← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

﴿ياأسفى﴾ (٨٤) - وَأَعْرَضَ يَعْقُوبُ عَنْ بَنِيهِ، وَقَالَ مُتَذَكِّراً حُزْنَهُ القَدِيمَ عَلَى يُوسُفَ: (يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ) ، وَجَدَّدَ لَهُ حُزْنَهُ الجَدِيدُ عَلَى ابْنِهِ الأَصْغَر، حُزْنَهُ الدَّفِينَ عَلَى يُوسُفَ، وَعَمِيَتْ عَيْنَاهُ، وَأَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْظُمُ غَيْظَهُ عَلَى بَنِيهِ، وَيَحْمِلُ مَصَابَهُ وَهُوَ صَامِتٌ لاَ يَشْكُو إِلَى مَخْلُوقٍ مَا يُعَانِيهِ. يَا أَسَفَا - يَا حُزْنِي الشَّدِيدَ. ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ - أَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ فَابْيَضَّتَا. كَظِيمٌ - مُمْتَلِىءٌ غَيْظاً وَحُزْناً وَلَكِنَّهُ يَكْتُمُهُ وَلاَ يُبْدِيهِ.

стр. 1682

﴿تَفْتَؤُاْ﴾ ﴿الهالكين﴾ (٨٥) - وَقَالَ لَهُ أَبْنَاؤُهُ: إِنَّكَ لاَ تُفَارِقُ ذِكْرَ يُوسُفَ، وَإِنَّنَا لَنَخَافُ عَلَيْكَ، إِن اسْتَمَرَّتْ بِكَ هذِهِ الحَالُ، أَنْ يَحِلَّ بِكَ الهَلاَكُ وَالتَّلَفُ، وَأَنْ تَتَدَهْوَرَ صِحَّتُكَ وَتَضْعَفَ قِوَاكَ. تَكُونَ حَرَضاً - تَصِيرَ مَرِيضاً مُشْرِفاً عَلَى الهَلاَكِ. تَفْتَأُ - لاَ تَفْتَأُ وَلاَ تَزَالُ.

стр. 1683

﴿أَشْكُو﴾ (٨٦) - فَأَجَابَهُمْ أَبُوهُمْ عَمَّا قَالُوهُ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَشْكُو إِلَيْهِمْ أَمْرَهُ وَحُزْنَهُ، وَإِنَّمَا يَشْكُو ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّهُ يَرْجُو مِنْهُ وَحْدَهُ الخَيْرَ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ اللهِ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ، وَأَنَّهَا لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَتَحَقَّقَ، وَأَنَّهُ وَأَبْنَاءَهُ سَيَسْجُدُونَ لَهُ تَعْظِيماً لأَمْرِهِ، وَأَنَّ الأَوْلاَدَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلاَ يُدْرِكُونَهُ. بَثِّي - شِدَّةَ غَمِّي وَهَمِّي.

стр. 1684

﴿يابني﴾ ﴿تَيْأَسُواْ﴾ ﴿الكافرون﴾ ﴿يَيْأَسُ﴾ (٨٧) - وَحَثَّ يَعُقُوبُ بَنِيهِ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى مِصْرَ لِتَقَصِّي أَخْبَارِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ (وَالتَّحَسُّسُ يَكُونُ فِي الخَيْرِ، وَالتَّوَجُّسُ يَكُونَ فِي الشَّرِّ) ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّلَطُّفِ فِي البَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُمَا، وَبِأَلاَّ يَيْأَسُوا وَيَقْطَعُوا رَجَاءَهُمْ وَأَمَلَهُمْ مِنَ اللهِ فِيمَا يَرُومُونَهُ وَيَقْصِدُونَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الرَّجَاءَ مِنَ اللهِ، وَلاَ يَقْنَطُ وَيَيْأَسُ مِنْ رُوحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمَ الكَافِرُونَ. فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ - تَعَرَّفُوا مِنْ خَبَرِهِ. رُوْحِ اللهِ - رَحْمَتِهِ وَفَرَجِهِ وَتَنْفِيسِهِ الكَرْبَ.

стр. 1685

﴿ياأيها﴾ ﴿بِبِضَاعَةٍ﴾ ﴿مُّزْجَاةٍ﴾ (٨٨) - فَذَهَبَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِلَى مِصْرَ، عَمَلاً بِوَصِيَّةِ أَبِيهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَمَعَهُمْ بِضَاعَةٌ رَدِيئَةٌ (مُزْجَاةٌ) حَمَلُوهَا مَعَهُمْ لِيَدْفَعُوهَا ثَمَنَ المِيرَةِ التِي أَتَوْا يَطْلُبُونَهَا، وَقَالُوا لِيُوسُفَ: لَقَدْ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُرَّ وَالأَذَى، وَعَضَّنَا الجُوعُ، فَجِئْنَا بِهَذِهِ البِضَاعَةِ الرَّدِيئَةِ نَطْلُبُ أَنْ تُعْطِينَا بِهَا شَيْئاً مِنَ المِيرَةِ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِقَبُولِ هَذِهِ البِضَاعَةِ الرَّدِيئَةِ ثَمَناً لِمِيرَتِنَا، إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ خَيْراً عَلَى عَمَلِهِمْ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا عَلَيْنَا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ رُؤْيَةَ الأَثَرِ الذِي تَتْرُكُهُ عَلَى مَلاَمِحِ وَجْهِهِ) . الضُّرُّ - الهُزَالُ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ. بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ - بِأَثْمَانٍ رَدِيئَةٍ كَاسِدَةٍ.

стр. 1686

﴿جَاهِلُونَ﴾ (٨٩) - وَلَمَّا أَدْرَكَ يُوسُفُ أَنَّ الجُهْدَ وَالمَجَاعَةَ وَالجَدْبَ أَرْهَقَ كُلَّ ذلِكَ أَهْلَهُ، تَذَكَّرَ أَبَاهُ وَمَا يُقَاسِيهِ مِنْ هَذِهِ الحَالِ، وَمِنْ فَقْدِ وَلَدَيْهِ، فَرَقَّ قَلْبُهُ، وَعَرَّفَ إِخْوَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ عَلِمْتُمْ مِا صَنَعْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ مِنَ الكَيْدِ وَالإِيذَاءِ، حِينَمَا كُنْتُمْ جَاهِلِينَ قُبْحَ مَا فَعَلْتُمُوهُ فِي حُكْمِ شَرْعِكُمْ، وَحُقُوقِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَمَا يَجِبُ مِنْ تَرَاحُمِ القَرَابَةِ وَالرَّحْمِ، وَلاَ تُقَدِّرُونَ عَوَاقِبَ هَذا الطَّيْشِ، وَاتِّبَاعِ الهَوَى، وَإِطَاعَةِ الحَسَدِ؟

стр. 1687

﴿أَإِنَّكَ﴾ (٩٠) - فَقَالُوا لَهُ بِتَعَجُّبٍ مِمَّا بَلَغَهُ أَمْرُهُ مِنْ عُلُوِّ المَنْزِلَةِ فِي مِصْرَ: أَأَنْتَ يُوسُفَ وَقَدْ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ؟ قَالَ: أَنَا يُوسُفُ وَهَذا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِالاجْتِمَاعِ بَعْدَ طُولِ افْتِرَاقٍ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَنِي، وَرَفَعَ شَأْنِي، وَهُوَ تَعَالَى لاَ يُضِيعُ أَجْر امْرِىءٍ اتَّقَاهُ وَصَبَرَ وَأَحْسَنَ العَمَلَ.

стр. 1688

﴿آثَرَكَ﴾ ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ (٩١) - فَاعْتَرَفُوا بِمَا فَضَّلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالخُلْقِ وَالخَلْقِ، وَالحِلْمِ وَالسَّعَةِ وَالمُلْكِ، وَأَقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ وَخَطَئِهِمْ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ أَخِيهِ، وَأَنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ. آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا - اخْتَارَكَ وَفَضَّلَكَ عَلَيْنَا.

стр. 1689

﴿الراحمين﴾ (٩٢) - قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: لاَ عَتَبَ عَلَيْكُمْ اليَوْمَ وَلاَ لَوْمَ، فِيمَا فَعَلْتُمْ بِي وَبِأَخِي، وَدَعَا لَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَظُلْمَهُمْ، وَأَنْ يَسْتُرَهَا عَلَيْهِمْ، فَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، وَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ. لاَ تَثْرِيبَ - لاَ تَأْنِيبَ وَلاَ لَوْمَ.

стр. 1690

(٩٣) - وَسَأَلَ يُوسُفُ إِخْوَتِهِ عَنْ حَالِ أَبِيهِمْ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ بَصَرَهُ قَدْ كُفَّ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ وَالحُزْنِ العَمِيقِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ قَمِيصَهُ وَقَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا إِلَى أَبِي، وَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِهِ يَرْجِعْ مُبْصِراً، وَأْتُونِي مَعَ أَبِيكُمْ وَجَمِيعِ آلِ يَعْقُوبَ وَأَزْوَاجِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ. يَأْتِ بَصِيراً - يَرْجِعْ بَصِيراً مِنْ شِدَّةِ السُّرُورِ.

стр. 1691

(٩٤) - وَلَمَّا خَرَجَتِ القَافِلَةُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، مُتَّجِهَةً إِلَى فِلِسْطِينَ، قَالَ يَعْقُوبُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَحْفَادِهِ وَأَزْوَاجِهِمْ: إِنَّهُ يَشُمُّ رَائِحَةَ يُوسُفَ كَمَا عَرَفَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، لَوْلا أَنْ يَنْسُبُوا ذَلِكَ مِنْهُ إِلَى الخَرَفِ، وَكِبَرِ السِّنِّ (الفَنَدِ) . فَصَلَتِ العِيرُ - فَارَقَتِ القَافِلَةُ عَرِيشَ مِصْرَ. تُفَنِّدُونَ - تُسَفِّهُونَ أَوْ تُكَذِّبُونَ أَوْ تَنْسُبُونَ ذِلكَ إِلَى الفَنَدِ.

стр. 1692

﴿ضَلاَلِكَ﴾ (٩٥) - فَقَالَ بَنُوهُ: إِنَّكَ مَا زِلْتَ مُقِيماً عَلَى خَطَئِكَ القَدِيمِ مِنْ حُبِّ يُوسُفَ، وَعَدَمِ السُّلُوِّ عَنْهُ، وَعَدَمِ نِسْيَانِ أَمْرِهِ، وَالاعْتِقَادِ، أَنَّهُ مَا زَالَ حَيّاً، وَأَنَّكَ تَرْجُوا لِقَاءَهُ عَمَّا قَرِيبٍ. ضَلاَلِكَ - ذَهَابِكَ عَنِ الصَّوَابِ.

стр. 1693

﴿أَلْقَاهُ﴾ (٩٦) - فَلَمَّا جَاءَهُ حَامِلُ القَمِيصِ، الذِي أَرْسَلَهُ يُوسُفَ، أَلْقَى القَمِيصَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً، وَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّنِي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ شَيْئاً لاَ تَعْلَمُونَهُ أَنْتُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ سَيَرُدَّ عَلَيَّ يُوسُفَ، وَقَدْ أَرْسَلْتُكُمْ لِمِصْرَلاعْتَقَادِي أَنَّهُ حَيٌّ فِيهَا، وَأَنَّهُ ذُو مَكَانَةٍ.

стр. 1694

﴿ياأبانا﴾ ﴿خَاطِئِينَ﴾ (٩٧) - فَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِيهِمْ مُعْتَذِرِينَ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ، وَرَجُوهُ أَنْ يَصْفَحَ عَنْهُمْ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ اللهَ عَمَّا ارْتَكَبُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَأَخْطَاءٍ بِعُقُوقِ أَبِيهِمْ وَإِيذَاءِ أَخَوَيْهِمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَعَمِّدِينَ فِي ارْتِكَابِ هَذِهِ الخَطَايَا.

стр. 1695

(٩٨) - قَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمُ اللهَ رَبِّي، فَهُوَ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ وَأَصْلَحَ، وَهُوَ رَحِيمٌ يُحِبُّ العَفْوَ وَالمَغْفِرَةِ.

стр. 1696

﴿آوى﴾ ﴿آمِنِينَ﴾ (٩٩) - وَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ بِأَهْلِهِ وَبَنِيهِ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ، خَرَجَ يُوسُفُ لاسْتِقْبَالِهِمْ، وَعَانَقَ أَبَوَيْهِ، وَقَالَ لأَهْلِهِ : ادْخُلُو مِصْرَ آمِنِينَ مِنْ كُلِّ شَرِّ وَضُرِّ إِنْ شَاءَ اللهُ. آوَ إِلَيْهِ أَبَوْيِهِ - ضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُمَا

стр. 1697

﴿ياأبت﴾ ﴿رُؤْيَايَ﴾ ﴿الشيطان﴾ (١٠٠) - وَأَجْلَسَ يُوسُفُ أَبَوَيْهِ عَلَى سَرِيرِهِ (العَرْشِ) وَسَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتِهِ الأَحَدَ عَشَرَ، وَقَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ، يَا أَبَتِ إِنَّ هَذا السُّجُودَ مِنْكُمْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلرُّؤْيَا التِي كُنْتَ رَأَيْتُهَا مِنْ قَبْلُ، وَقَصَصْتُهَا عَلَيْكَ. وَلَقَدْ جَعَلَ رَبِّي رُؤْيَايَ هَذِهِ حَقّاً وَوَاقِعاً، وَلَمْ تَكُنْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ، وَقَدْ أَكْرَمَنِي رَبِّي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ أَظَهَرَ بَرَاءَتِي، وَسَمَا بِي إَلَى عَرْشِ المُلْكِ، وَإِذْ جَاءَ بِكُمْ مِنَ البَادِيَّةِ حَيْثُ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ عِيشَةَ الشَّظَفِ وَالخُشُونَةِ، فَاجْتَمَعَ شَمْلُنَا مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ أَنْ أَفْسَدَ الشَّيْطَانُ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، وَقَطَعَ مَا بَيْنَنَا مِنْ وَشَائِجِ الرَّحِمِ. وَإِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ، فَإِذَا قَضَى أمْراً وَأَرَادَهُ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ، وَقَدَّرَهُ وَيَسَّرَهُ، وَهُوَ العَلِيمُ بِمَصَالِحِ العِبَادِ، الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ. سُجَّداً - كَانَ السُّجُودُ جَائِزاً فِي شَرِيعَتِهِمْ. البَدْوِ - البَادِيَةِ. نَزَغَ الشَّيْطَانُ - أَفْسَدَ الشَّيْطَانُ وَحَرَّشَ وَأَغْرَى.

стр. 1698

﴿آتَيْتَنِي﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿الآخرة﴾ ﴿بالصالحين﴾ (١٠١) - لَمَا تَمَّتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى يُوسُفَ بِاجْتِمَاعِهِ بِأَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ، وَرَأَى مَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالمُلْكِ، وَمَا وَهَبَهُ مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ، اتَّجَهَ إِلَى اللهِ رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ قَائِلاً: يَا رَبِّ أَنْتَ خَالِقِي وَمَالِكُ أَمْرِي، وَمُتَوَلِّي نِعْمَتِي، فِي حَيَاتِي وَبَعَدَ مَمَاتِي، تَوَفَّنِي عَلَى مَا ارْتَضَيْتَ لأَنْبِيَائِكَ مِنْ دِينِ الإِسْلاَمِ، وَأَدْخِلْنِي فِي زُمْرَةِ مَنْ هَدَيْتَهُمْ إِلَى الصَّلاَحِ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ.

стр. 1699

(١٠٢) - لَمَّا قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ الكَرِيمِ نَبَأَ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَكَيْفَ رَفَعَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ وَالمُلْكَ لَهُ، مَعَ مَا أَرَادَهُ إِخْوَتُهُ مِنَ الكَيْدِ وَالسُّوءِ وَالهَلاَكِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : إِنَّ هَذا الذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ، وَقَدْ أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَأَعْلَمَهُ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالعِبْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ خَالَفَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ مَوْجُوداً مَعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ حِينَ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى الكَيْدِ لِيُوسُفَ، وَالمَكْرَ بِهِ، لِيَعْلَمَهُ مُحَمَّدٌ بِتَفَاصِيلِهِ، وَإِنَّمَا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَأَعْلَمَهُ بِهِ وَحْيّاً مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ - عَزَمُوا عَلَى الكَيْدِ لِيُوسُفَ.

стр. 1700

(١٠٣) - وَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَنْ يُؤْمِنُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَوْ حََرَصْتَ أَنْتَ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أَتَيْتَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ.

стр. 1701

﴿تَسْأَلُهُمْ﴾ ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١٠٤) - وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً عَلَى نُصْحِكَ لَهُمْ، وَلاَ عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى اللهِ، وَإِلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ، فَإْنَ لَمْ يَهْتَدُوا فَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَسَيَهْدِي اللهُ قَوْماً غَيْرَهُمْ، فَمَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَيْسَ إَلاَّ مَوْعِظَةً وَعِبْرَةً لِلْعِبَادِ.

стр. 1702

﴿وَكَأَيِّن﴾ ﴿آيَةٍ﴾ ﴿السماوات﴾ (١٠٥) - وَمَا أَكْثَرُ الدَّلاَئِلِ التِي بَثَّهَا اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ التِي تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَلَكِنًَّ قَوْمَكَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهَا، وَعَنِ التَّكْفِيرِ فِيهَا، وَفِيمَنْ خَلَقَهَا وَأَبْدَعَ نِظَامَهَا.

стр. 1703

(١٠٦) - وَأَكْثَرُ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ هَؤُلاَءِ بِاللهِ لاَ يَقُومُ إِيمَانُهُمْ عَلَى أَسَاسٍ سَلِيمٍ مِنَ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، فَهُمْ لاَ يَعْتَرِفُونَ بِوُحْدَانِيَّةِ اللهِ اعْتِرَافاً خَالِصاً، وَإِنَّمَا يَشُوبُ إِيمَانَهُمْ شَيءٌ مِنَ الشِّرْكِ (كَمَنْ زَعَمَ أَنَّ المَلاَئِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، وَأَنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللهِ، وَأَنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ. . . .) .

стр. 1704

﴿غَاشِيَةٌ﴾ (١٠٧) - هَلِ اتَّخَذَ هَؤُلاَءِ - الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ رَبُّهُمْ، وَهُمْ يُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ غَيْرَهُ - عَهْداً عِنْدَ اللهِ بِأَنَّهُ لاَ يُعَذِّبُهُمْ فَضَمِنُوا السَّلاَمَةَ وَالأَمْنَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمُ اللهُ بِعَذَابٍ يَغْمُرُهُمْ وَيَغْشَاهُمْ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ؟ أَوْ ضَمِنُوا أَنْ لاَ تَأْتِيهُمُ السَّاعَةُ فَجْأَةً (بَغْتَةً) وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، فَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً؟ . غَاشِيَةٌ - عُقُوبَةٌ تَغْشَاهُمْ وَتُجَلِّلُهُمْ. بَغْتَةً - فَجْأَةً.

стр. 1705

﴿أَدْعُو﴾ ﴿سُبْحَانَ﴾ (١٠٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ هِيَ سَبِيلُهُ وَمَسْلَكُهُ وَسُنَّتُهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا وَهُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ وَيَقِينٍ، هُوَ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، مِنْ حَقِيقَةِ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَمَا يَقُولُونَ بِهِ، وَأَنَّهُ يُنْزِّهُ اسْمَ اللهِ، وَيُقَدِّسُهُ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدِ وَالصَّحَابَةِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً

стр. 1706

﴿عَاقِبَةُ﴾ ﴿الآخرة﴾ (١٠٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ جَمِيعاً مِنَ البَشَرِ، فَكَيْفَ عَجِبُوا مِنْكَ، وَلَمْ يَعْجَبُوا مِمَّنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ؟ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ رِجَالاً - لاَ نِسَاءً - مِنْ أَهْلِ المُدُنِ - لاَ القُرَى - لأَنَّ أَهْلَ البَادِيَّةِ أَجْفَى النَّاسِ طِبَاعاً وَأَخْلاَقاً، وَلأَنَّ أَهْلَ المُدُنَ إِذَا آمَنُوا تَبِعَهُمْ أَهْلُ البَوَادِيَ فِي الإِيمَانِ، أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ لَكَ، يَا مُحَمَّدُ، فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الذِينَ كَذَّبُوا الأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَبِرُسُلِهِ وَبِالمَعَادِ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً، وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ؟ وَكَمَا نَجَّيْنا المُؤْمِنِينَ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ حِينَمَا أَهْلَكْنَا المُكَذِبِينَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّتُنَا فِي الدُّنْيا، كَذَلِكَ نُنَجِيهِمْ فِي الآخِرَةِ، وَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَأَفْضَلُ.

стр. 1707

(١١٠) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلاً قَبْلَهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَتَرَاخَى نَصْرُ اللهِ عَنِ الرُّسُلِ، وَأَنْ يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبِ مِنْ قَوْمِهِمْ، حَتَّى إِذَا زُلْزِلَتِ النُّفُوسُ، وَاسْتَشْعَرَتِ القُنُوطَ وَاليَأْسَ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي نَصْرُ اللهِ، فَيُنَجِّي مَنْ يَشَاءُ اللهُ إِنْجَاءَهُ، وَيُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ إِهْلاَكَهُ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدٌ بَأْسَ اللهِ وَعِقَابَهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى (كُذِبُوا) قَرَاءَتَانِ: الأُولَى - (كُذِّبُوا) - بِضَمِّ الكَافِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَقْرَؤُهَا عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - وَمَعْنَاهَا: إِنَّ الرُّسُلَ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وَلَنْ يُؤْمِنُوا لَهُمْ، وَيَئِسُوا مِنْ قَوْمِهِم الكَافِرِينَ. وَالثَّانِيَةُ - (كُذِبُوا) - بِضَمِ الكَافِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَمَعْنَاهَا: إِنَّهُ لَمَّا يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُمْ قَوْمُهُمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ، جَاءَ نَصْرُ اللهِ فَأَيَّدَ الرُّسُلَ. فَفِي القِرَاءَةِ الأُوْلَى: يَشْعُرُ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ كُذِّبُوا مِنْ قِبَلِ أَقْوَامِهِمْ. وَفِي القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: يُدْرِكُ القَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ. اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ - يَئِسُوا مِنَ النَّصْرِ لِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ. ظَنُّوا - تَوَهَّمَ الرُّسُلُ وَحَدَّثَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ. قَدْ كُذِبُوا - قَدْ كَذَّبَهُمْ رَجَاؤُهُم النَّصْرَ فِي الدُّنْيا. بَأْسُنَا - عَذَابُنَا.

стр. 1708

﴿الألباب﴾ (١١١) - لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عِبْرَةٌ لِذَوِي العُقُولِ وَالأَلْبَابِ، لأَنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ التِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُها، وَجِهَةُ الاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ الذِي قَدَرَ عَلَى إِنْجَاءِ يُوسُفَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، وَإِعْلاَءِ شَأْنِهِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَزِيزَ مِصْرَ، وَرَئِيسَ وُزَرَائِهَا، بَعْدَ أَنْ بِيعَ بِالثَّمَنِ البَخْسِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ لَهُ بَعْدَ الحَبْسِ وَالسِّجْنِ، وَجَمْعِ شَمْلِهِ مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ. . . لَقَادِرٌ عَلَى إِعْزَازِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ. وَمَا كَانَ هَذَا القَصَصُ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَيُخْتَلَقُ لأَنَّهُ أَعْجَزَ رُوَاةَ الأَخْبَارِ، فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَبُرْهَانٌ قَاهِرٌ، عَلَى أَنَّهُ جَاءَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَدِّقاً لِمَا جَاءَتْ بِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ السَّابِقَةُ المُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِلأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَهُوَ هُدًى لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ، وَتَلاَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ تَنْفُذُ فِيهِمْ شَرَائِعُهُ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. عِبْرَةٌ - عِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ. يُفْتَرى - يُخْتَلَقُ.

стр. 1709

﴿آيَاتُ﴾ ﴿الكتاب﴾ (١) - أَلِفْ. لاَمْ. مِيمْ رَا - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هَذِهِ الآيَاتُ هِيَ آيَاتُ القُرْآنِ. وَمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ مِنَ القُرْآنِ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ مِرْيَةَ، إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ مَا فِي القُرآنِ مِنَ البَيَانِ وَالوُضُوحِ وَالجَلاَءِ.

стр. 1710

﴿السماوات﴾ ﴿الآيات﴾ (٢) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَظِيمِ شَأْنِهِ، فَقَدْ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ بِدُونِ أَعْمِدَةٍ تَحْمِلُهَا كَمَا يَرَاهَا النَّاسُ وَاضِحَةً لِلعَيَانِ. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَذَلَّلَهُمَا وَجَعَلَهُمَا طَائِعَيْنِ، وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسِيرُ فِي مَدَارِهِ وَمَسَارِهِ مَا شَاءَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ يَحِينَ الأَجَلُ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهُمَا. وَهُوَ تَعَالَى يُدَبِّرُ أَمْرَالخَلْقِ وَالكَوْنِ، وَيُسَيِّرُ المَوْجُودَاتِ وِفْقَ نِظَامِ الآيَاتِ) . . . فَإِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَأَدْرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِرَبِّكُمْ، وَتُوقِنُونَ بِلِقَائِهِ يَوْمَ المَعَادِ، وَتُدْرِكُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى كُلِّ ذلِكَ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَإِحْيَاءِ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ. بِغَيْرِ عَمَدٍ - بِغَيْرِ دَعَائِمَ وَأَسَاطِينَ تُقِيمُها. يُدَبِّرُ الأَمْرَ - يُصَرِّفُ العَوَالِمَ كُلَّهَا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

стр. 1711

﴿رَوَاسِيَ﴾ ﴿وَأَنْهَاراً﴾ ﴿الثمرات﴾ ﴿الليل﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٣) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى العَالَمَ العُلْوِيَّ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فِي العَالَمِ السُّفْلِيِّ، فَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَبَسَطَها، وَجَعَلَهَا مُمْتَدَّةً طُولاً وَعَرْضاً، وَأَرْسَاهَا بِجِبَالٍ رَاسِيَاتٍ لِكَي يَحْفَظَ تَوَازُنَهَا، وَيَجْعَلَ اسْتِقْرَارَ الخَلْقِ عَلَيْها أَمْراً هَيِّناً مَيْسُوراً فَلاَ تَمِيدَ بِهِمْ، وَأَجْرَى فِيهَا الأَنْهَارَ وَالعُيُونَ لِيَسْقِيَ مَا فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ، يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ الثَمَرَاتِ. وَجَعَلَ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ زَوْجِينِ اثْنَيْنِ ذَكَراً وَأُنْثَى حِينَ تَكَوُّنِهَا. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهَارَ حَثِيثاً (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) ، بِدُونِ انْفِصَالِ. وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ اللهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ لَدَلائِلُ وَحُجَجٌ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ وَيَعْتَبِرُ. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ لِكَيْلاَ تَمِيدَ. زَوْجَينِ - نَوْعَيْنَ وَضَرْبَيْنِ. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ - يُلْبِسُ النَّهَارَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.

стр. 1712

﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ ﴿أَعْنَابٍ﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ (٤) - وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مِنَ الأَرْضِ يُجَاوِزُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَكِنَّها تَخْتَلِفُ، وَتَتَفَاضَلُ فِيمَا بَيْنَهَا مَعَ تَجَاوُرِها، فَهَذِهِ قِطْعَةُ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ، تَنْبِتُ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَتِلَكَ سَبْخَةٌ مِلْحٌ، لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً، وَهَذِهِ مُحْجِرَةٌ وَتِلَكَ سَهْلَةٌ. . إِلَخ وَكُلُّها مُتَجَاوِرَاتٌ، وَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى الخَالِقِ المُبْدِعِ. وَفِي الأَرْضِ مَزَارِعُ وَبَسَاتِينُ (جَنَاتٌ) مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَالعِنَبِ، وَالزُّرُوعِ، مِنْهَا مَا تَجْتَمِعُ أُصُولُهُ فِي مَنْبَتٍ وَاحِدٍ وَتَتَشَعَّبُ فُرُوعُهُ، كَالتِّينِ وَالرُّمَّانِ (صِنْوانٌ) وَمِنْهَا مَا كَانَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الأَشْجَارِ (غَيْرُ صِنْوَانٍ) ، وَتُسْقَى هَذِهِ الأَشْجَارُ وَالزُّرُوعُ فِي مَنَابِتِهَا بِمَاءْ وَاحِدٍ، وَتَقُومُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَمَعَ ذَلكَ يُفَضِّلُ اللهُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّكْلِ، وَفِي الطَّعْمِ، وَالمَذَاقِ، وَالرَّائِحَةِ. . وَهَذا دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ الخَالِقِ وَوُجُودِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، لِمَنْ يَتَفَكَّرُونَ وَيَعْقِلُونَ. قِطَعٌ - بِقَاعٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّبَاعِ وَالصِّفَاتِ. نَخِيلٌ صِنْوانٌ - نَخْلاَتٌ يَجْمَعُهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ. الأُكُلِ - مَا يُؤْكَلُ وَهُوَ الثَّمَرَاتُ وَالحُبُوبُ.

стр. 1713

﴿أَإِذَا﴾ ﴿تُرَاباً﴾ ﴿أَإِنَّا﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الأغلال﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدونَ﴾ (٥) - وَإِنْ تَعْجَبْ مِنْ عِبَادَةِ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، بَعْدَ أَنْ قَامَتِ الحُجَّةُ وَالأَدِلَّةُ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، فَأَعْجَبُ مِنْهُ تَكْذِيبُهُمْ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَاسْتِبْعَادُهُمْ وُقُوعَهُ، وَقَوْلُهُمْ: أَبَعْدَ أَنْ نَمُوتَ، وَتُصْبِحَ عِظَامُنَا رُفَاتاً وَتُرَاباً، هَلْ سُيُعِيدُنَا اللهُ إِلَى الحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيَخْلُقُنَا خَلْقاً جَدِيداً؟ مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعَادَةَ الشَّيءِ أَسْهَلُ مِنِ ابْتِدَائِهِ، وَأَنَّ خَلْقَ الكَوْنِ العَظِيمِ أَصْعَبُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ. فَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ إِنْكَاراً لِلْبَعْثِ وَالمَعَادِ، هُمُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولَئِكَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يُسْحَبُونَ فِيهَا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَالسَّلاَسِلُ وَالأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَيَبْقَوْنَ فِي النَّارِ خَالِدِينَ أَبَداً. الأَغْلاَلُ - الأَطْوَاقُ مِنَ الحَدِيدِ.

стр. 1714

﴿المثلات﴾ (٦) - وَهؤلاءِ الذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالحَشْرِ وَالمَعَادِ، يَسْتَعْجِلُونَكَ بِأَنْ تُنْزِلَ عَلَيْهِمْ العَذَابَ الذِي هُدِّدوا بِهِ إِذا مَا أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى هَذَا التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزَاءِ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوا الثَّوَابَ وَالحَسَنَةَ وَالسَّلاَمَةَ مِنَ العُقُوبَةِ، مَعْ أَنَّ كَثِيراً مِنَ الأَمْثِلَةِ سَبَقَتْ عَلَى إِنْزَالِ اللهِ تَعَالَى العَذَابَ وَالعِقَابَ بِالأُمَمِ الخَالِيَةِ، التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَاسْتَهْزَأَتْ بِهِمْ، وَجَعَلَهُ إِيَّاهُمْ عِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ. وَلَوْلاَ حِلْمُ اللهِ تَعَالَى وَعَفْوُهُ لَعَاجَلَهُمْ بِالعُقُوةَ ِحَالَ اجْتِرَاحِهِمْ الذُّنُوبَ، وَاكْتِسَابِهِم المَعَاصِيَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لِلنَّاسِ ذُنُوبَهُمْ وَتَجَاوُزَهُم إِذَا تَابُوا إِلَيْهِ وَأَصْلَحُوا، وَهُوَ شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعِدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إِذَا آمَنُوا، وَأَقْلَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ وَسُخْرِيَتِهِمْ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فَإِنَّ اللهَ سَيُكَفِّرُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَسَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) . المَثُلاَتُ - العُقُوبَاتُ الفَاضِحَاتُ لأَمْثَالِهِمْ. مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ - سِتْرٍ وَإِمْهَالٍ.

стр. 1715

﴿آيَةٌ﴾ (٧) - وََيَقُولُ المُشْرِكُونَ كُفْراً وَعِنَاداً: لَوْ أَنَّ مُحَمَّداً يَأْتِينَا بِمُعْجِزَةٍ مِنْ رَبِّهِ (آيَةٌ) ، مِثْلِ الآيَاتِ التِي جَاءَ بِهَا الأَنْبِيَاءُ السَّابِقُونَ (وَقَدْ طَلَبُوا مِنْ مُحَمَّدٍ أَنْ يَجْعَلَ لَهُم الصَّفَا ذَهَباً. وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُزِيحَ عَنْهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ وَيَجْعَلَ مَكَانَهَا مُرُوجاً وَأَنْهَاراً. . .) . وَقَدْ رَدَّ اللهُ تَعَالَىعَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّ مَهَمَّةَ النَّبِيِّ هِيَ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللهِ إِلَى النَّاسِ، وَالإِنْذَارِ بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ، وَقَدْ فَطَرَهُ اللهُ تَعَالَىعَلَى طَرِيقِ الهُدَى. وَهَذا الهَادِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيّاً أَوْ حَكِيماً أَوْ مُجْتَهِداً يَسِيرُ عَلَى سُنَنِ النَّبِيِّ وَيَقْتَفِي خُطَاهُ.

стр. 1716

(٨) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عِلْمِهِ الذِي لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ، فَإِنَّهُ مُحِيطٌ بِمَا تَحْمِلُهُ الحَوَامِلُ مِنْ إِنَاثِ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ. وَيَعْلَمُ مَا تُنْقِصُهُ الأًَرْحَامُ (تَغِيضُهُ) وَمَا تَزْدَادُهُ مِنْ عَدَدٍ فِي الوَلَدِ (فَقَدْ يَكُونُ وَاحِداً أَوْ أَكْثَرَ) وَقَدْ يَكُونُ تَامّاً فِي الخَلْقِ، أَوْ نَاقِصاً فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، وَشَقِيّاً أَوْ سَعِيداً، وَحَسَناً أَوْ قَبِيحاً. . . وَمَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الجَنِينِ فِي حَيَاتِهِ، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَ اللهِ بِأَجَلٍ وَتَقْدِيرٍ. لَقَدْ حَفِظَ اللهُ آجَالَ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، وَقَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ، وَجَعَلَ لُكِلِّ ذَلِكَ أَجَلاً مَعْلُوماً، وَمِقْدَاراً مَقْسُوماً. مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ - مَا تُسْقِطُهُ أَوْ تُنْقِصُهُ. بِمِقْدَارٍ - بِقَدَرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَعَدَّاهُ.

стр. 1717

﴿عَالِمُ﴾ ﴿الشهادة﴾ (٩) - يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى كُلَّ شَيءٍ مِمَّا يُشَاهِدُهُ العِبَادُ، وَمِمَّا يَغِيبُ عَنْهُمْ مِنْ عَوَالِمٍ لاَ نِهَايَةَ لَهَا، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْهُ، وَهُوَ الكَبِيرُ المُتَعَالِي عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْماً. الكَبِيرُ - العَظِيمُ الذِي كُلُّ شَيءٍ دُونَهُ. المُتَعَالِ - المُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيءٍ بِقُدْرَتِهِ.

стр. 1718

﴿بالليل﴾ (١٠) - وَسَواءٌ عِنْدَ اللهِ مَنْ أَسَرَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، أَوْ جَهَرَ بِهِ وَأَعْلَنَهُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُهُ جَمِيعاً وَيَسْمَعُهُ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيءٌ؛ وَسَواءٌ عِنْدَهُ مَنِ اسْتَخْفَى فِي بَيْتِهِ فِي ظَلاَمِ اللَّيْلِ، وَمَنْ ظَهَرَ وَسَارَ فِي النَّهَارِ (سَارِبٌ بِالنَّهَارِ) ، فَإِنَّهُمَا فِي عِلْمِ اللهِ عَلَى السَّوَاءِ. سَارِبٌ - ذَاهِبٌ فِي سِرْبِهِ وَطَرِيقِهِ، ظَاهِراً.

стр. 1719

﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ (١١) - لِلْعَبْدِ مَلاَئِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ، وَيَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضَارِّ فِي نَوْمِهِ، وَفِي حَالِ يَقَظَتِهِ، بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَإِذْنِهِ، فَلاَ يَصِلُ إِلَيْهِ شَيءٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ، مِنْ خَيْرٍ إِلَى سُوءٍ، إِلاَّ إِذَا غَيَّرُوا مَا هُمْ عَلَيهِ، وَلا يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ سُوءٍ إِلَى خَيْرٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بَأَنْفُسِهِمْ. (وَرُوِيَ: أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ، وَلاَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكُونُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَيَتَحَوَّلُونَ مِنْهَا إِلى مَعْصِيَتِهِ، إِلاَّ حَوَّلَ اللهُ عَنْهُمْ مَا يُحِبُّونَ إِلَى مَا يَكْرَهُونَ) . وَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُصِيبَ قَوْماً بِشَرٍّ عِقَاباً لَهُمْ، فَلاَ رَادَّ لإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ يَنْصُرُهُمْ مِنْ دُوْنِ اللهِ، أَوْ يَرُدُّ قَضَاءَ اللهِ عَنْهُمْ. لَهُ مُعَقِباتٌ - لَهُ مَلاَئِكَةٌ تَعْتَقِبُ فِي حِفْظِهِ. مِنْ أَمْرِ اللهِ - بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِحِفْظِهِ. مِنْ وَالٍ - مِنْ نَاصِرٍ أَوْ وَالٍ يَلِي أُمُورَهُمْ.

стр. 1720

(١٢) - وَقُدْرَةُ اللهِ تَعَالَى فِي الكَوْنِ ظَاهِرَةٌ بَارِزَةٌ لِلْعَيَانِ، فَهُوَ الذِي يُسَخِّرُ البَرْقَ الذِي يَخَافُ ضَرَرَهُ المُسَافِرُ، وَمَنْ يَتَضَرَّرُونَ مِنَ المَطَرِ وَالصَّوَاعِقِ، وَيَطْمَعُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ اللهِ، كَالمُقِيمِ وَصَاحِبِ الزُّرُوعِ وَالمَاشِيَةِ، رَجَاءَ أَنْ يَهْطِلَ المَطَرُ فَيَسْقُوا حَرْثَهُمْ وَضَرْعَهُمْ. وَهُوَ تَعَالَى الذِي يَخْلُقُ خَلْقاً مُبْتدأً (يُنْشِيءُ) السَّحَابَ المُثْقَلَ بِالمَاءِ لِيُنْزِلَهُ مَطَراً حَيْثُ يَشَاءُ. السَّحَابَ الثِّقَالَ - المُوقَرَةَ بِالمَاءِ المُثْقَلَةَ بِهِ.
следующие страницы →