاَمَ عِزَّةً، زَادَهُمْ ذَلِكَ غَيْظاً وَحَنْقاً. وَقَدِ ابْتَغَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إِثَارَةَ الفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفْرِيقَ شَمْلِهِمْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، حِينَ اعْتَزَلَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الجَيْشِ، وَصَارَ يَقُولُ: أَطَاعَ النَّبِيُّ الْوِلْدَان وَمَنْ لاَ رَأَيَ لَهُ، فَعَلاَمَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا؟ قَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ - دَبَّرُوا لَكَ المَكَايِدَ وَالحِيَلَ.

стр. 1285

﴿بالكافرين﴾ (٤٩) - وَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ لَكَ (وَهُوَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ المُنَافِقِينَ) : ائْذَنْ لِي فِي القُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ، لأَنَّنِي إِذَا خَرَجْتُ مَعَكَ، أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَفْتَتِنَ بِنِسَاءِ الرُّومِ (بَنِي الأَصْفَرِ) ، إِذَا رَأَيْتُهُنَّ. وَيَقُولُ تَعَالَى: لَقْدَ سَقَطَ هَؤُلاَءِ فِي فِتْنَةٍ أَعْظَمَ بِاعْتِذَارِهِمْ بِمَعَاذِيرَ كَاذِبَةٍ، وَبِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَبِالرَّغْبَةِ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَلاَ مَحِيصَ وَلاَ مَهْرَبَ، وَكَفَى بِهَا نَكَالاً وَوَبَالاً. ائْذَنْ لِي - أَيْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ. لا تَفْتِنِّي - لاَ تُوقِعْنِي فِي الإِثْمِ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِكَ.

стр. 1286

(٥٠) - وَهَؤُلاَءِ تَسُوؤُهُمْ أَيَّةُ حَسَنَةٍ أَوْ نَصْرٍ أَوْ فَتْحٍ يُصِيبُهُ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ، وَإِذَا أَصَابَتِ الرَُّسولَ وَالمُؤْمِنِينَ مُصِيبَةٌ، أَوْ شِدَّةٌ، يَقُولُونَ قَدِ احْتَظْنَا لأَمْرِنَا، وَأَخَذْنَا حِذْرَنَا إِذْ تَخَلَّفْنَا عَنِ القِتَالِ، وَلَمْ نُلْقِ بَأَيْدِينَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَيَنْقَلِبُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ فَرِحِينَ بِمَا اجْتَنَبُوهُ مِنَ المَصَائِبِ، وَبِالشَّمَاتَةِ بِالنَّبِيَِّ وَالمُسْلِمِينَ.

стр. 1287

﴿مَوْلاَنَا﴾ (٥١) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَصَائِبِ، وَتَسُوؤُهُم النِّعْمَةُ الَّتِي تُصْيبُ المُسْلِمِينَ: نَحْنُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَمَا قَدّرَهُ لَنَا سَيَأْتِينَا، وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَلاَ دَافِعٌ. وَنَحْنُ مُتَوَكّلُونَ عَلَى اللهِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ، فَلاَ نَيْأسُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَلاَ نَبْطَرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ.

стр. 1288

(٥٢) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ تَتَرَبَّصُونَ بِنَا، وَتَنْتَظِرُونَ أَنْ يَقَعَ لَنَا، إِلاَّ وَاحِدَةٌ مِنِ اثْنَتَيْنِ: وَكِلْتَاهُمَا خَيْرٌ لَنَا وَفِيهِمَا حَسَنَةٌ: شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ ظَفْرٌ. أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نَنْتَظِرُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَذَابُ اللهِ، أَوْ أَنْ يُسَلِّطَنَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ فَنُذِيقَكُمْ بَأْسَنَا. هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا - مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَا؟ الحُسْنَيَيْنِ - النَّصْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

стр. 1289

﴿فَاسِقِينَ﴾ (٥٣) - وَقُلْ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتُرُوا نِفَاقَهُمْ بِإِنْفَاقِ المَالِ فِي الجِهَادِ وَغَيْرِهِ: مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ذَلِكَ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ مُتَشَكِّكِينَ خَارِجِينَ عَنِ الإِيمَانِ، وَاللهُ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الأَعْمَالَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ.

стр. 1290

﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿كَارِهُونَ﴾ (٥٤) -وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ عَدَمِ تَقَبُّلِهِ نَفَقَاتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلاَ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِي أَدَائِهَا، وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً فِي مَصَالِحِ الجِهَادِ وَغَيْرِهَا إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَبِمَا أَنَّ الأَعْمَالَ لاَ تَصِحُّ إلاَّ بِالإِيمَانِ، وَبِمَا أَنَّ هَؤُلاَءِ لاَ إِيمَانَ لَهُمْ، لِذَلِكَ لَنْ يَقْبَلَ اللهُ مِنْهُمْ نَفَقَةً وَلاَ عَمَلاً.

стр. 1291

﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُهُمْ﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿كَافِرُونَ﴾ (٥٥) - فَلاَ يُعْجِبْكَ مَا تَرَاهُمْ فِيهِ مِنْ وَفْرَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ الأَوْلاَدِ، وَرَفْهِ الحَيَاةِ، فَإِنَّ اللهَ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُمْ بِمَا يَنَالُهُمْ بِسَبَبِهَا مِنَ التَّنْغِيصِ وَالحَسْرَةِ، وَذَلِكَ بِالْكَدِّ وَالْعَنَاءِ فِي جَمْعِهَا، وَاكْتِسَابِهَا، ثُمَّ بِإِجْبَارِهِمْ عَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ مِنْهَا، وَالإِنْفَاقِ فِي الجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ الإِسْلاَمُ عَلَيْهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ عَلَى الكُفْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ نَكَالاً لَهُمْ، وَآلَمَ عَذَاباً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، فَتَكُونُ الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ. تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ - تَخْرُجَ أَرْوَاحهُمْ.

стр. 1292

(٥٦) - يَتَظَاهِرُ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ بِأَنَّهُمْ مِنْكُمْ، لِيَأْمَنُوا بَأْسَكَمُ، وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ كَذِباً أَنَّهُمْ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَنِفَاقٍ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُونَ لَكُمْ، خَوْفاً مِنْكُمْ وَفَرَقاً. قَوْمٌ يَفْرَقُونَ - أُنَاسٌ يَخَافُونَ مِنْكُمْ فَيُنَافِقُونَ تَقِيَّةً.

стр. 1293

﴿مَغَارَاتٍ﴾ (٥٧) - إِنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ يَكْرَهُونَ القِتَالَ مَعَكُمْ، وَيُبْغِضُونَ مُعَاشَرَتَهُمْ إِيَّاكُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَخَافُونَ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ لَكُمْ نِفَاقُهُمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الفِرَارَ مِنْكُمْ، وَالعَيْشَ فِي مَكَانٍ يَعْتَصِمُونَ فِيهِ مِنِ انْتِقَامِكُمْ مِنْهُمْ، فَلَوِ اسْتَطَاعُوا السُّكْنَى فِي الحُصُونِ وَالقِلاَعِ، أَوْ فِي كُهُوفِ الجِبَالِ وَمَغَارَاتِهَا، أَوْ فِي أَنْفَاقِ الأَرْضِ وَأَسْرَابِهَا، لَوَلَّوْا إِلَيْهَا مُسْرِعِينَ، كَالْفَرَسِ الجَمُوحِ لاَ يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ، وَهُمْ قَدْ أَقَامُوا بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، مَعَ كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِ عَشِيرَتِهِمْ، وَدُورِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، فَصَانَعُوا المُسْلِمِينَ بِالنِّفَاقِ، وَادِّعَاءِ الإِسْلاَمِ. مَلْجأَ - حِصْناً أَوْ مَعْقلاً يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ. مَغَارَاتٍ - غِيرَاناً فِي الجِبَالِ يَخْتَفُونَ فِيهَا. مُدَّخَلاً - سِرْباً فِي الأَرْضِ يَنْحَجِرُونَ فِيهِ. يَجْمَحُونَ - يُسْرِعُونَ فِي الدُّخُولِ إِلَيهِ.

стр. 1294

﴿الصدقات﴾ (٥٨) - وَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَعِيبُ عَلَيْكَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ وَالمَغَانِمِ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُحَابِي فِيهَا، وَتُؤْتِي مَنْ تَشَاءُ مِنَ الأَقَارِبِ وَأَهْلِ الْمَوَدَّةِ، وَلاَ تُرَاعِي العَدْلَ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سُخْطاً لِلدِّينِ، وَلاَ غَيْرَةً عَلَى مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ سَعياً وَرَاءَ مَنْفَعَتِهِم الخَاصَّةِ، فَإِذَا أُعْطُوْا مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، رَضُوا القِسْمَةَ، وَاسْتَحْسَنُوهَا، وَأَثْنُوا عَلَى فِعْلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا مَا يُرْضِيهِمْ، سَخِطُوا، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَطَاءِ. يَلْمِزُكَ - يَعِيبُكَ وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ.

стр. 1295

﴿آتَاهُمُ﴾ ﴿رَاغِبُونَ﴾ (٥٩) - وَيُعَلِّمُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَدَبَ الإِيمَانِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَوْ رَضُوا بِمَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَقَنِعُوا بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَكِيلاً، وَرَازِقاً فِي كُلِّ حَالٍ، وَسَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ لاَ يَبْخَسُ أَحَداً مِنَّا شَيْئاً يَسْتَحِقُّهُ فِي شَرْعِ اللهِ، وَإِنَّا رَاغِبُونَ إِلَى اللهِ العَلِيِّ الْقَدِيرِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ وَلَمْزِ الرَّسُولِ وَهَمْزِهِ. حَسْبُنا اللهُ - كَافِينا فَضْلُ اللهِ وَقِسْمَتُه.

стр. 1296

﴿ ١٦٤٩;لصَّدَقَاتُ﴾ ﴿المساكين﴾ ﴿العاملين﴾ ﴿الغارمين﴾ (٦٠) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى اعْتِرَاضِ المُنَافِقِينَ الجَهَلَةِ، وَلَمْزَهُمُ النَّبِيَّ الكَرِيمَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ (أَمْوَالِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ) ، بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الذِي قَسَّمَهَا، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا، وَتَوَلَّى أَمْرَهَا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، وَلَمْ يَكِلْ قِسْمَتَهَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِه، فَجَزَّأَهَا لِهَؤُلاَءِ المَذْكُورِينَ فِي الآيَةِ. وَهُمْ: الفُقَرَاءَ - وَهُمْ مَنْ لَهُمْ مَالٌ قَلِيلٌ دُونَ النِّصَابِ أَيْ أَقَلَّ مِنْ ١٢ دِينَاراً. المَسَاكِينَ - وَهُمُ الَّذِينَ لاَ شَيْءَ لَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ غِنىً يُغْنِيهِمْ، وَلاَ يُفْطَنُ إِلَيْهِمْ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئاً. العَامِلُونَ عَلَيْهَا - وَهُمْ السُّعَاةُ وَالْجُبَاةُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونُوا مِنْ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ ﷺ ، لأنَّ أَقْرِبَاءَ الرَّسُولِ لاَ تَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ. المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ - وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَي لِيُسْلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَي لِيَحْسُنَ إِسْلاَمُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَي لِيَجْبِيَ الصَّدَقَاتِ مِمَّنْ يَلِيهِ. الرِّقَابِ - هُمُ العَبِيدُ المُكَاتَبُونَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَدَاءَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَرِيضَةٍ لإعْتَاقِهِمْ (أَوْ تَعْنِي صَرْفَ جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ فِي إِعْتَاقِ رِقَابٍ) . الغَارِمُونَ - كَمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، أَوْ ضَمِنَ دَيْناً فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ فَأَجْحَفَ بِمَالِهِ، أَوْ غَرِمَ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ فِي مَعْصِيةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا، فَهَؤُلاَءِ يُدْفَعُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ. فِي سَبِيلِ اللهِ - هُمُ الغُزَاةُ المُجِاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مَنَ أَرَادَ الحَجَّ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ. أَبْنَاءِ السَّبِيلِ - هُمُ المُسَافِرُونَ المُجْتَازُونَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى سَفَرِهِمْ، وَلاَ يَتَيَسَّرُ لَهُمْ إِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَلَدِهِمْ، فَيُعْطَوْنَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مَا يَكْفِي لِنَفَقَتِهِمْ.

стр. 1297

﴿آمَنُواْ﴾ (٦١) - وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحٍَ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئاً صَدَّقَهُ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا. فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقّاًُ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الآخِرَةِ. هُوَ أُذُن - يَسْمَعُ كُلَّ مَا يُقَالُ لَهُ وَيُصَدِّقُهُ. أُذُنُ خَيْرٍ - يَسْمَعُ الخَيْرَ وَلاَ يَسْمَعُ الشَّرَّ.

стр. 1298

(٦٢) - قَالَ رَجُلٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَنْ رُؤَسَاءِ المُنَافِقِينَ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: (إِنَّ هَؤُلاَءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا، وَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقّاً، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ) . فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمَارِ) . ثُمَّ ذَهَبَ المُسْلِمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُحَدِّثُهُ بِمَا جَرَى. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى المُنَافِقِ وَسَأَلَهُ، وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ فَأَخَذَ المُنَافِقُ يَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا قَالَ ذَلِكَ. وَقَالَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ، وَكَذِّبْ الكَاذِبَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الْكَرِيمَةَ. فَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَى النَّبِيِّ لِيُرْضُوكُمْ، فَلاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ، مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالإِرْضَاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لأنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ. وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

стр. 1299

﴿خَالِداً﴾ (٦٣) - أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بِتَعَدِّي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَحَارَبَهُمَا وَخَالَفَهُمَا، وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ، فَإِنَّهُ سَيَصْلَى نَارَ جَهَنَّمَ، وَيَبْقَى خَالِداً فِيهَا، وَهَذا هُوَ الذُّلُ العَظِيمُ، وَالشَّقَاءُ الكَبِيرُ. المُحَادَدَةُ - المُشَاقَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ وَالمُعَادَاةُ.

стр. 1300

﴿المنافقون﴾ ﴿استهزءوا﴾ (٦٤) - كَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ، تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا. وَخَوْفُ المُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ، وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ، لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ، لاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ، وَلاَ هُمْ بِالكَافِرِينَ الجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ.
следующие страницы →