← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

﴿مُغَاضِباً﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ﴿الظالمين﴾ (٨٧) - يَذْكُرُ اللهُ تَعالى قِصَّةَ يونُسَ ﵇ (وهوَ ذو النُّونِ أيْ صاحبُ الحُوت) ، وكانَ اللهُ قَدْ بَعَثَهُ نَبِياً إلى أَهْل نينَوَى فَدَعَاهُمْ إلى عِبَادةِ اللهِ وَحدَهُ فَأَبَوْا، وَتَمَادَوْا في كُفْرِهم، فَخَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِهِم مُغَاضِباً لَهُمْ، وأَتْذَرَهُمْ بأنَّ العَذَابَ وَاقِعٌُ بِهِمْ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّام، فَلما تَحَقَّقُوا مِنْ ذَلِكَ، وَعِلمُوا أنَّ النبيَّ لا يَكْذِبُ، خًَرَجُوا مِنَ البلدِ بأطْفَالِهم وأنْعامِهم ومَوَاشِيهِم، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إلى اللهِ تَعَالى، وَجأَرُوا إليهِ بالدُّعَاءِ، فَرَفَعَ اللهُ عَنْهُمْ العَذابَ، وصَرَفَهُ عَنْهُم، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى. أمَّا يونسُ فإنَّه تَرَكَ قَوْمَه مُغَاضِباً لَهُم، وذَهَبَ فَرَكِبَ في سَفِينَةٍ فَاضْطَرَبَتْ وَخافَ مَنْ فِيها مِنْ غَرَقِها، فاقْتَرعُوا على رَجُل يُلقُونهُ مِنْ بينِهم في الماءِ يَتَخفَّفُونَ مِنهُ، فوقَعَتِ القُرْعَةُ على يُونُسَ، فَأَبَوْا أنْ يُلْقُوهُ، ثُمَّ أعادُوا القُرْعَةَ فَوَقَعَتْ علَيْهِ، فَأَبَوْا، ثمَّ أعَادُوا للمرةِ الثّالثةِ فَوَقَعَتْ عليه، فَتَجَرَّدَ يُونُسُ مِنْ ثِيَابِهِ، وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في المَاءِ، فالْتَقَمَهُ الحُوتُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بصَاحِبِ الحُوتِ (ذُو النُّونِ) . وكانَ يُونسُ يَظُنُّ أنَّ الله لَنْ يُضَيِّقَ عليْهِ في بَطْنِ الحُوتِ، (أو أنهُ تَعالى لنْ يَقْدِرَ عليه أَنْ يَكُونَ فِي بَطْن الحُوتِ) فَكَانَ في بَطْنِ الحوتِ في ظُلْمَةٍ، وفي أعْمَاقِ البَحْرِ في ظُلمَةٍ، وفي ظَلاَمِ الليلِ في ظُلْمَةٍ، ولذلك قَالَ تَعالى: ﴿فنادى فِي الظلمات﴾ ودَعاَ رَبَّهُ قائلاً: لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. ذُو النُّونِ - هُوَ نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ ﵇، والنُّونُ هُوَ الحُوتُ. مُغَاضِباً - غَضْبَانَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ. لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ - لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ بِحُبْسٍ أَوْ نَحْوِهِ.

стр. 2487

﴿الوارثين﴾ (٨٩) - يُخْبِرُ اللهُ تعالى عَنْ زَكَريَّا ﵇ حينما تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُ، وطَلبَ مِنَ اللهِ أَنْ يَهَبَهُ وَلَداً يَرثُ النُبُوَّةَ من بَعْدِهِ، فَنَادَى رَبَّه نِدَاءً خَفِيّاً عَنْ قَوْمِهِ، وقَالَ: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً بِلا وَلَدٍ، وَلاَ وَارِثٍ، يَقُومُ بَعْدِي في النَّاسِ، وأَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ وَرِثَ العِبَادَ (وفي هذا الدُّعَاءِ إشَارَةٌ إِلى قِيَامِ السَّاعةِ، وهَلاَكِ البشَرِ جَمِيعاً، وَبَقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.

стр. 2488

﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ ﴿آيَةً﴾ ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٩١) - يَذْكُرُ تعالى قِصَّةَ مَرْيَمَ ﵍، ويَصِفًها بِالعِفَّةِ والطَّهَارَةِ وإحْصَانِ النَّفْسِ، فَنَفَخَ اللهُ فِيه مِنْ رُوحِهِ، فَحَمَلَتْ بابْنِها عِيسَى، وقد جَعَلَها الله وابْنَها عِيسَى ﵉، دَلالةً مِنَ اللهِ عَلى أنَّهُ وَاحِدٌ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وأَنَّه يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وأنَّ أَمْرَهُ يَصْدُرُ مَرَّةً واحِدَةً، لا يَتَكَرَّرُ فَيَكُونُ ما أَرَادَ في لَمْحَةِ بَصَرٍ. أَحْصَنَتْ فَرْجَها - حَفِظَتْهُ. مِنْ رَوحِنَا - مِنْ جِهَةِ رُوحِنَا! والرُّوحُ جِبْرِيلُ ﵇.

стр. 2489

﴿رَاجِعُونَ﴾ (٩٣) - ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ عَلى رُسُلِها، فَصَارُوا فِرَقاً كَثِيرَةً فَمِنْ بَينِ مُكَذِّبٍ وَمُصَدٍّقٍ لَهُمْ. وَيَوْمَ الْقَيَامَةِ يَرْجِعُونَ إلى اللهِ تَعَالَى جَمِيعاً، فَيُجَازِي كُلاً بِحَسَبِ عَمَلِهِ في الدُّنْيَا. (وقَالَ مُفَسِّرُونَ: إِنَّ الذينَ تَفَرَّقُوا شِيَعاً واخْتَلَفُوا هُمُ المُسْلِمُونَ، فَقَدْ تَفَرَّقُوا فِرَقاً كَثِيرَةً، كُلُّ فِرْقَةٍ تَنْعِى عَلَى ما سِوَاها، وقَدْ كَانَ لَهُمْ مِنْ عِبَر الماضِي مَا يَمْنَعُهُم مِنَ الوُقُوعِ فِي مِثْلِ هَذا التَّفَرُّقِ) . تَقَطَّعُوا أمْرَهُم - تَفَرَّقُوا في دِينِهِم فِرَقاً وأَحْزَاباً.

стр. 2490

﴿وَحَرَامٌ﴾ ﴿أَهْلَكْنَاهَآ﴾ (٩٥) - وَقَدْ قَضَى اللهُ وَقَدَّرَ أَنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَهَا بِظُلْمِهِم، فَإِنَّهُم لاَ يَرْجِعُوْنَ إِلى الحَيَاةَِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَهَذا تَأْكِيدٌ لِلْرَّجْعَةِ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. حَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ - مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ. أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ - إِلى الحَيَاةِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ.

стр. 2491

﴿شَاخِصَةٌ﴾ ﴿أَبْصَارُ﴾ ﴿ياويلنا﴾ ﴿ظَالِمِينَ﴾ (٩٧) - فَإِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الأَهْوَالُ والزَّلاَزِلُ، وَحَدَثَتِ الفَوْضَى بِخُرُوْجِ قَوْمِ يَأجُوجَ وَمأجُوجَ، فَذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اقْتِرَابِ الوَعْدِ الحَقِّ (قِيَامِ السَّاعَةِ) . فَإِذَا قَامَتْ السَّاعَةُ يُفَاجَأُ الكَافِرُونَ بِهَا، وَيَقُومُون مِنْ قُبُورِهِم مَشْدُوهِينَ مَبْهُوتِينَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ، وَأَبْصَارُهُم شَاخِصَةٌ مِنْ هَوْلِ مَا يَرَوْنَ: لَقَدْ كُنَّا غَافِلِينَ فِي الدُّنْيَا عَنْ هَذَا اليَوْمِ. وَيَعْاَرِفُونَ بَأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، فَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ الله، وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا، ولاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ. الْوَعْدُ الحَقُّ - قِيامُ السَّاعَةِ وَالبَعْثُ وَالحِسَابُ. شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ - مُرْتَفِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ لاَ تَكَادُ تَطْرَفُ مِنْ شِدَّةِ الهَوْلِ.

стр. 2492

﴿اء آلِهَةً﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٩٩) - لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الأَصْنَامُ وَالأَنْدَادُ آلِهَةً حَقِيْقَةً لَمَا دَخَلُوْا نَارَ جَهَنَّمَ، وَلَمَا بَقُوْا خَالِدِيْنَ فِيهَا مَعَ مَنْ عَبَدُوهَا.

стр. 2493

﴿أولئك﴾ (١٠١) - أمَّا الذينَ قَضَى اللهُ لَهُمْ بالرَّحْمَةِ والسَّعَادَةِ بِسَبَبِ إِيْمَانِهِمْ وَعَمَلِهِم الصَّالِحِ فِي الدُّنْيا، فَأُولئِكَ يُبْعَدُونَ عَنْ جَهَنَّم جَزَاءً لَهُمْ، وَثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ.

стр. 2494

﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾ ﴿الملائكة﴾ (١٠٣) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ - يَوْمِ القِيَامَةِ - يَسْتَوْلِى عَلَى النَّاس الفَزَعُ الأَكْبَرُ لِهَوْلِ مَا يَرَوْنَِهُ، وَلِهَوْلِ المُفَاجَأةِ، وَلِِهَوْلِ مَا يَنْتَظِرُهُم مِنْ حِسَابٍ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِيْنَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنَى مِنْ رَبِهِّمْ، فَإِنَّهُمْ يُخِيفُهُمْ ذَلِكَ الفَزَعُ، وَلاَ يَحْزُنُهُمْ، فَقَدْ جَنَبَّهَمُ اللهُ تَعَالَى النَّارَ، وَجَنَّبَهُمْ سَمَاعَ حَسِيِسِها، وَرُؤْيَةَ مَا فِيهَا، وَأَدْخَلَهٌمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَأَدْخَلَهُمْ الجَنَّةَ، فَتَلَقَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَيُهَنِّئُونَهُمْ بالسَّلامَةِ فِي هَذَا اليَوْمِ الَّذِي وَعَدَهُمْ اللهُ بِهِ.

стр. 2495

﴿الصالحون﴾ (١٠٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَتْمِهِ وَقَضَائِهِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ بالسَّعَادَةِ، فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَوِرَاثَةِ الأَرْضِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ قَضَى فِي الكُتُبِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِه (الزَّبُورِ) كَمَا قَضَى فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ (الذِّكْرِ) أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها الصَّالِحُونَ مِنْ عِبَادِه؛ وَقَدْ جَعَلَ سُنَّةً وَمِنْهَاجاً. (والصَّالِحُونَ الذين عَنَاهُم اللهُ تَعَالَى هُمُ الَّذينَ جَمَعُوْا الإِيْمَانَ والعَمَلَ الصَّالِحَ، فإِذَا اجْتَمَعَ إِيْمَانُ القَلْبِ، وَنشاطُ العَمَلِ في أُمَّةٍ فَهِيَ الوَارِثَةُ للأَرْضِ. وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبداً) . الزَّبُوْرُ - الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والزَّبُورُ قِسْمٌ مِنْ كِتَابٍ أََوْ هُوَ الكِتَابُ المُنَزَّلُ عَلَى دَاوُد عَلَى دَاوُدَ ﵇. الذّكْرُ - اللَّوْحُ المَحْفُوظُ - وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ.

стр. 2496

﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١٠٧) - وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِهَذَا وأَمْثَالِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ والأَحْكَامِ إِلاَّ لِرَحْمَةِ النَّاسِ، وَهِدَايَاِهِمْ فِي شُؤُونِ دِينِهِمْ وَدُونْيَاهُمْ، وَلاَ يَهْتَدِي بِهِ إٍِلاَّ المُتَهَيِّئُوْنَ لِتَقَبُّلِ الهُدَى.

стр. 2497

﴿آذَنتُكُمْ﴾ (١٠٩) - فَإِنْ رَفَضُوْا الاسْتِجَابَةَ إِلَى مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ، وأَعْرَضُوْا عَنْهُ فَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي بَرِء مِنْكُمْ كَمَا أَنَّكُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَقَدْ أَعْلَمْتُكُمْ جَمِيعاً بِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي، وَبِذَلِكَ اسْتَوَيْنَا فِي العِلْمِ أَنَا وَأَنْتُمْ. وَقُلْ لَهُم: إِنَّ مَا يُوعَدُونَ بِهِ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلَكَنَّكَ لاَ تَدْرِي مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ، قَرِيباً أَمْ بَعِيداً، لأًَنَّ الله لَمْ يُطْلِعْكَ عَلَيْهِ. عَلَى سَواءٍ - مُسْتَوِينَ جَمِيعاً فِي الإِعْلامِ. وَإِنْ أَدْرِي - وَمَا أَدْرِي.

стр. 2498

﴿وَمَتَاعٌ﴾ (١١١) - وَمَا أَدْرِي سَبَبَ تَأخِيرِ وُقُوعِ الجَزَاءِ بِكُمْ؛ لَعَلَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً فِي فِتْنَتِكُمْ وامْتِحَانِكُمْ لِيَنْظُرَ رَبُّكُمْ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ أَوْ لَعَلَّهُ يُؤَهِّرُمُنْ إلى حِينٍ كي تَتَمَتَّعُوا بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا مَع اسْتِمْرَارِ إِعْرَاضِكُم عَنِ الإِيْمَانِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَباً لاِسْتِحْقَاقِكُمْ العَذَابَ. فِتْنَةٌ لَكُمْ - امْتِحانٌ وَاخْتِبَارٌ.

стр. 2499

﴿ياأيها﴾ (١) - يَأُمُرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِتَقْوَاهُ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَهْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ أُمُورٍ عِظَامٍ، وَزَلْزَلَةٍ يَشِيبُ لِهَولِها الوِلْدَانُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُون: هَلْ تَكُونُ زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قَبْلَ قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَوْ تَكُونُ بَعْدَ قِيَامِهٍِمْ وَنُشَوِرِهِمْ: ١ - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ زَلْزَلَة السَّاعَةِ تَكُونُ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنيا، وَأَوَّلِ أَحْوالِ السَّاعَةِ. وَفِي حَدِيثٍ رواه ابنُ جرير عن أبي هُرَيْرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " يَنْفُخُ إِسْرَفِيلُ في الصُّورِ ثلاثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةَ الفَزَعِ - فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُِ، فَتَسِيرُ الجِبَالُ فَتَكُونُ تُراباً، وَتُرجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِها رَجّاً، وَهِيَ التِي يَقُولُ فِيها اللهُ سُبْحَانَه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ فَيَتَمَدَّدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، وَتَذْهَلُ المَراضِعُ عَنْ رُضَعَائِها، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ حَمْلَها، وَيشِيبُ الولدَانُ، وَيُولّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ ، فَبَيْنَما هُمْ عَلَى ذلِكَ انْصَدَعَتِ الأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَرَأَوْا أَمْراً عَظِيماً، فَأَخَذَهُمْ مِنَ ذَلِكَ الكَرْبُ، ثُمَّ نَظَرُوا إِِلى السَّماء فإِذا هيَ كَالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ، وَالأَمواتُ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ. ب - نَفْخَةَ الصَّعْق - وَبِها يُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ. ج - نَفْخَةَ القِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ - وَبِها يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ وَيَقُومُونَ لِرَبِّ العِبادِ " ٢ - وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ بَلْ ذلِكَ هَوْلٌ وَفَزَعٌ وزِلْزَالٌ كائِنٌ يَومَ القِيَامَةِ فِي العَرصَاتِ بَعْدَ قِيَامِ الأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ. وَسَاقُوا عَلى ذَلِكَ بَعْضَ الأَحَادِيثِ. الزِّلْزَالُ - الهَزَّةُ الشَّدِيدَةُ التيِ تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ. وَزَلْزَالَةَ السَّاعةِ - أَهْوَالَ القِيَامَةِ وَشَدَائِدَهَا وَمَا يَحْدُثُ لِلنُّفُوسِ مِنَ الرُّعْبِ وَالفَزَعِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.

стр. 2500

﴿يُجَادِلُ﴾ ﴿شَيْطَانٍ﴾ (٣) - بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الله تَعَالَى حَالَ النَّاسِ يَوْمَ الحَشْرِ، وَبَعْدَ أَنْ أَكَّدَ أَنَّ الحَشْرَ وَالفَزَعَ وَاقِعَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ لا مَحَالَةً، قَالَ تَعَالَى: وَمَعَ ذَلِكَ فإِنَّ هُنَاكَ بَعْضَ النَّاسِ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ: فِي وُجُودِ اللهِ، وَفِي وحْدَانِيَّتِهِ، وفِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِحيَاءِ المَوْتَى. . وَفِي عِلْمِهِ. وَجِدَالُهُمْ هذا بِغَير عِلْمٍ صَحِيحٍ، وَبِدُونِ دَليلٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ جِدالٌ نَاتِجٌ عنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ المُتَمَرِّدِ عَلَى رَبِّهِ. المَرِيدُ - العَاتي المُتَجَرِّدُ لِلْفَسَادِ، المُخَالِفُ لِلْحَقِّ.

стр. 2501

﴿ياأيها﴾ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ (٥) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُنْكِرِ للبَعْثِ وَالمَعَادِ، ذَكر هُنا الدَّليلَ عَلَى قُدْرَتِهِ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بدْئِهِ الخَلْقَ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ يَا أَيُّها النَّاسُ تَشُكُّونَ فِي قُدْرَتِنَا عَلَى بَعْثِ الأَمْوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَخَلْقِهِمْ خَلْقاً جَدِيداً، فَانْظُرُوا إِلى مَبْدَإِ خَلْقِكُمْ لِيَزُولَ شَكُّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا أَنَّ القَادِرَ عَلَى خَلْقِكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ عَدَمٍ، هُوَ أَقْدَرُ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِكُمْ ثَانِيةً، لأَنَّ الإِعَادَةَ أَسْهَلُ مِنَ الاْبِتدَاءِ، فَقَدْ خَلَقْنَا أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلْنَا نَسْلَهُ يُخْلَقُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - أَيْ مِنْ نُطْفَةٍ - ثُمَّ تُصْبِحُ النُّطْفَةُ عَلَقَةً حَمرَاءَ، ثُمَّ تُصْبِحُ العَلَقَةُ مُضْغَةً، ثُمَّ تَبْدأُ المُضْغَةُ فِي التّشَكّلِ، وَتْبْدُو مَلامِحُ الرَّأسِ والأطْرَافِ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ المُضْغَةَ قَدْ تُسْقِطُهَا المَرْأَةُ قَبْلَ اكْتِمَالِ مُدَّةِ الحَمْلِ - أَيْ قبْلَ اكْتِمَالِ خَلْقِها - وَقَدْ تَبْقَى هَذِه المضْغَةُ قَدْ تُسْقِطُها المَرْأَةُ قَبْلَ اكْتِمَالِ مُدَّةِ الحَمْلِ - أَيْ قبْلَ اكْتِمَالِ خَلْقِها - وَقَدْ تَبْقَى هَذِه المُضْغَةُ حَتَّى اكْتِمَالِ خَلْقِها، فَتَخْرَجُ طِفْلاً ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَفِي سَمْعِهِ، وَبَصَرِه، وَحَوَاسِّه، ثُمَّ يُعْطِيهِ اللهُ القُوَّةَ شَيئاً فَشيئاً، فَيَبْلُغُ أشُدَّهُ وَيَتَكَامَلُ فِي قُوَّتِهِ، ثُمَّ يَتَزَايَدُ فَيَصِلُ إِلى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ. وَمِنَ النَّاسِ مَن يُتَوفَّى فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَصِلُ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ والضَعْفِ فِي القُوَّةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وَيُصِيبُهُ الخَرَفُ، وَضَعْفُ الذَّاكِرَةِ، فَإِذَا هُوَ بَعْدَ القُوَّةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وَيُصِيبُهُ الخَرَفُ، وَضَعْفُ الذَّاكِرَةِ، فَإِذَا هُوَ بَعْدَ القُوَّةِ والاكْتِمَالِ يَرْتًَدُّ طِفْلاً وَعْيِهِ وَمَدَارِكِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَيَنْسَى عِلْمَهُ فَلاَ يَعُودُ يَذْكُرُ مِنْهُ شَيئاً (لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) . وَيَسُوقُ اللهُ تَعَالَى دَليلاً آخَرَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ المَوْتَى، وَهُوَ إِحْيَاءُ الأرْضِ المَيِّتَةِ الهَامِدَةِ التي لاَ نَبْتَ فِيهَا، فَإِذَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهَا المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ تَحَرَّكَتْ بالنَّبَاتِ، وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَرَبَتْ وارْتَفَعَ التُّرَابُ الذي عَلَى سَطْحِهَا مِنْ حَرَكَةِ النَّبَاتِ تَحْتَهُ ثُمَّ أَنْبَتَت الأَرْضُ نَبَاتاً حَسَنَ المَنْظَرِ، طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، يُبْهِجُ العُيونَ النَّاظِرَةَ إِلَيْهِ. هَامِدَةً - سَاكِنَةً أَوْ مَيِّتَةً يَابِسَةً. بَهِيجٍ - يُبْهِجُ النَّفْسَ بِمَرْآهُ. عَلَقَةً - قِطْعَةَ دَمٍ جَامِدةِ. مُضْغَةً - قِطْعَةَ لَحْمٍ بَقَدْرِ مَا يُمْضَغُ. مُخَلَّقةٍ - مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ مُصَوَّرَةٍ. رَبَتْ - ارْتَفَعَ فَوْقَهَا التُّرَابُ.

стр. 2502

﴿آتِيَةٌ﴾ (٧) - وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أنَّ السَاعَةَ سَتَأْتِي فِي الوَقْتِ المُحَدَّدِ لَهَا، لاَ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلاَ رَيْبَ. وحِينَ يَحِيْنُ مَوْعِدُ قِيامِ السَّاعَةِ فَإِنَّ الله يَبْعَثُ المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيُعِيدُ خَلْقَهُم مِنْ جَديدٍ بَعْدَ أَنْ صَارُوا رَميماً.

стр. 2503

﴿القيامة﴾ (٩) - وَهُوَ يُجَادِلُ مُسْتَكْبِراً عِنِ الحَقِّ إِذَا دُعِيَ إِلَيْه. وَقَدْ لَوى رَقَبَتَهُ (ثَانِي عِطْفِهِ) إِعْرَاضاً عَنِ الحَقِّ، وَغَايَتُهُ مِنْ ذَلِكَ إِضْلاَلُ النَّاسِ وَصَرْفُهُمْ عَن سَبِيلِ اللهِ المُسْتًَقِيمِ. وَهَذا المُضِلُّ المُسْتَكْبِرُ المُتَجَبِّرُ، لَهُ فِي الدُّنْيَا ذُلٌّ وَمَهَانَةٌ (خِزْيٌ) مِنَ اللهِ ، جَزَاءً لَهُ عَلَى اسْتِكْبَارِه، وَيْجْزِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِإِخْضَاعِهِ إِلَى عَذَابٍ مُحْرِقٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. ثَانِيَ عِطْفِهِ - لاَوِياً رَقَبَتَهُ أَوْ جَانِبَهُ تَكَبُّراً وَتَجَبُّراً وإِبَاءً. خِزْيٌ - ذُلٌّ وَهَوَانٌ.

стр. 2504

(١١) - وَمِنَ النَّاسِ صِنْفٌ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإِيْمَانُ مِنْ فَلْبِهِ، بَلْ هُوَ مُتَزَعْزِعُ العَقِيدَةِ، تَتَحَكَّمُ مَصَالِحُهُ فِي إِيْمَانِهِ، فًَإِنْ أَصَابِهُ رَخَاءٌ وَسَعَةُ عَيْشٍ، رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَاسْتَبْشَرَ بالدِّينِ فَعَبَدَ الله، وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ وَبَلاَءٌ، وَضِيقُ عَيْشٍ، ارْتَدَّ وَرَجََعَ إِلى الكُفْرِ فَخَسِرَ فِي الدُّنْيَا رَاحَةَ الاطْمِئْنَانِ إِلى قَضَاءِ اللهِ وَنَصَرِهِ، كَمَا خَسِرَ فِي الآخِرَةِ النَّعِيمَ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعضِ الأَعْرَابِ الذينَ كَانُوا يَأتُونَ إِلى النَّبِيَّ ﷺ فَيُسْلِمُونَ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلاَدِهِم فإِنْ وَجَدُوا عَامَ غَيْثٍ وَخِِصْبٍ، وَعَامَ وِلادٍ حَسَنٍ قَالُوا: إِنَّ دِينَنَا هَذًَا لَصَالِحٌ فَتَمسَّكُوا بِهِ، وإِنْ وَجَدُوا عَامَ جَدْبٍ، وَعَامَ وِلادِ سُوءٍ، قَالُوا: مَا فِي دِيننَا هَذَا خَيْرٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . وَهَذِهِ الآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى المُنَافِقٍِ الذي إِنْ صَلَحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى العِبًَادَةِ، وإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَت انْقَلَبَ كَافِراً فَلاَ يُقِيمُ عَلَى العِبَادَةٍ إِلاَّ لِمَا صَلَحَ مِنْ دُنْيَاهُ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوْ ضِيْقٌ تَرَكَ دِيْنَهُ، وَرَجَعَ إِلى الكُفْرِ، وَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ ﴿انقلب على وَجْهِهِ﴾ ، فَلاَ يَحْصُلُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى شَيءٍ. وَأَمَّا الآخِرَةُ فَقَدْ كَفَرَ بالله العَظِيم، فَهو فِيهَا فِي غَايَةِ الشَّقَاءِ والإٍِهَانَةِ، وَلِهذا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذلك هُوَ الخسران المبين﴾ أي الخَسَارَةُ العظِيمةُ والصَفْقَةُ الخَاسِرَةُ عَلَى حَرْفِ - علَى شَكٍّ وَقَلَقٍ وَتَزَلْزُلٍ فِي الدِّينِ.

стр. 2505

﴿يَدْعُو﴾ (١٣) - وَيَدْعُو هَذَا العابِدُ عَلَى حَرْفٍ مَنْ ضَرُّهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ نَفْعِهِ؛ وأمَّا ضَرَرُهُ فِي الآخِرَةِ فَهُوَ مُحَقَّقٌ مُؤكَّدٌ، وَبِئْسَ الوَثَنْ الذي دَعَاهُ ذَلِكَ الضَّالُّ مَولَّى لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَاتَّخَذَهُ وَلِيّاً وَنَاصِراً، وَبْئْسَ المُخَالِطُ والمُعَاشِرُ. بِئِسَ المَوْلَى - بِئْسَ النَّاصِرُ. العَشْيرُ - المُصَاحِبُ المُعَاشِرُ.

стр. 2506

﴿الآخرة﴾ (١٥) - مَنْ كَانَ يَظُنُّ مِنَ الكُفَّارِ أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّداً، وَدِينَهُ، وَكِتَابَهُ، فَلْيَذْهَبْ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ بِرَبْطِ حَبْلٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لِيَخْنُقْ نَفْسَهُ بِهِ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِظَهُ، فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُهُ لاَ مَحَالَةَ. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي آيةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا.﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرْ هَذَا المَغِيظُ هَلْ يَشْفِي فِعْلُهُ هَذَا - أيْ خَنْقَ نَفْسِهِ بِحَبْلٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ - صَدْرَه مِنَ الغَيْظِ، وَهَلْ يُحَقِّقُ فِعْلُهُ هَذَا رَغْبَةَ نَفْسِهِ فِي أَنْ لاَ يَنْصًرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ ؟ كَلاَّ إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يُوِصِلَهُ إِلَى غَايَتِهِ. يَنْصُرُهُ اللهُ - أي يَنْصُرُ اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّداً. بِسَبَبٍ إلَى السَّمَاءِ - بِحَبْلٍ إِلى سَقْفِ بَيْتِهِ. ثُمَّ ليَقْطَعْ - ثُمَّ لِخْنُقْ بِهِ نَفْسَهُ حَتَّى يَمُوتَ. كَيْدُهُ - صَنِيعُهُ بِنَفْسِهِ.

стр. 2507

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿والصابئين﴾ ﴿والنصارى﴾ ﴿القيامة﴾ (١٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَفْصِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الأَدْيَانِ المُخْتَلِفَةِ: مِنَ المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَدَّدَهُمْ، وأَنَّهُ سَيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالعَدْلِ، فَيُدْخِلُ مَنْ آمَنَ مِنهم بِهِ الجَنَّةَ، وَيَدْخِلُ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بِهِ النَّارَ، وأنَّهُ تَعَالَى عَلَى أَفْعَالِهِمْ جَمِيعِهَا، حَفِيظٌ لِأَقْوَالِهِم، عَلِيمٌ بِسَرَائِرِهِم وَضَمَائِرِهِمْ. الصَّاؤِئِينَ - عَبَدَةَ الكَوَاكِبِ أَوْ عَبَدَةَ المَلاَئِكَةِ.

стр. 2508

﴿رُءُوسِهِمُ﴾ (١٩) - تَجَادَلَ أهْلُ الأَدْيَانِ فِي دِينِ اللهِ فَكُلُّ فَرِيقٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا هُوَ عَلَيهِ هُوَ الحَقُّ، وأَنَّ مَا عَليهِ خَصْمُهُ هُوَ البَاطِلُ، وَبَنَى عَلى ذلِكَ جَميعَ أَقْوَالِهِ وَأَفْغَالِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ نَوعاًَ مِنَ الخُصُومَةِ، واللهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَجْزِيهِمْ عَلى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وَلا يَظْلِمُ أحَداً مِنْهُمْ شَيئاً، فَأَمَّا الكَافِرُونَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أُعِدَّتْ لهُمْ نِيرانٌ تُحيطُ بِهِمْ وَكَأَنَّها مُقَطَّعَاتٌ مِنَ الثِّيَابِ قُدَّتْ عَلَى قَدْرِ أَجْسَادِهِمْ، وَيُصَبُّ المَاءُ الشَّدِيدُ الحَرَارَةِ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ فَيَشْوِي وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ، وَيُذِيبُ أَمْعَاءَهُم خَصْمَانِ - المُؤْمِنُونَ وَالكَفِرُونَ عَامَّةً. الحَمِيمُ - المَاءُ الشَّدِيدُ الحَرَارَةِ وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهُ النُّحَاسُ المُذَابُ.

стр. 2509

﴿مَّقَامِعُ﴾ (٢١) - وَيُضْرَبُ هؤلاءِ الكَافِرُونَ بالسِّياطِ وَالمَطَارِقِ (مَقَامِعُ) مِنَ الحَدِيدِ المُحَمَّى فَتَتَنَاثَرُ أَعْضَاؤُهُمْ. المَقَامِعُ - المَطَارِقُ أَوِ السِّيَاطُ.

стр. 2510

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ (٢٣) - لَمَّا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ، وَمَا يُلاقُونَهُ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالحَرِيقِ وَالأًَغْلالِ، وَمَا أُعدَّ لَهُمْ منْ ثِيابٍ مِنْ نَارٍ، ذَكَرَ حالَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ في أَرْجَائِها، وَيُلْبِسُهُمْ رَبُّهُمْ فِيها حُلِيّاً: مِنْها أَسَاوِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِنْها لُؤْلُؤْ (وَجَاءَ في الحَدِيثِ: تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ) (رَوَاهُ الإِمَامَانِ) وَيَكُونُ لِباسُهُمْ مِن الحَرِيرِ في الجَنَّةِ. (وجاءَ فِي الصَّحيحِ: لاَ تَلْبَسوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ فِي الدُّنيا فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ.

стр. 2511

﴿جَعَلْنَاهُ﴾ ﴿العاكف﴾ (٢٥) - إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بالله وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، وَأَنْكَرُوا مًَا جَاءَهُم بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَيَمْنَعُونًَ النَّاسَ مِنْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ اللهِ ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الوُصُولِ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ، الذي جَعَلَه اللهُ لِلَّذِين آمنُوا بهِ، كَافّةً، سَوَاءً مِنْهُمُ المُقِيمُ فِيهِ، وَالبَعِيدُ الدَّارِ عَنْهُ، فَإِنَّ الله يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذابِ الأَليمِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا يَتَهَدَّدُ اللهُ بِالعَذَابِ الأليمِ يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ يُريدُ أَنْ يَميلَ إِلى الظُّلْمِ في المَسْجِدِ الحَرَامِ فَيْعْصِيَ الله فيه، أَوْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ، مُتَعَمِّداً غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عِقَابَهُ الشَّديدَ بِأَهْلِ الضَّلاَلِ لَمَّا هَمُّوا بِتَخْريبِ البَيْتِ، فَأَرْسَلِ عَلَيْهِم الطَيرَ الأَنَابِيلَ فًَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالاً لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ بِبَيْتِ الله سُوءاً. المُسْجِد الحَرَام - الحَرَمُ أَيْ مَكَّةُ أَوْ هُوَ الكَعْبَةُ. العَاكِفُ - المُقِيمُ فِيهِ، المُلاَزِمُ لَهُ. البَادِ - الطَّارئُ غَيْرُ المُقِيمِ. إِلحَادٍ بِظُلْمٍ - يَمِيلُ عَنٍ الحَقِّ إِلى البَاطِلِ.

стр. 2512

(٢٧) - وَقَلْنَا لإِبْرَاهِيمَ: نَادِ النَّاسَ دَاعِياً إِيَّاهُم إِلى الحَجِّ إِلَى هَذا البَيْتِ الذي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ، يَأْتُوكَ مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ (رِجَالاً) ، مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَيَأْتُوكَ رَاكِينَ (رُكْبَاناً) عَلَى الخَيْلِ والجِمَالِ المُضَمَّرَةِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَبَلِّغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لاَ يَنْفُذُهُم؟ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: نَادِ وَعَلَيْنَا البَلاَغُ، فَقَامَ فَنَادَى، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُم اتَّخَذَ بَيْتً فَحُجُّوهُ. وَلِهَذَا يَرُدُّ مَنْ يَحُجُّ البَيْتَ عَلَى نِدَاءِ اللهِ قَائِلاً: (لَبِّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) . أَذَّنْ فِي النَّاسِ - نَادِ فِيهمِ وَأَعْلِمُهُمْ. رِجَالاً - مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ. ضَامِرٍ - بَعِير أَوْ فَرَسٍ مَهْزُولٍ مِنْ بُعْدِ الشُّقَّةِ. فَجٍّ عَمِيقٍ - طَرِيقٍ بَعِيدٍ.

стр. 2513

(٢٩) - ثُمَّ لِيُزِيلُوا مَا عَلِقَ بِهِمْ مَنَ الأوْسَاخِ أَثْنَاءَ السَّفَرِ والإٍِحْرَامِ فَيْحْلِقُوا الشَّعْرَ، وَيُقَلِّمُوا الأظَافِرَ، وَيُخَفِّفُوا شَعَرَ الوَجْهِ والرَّأسِ (لِيَقْضُوا تَفَثَهُم) ، وَلْيَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ وَلْيُوفُوا مَا نَذَرُوهُ مِنَ أَعْمَالِ البرِّ، وَلْيَطُوفُوا طَوافَ الوَدَاعٍِ بالبَيْتِ الحَرَامِ (البَيْتِ العَتِيقِ) ، الذي هُوَ أَقْدَمُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُم - ثُمَّ لْيُزِيلُوا بِالتَّحَلُّلِ مَا عَلِقَ بِهِمْ مِنْ أَوْسَاخٍ، أو ثُمَّ لُيؤدُّوا مَنَاسِكَهُمْ.

стр. 2514

(٣١) - وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلَى وَجْهِ الإِخْلاَصِ والعِبَادَةِ للهِ، وحْدَهُ مُخْلٍصِينَ لَهُ الدِّينَ دُونَ شُرَكَاء، لأنَّ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ سِوَاهُ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَكَانَ حَالُهُ كَحُالِ مَنْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَخَطَّفَتْهُ الطَّيْرُ، فَفَرَّقَتْ أجْزَاءَهُ فِي حَوَاصِلَها، أو كَمَنْ عَصَفَتْ بِه الرِّيحُ فَهَوتءْ بِهِ فِي المَهَاوِي العَمِيقَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ البَرَاءِ: أنَّ الكَافِرَ إِذَا تَوَفَّتْهُ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ وَصَعِدُوا بِرُوحِهِ إِلى السَّمَاءِ فَلا تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّماءِ بَلْ تُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحاً مِنْ هُنَاكَ ثُمَّ قَرَأَ هَذَهِ الآيَةَ. حُنَفَاءَ - مَائِلِينًَ عَنِ البَاطِلِ إِلى الدِّينِ الحقِّ. تَهْوِي بهِ الرِّيحُ - تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ. مَكانٍ سَحيقٍ - مَوضِعٍ بعيدٍ مُهلِكٍ.

стр. 2515

(٣٣) - وَالأَنْعَامُ التي يَتَخِذُها الحُجَّاجُ هَدَايَا لِتُنْحَرَ فِي نِهَايَةِ أيَّامِ الإِحْرَامِ، يَجُوزُ لِصَاحِبِها الانْتِفَاعُ بِهَا فَيَرْكَبُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ أَلْبَانِها وَيَسْتِفيدُ مِنْ أوْبَارِهَا وأصْوَافِها. حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ حِلَّهَا (مَحِلَّهَا) وَهو البَيْتُ الحَرَامُ، ثُمَّ تُنْحَرُ هُنَاكَ لِيَأكُلَ مِنْهَا أصْحَابُها؛ وليُطعِمُوا البُؤسَاءَ والفُقَرَاءَ. مَحٍِلُّهَا - وُجُوبُ نَحْرِها. إلَى البَيْتِ العَتِيقِ - مُنْتَهِيَةً إلى أرضِ الحَرَمِ كُلِّهِ.

стр. 2516

﴿والصابرين﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٣٥) - وَيُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى المُخْبِتينَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الذين إِذَا ذُكِرَ اللهُ خَشَعَتْ قُلُوبُهمْ وَخَافَتْ (وَجِلَتْ) ، والذين يَصْبِرُونَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ والمَصَائِبِ اسْتِسْلاماً لِقَضَائِهِ، والذين يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ، ويُؤَدُّونَها حَقَّ أَدَائِها، والذِين يُنْفِقُونَ مِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ عَلَى أَهْلِهِم وأقارِبِهِم والمُحْتَاجِينَ، ويُحْسِنُونَ إِلى خَلْقِ اللهِ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِ اللهِ. وَجِلَتْ قُلُوبُهم - خَافَتْ هَيْبَةً وَإِجْلالاً.

стр. 2517

(٣٧) - إِِنَّمَا شَرَعَ اللهُ لَكُمْ نَحْرَ هَذهِ الضَّحَايَا لِتَذْكُروا اسْمَ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِها، فَهُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ؛ وَهُوَ تَعَالَى لاَ يَنَالُه شيءٌ مِنْ لُحًُومِها، ولا مِنْ دِمائِها، فَهُوَ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، يَتَقَبَّلُ الذَبِيحَةً، وَيْجْزِي عَلَيْها. (وَكَانَ المُشْرِكُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا ذَبُحوا لآلِهَتِهِمْ، وَضَعُوا شَيْئاًَ مِنْ لُحُومِ قَرابِينِهِمِ ودِمَائِها عَلَى أَصْنَامِهِمْ) . وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَخَّرَ اللهُ لَكُمْ البُدْنَ لِتُعَظِّمُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ، وَفِعْلِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَنَهَاكُم عَنْ فِعْلِ المُنْكَر، وَعَنْ فِعْلِ مَا يَكْرَهُ. وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ المُحْسِنِينَ فِي عَمَلِهِمِ، القَائِمِينَ بِحُدُودِ اللهِ، بِأنَّ الله سَيَجْزيهِمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

стр. 2518

﴿يُقَاتَلُونَ﴾ (٣٩) - هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الجِهَادِ، وَقَدْ نَزلَتْ بَعْدَ خُروجِ النًَّبِيِّ ﵇ وَأَصْحَابِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ ظَلَمُوا المُسْلِمينَ فِي مَكَّةَ، وأَخْرَجُوهُم مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرٍ حَقٍّ، وَلاَ ذَنْبَ لَهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالله، وَقَالُوا: رَبُّنَا اللهُ. وَلِذَلِكَ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى للمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ، دَفْعً لأَذَاهُم، وإِضْعَافاً لِشَوْكَتِهِم، وتَشْجِيعاً لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ عَلَى الالْتِحَاقِ بِالمُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا قُوَّةً تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِها، وَتُرِهِبُ أعْدَاءَهَا الكفَّارَ، وإِنَّ اللهَ قَادِرٌ وَحْدَهُ عَلَى نَصْرِ المُسْلِمِينَ دُونَ عَوْنٍ مِنْهَمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يُريدُ مِنَ المُؤْمِنيِنَ أَنْ يَبْذُلُوا جُهْدَهُم فِي طَاعَةِ رَبِّهِم، وأَن يَقُومُوا بِواجِبِهِم فِي الدِّفَاعِ عَنْ أًَنْفِسِهِم وَدِينِهِِ.

стр. 2519

﴿مَّكَّنَّاهُمْ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتَوُاْ﴾ ﴿الزكاة﴾ ﴿عَاقِبَةُ﴾ (٤١) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى وَصْفَ المُءْمِنينَ المَظْلُومِينَ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ إِذَا مَكَنَّ اللهُ لَهُمْ فِي الأَرْضِ، وَحَقَّقَ لَهُمُ النَّصْرَ والغَلَبَةَ، وَجَعَلَ لَهُمُ العَاقِبَة، عَمِلُوا بِأمْرِ اللهِ، وَاجْتَنُبوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ، فَأَقَامُوا الصَّلاَةَ، وأَدَّوهَا حَقَّ أَدَائِها، وَدَفَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَرُوا بالمعْرُوفِ، وَحَثُّوا النَّاسَ عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَمَا يُرْضِي الله، وَنَهَوْا المُتَجَاوِزِينَ عَلَى حُدُودِ اللهِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ. وَعِنْدَ اللهِ حِسَابُ النَّاسِ جَميعاً فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، وَلَهُ عَاقِبَةُ الأُمُورِ، فَيجْزِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى عَمَلِهِ.

стр. 2520

﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤٣) - وَكَذَلِكَ كَذَّبَ إِبْرَاهِيمَ قَوْمُه، وَكَذَّبَ قَوْمٌ لوطِ لُوطاً ﵉.

стр. 2521

﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ (٤٥) - إِنًَّ القُرَى التي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِها وَكُفْرِها وَتَكْذِيبِها رُسُلَ اللهِ، هِيَ كَثِيرَةٌ (فَكَأين) فَأَصْبَحَتْ مُهَدَّمَةَ البُنْيَانِ، قَدْ سَقَطَتْ سُقُوفُها عَلى قِيعَانِها، وأَقْفَرَت الأَبْنِيةُ مِنْ سَاكِنيها، فَأَصْبَحَتْ مُوحِشَةً كَئِيبَةً، وَأَصْبَحَتِ الآبَارُ مُعَطَّلَةً مَهْجُورَةً لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَأتِي إِلَيْهَا لِيَحْمِلَ مِنها الماءَ، وأَصْبَحَتِ القُصُورُ، المَبْنِيَّةُ لِتَكُونَ حُصُوناً وَمَعَاقِلَ يَحَتَمِي أَصْحَابُها بِها، مَهْجُورَةً خَالِيةً مِنْ سَاكِنيها.

стр. 2522

(٤٧) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الكُفَّارَ المُكَذِّبِينَ يَرَوْنَ آيَاتِ الله، وَيَرونَ ما حَلَّ بِمَنْ سَبَقَهم مِن المُكَذِّبِينَ، مِنْ دَمَارِ وَهَلاَكٍ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ حَلَّ بِمَنْ سَبَقَهم مِن المُكَذِّبِينَ، مِنْ دَمَارٍ وَهَلاكٍ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ وَلا يَتَّعِظُونَ، وَيَسْخَرونَ مِمَّنْ يَدْعُونَهم إِلى اللهِ، ومِمَّنْ يُحَذِّرُونَهُمْ عَقُوبَتَهُ وَعذَابَهُ، وَهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَ العَذَابِ بِهِمْ، وَيَدْفَعُ بِهِمْ غُرُورُهُمْ إِلى حَدِّ اسْتِعْجَالِ وقوعِ العَذَابُ آتٍ فِي الوَقْتِ الذي حَدًَّدَهُ اللهُ، وَقَدَّرَهُ وَفْقَ حِكْمَتِهِ، وَلاَ يُعْجٍِّلُه اسْتِعْجَالُ النَّاسِ. وَتَقْدِيرُ الزَمَنِ في حِسَابِ اللهِ غَيْرُهُ فِي حِسَابِ البَشَرِ وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ اللهِ كألفِ سَنَةٍ مِمَّا يَعُدُّهُ البَشَرُ مِن سِنِّي أَرْضِهٍِمْ.

стр. 2523

(٤٨) - وَكَمْ مِنْ قَرْيَةِ ظَالِمَةٍ أَخَّرَ اللهُ إِهْلاَكَ مَعَ اسْتِمْرَارٍِهِم عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَاغْتَرُّوا بِذَلَكَ التَأْخِيرِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بَأْسَهُ وعِقابَهُ بِهِمْ، وَسَيَلْقَوْنَ يَومَ القِيَامَةِ حِسَاباً شَدِيداً عَسِيراً حِينَمَا يَرْجِعُ النَّاسُ إِلى اللهِ. وَيَومُ القِيَامَةِ يَوْمٌ لاَ يَنْفَعُ النَّاسَ فِيهِ مَالٌ وَلا بَنُونَ. فَمَا بَالُ هَؤلاءِ المُشْرِكِينَ يَسْتَعِجِلُونَ بِالْعَذَابِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِالوَعِيدِ؟

стр. 2524

﴿ياأيها﴾ (٤٩) - وَحِينَما اسْتَعْجَلَ الكُفَّارُ وَقُوعَ العَذَابِ بِهٍِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ : قُلْ لَهُمْ: إِنَّمًَا أَنَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّي أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ نَذِيراً بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيءٍ، وَإِنَّمَا أَمْرُكُمْ إِلَى الله إِنْ عَجَّلَ لَكُمُ العَذَابَ، وإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْكُم، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَى مَنْ يَتُوبُ إِلَيْهِ.

стр. 2525

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٥٠) - والذينَ آمَنَتْ قُلُوبُهم، وَصَدَّقُوا إِيَمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِم، فَإِنَّ الله تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ من سَيِّئَاتِهِمْ، وَتَقْصِيرِهِم، وَيُجَازِيهِم بالحُسْنَى عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ، وَلَهُمْ فِيهَا رِزْقٌ كَرِيمٌ.
следующие страницы →