Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾
(٩٥) - إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ غَزَاتِكُمْ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ تَخَلَّفُوا مَعَ الخَوَالِفِ فِي المَدِينَةِ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ أَصِحَّاءُ، سَيَأْتُونَ إِلَيْكُمْ مُعْتَذِرِينَ، وَسَيُؤَكِّدُونَ اعْتِذَارَهُمْ بِالأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ، وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ تُعْرِضُوا عَنْهُمْ، وَتَكُفُّوا عَنْ تَوْبِيخِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ عَلَى قُعُودِهِمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِعْرَاضَ الاحْتِقَارِ وَالاسْتِصْغَارِ، لاَ إِعْرَاضَ الصَّفْحِ، وَقَبُولِ العُذْرِ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَدَنَسٌ مُؤْذٍ لِلنُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ الكَرِيمَةِ، يَجِبُ الاحْتِرَاسُ مِنْهُمْ، وَالابْتِعَادُ عَنْهُمْ، لِكَيْلاً تَلْحَقَ عَدْواهُمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وَسَتَكُونُ نَارُ جَهَنَّمَ مُسْتَقَرَّهُمْ، وَجَزَاءَهُمْ، وَمَأْوَاهُمُ الأَخِيرُ.
إِنَّهُمْ رِجْسٌ - قَذَرٌ بَاطِناً وَظَاهِراً.
стр. 1332
﴿الفاسقين﴾
(٩٦) - وَهُمْ إِنَّمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا خُدِعْتُمْ أَنْتُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَرَضِيتُمْ أَنْتُمْ عَنْهُمْ، فَهذا الرِّضَا لاَ يَنْفَعُهُمْ فِي شَيءٍ، لأنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ، الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ.
стр. 1333
(٩٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الأَعْرَابِ (وَالأَعْرَابُ هُمْ رِجَالُ البَادِيَةِ مِنَ العَرَبِ) كُفّاراً وَمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ الكُفْرَ وَالنِّفَاقَ فِيهِمْ أَشَدُّ وَأَغْلَظُ مِمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ المُدُنِ، نَظَراً لِجَفَاءِ طِبَاعِهِمْ، وَغِلْطَةِ قُلُوبِهِمْ، وَلِبُعْدِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ، وَمَنَابِعِ العِلْمِ، وَلِذَلِكَ فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ، وَلاَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ.
أَجْدَرُ - أَحَقُّ وَأَحْرَى.
стр. 1334
﴿الدوائر﴾ ﴿دَآئِرَةُ﴾
(٩٨) - وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ غُرْماً وَخَسَاراً، يَحْتَمِلُونَهما مُكْرِهِينَ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ فِي ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَادِ، وَأَعْمَالِ الخَيْرِ، وَيَنْتَظِرُونَ أَنْ تَحِلَّ بِكُمُ المَصَائِبُ وَالكَوَارِثُ، وَأَنْ تَدُورَ عَلَيْكُمُ الدَّوَائِرُ فِي الحَرْبِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ قَائِلاً: عَلَيْهِمْ هُمْ دَائِرةُ السَّوْءِ وَالبَوَارِ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِدُعَاءِ عِبَادِهِ المُخْلِصِينَ، عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الخِذْلاَنَ.
مَغْرَماً - غَرَامَةً وَخَسَاراً.
يَتَرَبَّصُ الدَّوَائِرَ - يَنْتَظِرُ بِكُمْ مَصَائِبَ الدَّهْرِ.
عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ - الضَّرَرُ وَالشَّرُّ.
стр. 1335
﴿الآخر﴾ ﴿قُرُبَاتٍ﴾ ﴿وَصَلَوَاتِ﴾
(٩٩) - وَهُنَاكَ مِنَ الأَعْرَابِ جَمَاعَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَيَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللهِ، وَيَبْتَغُونَ بِهَا دُعَاءَ الرَّسُولِ لَهُمْ (وَصَلَوَاتُ الرَّسُولِ) لأَنَّهُ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، كَانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَبِلَ هذِهِ النَّفَقَةَ مِنْهُمْ، وَسَتَكُونُ قُرْبةً عَظِيمَةً لَهُمْ عِنْدَهُ، وَسَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَسَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَسَيَرْحَمُهُمْ لأَنَّهُ تَعَالَى كَثِيرُ الغُفْرَانِ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ.
صَلَوَاتُ الرَّسُولِ - دَعَوَاتُ الرَّسُولِ وَاسْتِغْفَارُهُ لِلْمُنْفِقِينَ.
стр. 1336
﴿والسابقون﴾ ﴿المهاجرين﴾ ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٠٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ رِضَاهُ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، (وَهُمُ الذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ) ، وَمِنَ الأَنْصَارِ (وَهُمُ الذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فِي بَيْعَتَي العَقَبَةِ وَالرِّضْوَانِ) ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَيُخْبِرُ تَعَالَى بِرِضَاهُ عَنْهُمْ بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ فِي الدُّنْيَا، مِنْ عِزٍّ وَنَصْرٍ وَمَغْنَمٍ وَهُدًى، وَبِمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، مِنْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَوَانِبِهَا، وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَداً. وَالفَوْزُ الذِي فَازَ بِهِ هَؤُلاَءِ الكِرامُ البَرَرَةُ هُوَ أَعْظَمُ الفَوْزِ.
стр. 1337
﴿مُنَافِقُونَ﴾
(١٠١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي أَحْيَاءِ العَرَبِ، مِمَّنْ هُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ، مُنَافِقِينَ، كَمَا يُوجَدُ مُنَافِقُونَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَقَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى النِّفَاقِ، وَحَذَقُوهُ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الغَايَةَ فِي إِتْقَانِهِ، وَأَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ العَسِيرِ كَشْفُهُمْ وَمَعْرِفَتُهُمْ (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَعْرِفُهُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُهُمْ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدًُّنْيَا مَرَّتِينِ:
أُولاهُمَا: - فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ المَصَائِبِ وَالخَوْفِ مِنَ الفَضِيحَةِ بِهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ.
وَثَانِيَتَهما - فِي آلاَمِ المَوْتِ، وَضَرْبِ المَلاَئِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ حِينَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ.
وَفِي الآخِرَةِ يُرَدُّونَ إِلَى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ المَصِيرُ.
مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ - تَمَرَّنُوا عَلَيْهِ، وَحَذَقُوهُ.
стр. 1338
﴿وَآخَرُونَ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ ﴿وَآخَرَ﴾
(١٠٢) - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُتَخَلِفِينَ عَنِ الجِهَادِ تَكْذِيباً وَشكّاً، شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ كَسَلاً، مَعَ إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، فَقَالَ: وَهُنَاكَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقرُّوا بِهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ خَلَطُوا بِهَا أَعْمَالاً سَيِّئَةً، هِيَ تَقَاعُسُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَتِهِ، وَقُعُودُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَهَؤُلاَءِ تَحْتَ عَفْوِ اللهِ وَغُفْرَانِهِ، وَقَدْ يُوَفِّقُهُمْ إلى التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ لأنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
(وَرُوِيَ أَنَّ هَذِه ِالآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ غَزْوَتِهِ، رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ، وَحَلَفُوا لاَ يَحُلُّهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ، وَعَفَا عَنْهُمْ) .
стр. 1339
﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿صلاوتك﴾
(١٠٣) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ الذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ البُخْلِ، وَالطَّمَعِ، وَالقَسْوَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَتُزَكِّي بِهَا أَنْفُسَهُمْ، وَتَرْفَعُهُمْ إِلَى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ حَتَّى يَكُونُوا أَهْلاً لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ، لأنًّ صَلاَةَ الرَّسُولِ رَحْمَةٌ بِهِمْ، وَرَاحَةٌ لأَنْفُسِهِمْ، وَاللهُ سَمِيعٌ لاعْتِرَافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَسَمِيعٌ لِدُعَاءِ الرَّسُولِ لَهُمْ، عَلِيمٌ بِإِخْلاَصِهِمْ فِي تَوْبَتِهِمْ، وَنَدَمِهِمْ مِن هَذِهِ الذُّنُوبِ.
تُزَكِّيهِمْ بِهَا - تُنَمِّي بِهَا حَسَنَاتِهِمْ وَأَمَوالَهُمْ.
صَلِّ عَلَيْهِمْ - ادْعُ لَهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ.
سَكَنٌُ لَهُمْ - طُمَأْنِينَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ لَهُمْ.
стр. 1340
﴿الصدقات﴾
(١٠٤) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى التَّصَدُّقِ، وَعَلَى التَّوْبَةِ، وَهُمَا الوَسِيلَتَانِ الَّلتَانِ يَحُطُّ بِهِمَا الذُّنُوبَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيُخْبِرُ اللهُ أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الذِي يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ إَلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ حَلاَلٍ فَإِنَّهُ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيها لِصَاحِبِهَا حَتَّى تُصْبِحَ التَّمْرَةُ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ.
يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ - يَقْبَلُهَا وَيُثِيبُ عَلَيهَا.
стр. 1341
﴿عَالِمِ﴾ ﴿الشهادة﴾
(١٠٥) - هَذَا وَعِيدٌ مْنَ اللهِ تَعَالَى لِمَنْ خَالَفُوا أَوَامِرَهُ، وَتَحْذِيرٌ لَهُمْ بِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ سَتُعْرَضُ عَلَيهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ سَيُرَدُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى اللهِ، الذِي يَعْلَمُ الغَيْبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الشَاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ جَمِيعاً، فَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ.
стр. 1342
﴿وَآخَرُونَ﴾
(١٠٦) - وَهَؤُلاَءِ المُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى هُمْ: مَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَعَدُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَعَدَ كَسَلاً، وَمَيْلاً إِلَى الرَّاحَةِ، لاَ شَكّاً وَلاَ نِفَاقاً، أَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاعْتَرَفُوا لَهُ بِأَنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ، فَأَرْجَأَهُمْ رَسُولُ اللهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِأَلاَّ يُكَلِّمُوهُمْ، وَلاَ يُخَالِطُوهُمْ، فَالتَزَمُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا عَلَى سَعَتِها، خَوْفاً مِنْ عَذَابِ اللهِ وَسُخْطِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، وَيُرَبِّيهِمْ وَيُزَكِّيهِمْ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ.
مُرْجَوْنَ - مُؤَخَّرُونَ لاَ يُقْطَعُ لَهُمْ بِتَوْبَةٍ (وَأَصْلُها مُرْجَؤُونَ) .
стр. 1343
﴿لَكَاذِبُونَ﴾
(١٠٧) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَنُوا مَسْجِداً، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرِ الرَّاهِبُ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَبَي الإِسْلاَمَ، وَأَخَذَ يَكِيدُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَتَآمَرُ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرَيشٍ، وَمَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَلَّبَ المُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَحَاوَلَ اسْتِمَالَةَ الأَنْصَارِ فِي المَعْرَكَةِ فَسَبُّوهُ) : ابْنُوا مَسْجِداً يَكُونُ مَرْصَداً لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَعِدُوا، وَأَنْ يَجْمَعُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاَحٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى قَيْصَرِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنُودٍ مِنَ الرُّومِ لإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذُوا فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ قُرْبَ مَسْجِدِ قَباءٍ، وَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا إِلى الرَّسُولِ ﷺ فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَصَلِّيَ فِيهِ، وَتَدْعُو لَنَا بِالبَرَكَةِ. وَكَانَ الرَّسُولُ خَارِجاً إِلى غَزْوَةِ تَبُوك، فَأَرْجََأَ ذَلِكَ إِلى حينِ عَوْدَتِهِ. وَحِينَ عَادَ نَزَل عَلَيهِ جِبْرِيلُ، ﵇، يُخْبِرُهُ بِغَايَةِ بُنَاةِ المَسْجِدِ وَقَصَدِهِمْ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهِ أَبَداً. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ بَنُوا هَذا المَسْجِدِ سَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ الخَيْرَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَفِيمَا قَصَدُوهُ، وَفِيمَا نَوَوْهُ؛ فَهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ ضِرَاراً لِمَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَكُفْراً بِاللهِ، وَتَفْرِيقاً لِلْمُؤْمِنِينَ (الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعاً فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ هُوَ مَسْجِدُ قِبَاءٍ، وَفِي ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ، وَتُجْمَعُ الكَلِمَةُ) ، وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهُ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذا المَسْجِدِ.
الضِّرارُ وَالمُضَارَّةُ - مُحَاوَلَةُ إِيقَاعِ الضَّرَرِ.
الإِرْصَادُ - الانْتِظَارُ وَالتَّرَقُّبُ مَعَ العَدَاوَةِ.
стр. 1344
(١٠٨) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ لاَ يَقُومَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ هَذا، وَحَثَّهُ عَلَى الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ الذِي أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى التَّقْوَى (وَهِيَ طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، وَجَمْعُ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ) ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: " صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ كَعُمْرَةٍ "
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ مَسْجِدَ قبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَذِكْرِ اللهِ، وَتَسْبِيحِهِ؟ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. وَيُثْنِي اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ فِي تَطَهُّرِهِمْ، وَفِي عِنَايَتِهِمْ بِنَظَافَةِ أَبْدَانِهِمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ.
стр. 1345
﴿بُنْيَانَهُ﴾ ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٠٩) - لاَ يَسْتَوِي فِي عَقِيدَتِهِ، وَلاَ فِي عَمَلِهِ، مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، مَعْ مَنْ بَنَى مَسْجِداً لِلضِّرَارِ وَالكُفْر وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذَا الأَخِيرُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَبْنِي بُنْيَانَهُ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ فِي أَرْضٍ رِخْوَةٍ فِي جَانِبِ جَهَنَّمَ، انْهَارَتْ بِهِ، وَبِبُنْيَانِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي إَلَى الحَقِّ وَالعَدْلِ، القَوْمَ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ طَاعَةَ اللهِ. فَالإِيمَانُ ثَابِتٌ رَاسِخٌ قَوِيٌّ، وَأَهْلُهُ سُعَدَاء بِرِضْوَانِ رَبِّهِمْ، وَالبَاطِلُ مُضْمَحِلٌّ وَاهٍ سَرِيعُ الانْهِيَارِ، وَأَهْلُهُ أَشْقِيَاءُ مُتَرَدَّدُونَ حَائِرُونَ.
عَلَى شَفَا جُرُفٍ - عَلَى حَرْفِ بِئْرٍ لَمْ تُبْنَ بِالحِجَارَةِ.
هَارٍ - هَائِرٍ مُتَصَدِّعٍ أَوْ مُتَهَدِّمٍ.
فَانْهَارَ بِهِ - فَسَقَطَ البُنْيَانُ بِالبَانِي.
стр. 1346
﴿بُنْيَانُهُمُ﴾
(١١٠) - وَسَيَظَلُّ البُنْيَانُ، الذِي بَنَاهُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ، يُورِثُهُمْ شَكّاً فِي قُلُوبِهِمْ، وَنِفَاقاً حَتَّى مَوْتِهِمْ، بِسَبَبِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ النَّاسِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ.
رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ - شَكّاً وَنِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ.
تَقَطَّعَ قُلوبُهُمْ - تَتَقَطَّعُ وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاءً بِالمَوْتِ.
стр. 1347
﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿والقرآن﴾
(١١١) - يُرَغِّبُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ فِي الجِهَادِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ سَيُعَوِّضُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَنْ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وِلإِحْقَاقِ الحَقِّ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ فِي الأَرْضِ، فَهُمْ حِينَ يُجَاهِدُونَ يَقْتُلُونَ أَعْدَاءَهُمْ، وَيُقْتَلُونَ هُمْ، وَهُمْ فِي كِلاَ الحَالَيْنِ مُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ وَعَدَ اللهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِهَذَا الجَزَاءِ الحَقِّ، وَجَعَلَهُ حَقّاً عَلَيهِ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ.
ثُمَّ يَدْعُو اللهُ تَعَالَى مَنِ التَزَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعَهْدِهِ للهِ إِلَى الاسْتِبْشَارِ بِذَلِكَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، لأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَفَاءً بِالْعَهْدِ، وَلاَ أَكْثََرَ مِنْهُ التِزَاماً بِالوَعْدِ الذِي يَقْطَعُهُ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رِبْحٌ أَكْبَرُ مِنَ الرّبِحِ الذِي يُحَقّقُهُ المُؤْمِنُونَ فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ.
стр. 1348
﴿التائبون﴾ ﴿العابدون﴾ ﴿الحامدون﴾ ﴿السائحون﴾ ﴿الراكعون﴾ ﴿الساجدون﴾ ﴿والحافظون﴾
(١١٢) - وَهُنَا يُعَدِّدُ اللهُ تَعَالَى صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ، وَهُمُ: التَّائِبُونَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّها، التَّارِكُونَ لِلْفَوَاحِشِ، القَائِمُونَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَالمُحَافِظُونَ عَلَيهَا، وَالحَامِدُ نَ للهِ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، السَّائِحُونَ فِي الأَرْضِ، لِلاعْتِبَارَِ وَالاسْتِبْصَارِ بِمَا خَلَقَ اللهُ مِنَ العِبَرِ وَالآيَاتِ، (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ مَعْنَى السَّائِحِينَ هُنَا الصَّائِمُونَ) وَالمُصَلُّونَ. وَهُمْ مَعْ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْعَوْنَ فِي نَفْعِ خَلْقِ اللهِ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ، بِأَمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهِيهِمْ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ العِلْمِ بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، وَيَجِبُ تَرْكَهُ طَاعَةً للهِ (أَيْ إِنَّهُمْ يَحْفَظُونَ حُدُودَ اللهِ) . وَيُبَشِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
السَّائِحُونَ - فِي الأَرْضِ لِلاعْتِبَارِ وَالاسْتِبْصَارِ، أَوْ هُمُ الصَّائِمُونَ أَوْ هُمُ المُجَاهِدُونَ الغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللهِ.
الحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ - أَيْ المُرَاقِبُونَ لأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
стр. 1349
﴿آمنوا﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾
(١١٣) - لَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أَبَا طَالِبٍ، عَمَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، دَخَلَ النَّبِيُّ، ﵇، عَلَيهِ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّة، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمُّ، قُلْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، كَلمةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعُبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ: لأَسْتَغِفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَفِيهَا دَعْوَةٌ لِلنَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ إِلَى عَدَمِ الاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَقْرِبَاءَهُمْ.
стр. 1350
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿لأَوَّاهٌ﴾
(١١٤) - " قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ مِنْ آبَائِنَا مَنْ كَانَ يُحْسِنُ الجِوَارَ، وَيَصِلُ الأَرْحَامَ، وَيَفُكُّ العَانِي، وَيُوفِي الذِّمَمَ، أَفَلا نَسْتَغْفِر لَهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ لأَبِي كَمَا اسْتَغْفِرَ إِبراهيمُ لأَبِيهِ ". فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ، وَالتي قَبْلَها، وَعَذَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِبْرَاهيمَ ﵇ فِي هَذِهِ الآيَةِ، عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ الاسْتِغْفَارِ لأَبِيهِ المُشْرِكِ.
وَالمُسْلِمُ يَدْعُوا لِقَرِيبِهِ غَيْرِ المُسْلِمِ بِالصَّلاَحِ مَا دَامَ حَيّاً، فَإِذَا مَاتَ وَكَلَهُ إِلى شَأْنِهِ، وَتَوَقَّفَ عَنِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ إِبراهيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ، أَيْ كَثِيرُ الدُّعَاءِ، كَثِيرُ الدُّعَاءِ، كَثِيرُ التَّضَرُّعِ.
أَوّاهٌ - كَثِيرُ التَّأَوُّهِ خَوْفاً مِنَ اللهِ وَإِشْفَاقاً.
стр. 1351
﴿هَدَاهُمْ﴾
(١١٥) - وَمَا كَانَ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَلاَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، أَنْ يَصِفَ قَوْماً بِالضَّلاَلِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُ بِالذَّمِ وَالعِقَابِ، بَعْدَ أَنْ هَدَاهُمْ إِلَى الإِيمَانِ، بِقَولٍ يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ عَمَلٍ يَحْدُثُ مِنْهُمْ بِاجْتِهَادٍ خَاطِىءٍ، وَيَقُولُ ابْنُ جَريرٍ فِي تَفْسِيرِ هذِهِ الآيَةِ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيَقْضِيَ عَلَيكُمْ فِي اسْتِغْفَارِكُمْ لِمَوْتَاكُمُ المُشْرِكِينَ بِالضَّلاَلِ، بَعْدَ إِذْ رَزَقَكُمُ الهِدَايَةَ، وَوَفَّقَكُمْ إِلى الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَتَتْرُكُوا، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ كَرَاهَةَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْكُمْ بِالضَّلاَلِ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.
стр. 1352
﴿السماوات﴾ ﴿يُحْيِي﴾
(١١٦) - هَذَا تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ الكَافِرِينَ، وَدَعْوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَتَّقُوا اللهَ، مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلِكَيلاَ يَرْهَبُوا أَحَداً غَيْرَ اللهِ، فَهُوَ الذِي يَهَبُ الحَيَاةَ بِقُدْرَتِهِ وَفْقَ سُنَنٍ فِي التَّكْوينِ، وَهُوَ الذِي يُمِيتُ حِينَمَا تَنْقَضِي آجَالُ النَّاسِ. وَحِينَ يَجِيءُ الأَجَلُ المُحَدَّدُ فَلاَ تَتَقَدَّمُ نَفْسٌ وَلاَ تَتَأَخَّرُ. وَهُوَ تَعَالَى وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ، وَنَصِيرُهُمْ، وَلاَ وَلِيَّ وَلاَ نَصِيرَ لَهُمْ غَيْرُهُ.
стр. 1353
﴿والمهاجرين﴾
(١١٧) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ التِي كَانَتْ فِي سَنَةِ جَدْبٍ، وَوَقْتَ حَرٍّ شَديدٍ، وَعُسْرٍ فِي الزَّادِ وَالمَاءِ، وَقَدْ أَكْرَمَ اللهَ تَعَالَى المَهُاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ الذِينَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ فِي وَقْتِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ وَالزَّادِ، بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِصِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللهِ، وَلاسْتِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الحَقِّ، وَهُمُ الذِينَ تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عِلَّةِ النِّفَاقِ مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، وَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، لِعِظَمِ مَا نَالَهُمْ مِنَ المَشَقَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي سَفَرِهِمْ وَغَزْوِهِمْ. ثُمَّ رَزَقَهُمُ اللهُ الإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالرُّجُوعَ وَالثَّبَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بِهِمْ.
سَاعَةِ العُسْرَةِ - وَقْتِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ فِي غَزْوَةِ تَبُوك.
يَزِيغُ - يَمِيلُ إِلَى التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ.
стр. 1354
﴿الثلاثة﴾
(١١٨) - الثَّلاَثَةُ هُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِي، وَهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوك، وَاعْتَرَفُوا لِلرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قُومُوا حَتَّى يَقْضِي اللهُ فِي أَمْرِكُمْ " وأَمْر الرَّسُولُ النَّاسَ أَنْ لاَ يُكَلِّمُوهُمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ عَلَى رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا، وَضَاقَتْ أَنْفُسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لِمَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنْ ضِيقِ صُدُورِهِمْ بِامْتِلاَئِهَا بِالهَمِّ وَالغَمِّ، وَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَفِيهَا التَّوْبَةُ عَلَيهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ قبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ قَصَّرُوا فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ إِلَى الغَزَاةِ، فَكَانَ عَاقِبَةُ صِدْقِهِمْ خَيْراً لَهُمْ، وَتَوْبَةً عَلَيْهِمْ.
بِمَا رَحُبَتْ - مَعْ رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا.
لِيَتُوبُوا - لِيُدَاوِمُوا عَلَى التَّوْبَةِ فِي المُسْتَقْبَلِ.
стр. 1355
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصادقين﴾
(١١٩) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ، وَرَاقِبُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَوَاجِبَاتِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَاصْدقوا وَالزَمُوا الصِّدْقَ تَكُونُوا أَهْلَهُ، وَتَنْجُوا مِنَ المَهَالِكِ، وَيَجْعَلُ اللهُ لَكُمْ فَرَجاً مِنْ أُمُورِكِمْ وَمَخْرَجاً.
стр. 1356
﴿يَطَأُونَ﴾ ﴿صَالِحٌ﴾
(١٢٠) - يُعَاتِبُ اللهُ تَعَالَى المُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَإِيثَارِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَيَخُصُّ بِالعِتَابِ أَهْلَ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَإِنَّهُمْ نَقَصُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الأَجْرِ، لأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ عَطَشٌ وَلاَ تَعَبٌ وَلاَ مَجَاعَةٌ (مَخْمَصَةٌ) ، وَلاَ يَنْزِلُونَ مَنْزِلاً يُرْهِبُ الكُفَّارَ، وَيَغِيظُهُمْ، وَلاَ يُحَقِّقُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ظَفَراً وَغَلَبَةً. . إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُمْ بِهذِهِ الأَعْمَالِ، ثَوَابَ عَمَلٍ صَالِحٍ جَزِيلٍ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.
لاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ - لاَ يَتَرَفَّعُوا بِهَا، وَلاَ يَضَنُّوا بِهَا، وَلاَ يَصْرِفُوهَا.
نَصَبٌ - تَعَبٌ مَا.
مَخْمَصَةٌ - مَجَاعَةٌ.
يَغِيظُ الكُفَّارَ - يَغُمُّهُمْ وَيُغْضِبُهُمْ.
نَيْلاً - شَيْئاً مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ مَغْنَمٍ.
стр. 1357
(١٢١) - وَلاَ يُنْفِقُ هؤُلاَءِ الغُزَاةُ قَليلاً وَلاَ كَثِيراً فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً فِي سَيْرِهِمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، إِلاَّ كَتَبَ لَهُمْ، وَسُجِّلَ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ عَلَيهِ جَزَاءً أَحْسَنَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الجَلِيلَةِ فِي غَيْرِ الجِهَادِ، فَالنَّفَقَةُ الصَّغِيرَةُ فِي الجِهَادِ كَالنَّفَقَةِ الكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ المَبَرَّاتِ.
стр. 1358
﴿طَآئِفَةٌ﴾
(١٢٢) - الجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ. وَلكِنْ إِذَا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الخُرُوجِ مَعَهُ لَمْ يَحِلَّ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِلاَّ أَهْلَ الأَعْذَارِ. وَحِينَمَا نَزَلَتِ الآيَاتُ السَّابِقَاتُ فِي التَّشَديدِ عَلَى المُتَخَلِّفِينَ، قَالُوا: لاَ يَتَخَلَّفُ مِنَّا أَحَدٌ عَنْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَبَداً، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَبَقِيَ الرَّسُولُ وَحْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يُبَيِّنُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عَليهِمْ أَلاَّ يَنْفِرُوا جَمِيعاً، لِيَبقَى قُربَ رَسُولِ اللهِ أُنَاسٌ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، حَتَّى إِذَا عَادَ الغُزَاةُ إِلَى أَهْلِهِمْ أَعْلَمُوهُمْ بِمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَبِمَا اسْتَجَدَّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَتَعْلِيمَاتِ الرَّسُولِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ المُسْلِمُونَ جَمِيعاً عَلَى عِلْمٍ بِأُمُورِ دِينِهِمْ.
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً - لِيَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ جَمِيعاً.
стр. 1359
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿قَاتِلُواْ﴾
(١٢٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ الطَّرِيقَ الأَمْثَلَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالِ الأَقْربِ فَالأَقْرَبِ مِنْهُمْ إِلى أَرْضِ الإِسْلاَمِ، وَبِذلِكَ لاَ يَبْقَى مَجَالٌ لأنْ يُؤْخَذَ المُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ، إِذَا تَرَكُوا مَنْ هُمْ قُرْبَهُمْ وَذَهَبُوا لِيُقَاتِلُوا مَنْ خَلْفَ أَعْدَائِهِمْ، وَلِهَذَا بَدَأَ الرَّسُولُ ﷺ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَمَّا انْتَهَى مِنَ العَرَبِ شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ. وَهَكَذَا كَانَ المُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ العُتَاةِ الفُجَّارِ وَهَكَذَا.
وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَكُونُوا أَشِدّاءَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا لَهُمْ غِلْظَةً وَشِدَّةً وَخُشُونَةً فِي القِتَالِ، لِيُدْخِلُوا الوَهَنَ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَنُفُوسِ مَنْ خَلْفَهُمْ. وَمِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ، رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ مَعَهُمْ يُثَبِّتُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ إِذَا اتَّقَوْهُ وَأَطَاعُوهُ.
غِلْظَةً - شِدَّةً وَقَسْوَةً.
стр. 1360
﴿إِيمَاناً﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(١٢٤) - إِذَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى سُورَةً مِنْ سُوَرِ القُرْآنِ فَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ لإِخْوَانِهِ: (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يَلْقَاهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُشَكِّكاً) : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ إِيمَاناً وَيَقِيناً بِحَقِيقَةِ القُرْآنِ وَالإِسْلاَمِ، وَصدْقِ الرَّسُولِ؟
وَيَقُولُ تَعَالَى: أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَتَزيدُهُمُ الآيَاتُ إِيمَاناً، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِرِضْوانِ رَبِّهِمْ، وَبِمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنْ جَزِيلِ الثَّوابِ.
(وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مِنْ هذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَزيدَ أَوْ يَنْقُصَ) .
стр. 1361
﴿كَافِرُونَ﴾
(١٢٥) - وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ شَكٌّ وَرِيبَةٌ (مَرٌَ) ، دَعَاهُمْ إِلَى النِّفَاقِ بِإِسْرَارِ الكُفْرِ، وَإِظْهَارِ الإِيمَانِ، فَتَزيدُهُمُ الآيَاتُ شَكّاً وَرِيْبَةً إِلَى شُكُوكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَالقُرْآنُ هُوَ الذِي يَهْدِي بِهِ اللهُ قُلُوبَ النَّاسِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ ضَلاَلِهِمْ وَشَقَائِهِمْ، فَيَمُوتُونَ وَهُمْ كَافِرُونَ.
رِجْساً - نِفَاقاً وَكُفْراً.
стр. 1362
(١٢٦) - أَيَجْهَلُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْتَبِرُهُمْ (يُفْتَنُونَ) : كُلَّ عَامٍ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ، بِالغَزاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الفِتْنَةِ وَالابْتِلاَءِ، وَالاخْتِبَارِ لَهُمْ، التِي تُظْهِرُ اسْتِعْدَادَ النُّفُوسِ لِلإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، أَوْ لِلْكُفْرِ وَالتَمَرُّدِ، وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، وَاقْتِرَافِ الذُنوبِ، وَمُقَارَفَةِ المَعَاصِي، وَلاَ يَرْجِعُونَ عَنْ غَيْهِمْ، وَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَا يَحِلُّ بِهِم ْمِنَ العَذَابِ.
يُفْتَنُونَ - يُمْتَحَنُونَ وَيُخْتَبَرُونَ بِالشَّدَائِدِ وَالبَلاَيَا.
стр. 1363
﴿يَرَاكُمْ﴾
(١٢٧) - وَهُنَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حَالِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يَكُونُونَ حَاضِرِينَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَقُولُ: وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَهُمْ فِي المَجْلِسِ، تَسَارَقُوا النَّظَرَ، وَتَغَامَزُوا بِالعُيُونِ، فِي ذَلِكَ الوَقْتِ الذِي تَخْشَعُ فِيهِ أَبْصَارُ المُؤْمِنِينَ، وَتَنْحَنِي رُؤُوسُهُمْ سَمعاً للهِ وَطَاعَةً، وَتَشاوَرُوا فِي الانْسِلاَلِ مِنَ المَجْلِسِ خِفْيَةً لِئَلاَ يُفْتَضَحَ أَمْرُهُمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُخْرِيَةٍ وَإِنْكَارٍ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ يَرَاكُمْ رَسُولُ اللهِ وَالمُؤْمِنُونَ إِذَا قُمْتُمْ مِنَ المَجْلِسِ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ جَمِيعاً مُتَسَلِّلينَ كُرْهاً مِنْهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ. وَقَدْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى وَالإِيمَانِ لأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ مَا يَسْمَعُونَ، وَلاَ يَعْقِلونَ، وَلاَ يَتَدَبَّرُونَ مَا يَسْمَعُونَ.
стр. 1364
(١٢٨) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولاَ مِنْ جِنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ وَقَوْمِهِمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، يَعِزُّ عَلَيْهِ وَيَصْعُبُ الشَّيْءُ الذِي يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَيَزِيدُهُمْ عَنَتاً، وَشَرِيعَتُهُ كُلُّها يُسْرٌ وَسَمَاحَةٌ وَكَمَالٌ، عَلَى مَنْ أرَادَها يُسْراً وَسَمَاحَةًُ، وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَصَلاحِ حَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ شَدِيدُ الرَأْفَةِ وَالرَحْمِةِ بِالمُؤْمِنِينَ.
عَزِيزٌ عَلَيهِ - صَعْبٌ عَلَيهِ وَشَاقٌّ.
مَا عَنِتُّمْ - عَنَتُكُمْ وَمَشَقَّتُكُمْ.
стр. 1365
(١٢٩) - فَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ العَظِيمَةِ المُطَهَّرَةِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِكَ، وَالاهْتِدَاءِ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، فَلاَ تَحْزَنْ لِذَلِكَ، وَقُلْ: يَكْفِينِي اللهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ وَخَالِقُهُ، لأَنَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَجَمِيعُ الخَلْقِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ تَحْتَ العَرْشِ، مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُّلِ شَيءٍ، وَقَدَرُهُ نَافِذُّ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.
حَسْبِيَ اللهُ - اللهُ كَافِيَّ وَمُعِينِي.
стр. 1366
﴿ألف. لاَم. رَا﴾
(١) - أَلِفْ لاَمْ رَا وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، هذِهِ هِيَ آيَاتُ القُرْآنِ المُحْكَمِ الذِي أَحْكَمَهُ اللهُ فِي أُسْلُوبِهِ وَمَعَانِيهِ، وَبَيَّنَهُ لِعِبَادِهِ.
стр. 1367
﴿آمنوا﴾ ﴿الكافرون﴾ ﴿لَسَاحِرٌ﴾
(٢) - يَسْتَنْكِرُ اللهُ تَعَالَى تَعَجُّبَ الكُفَّارِ مِنْ إِرْسَالِ المُرْسَلِينَ مِنَ البَشَرِ، فَيَقُولُ: عَجِيبٌ أَمْرُ هَؤُلاءِ الكُفَّارِ أَنْ يُنْكِرُوا إِنْزَالَ الوَحْيِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَأَنْ يَعُدُّوا ذَلِكَ أَمْراً عَجِيباً يَتَفَكَّهُونَ بِهِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّداً ﷺ رَسُولاً أَنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اللهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَراً مِثْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً. . . .) .
وَمَهَمَّةِ الرَّسُولِ هِيَ أَنْ يُنْذِرَ الكَافِرِينَ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ، إِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَأَنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمَا قَدَّمُوهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: مِنْ صَوْمٍ وَصَلاَةٍ وَتَسْبِيحِ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَجِهَادٍ لِلْكَافِرِينَ. . .
أَمَّا الكَافِرُونَ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ لَسَاحِرٌ ظَاهِرُ الِّسْحِر (مُبِينٌ) ، يُؤَثِّرُ فِي النُّفُوسِ، وَيَجْذِبُها إِلى الإِيمَانِ بِاللهِ، وَاحْتِقَارِ الحَيَاةِ وَلَذَّاتِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ الكَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ.
مُبِينٌ - ظَاهِرٌ وَاضِحٌ.
قَدَمَ صِدْقٍ - سَابِقَةَ فَضْلٍ وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً.
стр. 1368
﴿السماوات﴾
(٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فِيهِما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَلَمَّا أَتَمَّ خَلْقَ الوُجُودِ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ، يُدَّبِرُ أَمْرَ الكَوْنِ وَالخَلاَئِقِ وَلاَ يُشْغِلُهُ شَأْنٌ مِنْ شَأْنٍ، وَلاَ يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ المُلِحِّينَ، وَلاَ يُلْهِيهِ الكَبِيرُ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلاَ يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ رَبُّكُمْ فَأَفْرِدُوهُ بِالعِبَادَةِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ يُسْتَنْكَرُ مِنْ رَبِّ هَذا الخَلْقِ، وَمُدَبِّرِهِ أَنْ يُفِيضَ مَا شَاءَ مِنْ عِلْمِهِ عَلَى مَنِ اصْطَفَى مِنْ خَلْقِهِ، يَهْدِيهِمْ بِهِ لِمَا فِيهِ صَلاَحُهُمْ وَكَمَالُهُمْ، أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ يَا أَيُّها المُشْرِكُونَ فِي أَمْرِكُمْ؟ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ آلِهَةً غَيْرَهُ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ؟
اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ - اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ.
стр. 1369
﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾
(٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الخَلاَّقُ العَظِيمُ، وَأَنَّ الخَلاَئِقَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ أَحَداً حَتَّى يُعِيدَهُ كَمَا كَانَ بَدَأَهُ، وَهَذَا وَعْدٌ مِنْهُ حَقٌّ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا بَدَأَ الْخَلْقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُعِيدُهُ. وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَجْزِي الَّذِينَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ، بِالعَدْلِ (بِالقِسْطِ) وَيُوَفِّيهِمْ جَزَاءَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، كَمَا يَجْزِي الذِينَ كَفَرُوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِعَدْلِهِ التَّامِّ، وَسَيَكُونُ شَرَابُهُمْ مِنْ مَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.
حَمِيمٍ - مَاءٍ بَالِغِ الغَايَةِ فِي شِدَّةِ الحَرَارَةِ.
стр. 1370
﴿الآيات﴾
(٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عُمَّا خَلَقَ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً، وَجَعَلَ القَمَرَ نُوراً، وَهَكَذا فَاوَتَ تَعَالَى بَيْنَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَبَيْنَ نُورِ القَمَرِ، وَقَدَّرَ لِلقَمَرِ مَنَازِلَ (وَهِيَ ٢٨ مَنْزِلاً) ، لِيَعْرِفَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ، وَلَمْ يَخْلُقِ اللهُ ذَلِكَ الخَلْقَ عَبَثاً وَبَاطِلاً وَتَسْلِيَةً، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ بِالْحَقِّ، وَهُوَ تَعَالَى يُفَصِّلُ الآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ لِكَيْ يَتَدَبَّرَهَا الخَلْقُ.
(وَقِيلَ إِنَّ الضَّوْءَ مَا كَانَ مِنْ ذَاتِ الشَّيءِ كَالشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَالنُّورِ مَا كَانَ مُكْتَسَباً مِنْ خَارِجِ الشَّيءِ كَالقَمَرِ يَسْتَمِدُّ نُورَهُ مِنْ ضُوءِ الشَّمْسِ) .
قَدَّرَهُ مَنَازِلَ - صَيَّرَ القَمَرَ ذَا مَنَازِلَ يَسِيرُ فِيهَا.
следующие страницы →