← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

﴿وَقُرْآناً﴾ ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾ (١٠٦) - وَآتَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ قُرْآناً نَزَّلْنَاهُ عَلَيْكَ مُفَرَّقاً وَمُنَجَّماً لِتَتْلُوَهُ عَلَى النَّاسِ، وَتُبَلِّغَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَهْلٍ (عَلَى مُكْثٍ) ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ حِفْظِهِ، وَفَهْمِ أَحْكَامِهِ، وَالتَّمَعُّنِ فِيهَا لِتَرْسَخَ فِي عُقُولِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ. وَقَدْ نَزَّلْنَاهُ شَيْئاً فَشَيْئاً بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ (نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) . وَفَرَّقْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ - كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَاهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ آيَةً فَآيَةً مُفَسَّراً وَمُبَيَّناً لِتَتْلُوَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مَهَلٍ، وَتُبْلِغَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَهَلٍ. فَرَقْنَاهُ بِالتَّخْفِيفِ - أَنْزَلْنَاهُ مُفَرَّقاً، أَوْ بَيَّنَّاهُ وَفَصَّلْنَاهُ. عَلَى مُكْثٍ - عَلَى تُؤدَةٍ وَتَأَنٍّ.

стр. 2137

﴿آمِنُواْ﴾ (١٠٧) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ: سَوَاءٌ آمَنْتُمْ بِهِ أَمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، فَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، أَنْزَلَهُ اللهُ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ لَهُ، الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى رُسُلِهِ السَّابِقِينَ. وَالصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِمْ، وَلَمْ يُبَدِّلُوهُ، وَلَمْ يُحَرِّفُوهُ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ يَخِرُّونَ سَاجِدِينَ للهِ شُكْراً لَهُ عَلَى إِنْجَازِهِ وَعْدَهُ بِإِرْسَالِكَ إِلَى النَّاسِ.

стр. 2138

﴿سُبْحَانَ﴾ (١٠٨) - وَيَقُولُونَ فِي سُجُودِهِمْ: تَنََّزَهَ رَبُّنَا عَنْ خَلْفِ الوَعْدِ، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ آتِياً لاَ مَحَالَةَ.

стр. 2139

(١٠٩) - وَيَخِرُّونَ سَاجِدِينَ عَلَى ذُقُونِهِمْ (لِلأَذْقَانِ) وَيَبْكُونَ خُشُوعاً وَخُضُوعاً للهِ ، وَإِيمَاناً وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِهِ، وَبِرَسُولِهِ، وَيَزِيدُهُمْ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (خُشُوعاً) .

стр. 2140

(١١٠) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ صِفَةَ الرَّحْمَن ِللهِ ، المُعَارِضِينَ تَسْمِيَتَهُ بِالرَّحْمَنِ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ اللهِ، أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذُو الأَسْمَاءِ الحُسْنَى. وَلاَ تَجْهَرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ بِصَلاَتِكَ، وَلاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ بِالقُرْآنِ فَيَسْمَعُكَ المُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ. وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلاَ تُسْمِعَهُمُ القُرآنَ، لِيَأْخُذُوا عَنْكَ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً وَسَطاً. (وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ وَالرَّسُولُ ﷺ مُتَوارٍ فِي مَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَلَمَّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ سَبُّوا القُرْآنَ، وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ) . لاَ تُخَافِتْ بِهَا - لاَ تُسِرَّ بِهَا حَتَّى لاَ يَسْمَعَكَ مَنْ خَلْفَكَ.

стр. 2141

(١١١) - لَمَّا أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ الأَسْمَاءَ الحُسْنَى، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ النَّقَائِصِ، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، فَهُوَ تَعَالَى لَيْسَ ذَلِيلاً فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَداً، أَوْ وَلِيٌّ أَوْ حَلِيفٌ، أَوْ وَزِيرٌ، أَوْ مُشِيرٌ، بَلْ هُوَ اللهُ تَعَالَى، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرُهُ وَمُقَدِّرُهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : احْمَدِ اللهِ، وَعَظِّمْهُ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

стр. 2142

﴿الكتاب﴾ (١) - يَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِحِ الأُمُورِ وَعِنْدَ خَوَاتِيمِهَا، وَهُنَا يَحْمَدُ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ القُرْآنَ (الكِتَابَ) عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، إِذْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النَّوْرِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ كِتَابَهُ مُسْتَقِيماً لاَ عِوَجَ فِيهِ وَلاَ زَيْغَ. عِوَجَا - اخْتِلاَفاً، أَوْ اخْتِلاَلاً أَوِ انْحِرَافاً عَنِ الحَقِّ.

стр. 2143

﴿الصالحات﴾ (٢) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ مُعْتَدِلاً (قََيِّماً) لاَ إِفْرَاطَ فِيهِ، فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَلاَ تَفْرِيطَ فِيهِ بِإِهْمَالِ مَا تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، لِيُنْذِرَ بِهِ مَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُ بِهِ، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا، وَآجِلَةً فِي الآخِرَةِ، مِنْ عِنْدِ اللهِ (مِنْ لَدُنْهُ) ، وَيُبَشِّرَ، بِهَذا القُرْآنِ، المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَيَّدُوا إِيمَانَهُمْ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ ثَوَاباً حَسَناً جَزِيلاً، هُوَ الجَنَّةُ. قَيِّماً - مُسْتَقِيماً مُعْتَدِلاً. بَأْساً - عَذَاباً آجِلاً أَوْ عَاجِلاً.

стр. 2144

﴿مَّاكِثِينَ﴾ (٣) - وَإِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي الجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ أَبَداً، لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا، وَلاَ يَزُولُونَ. فِيهِ - يَعْنِي مَاكِثِينَ فِي أَجْرِهِمْ وَثَوَابِهِمْ الحَسنِ.

стр. 2145

(٤) - وَلِيُنْذِرَ وَيُحَذِّرَ، مُنِبِينَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ، الَّذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً، وَهُمْ مُشْرِكُو العَرَبِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنَ نَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وَهُنَاكَ مِنْ النَّصَارَى مَنْ جَعَلَ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، وَمِنَ اليَهُودِ مَنْ جَعَلَ عُزَيراً ابْنُ اللهِ - فَالإِنْذَارُ يَشْمَلُ جَمِيعَ هؤُلاَءِ، وَيَشْمَلُ كُلَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللهِ وَلَداً.

стр. 2146

﴿لآبَائِهِمْ﴾ ﴿أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٥) - وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ بُرْهَانَ لَهُمْ، وَلاَ دَلِيلَ، عَلَى مَا يَفْتَرُونَ، وَمَا يَنْسُبُونَ إِلَى اللهِ مِنَ الوَلَدِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لآبَائِهِمْ عِلْمٌ وَلاَ بُرْهَانٌ عَلَى هَذِهِ الفِرْيَةِ. وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً فِي الكُفْرِ (كَبُرَتْ كَلِمَةً) . وَهَذا القَوْلُ الَّذِي يَقُولُونَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ. كَبُرَتْ كَلِمَةً - مَا أَكْبَرهَا وَمَا أَعْظَمَها فِي القُبْحِ مِنْ كَلِمَةٍ.

стр. 2147

﴿بَاخِعٌ﴾ ﴿آثَارِهِمْ﴾ (٦) - لاَ تُهْلِك يَا مُحَمَّدُ نَفْسَكَ حُزْناً عَلَى هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ لأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِهَذا القُرْآنِ (بِهَذَا الحَدِيثِ) ، بَلْ أَبْلِغْهُمْ أَنْتَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَادْعُهُمْ إِلَى اللهِ، وَهَذِهِ هِيَ مُهِمَّتُكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا. بَخَعَ نَفْسَهُ - قَتَلَهَا وَأَهْلَكَهَا. أَسَفاً - حُزْناً أَوْ غَيْظاً.

стр. 2148

(٧) - إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيا حُلْوةً خَضِرَةً، لِيَنْظُرَ مَاذَا يَعْمَلُ النَّاسُ - كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ -، وَجَعَلَ مَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضُ مِنْ نَبَاتٍ وَجَمَادٍ وَحَيَوانٍ. . زِينَةً لَهَا وَلأَهْلِهَا لِيَخْتَبِرَهُمْ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ تِلْكَ الزِّينَةِ، التِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَلِيَبْتَلِيَهُمْ أَيُّهُمْ يُحْسِنُ العَمَلَ فِيهَا، وِفْقاً لِلْمَقَاصِدِ التِي أَرَادَهَا اللهُ. لِيَبْلُوَهُمْ - لِيَخْتَبِرَهُمْ مَعَ عِلْمِ اللهِ بِحَالِهِمْ. أَحْسَنُ عَمَلاً - أَزْهَدُ فِيهَا وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللهِ.

стр. 2149

﴿لَجَاعِلُونَ﴾ (٨) - ثُمَّ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ زَوَالِ الدُّنْيَا وَذَهَابِهَا، وَذَهَابِ مَا عَلَيْهَا، إِذْ يَجْعَلُ اللهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهَا خَرَاباً يَبَاباً، وَبَلْقَعاً لاَ نَبْتَ فِيهِ (صَعِيداً جُرُزاً) ، بَعْدَ أَنْ كَانَ خَضِراً نَضِراً، مُبْهِجاً، تُسَرُّ بِهِ العُيُونُ. صَعِيداً جُرُزاً - تُرَاباً أَجْرَدَ لاَ نَبَاتَ فِيهِ.

стр. 2150

﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿آيَاتِنَا﴾ (٩) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ هذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتْ شَخْصَيْنِ إِلَى يَهُودِ المَدِينَةِ يَسَأَلُونَهُمْ رَأَيهُمْ فِي دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ اليَهُودُ لِرَسُولَي قُرَيْشٍ: اسْأَلُوهُ عَنْ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ، فَإِنْ أَجَابَكُمْ عَلَيهِنَّ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَتَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. - سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ. - وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، مَا كَانَ نَبؤه؟ - وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ؟ وَلَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ ﵇ ، اسْتَمْهَلَهُمْ إِلَى الغَدِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ) ، فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَحَزِنَ الرَّسُولُ لِذلِكَ، وَتَقَوَّلَ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِهذِهِ السُّورَةِ. وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِسَرْدِ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ، وَهُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ إِنَّ أَمْرَهُمْ لَيْسَ عَجِيباً فِي قُدْرَتِنَا وَسُلْطَانِنَا، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَخَلَقَ كُلَّ ذَلِكَ أَعْجَبُ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الكَهْفِ. وَيَقُولُ تَعَالَى مُبْتَدِئاً سَرْدَ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ: لاَ تَحْسَبْ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، الَّذِينَ نَامُوا أَمَداً طَوِيلاً، هِيَ الآيَةُ العَجِيبَةُ وَحْدَهَا مِنْ بَيْنِ آيَاتِنَا التِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَالتِي تَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِنَا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، أَعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ. أَمْ حَسِبْتَ - بَلْ ظَنَنْتَ. الكَهْفِ - النَّقَبِ المُتَّسِعِ فِي الجَبَلِ. الرَّقِيمِ - اللَّوْحِ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الكَهْفِ وَقِصَّتُهُمْ.

стр. 2151

﴿آتِنَا﴾ (١٠) - اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ قِصَّةَ الفِتْيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، لِئَلاَّ يَفْتِنُوهُمْ عَنْهُ، فَلَجَؤُوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، لِيَخْتَفُوا فِيهِ عَنْ عُيُونِ قَوْمِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوهُ سَأَلُوا اللهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَاقِبَتَهُمْ رُشْداً وَهُدًى. أَوَى الفِتْيَةُ - التَجَؤُوا هَرَباً بِدِينِهِمْ. رَشَداً - اهْتِدَاءً إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ.

стр. 2152

﴿آذَانِهِمْ﴾ (١١) - فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ حِجَاباً يَمْنَعُهُمْ مِنَ السَّمَاعِ، وَأَنَمْنَاهُمْ فِي الكَهْفِ عَدَداً مِنَ السِّنِينَ. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ - أَنَمْنَاهُمْ إِنَامَةً ثَقِيلَةً.

стр. 2153

﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ (١٢) - ثُمَّ أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ تِلْكَ، لِنَعْلَمَ أَيُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ (الحِزْبَيْنِ) ، وَالمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِمْ أَدَق إِحْصَاءً، وَأَعْرَف بِالمُدَّةِ التِي نَامُوهَا فِي الكَهْفِ. بَعَثْنَاهُمْ - أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ. أَمَداً - مُدَّةً وَعَدَداً مِنَ السِّنِينَ، أَوْ غَايَةً.

стр. 2154

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿وَزِدْنَاهُمْ﴾ (١٣) - نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِنَبإِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الكَهْفِ كَمَا وَقَعَ، وَلاَ مَحَلَّ فِيهِ للرِّيبَةِ أَوِ الشَّكِّ. إِنَّهُمْ شُبَّانٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ (فِتْيَةٌ) ، اهْتَدُوا إِلَى الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَعَبَدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ زَادَهُمْ رَبُّهُمْ هُدًى عَلَى هُدَاهُمْ، بِتَثْبِيتِهِمْ عَلَى الإِيمَانِ، وَتَوْفِيقِهِمْ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. (وَيَرَى ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ كَانَتْ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ لاَ بَعْدَهَا، لأَنَّ أَحْبَارَ اليَهُودِ كَانُوا يَعْرِفُونَها، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ لِسُؤَالِ النَّبِيِّ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيزِ) ، (وَاسْتَدَلَّ الفُقَهَاءُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ) .

стр. 2155

﴿السماوات﴾ ﴿نَّدْعُوَاْ﴾ (١٤) - وَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةَ نَظَرُوا إِلَى مَا يَعْبُدُهُ قَوْمُهُمْ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ فَنَفَرُوا مِنْهَا، فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ مَكَاناً يَتَعَبَّدُونَ اللهَ فِيهِ، فَعَلِمَ بِهِمْ قَوْمُهُمْ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى المَلِكِ، وَكَانَ مَلِكاً جَبَّاراً عَنِيداً، فَاسْتَحْضَرَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، وَمَا يَعْبُدُونَ، فَأَلْهَمَهُمُ اللهُ قُوَّةَ العَزِيمَةِ، وَشَدَّدَ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ الإِيمَانِ، فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِنُفُورِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَبِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ. ثُمَّ دَعَوْهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ . وَلَمَّا أَرَادَ المَلِكُ أَنْ يُقْنِعَهُمْ بِالعَوْدَةِ إِلَى دِينِ قَوْمِهِمْ قَالُوا لَهُ: إِنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الحَقُّ، وَلَنْ يَرْجِعُوا إِلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ أَبَداً، لأَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بُهْتَاناً وَبَاطِلاً (لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً) . رَبَطْنَا - شَدَدْنَا وَقَوَّيْنَا بِالصَّبْرِ. شَطَطاً - قَوْلاً مُفْرِطاً فِي البُعْدِ عَنِ الحَقِّ.

стр. 2156

﴿آلِهَةً﴾ ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ (١٥) - لَقَدِ اتَّخَذَ قَوْمُنَا آلِهَةً مِنْ دُوْنِ اللهِ، هِيَ أَصْنَامٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا مِنْ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ وَلاَ دَلِيلٍ، فَهَلاَّ جَاؤُوا عَلَى صِدْقِ قَوْلِهِمْ فِي أَنَّهَا آلِهَةً بِدَلِيلٍ مُقْنِعٍ.؟ فَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ، وَنَسَبَ إِلَيْهِ تَعَالَى قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ، وَأَمراً لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ﴿افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ .

стр. 2157

﴿فَأْوُوا﴾ (١٦) - وَيُقَالُ: إِنَّ المَلِكَ هَدَّدَهُمْ إِنْ لَمْ يَعُودُوا إِلَى دِينِ قَوْمِهِمْ، وَسَجْنِهِمْ، فَفَرُّوا مِنَ السِّجْنِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَى الكَهْفِ. وَلِهَذا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّكُمْ اعْتَزَلْتُمْ قَوْمَكُمْ وَخَالَفْتُمُوهُمْ فِيمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَابْتَعِدُوا عَنْهُمْ، وَفَارِقُوهُمْ وَاذْهَبُوا إِلَى الكَهْفِ، يَبْسُطُ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ رَحْمَةً يَسْتركُمْ بِهَا مِنْ قَوْمِكُمْ، وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمُ الذِي أَنْتُمْ فِيهِ، أَمْراً تَرْتَفِقُونَ بِهِ وَتَنْتَفِعُونَ (مِرْفَقاً) . فَخَرَجُوا إِلَى الكَهْفِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ. مِرْفَقاً - مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي عَيْشِكُمْ.

стр. 2158

﴿تَّزَاوَرُ﴾ ﴿آيَاتِ﴾ (١٧) - وَكَانَ وَضْعُ الكَهْفِ الذِي آوَى الفِتْيَةُ إِلَيْهِ، أَنَّهُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ عَنْهُ ذَاتَ اليَمِينِ، وَإِذَا مَالَتْ لِلْغُرُوبِ، دَخَلَتْ غَارَهُمْ مِنْ شَمَالِيِّ بَابِهِ (تَقْرِضُهُمْ) ، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَى تَقْرِضُهُمْ هُوَ: تَتْرُكُهُمْ، وَتَعْدِلُ عَنْهُمْ) ، وَكَانَ الفِتْيَةُ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ، دَاخِلَ الكَهْفِ ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ لاَ تَمَسُّهُمْ فِيهِ الشَّمْسُ. وَمِنْ آيَاتِ اللهِ وَلُطْفِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَيْهِ، حِينَ قَامُوا بَيْنَ يَدَي المَلِكِ الجَبَّارِ، ثُمَّ أَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى هَذا الكَهْفِ الَّذِي يَدْخُلُهُ النُّورُ وَالهَوَاءُ وَالشَّمْسُ لِتَبْقَى أَبْدَانُهُمْ سَلِيمَةً. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي هَدَى هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَالإِيمَانِ بِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِمْ، وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَهْدِيهِ وَيُرْشِدُهُ إِلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ. قَرَضَتِ المَكَانَ - عَدَلَتْ عَنْهُ. تَزَاوَرُ - تَتَنَحَّى وَتَمِيلُ. فَجْوَةٍ - مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ.

стр. 2159

﴿بَاسِطٌ﴾ (١٨) - وَيُقَالُ: إِنَّ الفِتْيَة نَامُوا وَعُيُونُهُمْ مَفْتُوحَةٌ لِكَيْلاَ يُسْرِعَ إِلَيْهَا البِلَى، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَيْقَاظٌ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ نِيَامٌ (رُقُودٌ) ، وَيُقَلِّبُهُمْ اللهُ عَلَى جَنْبَيْهِمْ: ذَاتَ اليَمِينِ، وَذَاتَ الشِّمَالِ، لِئَلاَّ تَأْكُلَ الأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ، وَيُسْرِعَ إِلَيْهَا البِلَى، وَكَلْبُهُمْ رَابِضٌ فِي فَنَاءِ الكَهْفِ (أَوْ عِنْدَ بَابِهِ) - (بِالوَصِيدِ) عَلَى هَيْئَتِهِ فِي جُلُوسِهِ حَالَ الحِرَاسَةِ، وَكَأَنَّهُ يَحْرُسُهُمْ، وَأَضْفَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَهَابَةً، لِكَيْلا يَقْتَرِبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلِكَيْلاَ تَمَسَّهُمُ الأَيْدِي حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ نَاظِرٌ امْتَلأَتْ نَفْسُهُ مِنْهُمْ مَهَابَةً وَخَوْفاً. بِالوَصِيدِ - بِفَنَاءِ الكَهْفِ، أَوْ عَتَبَةِ بَابِهِ. رُعْباً - خَوْفاً وَفَزَعاً.

стр. 2160

﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ ﴿قَائِلٌ﴾ (١٩) - وَكَمَا أَرْقَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الكَهْفِ وَحَفِظَ أَجْسَادَهُمْ مِنَ البِلَى، بَعَثَهُمْ مِنْ رُقُودِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ سَلِيمَةٌ، وَشُعُورُهُمْ وَأَبْشَارُهُمْ سَلِيمَةٌ، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً كَمْ كَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِكُمْ؟ قَالُوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (إِذْ يُقَالُ إِنَّهُمْ دَخَلوا الكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَاسْتَيْقَظُوا فِي آخِرِهِ) ، فَقَالُوا وَكَأَنَّهُمْ اسْتَكْثَرُوا نَوْمَهُمْ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ. وَالمُهِمُّ الآنَ أَنْ تَبْعَثُوا وَاحِداً مِنْكُمْ إِلَى المَدِينَةِ بِمَا مَعَكُمْ مِنْ عِمْلَةٍ مِنَ الفِضَّةِ (وَرَقِكُمْ) ، فَلْيَبْحَثْ لَكُمْ عَنْ أَطْيَبِ طَعَامٍ وَأَطْهَرَهُ، وَلْيَأْتِكُمْ بِشَيءٍ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الرَّسُولِ أَنْ يُحَاوِلَ قَدْرَ جُهْدِهِ عَدَمَ لَفْتِ الأَنْظَارِ إِلَيْهِ، وَلْيَتَلَطَّفُ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، لِكَيْلاَ يَشْعُرَ أَحَداً بِمَكَانِكُمْ. بَعَثْنَاهُمْ - أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ. بِوَرَقِكُمْ - بِدَرَاهِمِكُمْ المَضْرُوبَةِ مِنَ الفِضَّةِ. أَزْكَى طَعَاماً - أَكْثَرُ حِلاًّ، أَوْ أَجْوَدُ طَعَاماً.

стр. 2161

(٢٠) - لأَنَّ قَوْمَكُمْ إِنْ عَلِمُوا بِمَكَانِكُمْ عَذَّبُوكُمْ، وآذَوْكُمْ إِلَى أَنْ يَضْطَرُّوكُمْ إِلَى العَوْدَةِ فِي مِلَّتِهِمْ، أَوْ يَبْلُغُوا بِكُمُ المَوْتَ رَجْماً بِالحِجَارَةِ، وَإِذَا وَافَقْتُمُوهُمْ عَلَى العَوْدَةِ إِلَى دِينِهِمْ فَلاَ فَلاَحَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ فِي الآخِرَةِ. يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ - يَطَّلِعُوا عَلَيْكُمْ، أَوْ يَغْلِبُوكُمْ.

стр. 2162

﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ ﴿بُنْيَاناً﴾ (٢١) - وَكَمَا أَرْقَدْنَاهُمْ وَأَيْقَظْنَاهُمْ بِهَيْئَاتِهِمْ، أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، لِيَعْلَمَ الشَّاكُّونَ بِالبَعْثِ وَالحَشْرِ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَأَنَّ القِيَامَةَ سَتَقُومُ فِي الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهَا، بِدُونِ شَكٍّ. وَأَخَذَ النَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي أَمْرِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَابَ الكَهْفِ بِبِنَاءٍ وَاتْرُكُوهُمْ لإِرَادَةِ اللهِ. وَقَالَ آخَرُونَ (وَهُمُ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمُ الغَلَبَةُ فِي الحُكْمِ) ، إِنَّهُمْ سَيُقِيمُونَ عَلَى كَهْفِهِمْ مَعْبَداً يُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ . أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ - أَطْلَعْنَا النَّاسَ عَلَيْهِمْ.

стр. 2163

﴿ثَلاثَةٌ﴾ ﴿ظَاهِراً﴾ (٢٢) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُمْ ثَلاَثَةٌ، وَكَلْبُهُمْ رَابِعُهُمْ. وَقَالَ آخَرُوْنَ: إِنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَكَلْبُهُمْ سَادِسُهُمْ. وَضَعَّفَ اللهُ تَعَالَى كُلا القَوْلَيْنِ وَعَدَّهُما مِنْ قَبِيلِ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، وَالقَوْلِ بِلاَ عِلْمٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّهُمْ سَبْعَةٌ وَكَلْبُهُمْ ثَامِنُهُمْ، وَلَم يُضَعِّفِ اللهُ هَذا القَوْلَ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ إِنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنَّهُ هُوَ الحَقِيقَةُ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ فِي مِثْلِ هذا المَقَامِ رَدُّ العِلْمِ إِلَى اللهِ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ لِلْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ بِلاَ عِلْمٍ. فَلاَ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ، مِنْ خِلاَلِ خِطَابِهِ لِلرَّسُولِ، أَنْ لاَ يَخُوضُوا، وَلاَ يُجَادِلُوا فِي ذَلِكَ الأَمْرِ إِلاَّ خَوْضاً سَهْلاً هَيِّناً، لأَنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَائِدَةً كَبِيرةً، وَأَنْ لاَ يَسْأَلُوا أَحَداً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ العِلْمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الكَهْفِ فَإِنَّهُمْ لاَ عِلْمَ لَهُمْ بِشَيءٍ، وَإِنَّ مَا يَقُولُونَهُ إِنَّمَا هُوَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وَقَوْلٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لاَ مُسْتَنَدَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فِي أَمْرِ هَؤُلاَءِ الفِتْيَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ، وَالمُهِمُّ فِي المَوْضُوعِ لَيْسَ مَعْرِفَةَ العَدَدِ، وَلَكِنِ الاعْتِبَارَ بِالقِصَّةِ. رَجْماً بِالغَيْبِ - قَذْفاً بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ. فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ - فَلاَ تُجَادِلْ فِي عدِّتِهِمْ وَشَأْنِهِمْ. إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً - تِلاَوَةَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي أَمْرِهِمْ.

стр. 2164

﴿لِشَيْءٍ﴾ (٢٣) - يُرْشِدُ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ إِلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ شَيءٍ فِي المُسْتَقْبَلِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ. أَيْ وَلاَ تَقُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ إِنِّي سَأَفْعَلُ ذَلِكَ الشَّيءَ غَداً إِلاَّ أَنْ تَقُولَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لأَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنَ الوَفَاءِ بِمَا قَالَ فَيَكُونُ مُخْلِفاً.

стр. 2165

(٢٤) - حِينَمَا سَأَلَ الكُفَّارُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيُجِيبُهُمْ غَداً، وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ لَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَنَبَّهَ اللهُ رَسُولَهُ إِلَى وُجُوبِ رَدِّ المَشِيئَةِ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ إِذَا نَسِيَ أَنْ يَسْتَثْنِي وَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلْيَذْكُرِ اللهَ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ لاَ يَعْرِفُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى اللهِ فِيهِ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُوَفِّقَهُ إِلَى الصَّوَابِ. رَشَداً - هِدَايَةً وَإِرْشَاداً لِلنَّاسِ.

стр. 2166

﴿ثَلاثَ مِئَةٍ﴾ (٢٥) - وَكَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِهِمْ فِي الكَهْفِ، مُنْذُ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ حَتَّى بَعَثْهِمْ، وَتَسَاؤُلِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ثَلاَثَمِئَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا أَهْلُ الكِتَابِ) ، تُعَادِلُ ثَلاَثَمِئَةٍ وَتِسْعِ سَنَوَاتٍ قَمَرِيَّةٍ، (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا العَرَبُ) .

стр. 2167

﴿السماوات﴾ (٢٦) - ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المُدَّةَ التِي نَامَهَا الفِتْيَةُ فِي الكَهْفِ هِيَ التِي بَيَّنَهَا تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَالَ لِهؤُلاَءِ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي عَدَدِهِمْ، وَفِي مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِي الكَهْفِ، إِنَّ اللهَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهِمْ، وَبِعَدَدِهِمْ، وَبِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ، وَقَدْ أَخَبْرَ عَنْ مُدَّتِهِمْ، وَقَوْلِهِ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ. وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَفِيَ مِنْ أَحْوَالِهِمَا وَأَحْوَالِ أَهْلِهِمَا، لاَ يَغْرُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ مِنْهُ.؟ وَمَا أَبْصَرَ اللهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ! وَمَا أَسْمَعَهُ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ! لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَهُوَ تَعَالَى الَّذِي يَمْلِكُ الخَلْقَ وَالأَمْرَ، وَلاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلاَ مُشِيرٌ، تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ. أَبْصِرْ بِهِ - مَا أَبْصَرَ اللهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ!

стр. 2168

﴿لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢٧) - وَاتْلُ الكِتَابَ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْكَ رَبُّكَ، وَالزَمِ العَمَلَ بِهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَلاَ أَحَدْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا فِيهِ مِنْ وَعِيدٍ لأَهْلِ المَعَاصِي، وَمِنْ وَعْدٍ لأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَتْبَعْهُ نَالَكَ وَعِيدُ اللهِ الَّذِي أَوْعَدَ بِهِ العُصَاةَ، فَلَنْ تَجِدَ مَوْئِلاً مِنْ دُونِهِ، وَلاَ مَلْجَأً تَلْجَأُ إِلَيْهِ. مُلْتَحَداً - مَلْجَأً وَمَوْئِلاً.

стр. 2169

﴿بالغداة﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿هَوَاهُ﴾ (٢٨) - وَاجْلِسْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ فَضْلِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، سَواءً كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُقَالُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ حِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ لاَ يُجَالِسِ الفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ) . ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ لاَ يُجَاوِزَ هؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّرَفِ وَالثَّرْوَةِ، وَبِأَنْ لاَ يُطِيعَ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيا عَنِ الدِّينِ، وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي أَعْمَالِهِ حُدُودَ اللهِ، وَتَمَادَى فِي ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَكَانَ مُفْرِطاً سَفِيهاً فِي أَمْرِهِ. اصْبِرْ نَفْسَكَ - احْبِسْهَا وَثَبِّتْهَا. لاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ - لاَ تَصْرِفْ عَيْنَاكَ النَّظَرَ إِلَيْهِمْ. أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ - جَعَلْنَا قَلْبَهُ غَافِلاً سَاهِياً. فُرُطاً - إِسْرَافاً، أَوْ تَضْيِيقاً وَهَلاَكاً.

стр. 2170

﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ (٢٩) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ هَذا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رَبِّكُمْ هُوَ الحَقُّ الَّذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ بِهِ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَقَدْ أَعْدَدْنَا وَأَرْصَدْنَا لِلكَافِرِينَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، نَاراً لَهَا سُورٌ يُحِيطُ بِمَنْ يَدْخُلُونَهَا (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) . وَإِذَا اسْتَغَاثَ أَهْلُ النَّارِ لِيُطْفِئُوا عَطَشَهُمْ يُغَاثُونَ بِمَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ، فَإِذَا قَرَّبُوهُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ اشْتَوَتْ وُجُوهَهُمْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، وَبِئْسَ هَذا الشَّرَابُ شَرَاباً، وَسَاءَتِ النَّارُ مَنْزِلاً لِلارْتِفَاقِ، وَالاتِّكَاءِ لِلرَّاحَةِ، وَسَاءَتْ مَقِيلاً. سُرَادِقُهَا - فُسْطَاطُهَا أَوْ لَهِيبُهَا أَوْ دُخَانُهَا. كالْمُهْلِ - كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ أَوِ الذَّائِبِ مِنَ المَعَادِنِ. سَآءَتْ مُرْتَفَقاً - سَاءَتِ النَّارُ مَقَرّاً أَوْ مُتَّكَأً.

стр. 2171

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٣٠) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَخْلُوقٍ مِنْ عِبَادِهِ آمَنَ بِالحَقِّ الَّذِي يُوحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَلاَ يَظْلِمُهُ نَقِيراً.

стр. 2172

﴿أولئك﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿الأرآئك﴾ (٣١) - فَهؤُلاَءِ السُّعَدَاءُ الأَبْرَارُ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِيُقِيمُوا فِيهَا أَبَداً، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ وَالمِيَاهُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَلْبِسُونَ فِيهَا حُلِيّاً، هِيَ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنَ الحَرِيرِ خَضْرَاءَ اللَّوْنِ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى) ، مِنْهَا ثِيَابٌ رَقِيقَةٌ كَالقُمْصَانِ، وَمَا مَاثَلَهَا، (مِنْ سُنْدُسٍ) ، وَمِنْهَا ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، كَالدِّيبَاجِ لَهُ بَرِيقٌ (مَنْ إِسْتَبْرَقٍ) ، وَيَجْلِسُونَ عَلَى الأَرَائِكِ وَالأَسِرَّةِ مُسْتَنِدِينَ (مُتَّكِئِينَ) ، لِيَرْتَاحُوا فِي جَلْسَتِهِمْ. وَحَسُنَتِ الجَنَّةُ ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَحَسُنَت مَنْزِلاً وَمَقِيلاً. جَنَّاتُ عَدْنٍ - جَنَّاتُ إِقَامَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ. سُنْدُسٍ - رَقِيقِ الدِّيبَاجِ. وَإِسْتَبْرَقٍ - غَلِيظِ الدِّيبَاجِ. الأَرَآئِكِ - السُّرُرِ.

стр. 2173

﴿أَعْنَابٍ﴾ ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا﴾ (٣٢) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ : اضْرِبْ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، مَثَلاً بِرَجُلَيْنِ أَغْنَى اللهُ أَحَدَهُمَا وَآتَاهَ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كَرْمِ العِنَبِ، وَأَحَاطَهُمَا بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَجَعَلَ وَسَطَ هَذَيْنِ البُسْتَانَيْنِ زَرْعاً يُنْتَفَعُ بِهِ. جَنَّتَيْنِ - بُسْتَانَيْنش. حَفَفْنَاهُمَا - أَحَطْنَاهُمَا.

стр. 2174

﴿آتَتْ﴾ ﴿خِلالَهُمَا﴾ (٣٣) - وَقَدْ أَخْرَجَتْ كُلٌّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ ثَمَرَهَا، وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئاً فِي سَائِرِ الأَعْوَامِ، عَلَى خِلاَفِ مَا يُعْهَدُ فِي الكُرُومِ وَالأَشْجَارِ، مِنْ أَنَّهَا تَكْثُرُ غَلَّتُهَا أَعْوَاماً، وَتَقِلُّ أَعْوَاماً أُخْرَى. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى وَسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهْراً كَبِيراً تَتَفَرَّعُ مِنْهُ الجَدَاوِلَ، لِيَدُومَ رِيُّ أَشْجَارِهَا وَزَرْعُهَا، فَيَزِيدَ بَهَاؤُهَا، وَتَكْثُرَ غَلَّتُهَا. أُكُلُهَا - ثَمَرُهَا الَّذِي يُؤْكَلُ. لَمْ تَظْلِمْ - لَمْ تُنْقِصْ مِنْ أُكُلِهَا. فَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا - شَقَقْنَا وَأَجْرَيْنَا وَسَطَهُمَا.

стр. 2175

﴿لِصَاحِبِهِ﴾ (٣٤) - وَفِي يَوْمٍ كَانَتْ فِيهِ الثِّمَارُ تَعْلُو الأَشْجَارَ فِي البُسْتَانَيْنِ، فَالْتَقَى صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ بِصَاحِبٍ لَهُ مُؤْمِنٌ، كَانَ يَدعُوهُ إِلَى الإِيمَانِ، وَيُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الدُّنْيا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ عَلَى العَاقِلِ أَنْ لاَ يَغْتَرَّ بِهَا، وَأَنَّ ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ لِلْمُؤْمِنِ المُتَّقِي مِنْ كُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْ عِقَابِ اللهِ وَعَذَابِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ لِصَاحِبِهِ المُؤْمِنُ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، وَيُجَادِلُهُ: أَلاَ تَرَى أَنِّي أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً، فَلَدَيَّ زُرُوعٌ وَبَسَاتِينُ وَأَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنِّي أَعَزُّ مِنْكَ عَشِيرَةً وَرَهْطاً، فَيَنْفُرُ مَعِيَ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، إِذَا اسْتَنْفَرْتُهُمْ لِنُصْرَتِي وَعَوْنِي عِنْدَ الحَاجَةِ. وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ - كَانَتْ لَهُ ثِمَارٌ عَلَى أَشْجَارِهِ وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ أُخْرَى يُثَمِّرُها، وَيَسْتَفِيدُ مِنْهَا. َأَعَزُّ نَفَراً - أَقْوَىأَعْوَاناً وَعَشِيرَةً.
следующие страницы →