← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٣٠) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَخْلُوقٍ مِنْ عِبَادِهِ آمَنَ بِالحَقِّ الَّذِي يُوحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَلاَ يَظْلِمُهُ نَقِيراً.

стр. 2172

﴿أولئك﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿الأرآئك﴾ (٣١) - فَهؤُلاَءِ السُّعَدَاءُ الأَبْرَارُ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِيُقِيمُوا فِيهَا أَبَداً، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ وَالمِيَاهُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَلْبِسُونَ فِيهَا حُلِيّاً، هِيَ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنَ الحَرِيرِ خَضْرَاءَ اللَّوْنِ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى) ، مِنْهَا ثِيَابٌ رَقِيقَةٌ كَالقُمْصَانِ، وَمَا مَاثَلَهَا، (مِنْ سُنْدُسٍ) ، وَمِنْهَا ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، كَالدِّيبَاجِ لَهُ بَرِيقٌ (مَنْ إِسْتَبْرَقٍ) ، وَيَجْلِسُونَ عَلَى الأَرَائِكِ وَالأَسِرَّةِ مُسْتَنِدِينَ (مُتَّكِئِينَ) ، لِيَرْتَاحُوا فِي جَلْسَتِهِمْ. وَحَسُنَتِ الجَنَّةُ ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَحَسُنَت مَنْزِلاً وَمَقِيلاً. جَنَّاتُ عَدْنٍ - جَنَّاتُ إِقَامَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ. سُنْدُسٍ - رَقِيقِ الدِّيبَاجِ. وَإِسْتَبْرَقٍ - غَلِيظِ الدِّيبَاجِ. الأَرَآئِكِ - السُّرُرِ.

стр. 2173

﴿أَعْنَابٍ﴾ ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا﴾ (٣٢) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ : اضْرِبْ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، مَثَلاً بِرَجُلَيْنِ أَغْنَى اللهُ أَحَدَهُمَا وَآتَاهَ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كَرْمِ العِنَبِ، وَأَحَاطَهُمَا بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَجَعَلَ وَسَطَ هَذَيْنِ البُسْتَانَيْنِ زَرْعاً يُنْتَفَعُ بِهِ. جَنَّتَيْنِ - بُسْتَانَيْنش. حَفَفْنَاهُمَا - أَحَطْنَاهُمَا.

стр. 2174

﴿آتَتْ﴾ ﴿خِلالَهُمَا﴾ (٣٣) - وَقَدْ أَخْرَجَتْ كُلٌّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ ثَمَرَهَا، وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئاً فِي سَائِرِ الأَعْوَامِ، عَلَى خِلاَفِ مَا يُعْهَدُ فِي الكُرُومِ وَالأَشْجَارِ، مِنْ أَنَّهَا تَكْثُرُ غَلَّتُهَا أَعْوَاماً، وَتَقِلُّ أَعْوَاماً أُخْرَى. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى وَسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهْراً كَبِيراً تَتَفَرَّعُ مِنْهُ الجَدَاوِلَ، لِيَدُومَ رِيُّ أَشْجَارِهَا وَزَرْعُهَا، فَيَزِيدَ بَهَاؤُهَا، وَتَكْثُرَ غَلَّتُهَا. أُكُلُهَا - ثَمَرُهَا الَّذِي يُؤْكَلُ. لَمْ تَظْلِمْ - لَمْ تُنْقِصْ مِنْ أُكُلِهَا. فَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا - شَقَقْنَا وَأَجْرَيْنَا وَسَطَهُمَا.

стр. 2175

﴿لِصَاحِبِهِ﴾ (٣٤) - وَفِي يَوْمٍ كَانَتْ فِيهِ الثِّمَارُ تَعْلُو الأَشْجَارَ فِي البُسْتَانَيْنِ، فَالْتَقَى صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ بِصَاحِبٍ لَهُ مُؤْمِنٌ، كَانَ يَدعُوهُ إِلَى الإِيمَانِ، وَيُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الدُّنْيا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ عَلَى العَاقِلِ أَنْ لاَ يَغْتَرَّ بِهَا، وَأَنَّ ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ لِلْمُؤْمِنِ المُتَّقِي مِنْ كُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْ عِقَابِ اللهِ وَعَذَابِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ البُسْتَانَيْنِ لِصَاحِبِهِ المُؤْمِنُ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، وَيُجَادِلُهُ: أَلاَ تَرَى أَنِّي أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً، فَلَدَيَّ زُرُوعٌ وَبَسَاتِينُ وَأَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنِّي أَعَزُّ مِنْكَ عَشِيرَةً وَرَهْطاً، فَيَنْفُرُ مَعِيَ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، إِذَا اسْتَنْفَرْتُهُمْ لِنُصْرَتِي وَعَوْنِي عِنْدَ الحَاجَةِ. وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ - كَانَتْ لَهُ ثِمَارٌ عَلَى أَشْجَارِهِ وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ أُخْرَى يُثَمِّرُها، وَيَسْتَفِيدُ مِنْهَا. َأَعَزُّ نَفَراً - أَقْوَىأَعْوَاناً وَعَشِيرَةً.

стр. 2176

(٣٥) - وَدَخَلَ الغَنِيُّ، المُفَاخِرُ بِمَالِهِ، وَعَشِيرَتِهِ وَنَفَرِهِ، إِلَى بُسْتَانِهِ، وَرَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنٍ وَبَهَاءٍ، وَثِمَارٍ، وَخَصْبٍ، فَاغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَقَالَ لِصَاحِبِهِ، المُؤْمِنُ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَفْنَى هَذِهِ الجَنَّةُ أَبداً، وَلاَ أَنْ تَخْرَبَ. أَن تَبِيدَ - أَنْ تَهْلِكَ وَتَفْنَى وَتَخْرَبَ.

стр. 2177

﴿قَائِمَةً﴾ ﴿وَلَئِن﴾ (٣٦) - وَقَادَهُ غُرُورُهُ إِلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَبِالآخِرَةِ وَبِالمِعَادِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَظُنُّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَشْرٌ، وَلاَ مَعَادٌ، وَلاَ حِسَابٌ. وَأَرْدَفَ قَائِلاً: إِنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعَةٌ وَحَشْرٍ وَمَعَادٍ إِلَى اللهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِدُ عِنْدَ اللهِ خَيْراً مِنْ هَذا البُسْتَانِ، لأَنَّهُ لَولاَ كَرَامَتُهُ عَلَى اللهِ لَمَا أَعْطَاهُ هَذا الرِّزْقَ الوَفِيرَ فِي الدُّنْيَا. مُنْقَلَباً - مَرْجِعاً وَعَاقِبَةً.

стр. 2178

﴿سَوَّاكَ﴾ (٣٧) - فَأَجَابَهُ صَاحِبُهُ المُؤْمِنُ يَعِظُهُ، وَيَزْجُرُهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَالغَيِّ، وَالاغْتِرَارِ: أَتَكْفُرُ بِاللهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً قَوِيّاً بَالِغاً؟

стр. 2179

(٣٩) - وَلَقَدْ كَانَ الأَوْلَى بِكَ (وَلَوْلاَ) ، إِذْ أَعْجَبَتْكَ جِنَّتُكَ حِينَ دَخَلْتَهَا، وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا، أَنْ تَحْمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَأَعْطَاكَ مِنَ المَالِ وَالوَلَدِ، وَأَنْ تَقُولَ: هَذَا مَا شَاءَ اللهُ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى تَحْصِيلِهِ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللهِ. وَإِنَّكَ إِذَا كُنْتَ تَرَانِي أَفْقَرُ مِنْكَ، وَأَقَلُّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً.

стр. 2180

(٤٠) - فَإِنِّي أَرْجُو اللهَ أَنْ يَقْلِبَ الآيَةَ، فَيَجْعَلَكَ فَقِيراً، قَلِيلَ المَالِ، وَالوَلَدِ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي رَبِّي الغِنَى وَالوَلَدَ لإِيمَانِي وَإِخْلاَصِي للهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي جَنَّةً تَكُونُ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ، وَيَسْلُبَكَ بِكُفْرِكَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَيُخَرِّبَ جَنَّتَكَ بِأَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا مَطَراً مِنَ السَّمَاءِ، يُدَمِّرُ زُرُوعَهَا، وَيَقْتَلِعُ أَشْجَارَهَا، فَتُصْبِحُ بَلْقَعاً لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ . حُسْبَاناً - مَطَراً شَدِيداً أَوْ عَذَاباً كَالصَّوَاعِقِ وَالآفَاتِ. صَعِيداً زَلَقاً - بَلْقَعاً لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً أَوْ رَمْلاً هَائِلاً يَزْلَقُ مَنْ يَسِيرُ عَلَيْهَا.

стр. 2181

(٤١) - أَوْ يَعُوزُ مَاؤُهَا فِي الأَرْضِ وَيَتَوَارَى، فَلاَ تَسْتَطِيعُ العُثُورَ عَلَيْهِ لإِخْرَاجِهِ لِسَقْيِها. غَوْراً - غَائِراً ذَاهِباً فِي الأَرْضِ.

стр. 2182

﴿ياليتني﴾ (٤٢) - وَأَحَاطَتِ الكَوَارِثُ بِثِمَارِ جَنَّتِهِ الَّتِي يَقُولُ إِنَّهُ لاَ يَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أَبَداً، وَحَلَّ بِهَا مَا كَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْهُ صَاحِبُهُ المُؤْمِنُ، مِنْ دَمَارٍ وَغَوْرِ مَاءٍ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ، فَأَصْبَحَتِ الجّنَّةُ بَلْقَعاً يَبَاباً خَاوَيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَأَخَذَ يَضْرِبُ كَفّاً بِكَفٍّ أَسَفاً وَنَدَماً وَحُزْناً عَلَى مَا حَلَّ بِهَا، وَعَلَى مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالٍ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي ثُبْتُ لِرُشْدِي فَلَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً. أُحِيطَ بِثَمَرِهِ - أُهْلِكَتْ أَمْوَالُهُ مَعَ جَنَّتَيْهِ. يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ - كِنَايَةً عَنْ النَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ. خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا - سَاقِطَةٌ سُقُوفُهَا عَلَى قِيعَانِهَا.

стр. 2183

(٤٣) - وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جَمَاعَةٌ (فِئَةٌ) مِنْ عَشِيرَةٍ، أَوْ أَهْلٍ، وَوَلَدٍ، مِمَّنْ كَانَ يَفْتَخِرُ بِهِمْ، وَيَغْتَرٌّ، يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُ، وَمَنْعَ مَا أَرَادَهُ اللهُ بِهِ. وَبِجَنَّتَيْهِ مِنْ خَرَابٍ وَدَمَارٍ، وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقَامِ اللهِ مِنْهُ.

стр. 2184

﴿الولاية﴾ (٤٤) - وَفِي مِثْلِ هذِهِ الحَالِ مِنَ الشَّدَائِد وَالمِحَنِ، تَكُونُ المُوَالاَةُ، وَتَكُونُ النُّصْرَةُ للهِ وَحْدَهُ. وَفِي الشَّدَائِدِ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، يُعْلِنُونَ خُضُوعَهُمْ وَاعْتِرَافَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَهُوَ خَيْرُ مَنْ أَثَابَ، وَخَيْرُ مَنْ جَازَى. وَالأَعْمَالُ التِي تَكُونُ خَالِصَةً للهِ ، تَكُونُ عَاقِبَتُهَا خَيْراً وَرَشَداً لِفَاعِلِيهَا. الوَلاَيَةُ - النُّصْرَةُ لَهُ تَعَالَى وَحْدَهُ. خَيْرٌ عُقْباً - خَيْرٌ عَاقِبَةً لأَوْلِيَائِهِ.

стр. 2185

﴿الحياة﴾ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ﴿الرياح﴾ (٤٥) - وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَثَلاً بِالحَيَاةِ الدُّنْيا، فِي نُضْرَتِهَا، ثُمَّ فِي صَيْرُورَتِهَا إِلَى زَوَالٍ، وَانْقِضَائِهَا، بِمَاءٍ أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَصَابَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ بُذُورٍ وَحَبٍّ، فَنَبَتَ وَحَسُنَ مَنْظَرُهُ، وَعَلاَهُ الزَّهْرُ، وَالنُّورُ، وَالنُّضْرَةُ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ يَابِساً، هَشِيماً، مُتَكَسِّراً. تُبَعْثِرُهُ الرِّيَاحُ، وَتُفَرِّقُهُ وَتَطْرَحُهُ يَمِيناً وَشِمَالاً ﴿تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. فَالحَيَاةُ الدُّنْيا مُتْعَةٌ قَلِيلَةٌ ثُمَّ لاَ تَلْبَثُ أَنْ تَفْنَى وَتَنْطَفِىءَ. هَشِيماً - يَابِساً مُتَفَتِّتاً. تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ - تُفَرِّقُهُ وَتَنْسِفُهُ.

стр. 2186

﴿الحياة﴾ ﴿والباقيات﴾ ﴿الصالحات﴾ (٤٦) - المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَهْجَتُهَا. وَالإِقْبَالُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَالتَّفَرُّغُ لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي اللهَ، خَيْرٌ مِنَ المَالِ وَمِنَ البَنِينِ، عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لأَنَّ العَمْلَ الصَّالِحَ يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَالمَالُ وَالبَنُونَ لاَ يَنْفَعُونَهُ فِيهِ شَيْئاً، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ خَيْرٌ أَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِنْسَانُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ") . (أَخْرَجُهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ) .

стр. 2187

﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ (٤٧) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ، إِذْ يَقْتَلِعُ اللهُ تَعَالَى الجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَيُسَيِّرُهَا فِي الجَوِّ كَالسَّحَابِ، وَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، فَتَذْهَبُ الجِبَالُ، وَتَتَسَاوَى المِهَادُ، وَتُصْبِحُ الأَرْضُ قَاعاً صَفْصَفاً، لاَ تَرَى فِيهِ عِوَجاً وَلاَ أَمَتاً، وَلاَ أَدِيماً، وَلاَ جَبَلاً. وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ تَظْهَرُ الأَرْضُ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ وَاحِدٌ، وَلاَ بِنَاءٌ، وَلاَ شَجَرٌ، وَلاَ مَكَانٌ يُوَارِي أَحَداً، بَلْ يَكُونُ الخَلقُ كُلُّهُمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَيَحْشُرُ اللهُ تَعَالَى الخَلاَئِقَ كُلَّهُمْ فَيَجْمَعُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَلاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ صَغِيراً وَلاَ كَبِيراً. بَارِزَةً - ظَاهِرَةً لاَ يَسْتُرُهَا شَيْءٌ.

стр. 2188

﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ ﴿أَلَّن﴾ (٤٨) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَحْشُرُ اللهُ الخَلاَئِقَ، فَيَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفّاً وَاحِداً، وَيُقَرِّعُ اللهُ تَعَالَى الكُفَّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَكُنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ هَذا لَنْ يَكُونَ، وَالآنَ اسْتَبَانَ لَكُمْ أَنَّهُ حَقٌّ. مَوْعِداً - وَقْتاً لإِنْجَازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ.

стр. 2189

﴿الكتاب﴾ ﴿ياويلتنا﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿أَحْصَاهَا﴾ ﴿مَالِ هذا﴾ (٤٩) - وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ فَرْدٍ كِتَابُ أَعْمَالِهِ، وَفِيهِ جَمِيعُ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَمِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ. وَيَرَى المُجْرِمُونَ أَعْمَالَهُمُ القَبِيحَةُ مُحْصَاةً بِتَمَامِهَا، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيءٌ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ العَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ، فَيُشْفِقُونَ مِمَّا سَيَحُلُّ بِهِمْ، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: يَا وَيْلَتَنَا، وَيَا حَسْرَتَنَا، عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا، مَا لِهَذا الكِتَابِ لاَ يَتْرُكُ صَغِيراً مِنْ أَعْمَالِنَا وَذُنُوبِنَا، وَلاَ كَبِيراً إِلاَّ أَحْصَاهُ وَوَعَاهُ؟ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَاضِراً لِيُحَاسَبُوا عَلَيْهِ، وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ. وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ العِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِالعَدْلِ التَّامِّ. وُضِعَ الكِتَابُ - صُحُفُ الأَعْمَالِ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهَا. مُشْفِقِينَ - خَائِفِينَ وَجِلِينَ. يَا وَيْلَتَنَا - يَا هَلاَكَنَا. لاَ يُغَادِرُ - لاَ يَتْرُكُ وَلاَ يُبْقِي. أَحْصَاهَا - عَدَّهَا وَضَبَطَهَا وَأَثْبَتَهَا.

стр. 2190

﴿للملائكة﴾ ﴿لأَدَمََ﴾ ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ (٥٠) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ إِلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَلأَبِيهِمْ آدَمَ، قَبْلَهُمْ، وَيُقَرِّعُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ إِبْلِيسَ، وَمُخَالَفَةِ الخَالِقِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ اللهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ، اعْتِرَافاً بِفَضْلِهِ، وَاعْتِذَاراً عَمَّا قَالُوهُ بِحَقِّهِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ . فَامْتَثَلُوا جَمِيعاً لأَمْرِ رَبِّهِمِ الكَرِيمِ، إِلاَّ إِبْلِيسَ، الَّذِي كَانَ مِنَ الجِنِّ، فَامْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ، وَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ اللهِ (فَسَقَ) ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الطِّين، وَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ، يَا بَنِي آدَمَ، هَذا العَدُوَّ لَكُمْ، هُوَ وَذُرِّيَتَهُ، أَوْليَاءَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، وَتُطِيعُونَ أَوَامِرَهُمْ، وَهُمْ عَلَى مَا عَرَفْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَاوَةِ لآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فَبِئْسَ مَا فَعَلْتُمْ ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ . اسْجُدُوا لآدَمَ - سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَتَعْظِيمٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ.

стр. 2191

﴿السماوات﴾ (٥١) - وَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي (إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ) ، هُمْ عَبِيدٌ مِثْلُكُمْ، لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً، وَلاَ أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلاَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الحِينِ، وَلاَ أَشْهَدْتُ بَعْضَهُمْ خَلْقَ بَعْضٍ، وَأَنَا وَحْدِي المُسَتَقِل بِخَلْقِ الأَشْيَاءِ كُلِّها وَمُدَبِّرُهَا وَمُقَدِّرُهَا، وَمَا كُنْتُ لأَتَّخِذَ المُضِلِّينَ الَّذِينَ لاَ يَهْدُونَ إِلَى الحَقِّ أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً. عَضُداً - أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً.

стр. 2192

﴿شُرَكَآئِيَ﴾ (٥٢) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، لِقَوْمِكَ أَيْضاً مَا يَقَعُ يَوْمَ الجَمْعِ (يَوْمَ القِيَامَةِ) ، إِذْ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، تَقْرِيعاً لَهُمْ وَتَوْبِيخاً: ادْعُوا اليَوْمَ مَنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا أَنَّهُمْ شُرَكَائِي فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَفِي خَلْقِ هَذا الكَوْنِ وَتَدْبِيرِهِ، فَيَدْعُونَهُمْ فَلاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ، وَيَجِدُونَ أَنَّهُ لاَ سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى الوُصُولِ إِلَى أَرْبَابِهِمْ، إِذْ جَعَلَ اللهُ، بَيْنَ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ، مَهَالِكَ وَأَهْوَالاً. مُوْبِقاً - مُهْلِكاً يَشْتَرِكُونَ فِيهِ وَهُوَ النَّارُ.

стр. 2193

﴿وَرَأَى﴾ (٥٣) - وَحِينَمَا يُعَاينُ المُجْرِمُونَ نَارَ جَهَنَّمَ تَتَلَظَّى يَتَحَقَّقُونَ مِنْ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا لاَ مَحَالَةَ (مُوَاقِعُوهَا) ، وَأَنَّهُمْ لاَ مُصْرِفَ لَهُمْ وَلاَ مُحِيدَ عَنْهَا، لأَنَّ اللهَ حَتَّمَ ذَلِكَ، وَلأَنَّهَا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. (وَرُؤْيَةُ جَهَنَّمَ، وَتَأَكُّدُ المُجْرِمِ مِنْ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهَا لاَ مُحَالَةَ، هُمَا عَذَابٌ نَاجِزٌ) . مُوَاقِعُوهَا - وَاقِعُونَ فِيهَا، وَدَاخِلُونَ فِيهَا. مَصْرِفاً - مَعْدِلاً وَمَكَاناً يَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِ.

стр. 2194

﴿القرآن﴾ ﴿الإنسان﴾ (٥٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَيَّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ كُلَّ مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، وَفَصَّلَهُ لِكَيْلاَ يَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ، وَيَخْرُجُوا عَنْ طَرِيقِ الهُدَى وَالصَّوَابِ، وَلِيَذْكُرُوا فَيُنِيبُوا إِلَى رَبِّهِمْ وَيَعْتَبِرُوا، وَيَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَسُوءِ العَمَلِ. وَمَعَ هَذا البَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ فَإِنَّ الكَافِرِينَ طَلَبُوا مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى غَيْرِ القُرْآنِ، وَالإِنْسَانُ فِي طَبِيعَتِهِ حُبُّ الجَدَلِ، وَمُعَارَضَةُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، إِلاَّ مَنْ هَدَى اللهُ. صَرَّفْنَا - كَرَّرْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةً. كُلِّ مَثَلٍ - مَعْنًى غَرِيبٍ كَالمَثَلِ فِي غَرَابَتِهِ.

стр. 2195

(٥٥) - وَمَا مَنَعَ هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ، وَكُتُبِهِ، حِينَ جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ، وَعَلِمُوا صِحَّةَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، إِلاَّ تَعَنُّتُهُمْ وَعِنَادُهُمْ، الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهُمْ يَطْلُبُ مُشَاهَدَةَ العَذَابِ الَّذِي أَوْعَدَهُمْ بِهِ اللهُ، فَقَالُوا: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الآخَرُ يَطْلُبُ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ العَذَابِ وَالبَلاَءِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً، وَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَهُمْ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَهُ عِيَاناً، أَوْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ اللهِ فِي الأَوَّلِينَ، وَهِيَ الهَلاَكُ المُسْتَأَصِلُ، الَّذِي أَتَى الأَوَّلِينَ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ. سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - عَذَابُ الاسْتِئْصَالِ إِذا لَمْ يُؤْمِنُوا. قُبُلاً - أَنْوَاعاً وَأَلْوَاناً، أَوْ عِيَاناً وَمُقَابَلَةً.

стр. 2196

﴿وَيُجَادِلُ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿آيَاتِي﴾ (٥٦) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ مِنْ صَدَّقَهُمْ، وَآمَنَ بِدَعْوَتِهِمْ، بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم الحُسْنَى؛ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ، عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُرْسِلُ المُرْسَلِينَ لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُمْ مَا لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهِ. وَالظَّالِمُونَ الكُفَّارُ لاَ يُجَادِلُونَ، وَلا يَقْتَرِحُونَ لِلاسْتِرْشَادِ وَالاهْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا يُجَادِلُونَ بِالبَاطِلِ لِيُضْعِفُوا الحَقَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَيُبْطِلُوهُ (لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ) ، وَلَنْ يَبْلُغُوا غَايَتَهُمْ. وَقَدِ اتَّخَذُوا جَمِيعَ الحُجَجِ وَالمُعْجِزَاتِ التِي جَاءَهُمْ بِهَا رُسُلُهُمْ، وَالعَذَابِ الَّذِي حَذَّرُوهُمْ مِنْهُ، وَخَوّفُوهُمْ مِنْ نُزُولِهِ بِهِمْ. . . هُزْواً وَسُخْرِيَةً. لِيُدْحِضُوا - لِيُبْطِلُوا وَيُزِيلُوا هُزُواً - اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً.

стр. 2197

﴿بآيات﴾ ﴿آذَانِهِمْ﴾ (٥٧) - وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَالكُفْرِ، وَالمَعَاصِي (نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) ، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِباً مُسْتَغْفِراً. وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكَرُوا لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ (أَكْنَّةً) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَثِقَلاً لِكَيْلاَ يَسْمَعُوهُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَداً. أَكِنَّةً - أَغْطِيَةً كَثِيرَةً مَانِعَةً. وَقْراً - صَمَماً ثَقِيلاً فِي السَّمْعِ.

стр. 2198

﴿مَوْئِلاً﴾ (٥٨) - وَرَبُّكَ هُوَ اللهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، يُمْهِلُ النَّاسَ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ، فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَيَرْحَمَهُمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُ آخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ وَلأَهْلَكَهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً مُعَيَّناً لاَ مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلاَ مُحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ. مَوْئِلاً - مَنْجًى أَوْ مَلْجَأً أَوْ مَخْلَصاً.

стр. 2199

﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (٥٩) - لَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ السَّالِفَةَ: عَاداً وَثَمُودَ وَقَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَأَصْحَابَ الأَيْكَةِ. . وَدَمَّرَ قُرَاهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَعِنَادِهِمْ، وَجَعَلَ لِمَهْلِكِهِمْ وَقْتاً مُعَيَّناً (مَوْعِداً) ، لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ، فَاحْذَرُوا، أَيُّهَا المُشْرِكُونَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِنْ تَمَادَيْتُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ . لِمَهْلِكِهِمْ - لِهَلاَكِهِمْ.

стр. 2200

﴿لِفَتَاهُ لا﴾ (٦٠) - قِيلَ لِمُوسَى ﵇: إِنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ مَوْجُوداً فِي مَجْمَعِ البَحْرِينِ، عِنْدَهُ عِلْمٌ لَمْ تُحِطْ بِهِ أَنْتَ، فَأَحَبَّ مُوسَى الرَّحِيلَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ. فَقَالَ لِفَتَاهُ (وَقِيلَ إِنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ ﵇ إِنَّي سَأَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وَأَلْتَقِي بِالرَّجُلِ، وَلَوْ سِرْتُ أَمَداً طَوِيلاً. مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ - مُلْتَقَاهُمَا. أَمْضِيَ حُقُباً - أَسيرَ زَمَناً طَوِيلاً.

стр. 2201

(٦١) - وَكَانَ قِيلَ لِمُوسَى أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ حُوتاً مُمَلَّحاً، وَفِي المَكَانِ الَّذِي يَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِي بِذَلِكَ الرَّجُلِ العَالِمِ. فَسَارَ مَعَ فَتَاهُ حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَسَقَطَ الحُوتُ فِي المَاءِ، فَأَخَذَ يَسْبَحُ فِيهِ، وَكَانَ يَشُقُّهُ شَقّاً، وَيَتْرُكُ وَرَاءَهُ مِثْلَ السَّرَبِ (النَّفَقِ) . سَرَباً - مَسْلَكاً وَمَنْفَذاً.

стр. 2202

﴿لِفَتَاهُ﴾ ﴿آتِنَا﴾ (٦٢) - فَلَمَّا جَاوَزَا المَكَانَ الَّذِي أَضَاعَا فِيهِ الحُوتَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: هَاتِ الغَدَاءَ، فَقَدْ أَتْعَبَنَا المَسِيرُ. نَصَباً - تَعَباً وَشِدَّةً وَإِعْيَاءً.

стр. 2203

﴿أَرَأَيْتَ﴾ ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ ﴿الشيطان﴾ (٦٣) - فَقَالَ الفَتَى لِمُوسَى: لَقَدْ نَسِيتُ الحُوتَ حِينَمَا جَلَسْنَا نَرْتَاحُ إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ (إِذْ أَوَيْنا الصَّخْرَة) ، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لَكَ لأَنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَانِيهِ، فَاتَّخَذَ الحُوتُ طَرِيقَهُ فِي البَحْرِ بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ، لأَنَّهُ حُوتٌ مَيِّتٌ، وَكَانَ يَشُقُّ المَاءَ، وَهُوَ يَسْبَحُ، فَيَكُونُ المَاءُ فَوْقَهُ كَالنَّفَقِ، أَوِ الشَّقِّ فِي الأَرْضِ (السَّرَبِ) . أَوَيْنَا - جَلَسْنَا لِلاسْتِرَاحَةِ. عَجَباً - سَبِيلاً أَوْ اتِّخَاذاً يَتَعَجَّبُ مِنْهُ.

стр. 2204

﴿آثَارِهِمَا﴾ (٦٤) - فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذَلِكَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَبْغِيهِ وَنُرِيدُهُ مِنْ سَفَرِنَا - وَهُوَ فَقْدُ الحُوتِ - لأَنَّنَا وُعِدْنَا بِلِقَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي المَكَانِ الَّّذِي نَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ، فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا فِي السَّيّرِ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلى الصَّخْرَةِ. مَا كُنَّا نَبْغِ - الَّذِي كُنَّا نَطْلُبُهُ وَنَلْتَمِسُهُ. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا - رَجَعَا فِي طَرِيقِهِمَا الَّذِي جَاءَا فِيهِ.

стр. 2205

﴿آتَيْنَاهُ﴾ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾ (٦٥) - فَوَجَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ رَجُلاً عِنْدَ الصَّخْرَةِ مُسَجًّى بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إِنَّ أَهْلَ أَرْضِكَ لاَ يَعْرِفُونَ السَّلاَمَ. وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى الرَّجُلَ بِأَنَّ اللهُ آتَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.

стр. 2206

(٦٦) - قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّهُ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّهُ جَاءَهُ لِيُعَلِّمَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، لِيَسْتَرْشِدَ بِهِ، فَهَلْ يَسْمَحُ لَهُ بِمُرَافَقَتِهِ؟ رُشْداً - صَوَاباً أَوْ إِصَابَةَ خَيْرٍ.

стр. 2207

(٦٧) - فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ لاَ يَعْلَمُهُ مُوسَى، وَلاَ يَسْتَطِيعُ مُوسَى أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مُرَافَقَتِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَهُ.

стр. 2208

(٦٨) - ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَى أُمُورٍ لاَ تَعْرِفُ أَنْتَ خَفَايَاهَا، وَالمَصْلَحَةُ البَاطِنَةُ فِيهَا، التِي أَطْلَعَنِي اللهُ عَلَيْهَا؟ خُبْراً - عِلْماً وَمَعْرِفَةً.

стр. 2209

(٦٩) - فَقَالَ لَهُ مُوسَى: سَتَجِدُنِي صَابِراً إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى مَا سَأَرَى مِنَ الأُمُورِ مِنْكَ، وَلَنْ أَعْصِي أَمْراً لَكَ، وَلَنْ أُخَالِفَكَ فِي شَيْءٍ.

стр. 2210

﴿تَسْأَلْني﴾ (٧٠) - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُوسَى: إِذَا أَرْدْتَ أَنْ تُرَافِقَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ يِبْدُو لَكَ غَرِيباً، غَيْرَ مَفْهُومٍ، مِنْ أَفْعَالِي، حَتَّى أَبْدَأَكَ أَنَا بِالحَدِيثِ عَنْهُ، وَأَشْرَحَهُ لَكَ.
следующие страницы →