← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

(١٩) - وَعَوَّضَهُمْ عَنِ المَغَانِمِ، التِي فَاتَتْهُمْ بِسَبَبِ صُلِحِ الحُدَيبِيَةِ، بِمَغَانِمَ كَثِيرَةٍ يأْخُذُونَها مِنْ خَيِبَرَ، وَخَصَّهُمْ بِها دُونَ غَيرِهِمْ، وَاللهُ عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.

стр. 4482

﴿آيَةً﴾ ﴿صِرَاطاً﴾ (٢٠) - وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِين بِأَنَّهُمْ سَيَحْصَلُونَ عَلَى مَغَانِمَ كَثِيرةٍ في الأيَّامِ القَادِمَةِ، مَا دَامَ فِي الدُّنيا مُسْلِمُونَ يُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ، وَعَجَّلَ لَهُم بِمَغْنَمِ خَيْبَرَ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الكُفّارِ وَالمشْرِكينَ عَنِ المدِينةِ، وَعَنْ حرَمِ المُؤْمِنينَ وَعِيالِهم، وَأَصْحَابِ الأَعْذَارِ الذِينَ بَقُوا فِيها، في غِيَابِ الجَيْشِ الإِسلامِيّ في الحُدَيبيِة وَخَيبرَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دليلاً لِلْمُؤْمِنينَ عَلَى أَنَّ اللهَ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَلِيَهْدِيَهُمْ رَبُّهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً بِاتِّباعِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمَا.

стр. 4483

(٢١) - وَوَعَدَكُمُ اللهُ فَتْحَ بِلادٍ أُخْرى لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَيها من قَبْلُ، وَلكِنَّ اللهَ أَقْدَرَكُم عَلَيها بِعِزِّ الإِسْلامِ، وَيَسَّرَ لَكُم فَتْحَهَا، واحْتِيَازَ مَغَانِمِها، وَكَانَ اللهُ قَدِيراً عَلى كُلِّ شَيءٍ، لاَ يَسْتَعْصِي عَلَيهِ أَمْرٌ. أَحَاطَ اللهُ بِهَا - أَعَدَّها اللهُ لَكُمْ أَوْ حَفَظَها لَكُمْ.

стр. 4484

﴿قَاتَلَكُمُ﴾ ﴿الأدبار﴾ (٢٢) - يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُم إِذا قَاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ لاَنْتَصَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيهِمْ، وَلاَنَهَزَمَ جَيْشُ الكُفْرِ فَارّاً مُوَلِّياًَ الأَدْبَارَ، وَلاَ يَجِدُ وَليّاً يَتَوَلَّى رِعَايَتَهُ وَيَحْرُسُهُ، وَلا نَاصراً يَنْصُرُهُ وَيُسَاعِدُهُ، لأَنَّهُ يُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.

стр. 4485

(٢٣) - وَهذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِه: مَا تَقَابَلَ الكُفْرُ وَالإِيمَانُ في مَيْدَانٍ إِلاَّ نَصَرَ اللهُ الإِيمَانَ، وَهَزَمَ الكُفْرَ، وَسُنَّةُ اللهِ لاَ تبديلَ لَها. فَقَدْ نَصَرَ اللهُ النَّبِيَّ وَالمُسْلِمِينَ في بَدْرٍ وَهُمْ قِلَّةٌ قَلِيلةٌ، وَنَصَرَهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أُخْرى.

стр. 4486

(٢٤) - يَمُنُّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُ كَفَّ أَيْدِيَ المُشْرِكِينَ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ (يومَ الحُدَيبِيَةِ) فَلَمْ يَصِلْ لِلمُؤْمِنِينَ ضَرَرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَكَفَّ أَيدِيَ المُؤْمِنينَ عَنِ المُشْرِكِينَ فَلَم يُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَأَوْجَدَ بَيْنَهُمَا صُلْحاً فِيهِ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَصْرٌ. وَقَدْ أَشَارَتْ هذِه الآيَةُ إِلى ثُلَّةٍ مِنَ الجُنْدِ أَرْسَلَتْهُم قُرَيشٌ لِيَطُوفُوا بِالمُعَسْكَرِ الإِسْلاميِّ يَلْتَمِسُونَ غَرَّةً لِيُصِيبُوا مِنْهُم، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَسَرَتْهُمْ جَمِيعاً، وَجَاءَتْ بِهِمْ إِلى النَّبِي، فَعَفَا رَسُولُ اللهِ عَنْهُم، فَكَانَ أَسْرُهُمْ ظَفَراً لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ اللهُ بِصِيراً بِأَعْمالِكُم وَأعْمالِهِمْ، لاَ يَخْفَى عَلَيهِ مِنْها شَيءٌ. بِبَطْنِ مَكَّةَ - بِالحُدَيْبِيَةِ قُرْبَ مَكَّةَ. أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ - نَصَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَأَظْهَرَكُمْ.

стр. 4487

﴿مُّؤْمِنَاتٌ﴾ (٢٥) - وَهؤُلاءِ الذِينَ كَفَّ اللهُ أَيْدِيَ المُسْلِمِينَ عَنْهُمْ، وَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِبَطْنِ مَكَّةَ، هُمُ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيشٍ وَمَنْ وَالاَهُمْ، واجْتَمَعَ لِنُصْرَتِهِمْ مِنَ الأَحَابِيشِ وَثَقِيفٍ وَغَيرِهِمْ، وَهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ، وَصَدُّوا المُسلِمِينَ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَنَعُوا الهَديَ الذِي سَاقَه النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ أَنْ يَصِلَ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِيُذْبحَ عِنْدَهُ، بَعْدَ أَدَاءِ مَنَاسِكِ الحَجِّ والعَمْرَةِ " وَكَانَ النَّبِيُّ سَاقَ مَعَهُ سَبعِين بَدَنَةً لِيَنْحَرَها عِنْدَ الحَرَمِ ". لَقَدْ كَانَ فِي مَكَّةَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ يَكْتُمونَ إِيمانَهُمْ خِيفَةً مِنْ إِيذَاءِ قُرَيشٍ، وَكَانَ دُخُولُ المُسْلِيمنَ مَكَّةَ حَرْباً سَيُؤدِّي إِلى أَنْ يَقتُلَ المُسْلِمُونَ الدَّاخِلُونَ مِكَّةَ عَنْوَةً بَعْضَ هؤُلاءِ المُسْلِمِينَ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِهِمْ، وَلَولا ذَلِكَ لَسَلَّطَ اللهُ النَّبِيَّ والمُسْلِمينَ عَلَى الكُّفَارِ وَلَقَتلوهُمْ وَأَبَادُوهُمْ، وَلَدَخَلُوا مَكَّةَ عَنْوةً، ولكنَّه تَعَالى لم يَشَأْ أَنْ يَقتلَ المُسْلِمُونَ إِخْوانَهُمُ المُسْلِمِينَ المُوْجُودِينَ في مَكَّةَ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَهُم، فَيَلْحَقَهُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ إِثمٌ وَغَرَامَةٌ (أَيْ كَفَّارَةُ القَتْلِ الخَطَأ) . وَقَدْ حَالَ اللهُ تَعَالى دُونَ وَقوعِ القِتَالِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِيُتِيحَ لِلْمُسْلِمِينَ المَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ الخُرُوجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الكُفَّارِ، وَالنجَاةَ والسَّلامَةَ مِنَ الأَذى، وَلِيُتِيحَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِين الدُّخُولَ في الإِسْلامِ، قَبْلَ أَنْ يَدخُلَ المُسْلِمُونَ في مَكَّةَ. وَلَوْ كَانَ الكُفَّارُ مُتَمَيِّزِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، المَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ في شيءٍ، فَيَعْرِفُ المُسْلِمُونَ، الدَّاخِلُونَ مَكَّةَ، هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ، لِسَلَّطَ اللهُ المُسْلِمِينَ عَلَى الكَافِرينَ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً. الوَطْءُ - الدَّوْسُ. المَعَرَّةُ - الإِثْمُ أَوِ الغَرَامَةُ أَوِ الكَفَّارَةُ. تَزَيَّلُوا - تَمَيِّزُوا. عَكَفَهُ - حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إِلى غَايَتِهِ. الهَدْيُ - البُدْنُ التِي تُسَاقُ لِتُنْحَرَ عِنْدَ الحَرَمِ. مَحِلَّهُ - المَكَانَ الذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ.

стр. 4488

﴿الجاهلية﴾ (٢٦) - وَلَولا وُجُودُ الرِّجَالِ المُسْلِمِين، وَالنّساءِ المُسْلِماتِ، فِي مَكَّةَ لَعَذَّبَ اللهُ الكُفَّارَ، وَلَسَلَّطَ عَلَيهِم المُؤْمِنِينَ يَقْتُلُونَهُمْ حِينَما جَعَلُوا في قُلُوبِهِم حَمِيَّةَ الجَاهِلِيةِ، وَعُنْجُهِيَّتَهَا، إِذ أبى مُمَثِّلُهُمْ في مُفَاوَضَاتِ الصُّلْحِ (سُهَيْلُ بَنُ عَمْرو) أَنْ يَكْتُبَ فِي وَثِيقَةِ الصُّلْحِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) كَما أَبَى أَنْ يَكْتُبَ فيها (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ، وَحِينَما أَخْذَتْهُمُ العِزَّةُ بالإِثْمِ فَأَصَرُّوا عَلَى مَنْعِ الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ في عَامِهِمْ ذَاكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ الهُدُوءِ والطُّمَأنْينَةَ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلى المُؤْمِنينَ، فَهَدَأَتْ نُفُوسُهُمْ، وَقَبلُوا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ، وَحَماهُمُ اللهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَألزَمَهُمْ كَلمةَ التَّقْوى والتَّوحيدِ (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) وَكَانُوا هُمْ أَهْلَها، وَأَحَقَّ بِها مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ اللهُ عَالِماً بِكُلِّ شَيءٍ مِنْ أَحْوَالِ المُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ، وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلْقِ بِعَمَلِهِ. الحَمِيَّةَ - الأَنَفَةَ وَالغَضَبَ وَالعَنْجُهِيَّةَ. السَّكِينَةُ - الهُدُوءُ وَالوَقَارُ. كَلِمَةَ التَّقْوى - لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ.

стр. 4489

﴿الرءيا﴾ ﴿آمِنِينَ﴾ ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ (٢٧) - قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينةِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ رَأَى في مَنَامِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنين، مِنْهُم مَنْ يَحْلِقُ شَعْرَ رَأسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَصِّرُ شَعْرَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَه فَفَرِحُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ عَامَهُم ذَاك، فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَائِدِينَ مِن الحَدَيبيَةِ، عَقِبَ تَوقِيعِ الصُّلْحِ مَعَ قُريشٍ بِدُونِ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ أَبا بَكْرٍ وَعَدَداً مِنَ الصَّحَابَةِ يَسْأَلُ عَنْ أَسْبَابِ الرِّضَا بهذا الصُّلْحِ الذي ظَنَّهُ يَحْوي شُرُوطاً لَيْسَتْ في صَالِحِ الإِسْلامِ وَالمُسْلِمين، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ إِنَّكَ سَتَدْخُلُ مَكَّةَ هذا العَامَ؟ قَالَ لاَ، قَالَ: فإِنَّكَ سَتَأتِيهِ وَسَتَطُوفُ بِهِ. وَيَذْكُرُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ أَرَى رَسُولَهُ في مَنَامِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرَامَ مَعَ المُؤْمِنينَ، وَهُم آمِنُون مُطْمَئِنُّون، لاَ يَخافُونَ المُشْرِكين، وَقَدْ أَدَّوا مَنَاسِكَهُمْ، فَحَلَقَ بَعْضُهُم شَعْرَ رأْسِه، وَسَيَجْعَلُ مَا أَراهُ رَسُولَهُ حَقّاً. لَكِنَّهُ تَعَالى عَلِمَ أَنْ في مَكَّةَ رِجَالاً وَنِسَاءً مِنَ المُسْلِمِين لاَ يَعْرِفُهُمْ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَلَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ عَنْوَةً لَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَلأَصَابُوا بَعْضَهُمْ، فَرَدَّ اللهُ المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ العَامِ لِيَمْنَعَ إِيذَاءَ المُسْلِمِينَ المُقِيمِينَ فِيها، وَجَعَلَ قَبْلَ دُخُولِ الرَّسُولِ وَالمسلِمِينَ مَكَّةَ فَتْحاً قَرِيباً، يُحَقِّهُهُ اللهُ لِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحُ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَقَّقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بَعَامَينَ فَتْحَ مَكَّةَ وَانْهِيَارَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. فَتْحاً قَرِيباً - صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ أَوْ فَتْحَ خَيْبَرَ.

стр. 4490

(٢٨) - وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذَي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى ودَين الإِسْلامِ، لِيَجْعَلَ الإِسْلامَ - وَهُوَ دِينُ الحَقِّ - ظَاهِراً عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ في الأَرْضِ، وَقَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ بِدُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ آمِنُونَ، فحَققَ اللهُ ذَلِكَ الوَعْدَ، وَسَيُحَققُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ بأنَّهُ تَعَالى سَيُظْهِرُ الإِسْلاَمَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَهُوَ تَعَالى شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبداً. لِيُظْهِرَهُ - لِيُعْلِيَهُ وَيُقَوِّيَهُ.

стр. 4491

﴿تَرَاهُمْ﴾ ﴿رِضْوَاناً﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿شَطْأَهُ﴾ ﴿فَآزَرَهُ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٢٩) - إِن مُحمداً ﷺ رَسُولُ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً، بِلاَ شَكٍّ وَلاَ رَيبٍ، وَإِنَّ أصْحَابَهُ يَتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ الجَمِيلةِ الحَسَنةِ، فَهُمْ أشِدَّاءٌ غِلاَظُ القُلُوبِ عَلَى الكُفارِ، وَهُمْ رُحَماءُ مُتَوَادُّونَ فيما بَيْنَهم يَرَاهُم النَّاظِرُ إليهِمْ دَائِبينَ عَلَى أدَاءِ الصَّلاةِ، مُخْلِصِينَ فيها للهِ، مُحْتَسِبينَ أجْرَهَا عِنْدَ اللهِ، يَبْتَغُونَ بِصَلاتِهِمْ رِضَا اللهِ وَرِضْوَانَهُ، تَتْرُكُ نُفُوسُهُمُ المُطْمَئِنَّةُ أَثَراً عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَهِي هَادِئَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ مَسْتَبْشِرَةٌ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ المُؤمِنينَ المُخْلِصِينَ في التورَاةِ. وَجَاءَ وَصْفُهُمْ في الإِنجيلِ أَنَّ أتْبَاعَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَليلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَلِيلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ فُروعَهُ (شَطْأهُ) التي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ عَلَى جَوَانِبِهِ، فَيَقْوى وَيَتَحَوَّلُ من الدِّقَّةِ إِلى الغِلْظَةِ، وَيَسْتَقيمُ عَلَى أصُولِهِ فَيُعْجَبُ بِهِ الزَّراعِ لِخِصْبِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ، وَقَدْ نَمَّاهُمُ اللهُ وأكْثَرَ عَدَدَهُم لِيَغِيظَ بهم الكُفَّارَ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، العَامِلِينَ للصَّالِحَاتِ، بأن يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهمْ، وَأنْ يُجْزِلَ لَهُمُ الأجْرَ والعَطَاءَ، وبِأنْ يُدْخِلَهُمْ جَنَّاتِهِ، وَاللهُ لاَ يُخْلِفَ وَعْدَهُ أبَداً. مَثَلُهُمْ - صِفَتُهُمْ. أزَرَهُ - قَوَّاهُ وَأعَانَهُ. الشَّطْءُ - فُرُوخُ الزَّرْعِ وَهُوَ مَا خَرَجَ مِنْ حَوَالَيْهِ وَتَفَرَّعَ. استَوَى عَلَى سُوقِهِ - اسْتَقَامَ عَلَى أصُولِهِ. سِيَماهُمْ - عَلاَمَتُهُمْ.

стр. 4492

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١) - يُؤدِّبُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، وَيُعَلِّمُهُمْ أصُولَ مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ والتَّعَامُلِ مَعَهُ، وَتَوْفِيَتِه حَقَّهُ مِنَ التَّوقِيرِ والاحْتِرَامِ. فَيَقُولُ تَعَالى للْمُؤمِنين: لا تُسْرعُوا في القَضَاءِ في أمْرٍ قَبْل أن يَقْضِيَ لَكُم فِيهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَكُونُوا تَبَعاً لِقَضَائِهِما وَأمْرِهما، وَلاَ تَتَكَلَّمُوا في أمْرٍ قَبْلَ أنْ يَأتِيَ الرَّسولُ عَلَى الكَلامِ فِيهِ، وَلا تَفْعَلُوا فِعْلاً قَبْْلَ أنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ، واتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ لما تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. وَرُوِيَ أنَّ هذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ رَداً على أنَاسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ لوْ أُنزِلَ فِي كَذا وَكَذا) . لا تُقَدِّمُوا - لاَ تَقْتَرِحُوا - أو لا تَقْطَعُوا أمْراً.

стр. 4493

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَصْوَاتَكُمْ﴾ ﴿أَعْمَالُكُمْ﴾ (٢) - وَإِذا نَطَقْتُمْ وَأنْتُمْ في حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَلاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِهِ، وَلاَ تْبلُغُوا بها الحَدَّ الذي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، لأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الاحْتِرَامِ. وَإِذا كَلَّمْتُمُوهُ وَهُوَ صَامِتٌ فَلاَ تَبْلُغُوا بهِ الجَهْرَ الذي يَدُورُ بَيَنكُم، وإذا كَلَّمْتُمُوهُ فَلا تَقُولُوا لَهُ: يا محمَّدُ، بَلْ خَاطُبوهُ بالنُّبُوَّةِ (كَيَا نَبِيَّ اللهِ، وَيَا رَسُولَ اللهِ) مَخَافَةَ أَنْ يُؤْدِّيَ، ذلِكَ التَّهَاوُنُ فِي تَوْفِيَةِ الرَّسُولِ حَقَّهُ مِنَ الاحتِرامِ، إِلى الكُفْرِ وَبُطْلانِ الأعْمَالِ، وَأنتُمْ لاَ تَشْعُرونَ بِذلِك. (رُوِي أَنَّ هذهِ الآية نَزَلَتْ في أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَدْ جَاء وَفْدٌ مِنْ تَميمٍ فأَشَارَ أَبُو بَكْر عَلَى النَّبِيِّ بأنْ يُؤمِّرَ عَليهِم القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَأشَارَ عُمَرُ بأنْ يُؤَمِّرَ عَلَيهِم الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَتَمارِيا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، وارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ كَانَ أَبُو بَكرٍ لاَ يُكَلِّمُ الرَّسُولَ إِلا هَمْساً، وَكَانَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَلاَ يَسْمَعُهُ الرَّسُولُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ) . أنْ تَحْبَطَ - مَخَافَةَ أوْ كَرَاهِيَةَ أنْ تَبْطُلَ أَعْمَالُكُمْ.

стр. 4494

﴿أَصْوَاتَهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ (٣) - والذِينَ يَخْفِضُونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ في حَضْرَتِهِ إِجْلالاً واحتِراماً، هُمُ الذِينَ ابتْلَى اللهُ قُلُوبَهم بالمِحَنِ والتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، حَتَّى تَطَهَّرَتْ وَصَفَتْ بِما كَابَدَتْهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى المَشَاقِّ، وَهَؤُلاءِ لَهُم مَغْفِرةٌ مِنْ رَبِّهمْ لذُنُوبِهمْ، وَلَهُم ثَوَابٌ عَظِيمٌ عَلَى غَضِّهم أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ احتِراماً مِنْهُمْ لَهُ، وَتَعْظِيماً لِقَدْرِهِ. يَغُضُّونَ - يَخْفِضُونَ. امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ - أخْلَصَها وَصَفَّاهَا.

стр. 4495

﴿الحجرات﴾ (٤) - اجْتَمعَ أناسٌ مِنَ العَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إِلى هَذَا الرَّجلِ، فَإِنْ كَانَ نَبِيّاً فَنَحْنَ أسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكاً نَعِشْ بِجَنَاحِهِ، فَجَاؤُوا إلى حُجْرِةِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُو في حُجْرتِهِ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآيةَ الكَريمةَ تأدِيباً لهؤُلاءِ وأمْثَالِهِمْ، الذِينَ يَأتُونَ إِلى النَّبيِّ، وَهُوَ في بَيْتِهِ مَعَ نِسَائِهِ، فَيُنَادُونَهُ بأصْواتٍ مُرْتَفِعةٍ لِيَخْرُجَ إليهِمْ. وَيَقُولُ تَعَالى: إِنَّ الذِينَ يَفْعَلُون ذَلِكَ أكْثَرُهُم جُهَّالٌ بِمَا يَجِبُ لِلرَّسُولِ مِنَ التَّعظِيمِ وَالاحتِرامِ. الحُجُراتُ - بَيْتُ الإِنسَانِ وَأماكنُ خَلْوَتِهِ مَعَ أهْلِهِ.

стр. 4496

(٥) - وَلَوْ أنَّ هؤلاءِ الذِينَ جَاؤُوكَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُراتِ بِأصْواتٍ مُرْتَفِعَةٍ، صَبَرُوا وَلَمْ يُنَادُوكَ حَتَّى تَخْرُجَ أنْتَ إليهِمْ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِذَلِكَ قَدْ بَرْهَنُوا عَلى مَا يُكِنُّونَهُ لَكَ مِنَ الاحتِرَامِ وَالتَّوقِيرِ.

стр. 4497

﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿بِنَبَإٍ﴾ ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ ﴿نَادِمِينَ﴾ (٦) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبي مُعيطٍ، فَقَدْ أرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى بَني المُصْطَلَقِ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَكَانَ رَئِيسُهُم الحَارِثُ بنُ ضِرارٍ الخِزَاعِي قَدْ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأسْلَمَ، وَسَألَ الرَّسُولَ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْمِهِ فَيَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلامِ فَمَنِ اسْتَجَابَ مِنْهُم لَهُ جَمَعَ الزَّكَاةَ مِنْهُ، عَلَى أنْ يُرْسِلَ الرَّسُولُ مَبْعُوثاً مِنْ قِبَلِهِ، في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لِيَقْبِضَ مَا جَمَعَهُ الحَارِثُ مِنْ صَدَقاتِ بَني المُصْطَلقِ. فَقَامَ الحَارِثُ بِمَا أمَرَه بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلما مَضَى المَوْعِدُ المُحَدَّدُ وَلَم يَحْضُرْ إليهِ أحْدٌ مِنْ قِبلِ الرَّسُولِ، خَافَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ قَدْ غَضبَ عَلَيه لأمْرٍ مَا، فَجَمَعَ وُجُوهَ قَوْمِهِ وَسَارَ بِهمْ إِلى الرَّسُولِ في المَدِينَةِ. وَكَانَ الوَليدُ بْنُ عُقْبَة قَدْ تَوجَّهَ إِلى بَني المُصْطَلقِ مَبْعُوثاً من رَسُولِ اللهِ، فَلَمَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ تَخَوَّفَ مِنْ أنْ يَقْتُلَهُ بَنُوا المُصْطَلَقِ فَعَادَ وأخْبَرَ الرَّسُولَ بأنَّ بَني المُصْطَلقِ مَنَعُوهُ الزَّّكَاةَ، وَكادُوا يَقْتُلُونَهُ. (وَقِيلَ إنَّ بَني المُصْطَلقِ عَلِمُوا بِمَقْدَمِ الولِيدِ فَفَرِحُوا بهِ وَخَرَجُو للقَائِهِ فَخَافَ مِنْهُم وَعَادَ) . فلما سَألَ الرَّسُولُ ﷺ الحَارثَ عَنْ سَبَبِ مَنْعِهِم الزَّكَاةَ، وَمُحَاوَلَتِهِمْ قَتْلَ رَسُولِهِ، قَالُوا لهُ: لاَ والذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا جَاءَنَا أحَدٌ. فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآية. وفي هَذِهِ الآيةِ يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَتَعجَّلُوا في حَسْمِ الأمُورِ وَتَصْدِيقِ الأخْبَارِ التي يَأتِيهِمْ بها أناسٌ فَسَقَةٌ، غَيْرُ مأمُونينَ في خُلُقِهِمْ وَدِينِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ، لأنَّ مَنْ لا يُبَالي بالفِسْقِ فَهُوَ أجْدَرُ بأنْ لا يُبَالي بالكَذِبِ، ولا يَتَحَامَاهُ، وَقَدْ يُؤدِّي التَّعْجِيلُ في تَصْدِيقِ الأنباءِ التِي يَنْقُلُها الفُسَّاقُ إلى إصَابةِ أناسٍ أبْرياءَ بأذًى، والمُؤْمِنُونَ يَجْهَلُونَ حَالَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ الإِيذاءُ سَبَباً لِنَدامَتِهِمْ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ.

стр. 4498

﴿الإيمان﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الراشدون﴾ (٧) - واعلَمُو يَا أَيُّها المُؤْمِنُون أنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَ أظْهُركُمْ فَعَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَاصْدُقُوهُ، وَتأدَّبوا مَعَهُ، وَهُوَ أَشْفَقُ عَلَيكُمْ مِنْ أنفِسكُم، وَلَوْ أنّهُ تَعَجَّلَ في عَمَلِ مَا أرَدْتُم قَبْلَ وَضُوحِ الأمرِ، وَقَامَ بِمَا أَشَرْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الآراءِ لَوَقَعْتُم في الإِثْمِ وَالمَشَقَّةِ والحَرَجِ (لَعَيِنتُّمْ) ، وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إليكُم الإِيمَانَ والأُمُورَ الصَّالِحَةَ، وَجَعَلَكُمْ تَكْرَهُونَ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعَصْيَانَ. وَهَؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بالصِّفاتِ السَّابِقَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ المُهتَدُونَ، الذِينَ آتاهُمُ اللهُ رُشْدَهُمْ. لَعَنِتُّمْ - لأَثِمْتُمْ وَهَلكْتُمْ.

стр. 4499

(٨) - وَهذَا العَطَاءُ، الذِي مَنَحَكُمُ اللهُ إيَّاهُ، هُوَ فَضْلٌ منهُ عَليكُمْ، وَإِنعَامٌ عَلَيكُمْ مِنْ لَدُنْهُ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايةَ ممَّنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَايةَ، وَهُوَ حَكِيمٌ في شرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.

стр. 4500

﴿طَآئِفَتَانِ﴾ ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿فَقَاتِلُواْ﴾ (٩) - وإذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمنينَ فَأصِلِحُوا - يا أيُّها المُؤْمِنُونَ - بَينَهما بالعَدْلِ، وذَلِكَ بالدَّعْوةِ إِلى حُكْمِ اللهِ، وَالرِّضَا بِمَا فيهِ، فإذا أبَتْ إِحْدَى هَاتِينِ الطَّائِفَتَينِ الإِجَابَةَ إلى حُكْمِ اللهِ، وَتَجَاوَزَتْ حُدُودَ العَدْلِ، وأَجَابتِ الاخْرى، فَقَاتِلُوا التي تَعْتَدِي وَتأبى الإِجَابَةَ إلى حُكْمُ اللهِ، حَتَّى تَرْجِعَ إليهِ وَتَخْضَعَ لَهُ، فَإِنْ رَجَعَت الطَّائِفَةُ البَاغِيةُ إلى الرِّضا بِحُكْم اللهِ، فَأصْلِحُوا بَينَهما بالعَدْلِ، وَاعْدِلُوا في حُكْمِكُم فإنَّ اللهَ يُحبُّ العَادِلينَ، وَيَجزِيِهْم أحْسَنَ الجَزَاءِ. بَغَتْ - اعتَدَتْ. تَفيءُ - تَرْجعُ. أقسِطُوا - اعدِلُوا في كُلِّ أمُورِكُمْ. المُقْسِطِينَ - العَادِلينَ.

стр. 4501

(١٠) - المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ في الدِّينِ، (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ ") . فأصْلِحُوا بَينَ الأخَوينِ المُتَقَاتِلَينِ، أو الطَّائِفَتَين المُتَقَاتِلَتَين كَما تُصْلِحُونَ بين الأخَوينِ منَ النَّسَبِ، وَاتْقُوا اللهَ في جَميعِ أمُورِكُم لَعَل اللهَ يَرْحَمُكُم وَيَصْفَحُ عَمَا سَلَفَ مِنْكُم مِنْ ذُنُوبٍ وَهَفَواتٍ.

стр. 4502

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بالألقاب﴾ ﴿الإيمان﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿الظالمون﴾ (١١) - يَنْهَى اللهُ تَعَالى المُؤْمنينَ عنِ السُّخرِيةِ مِنْ إِخْوانِهِم المُؤْمِنينَ، وَالاستْهزاءِ بِهِمْ، وَاسْتصْغَارِ شأَنِهِم، فَقَدْ يَكُونُ المُسْتَهزَأ بهِ أكْرَمَ عِنْدَ اللهِ مِنَ السَّاخِرِ مِنهُ، وَالمُحتقِر لهُ، فَيَظْلمُ نَفْسَه بِتَحْقيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللهُ. كَمَا نَهى تَعَالى النِّساءَ المُؤْمِنَاتِ عَنْ أنْ يَسْخَرْنَ مِنْ أخَواتِهِنَّ المُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ تَكُونُ المُسْتَهزأ بِها أكرَمَ عِنْدَ اللهِ مِنَ السَّاخِرةِ مِنْها. كَما أمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بألاَّ يَغْتَابَ بَعْضُهُم بَعْضاً، وَبأنْ لاَ يَعِيبَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَبأنْ لا يَطْعَنَ بَعْضهُمْ في بَعْضٍ. وَاعْتَبَرَ تَعَالى لَمْزَ الإِنسَانِ أخَاهُ كَلمْزِهِ نَفْسَهُ، وَطَعنَهُ أخَاه كَطَعْنِهِ في نَفْسِهِ، لأنَّ المُسْلِمينَ جِسَدٌ وَاحِدٌ إِنِ اشتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهرِ وَالحمى. كَما قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وأمرُ الله تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِلَقَبِ يَسُوؤُهُ أو يَكْرَهُهُ، كَأنْ يَقُولَ مُسْلِمٌ لأخِيهِ المُسْلِمِ: يا فَاجِرُ، أوْ يَا غَادِرُ أو يَا عَدُوَّ اللهِ أو يَا مُنَافِقُ. . . (وَقَالَ ابنُ عَبّاس: " إنَّ التَّنَابُزَ بالألْقَابِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السِّيئَاتِ ثُمَّ تَابَ، وَرَجَعَ إِلى الحَقِّ، فَنَهى اللهُ تَعَالى أنْ يُعَيَّر بِما سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ ") . وَبِئْسَتِ الصِّفَةُ، وَبِئْسَ الاسْمُ للْمُؤْمِنينَ أنْ يُذكَرُوا بالفُسُوقِ بَعْدَ دُخُولِهمْ في الإيمَانِ. وَمَن لم يَتُبْ مِنْ نَبْزهِ أخَاهُ المُؤمِنَ بِلَقَبِ يَكْرَهُهُ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ لَمْزهِ إخْوَتَهُ، وَمِنْ سُخْرِيَتِهِ مِنْهُم. . فأولئِكَ هُمُ الظَّالِمونَ الذِينَ ظَلَمُوا أنفُسَهم فَأكْسَبُوها عِقَابَ اللهِ بِعِصْيَانِهِم إيَّاهُ. لا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ - لاَ يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ. لاَ يَسْخَرْ - لا يَهْزأ. لا تَلْمِزُوا أنْفسَكُمْ - لا يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَلاَ يَطْعَنْ فِيهِ.

стр. 4503

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٢) - يَنْهى اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَن الظَّنِّ السَّيِّء بإخوانِهِمْ المُؤْمِنينَ، لأنَّ ظَنَّ المُؤْمِنِ السَّوْءَ إِثمٌ، لأنَّ اللهَ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ، فَإذا فَعَلَهُ فَهُوَ آثمٌ. (وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ. لاَ تَجَسُّوَا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْواناً ") . (البَخَارِيُّ وَمُسْلمٌ) . ثُمَّ نَهَى اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَنْ أن يَتَجَسَّسَ بَعُضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ أنْ يَتَتَبَّعَ بَعْضُهُم عَوْرَاتِ بَعْضٍ، وَعَنْ أنْ يَبْحَث الوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ سَرَائِرِ أخِيهِ، وَهُوَ يَبْتَغِي بِذِلَكَ فَضْحَهُ، وَكَشْفَ عُيُوبِهِ. ثُمَّ نَهَاهم عَنْ أنْ يَغْتَابَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَعَنْ أنْ يَذْكُرَ أحَدُهُمْ أخَاهُ بما يَكْرَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَخَلْقِهِ وَخُلُقِهِ وَأهلِهِ وَمَالِهِ وَزَوْجِهِ وَوَلدِهِ. . (كَما عَرَّفَ رَسُولُ اللهِ الاغِتْيَابَ) . (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بلِسَانِهِ وَلَم يَدْخُلِ الإِيمانُ قَلْبَهُ: لاَ تَغْتَابُوا المُسْلِمينَ، وَلاَ تَتبَّعُوا عَوْرَاتِهِم فإِنَّ مَنِ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في عُقْرِ بَيْتِهِ ") . وَشَبَّه تَعَالى اغْتِيَابَ المُؤْمِنِ لأخيِهِ المؤمِنِ بأكْلِهِ لَحمَهُ بَعْدَ موتِهِ، وَقَالَ لِلمُؤمِنِينَ إنَّهم إذا كَانَ أَحَدُهُمْ يَكْرَهُ أكْلَ لَحْمِ أخِيهِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَإذا كَانَتْ نَفْسُهُ تَعَافُ ذَلِكَ فَعَلَيهِمْ أنْ يَكْرَهُوا أنْ يَغْتَابُوهُ في حَيَاتِهِ. وَلِلْغِيبَةِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ: الغِيبَةُ - وَهِيَ أنْ يَقُولَ الإِنسَانُ في أخيهِ مَا هُوَ فيه مِمَّا يَكْرَهُهُ. الإٍفْكُ - أنْ يَقُولَ فِيهِ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. البُهْتَانُ - أنْ يَقُولُ فيهِ مَا لَيسَ فيهِ ممّا يَكْرَهُهُ. ثُمَ حَثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلى تَقْوى اللهِ، وَعَلَى تَرْكِ الغِيبَةِ، وَمُرَاقَبِتِهِ تَعَالى في السِّرِّ والعَلنِ، فإذا تَابُوا وانتَهَوا واستَغْفَروا رَبَّهم عَمّا فَرَطَ مِنْهُم، اسْتَجَابَ لَهُم رَبُّهُمْ، فَتَابَ عَلَيِهمْ، لأنَّه تَعَالى كَثيرُ التَّوْبِ عَلَى عِبَادِهِ، كَثِيرُ الرَّحمةِ بِهِمْ. كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِثْمٌ - هُوَ ظَنُّ السُّوءِ بأهْلِ الخَيْرِ. لاَ تَجَسَّسُوا - لا تَتَتَبَّعُوا عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ. فَكَرِهْتُمُوهُ - فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلاَ تَفْعَلُوهُ.

стр. 4504

﴿ياأيها﴾ ﴿خَلَقْنَاكُم﴾ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ﴿قَبَآئِلَ﴾ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (١٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيةِ أنَّ النَّاسَ جَمِيعاً إخوةٌ لأمٍّ وأبٍ، وَلِذَلِكَ فَلَيسَ لأحَدٍ مْنهُمْ أنْ يَسْتَعْلِيَ عَلَى أحَدٍ مِنْ إخْوَتِهِ، وَلا أنْ يُسيءَ إليهِ، وَلا أنْ يَنْتَقِصَهُ، وَلا أنْ يَغْتَابَهُ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ بالتَّكاثُرِ شُعُوباً وَقَبَائِلَ مُخْتَلِفَةً لِيتَمَكَّنَ بَعْضُهُم مِنْ مَعْرِفَةِ بَعْضٍ، كأنْ يُقَالَ هذا فُلانُ بنُ فَلاَنٍ مِنْ قَبيلَةِ كَذَا مِنْ بَطْنِ كَذَا. وَلاَ فَضْلَ لأحَدٍ عَلَى أحَدٍ إلا بالتَّقْوى، وَالأتْقَى هُوَ الأكْرِمُ عِنْدَ اللهِ، وَالأرْفَعُ مَنْزِلَةً، وَلاَ قِيمَةَ في مِيِزَانِ اللهِ لِلأمْوالِ والأحْسَابِ وَالأولادِ، وَإِنَّما القِيمَةُ للتُّقى وَالصَّلاحِ وَطَهَارَةِ القَلْبِ، وَالخَوفِ مِنَ اللهِ، وَالإِخْلاَصِ في مَحَبَّةِ النَّاسِ، وَالنُّصْح لَهُمْ. وَاللهُ عَلِيمٌ بِما تَنْطَوِي عَلَيهِ الصُّدُورُ، خَبيرٌ بأُمُورِ العِبَادِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَتَعظُّمَها بِآبائِها، فَالنَّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ نَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَرَجُلٌ فَاجِرٌ شَقيُّ هَيِّنٌ عَلَى الله تَعَالى ") . ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ.

стр. 4505

﴿آمَنَّا﴾ ﴿الإيمان﴾ ﴿أَعْمَالِكُمْ﴾ (١٤) - قَالَتِ الأعْرابُ: آمَنَّا باللهِ، وَصَدَّقْنا رَسُولَهُ. فَرَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَيهم مُؤْدِّباً وَمُعَلِّماً، وأمرَ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بأنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ الإِيمانَ هوَ التَّصْدِيقُ مَعَ طُمأنِينَةِ القَلْبِ، وَالوُثُوقُ الكَامِلُ بِاللهِ، واتِفَاقُ القَلْبِ واللِّسَانِ والعَمَلِ، وَهذِهِ مَرْتَبَةٌ لم تَصِلوا إليها بعْدُ. وَلَكِنْ قُولُوا: أسْلَمْنَا وَانْقَدْنا إليكَ طَائِعِينَ مُسْتَسْلِمينَ، فإنْ أطعَمْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وأخْلَصْتُمُ العَمَلَ فَإِنَ اللهَ لاَ يَنْقصُكُمْ مِنْ ثَواب أعْمَالِكُمْ شَيئاً، وَاللهُ غَفُورٌ يَغْفِرُ الهَفَواتِ والزَّلاَّتِ، إذَا تَابَ العَبدُ مِنْها، واسْتَشْعَرَ قَلبُهُ النَّدمَ، وَهُوَ تَعَالى رَحِيمٌ لاَ يُعَذِّبُ العَبْدَ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ أنْ غَفَرَه اللهُ لهُ بَعد التَّوبةِ. آمنَّا - صَدَّقْنا بِقُلُوبنا وألْسِنَتِنَا. أسْلَمْنَا - اسْتَسْلَمْنَا خَوْفاً وَطَمَعاً. لا يَلِتْكُمْ - لا يَنْقُصكُمْ وَلا يَظْلِمكُمْ.

стр. 4506

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الصادقون﴾ (١٥) - وَيُعَرِّفُ اللهُ تَعَالى للنَّاسِ الإِيمَانَ في هَذِهِ الآيةِ فَيُقَرِّرُ: إنَّ المُؤْمِنينَ إيماناً حَقّاً هُمُ الذين صَدَّقوا اللهَ وَرَسُولهَ وَلَم يَشُكُّوا، وَلَم يَتَزَلْزَلُوا، وَلم يَتَرَدَّدوا، وَبَذَلَوا أنْفُسَهُم وَأمْوالَهُمْ لِلْجِهَادِ في سَبيلِ اللهِ، وَرِفْعةِ شَأْنِ الإِسْلامِ، وَهَؤلاء هُمُ المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ في إِيمَانِهمْ.

стр. 4507

﴿السماوات﴾ (١٦) - وَقُلْ يَا مُحمَّّدُ لِهؤُلاءِ الأعْرابِ الذِينَ يَدَّعُونَ الإِيمانَ، وَيَقُولُونَ إنَّهُمْ مُؤِمِنونَ حَقّاً: إنَّ اللهَ أعْلَمُ مِنْكُمْ بِما في أنْفُسِكُمْ وَضَمَائِرِكُمْ، وَهُوَ تَعَالى قَدْ أحَاطِ عِلمُهُ بِجَمِيعِ مَا في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبيرٍ، لاَ يَفُوتَه شَيءٌ منْهُ، فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ يَخْفَى عَلَى اللهِ شَيءٌ مِن أمُورِكُمْ ودِينكِمُ، واحذَرُوا أنْ تَقُولُوا خِلاَفَ مَا في ضَمَائِرِكُمْ، لأنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ، وَيُحَاسِبُكُمْ عَلَيه. أتُعَلِّمُونَ الله بِدِينكُمْ - أتُخَبِّرُونَهُ بِقَولِكُم آمَنَّا.

стр. 4508

﴿إِسْلاَمَكُمْ﴾ ﴿هَدَاكُمْ﴾ ﴿لِلإِيمَانِ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (١٧) - جَاءَتْ بَنْو أسَدٍ إلى النَّبيِّ ﷺ مُسْلِمِينَ وَقَالُوا لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ أسْلَمْنا وَقَاتَلْتَكَ العَرَبُ وَلم نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: " إنَّ فِقْهَهُمْ قَليلٌ، وَإِنَّ الشَيْطَانَ يَنْطقُ عَلَى ألْسِنَتِهم " وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ. وَفيها يَقُولُ اللهُ تَعَالى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: إنَّ هَؤلاءِ الأعْرابَ جَاؤُوكَ وَهُمْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم وَمُتَابَعَتَهُم لَكَ مِنّةً عَلَيكَ، يَطْلُبُونَ عَلَيها أجْراً، فَقُلْ لَهُم: لا تعُدُّوا إِسْلامَكُمْ مِنَّةً عليَّ، بَل اللهُ هُوَ الذِي يَمنُّ عَلَيكُم إذْ وَفَّقًكُمْ إلى الاهْتِدَاءِ إِلى الإِيمانِ، هَذا إنْ كَنْتُمْ صَادِقينَ في إيمانِكُمْ.

стр. 4509

﴿السماوات﴾ (١٨) - وَإِنَّ اللهَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا غَابَ في السَّماواتِ وَالأرْضِ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ، وَلِذَلِكَ فإنّهُ يَعْلَمُ مَا في صُدورِ هَؤلاءِ الأعرابِ وَمَا يُكِنُّونَهُ في ضَمَائِرِهِمْ.

стр. 4510

﴿قَ افْ﴾ ﴿والقرآن﴾ (١) - قَاف - اللهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. يُقسِمُ تَعَالى بالقُرآنِ المَجِيدِ، الكَثِير الخَيْرِ والبَرَكَةِ، عَلَى أنَّ مُحَمَّداً هُوَ مِنَ المُرسَلِينَ. (وَقَدْ حُذِفَ المُقَسمُ عَلَيهِ لِوُضُوحِ الدَّلاَلَةِ عَلَيه، وَلِوُرُودِهِ في غَيْرِ مَكَانٍ مِنَ القُرآنِ، فَقَدْ جَاء في سُورة يس: ﴿يسا والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ وَقَوُلُهُ تَعَالى: ﴿بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.﴾

стр. 4511

﴿الكافرون﴾ (٢) - لَقَدْ تَعَجَّبَ المُشْرِكُونَ مِنْ إرْسَالِ رَسُولٍ إليهْم مِنَ البَشَرِ، وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ الأمُورِ التي تَسْتَحِقُّ الدَّهْشَةَ والتَّامُّلَ. وَقال المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيشٍ: إنَّهُ لَشَيءٌ عَجِيبٌ أنْ يأتِيَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِرِسَالَةٍ مِنَ اللهِ إليهِمْ.

стр. 4512

﴿أَإِذَا﴾ (٣) - أبَعْدَ أنْ نَمُوتَ وَتَبْلَى عِظَامُنا، وَتُصبحَ تُراباً نَرْجِعُ إلى الحَيَاةِ، وَتَرجِعُ أجسَامُنَا كَما كَانَتْ عَلَيهِ مِن بُنْيةٍ وَتَركِيبٍ؟ إنَّ ذَلِكَ الرُّجوعَ بَعدَ الموتِ أمرٌ بَعيدُ الوُقُوعِ، وَلا يُصَدِّقُه العَقْلُ. رَجْعٌ بَعِيدٌ - رُجُوعٌ إلى الحِيَاةِ غيرُ مُمكِنٍ.

стр. 4513

﴿كِتَابٌ﴾ (٤) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَى هَؤُلاءِ المُشْرِكينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ والنَّشُورِ مُخبِراً أنَّهُ يَعْلَمُ مَا تأكُلُ الأَرْضُ مِنْ أجْسَادِ مَوْتَاهُمْ، وَعِظْامِهمْ، وَلاَ يَخْفى عَليهِ أينَ تَفَرَّقتْ ذَرَّاتُ أجْسَادِهِمْ، وأنَّ لَدَيهِ تَعالى كِتَاباً يَحْفَظُ كُلَّ شَيءٍ، وَيَضْبُطُ مَا يَعْلَمُ أتمَّ الضَّبْطِ.

стр. 4514

(٥) - لَقَدْ كَذَّبُوا بِالنُّبُوَّةِ الثَّابِتَةِ بِالأدِلَّةِ وَالآياتِ مِنْ فَوْرِهِم، دُونَ تَفَكُّرٍ وَلا تَدَبُّرٍ، وَمَنْ كَذَّبَ بِالنُّبُوَّةِ فَقَدْ كَذَّبَ بِمَا أنْبَأ بهِ النَّبِيُّ مِنَ البَعْثِ والنَّشُورِ، فَهُم في قَلَقَ وأمْرٍ، مُضْطَرِبٍ، فَتَارَةً يَنْفُونَ الرِّسَالةَ عَنِ البَشَرِ، وَأخْرى يَقُولُونَ إنَّها سِحْرٌ وَكِهَانةٌ. مَرِيجٍ - قَلِقٍ مُضْطَرِبٍ.

стр. 4515

﴿بَنَيْنَاهَا﴾ ﴿زَيَّنَّاهَا﴾ (٦) - وَيَلْفِتُ اللهُ تَعَالى نَظَرَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِ البَعْثِ إلى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيها مِنْ كَواكِبَ تُزَيِّنُها وَمَا في خَلْقِها مِن إِتْقَانٍ وَإِبْداعٍ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُم كَيفَ رَفَعَها اللهُ بِلا عَمَدٍ، وَزَيَّنَها بالكَواكِبِ لِيُدِرْكُوا أنَّ مَنْ أحْسَنَ خَلْقَها لَقَادِرٌ على إحْياءِ المَوْتى بَعْدَ فَنَاءِ أجْسَادِهِمْ لأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أخْرَى. فُرُوجٍ - شُقُوقٍ وَفُتُوقٍ.

стр. 4516

﴿مَدَدْنَاهَا﴾ ﴿رَوَاسِيَ﴾ (٧) - ثُمَّ لَفَتَ اللهُ تَعَالى نَظَرَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِين إلى خَلْقِ الأرْضِ وَمَا فِيها مِنْ بِحَارٍ وَجِبَالٍ وأنْهارٍ وَنَبَاتَاتٍ، فَقَالَ: أفَلَم يَنْظُرْ هؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، إلى الأرضِ، كَيفَ مَدَّهَا اللهُ، وَبَسَطَها أمَامَ الأعيُنِ، وَجَعَل فِيها جِبَالاً ثَوابِتَ لِئلاَّ تَمِيدَ بِمَنْ عَلَيها مِنَ الخَلْقِ، وَلَكِيْلاَ تَضْطَربَ بِهِمْ، وَكَيفَ أنْبَتَ فِيها مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أصْنَافِ النَّبَاتَاتِ، بَهيجٍ حَسَنِ المَنْظَرِ. زَوْجٍ - صِنْفٍ. بَهِيجٍ - حَسَنِ المَنْظَرِ يُبْهِجُ النُّفُوسَ. مَدَدْنَاهَا - بَسَطْنَاهَا. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ.

стр. 4517

(٨) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالى جَمِيعَ ذَلِكَ لِيَتَبَصَّرَ، بِهَذا الخَلْقِ البَدِيعِ، العَبْدُ المُنِيبُ للهِ وَيَعْتَبِرَ. عَبْدٍ مُنِيبٍ - مُذْعِنٍ لِرَبِّهِ أوْ رَاجِعٍ إليهِ. تَبْصِرَةً - وَسِيلَةً لِلتَّبَصُّرِ - عِظَةً وَعِبْرَةً.

стр. 4518

﴿مُّبَارَكاً﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ (٩) - وَأنْزَلَ اللهُ تَعَالى مِنَ السَّماءِ مَاءً كَثِيرَ النَّفْعِ والخَيرِ (مُبَارَكاً) ، فَأنبَتَ بهِ البَسَاتِينَ، وَالحَدَائِقَ، وَالنَّبَاتَاتِ التي تُزرَعُ لِتُحْصَدَ ويُجمَعَ حَبُّها كَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ. . حَبَّ الحَصِيدِ - حَبَّ الزَّرْعِ الذِي يُحْصَدُ.

стр. 4519

﴿بَاسِقَاتٍ﴾ (١٠) - وَأنْبَتَ اللهُ تَعَالى بِهَذَا المَاءِ الذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ أيْضاً أشْجَارَ النَّخِيلِ البَاسِقَةَ العَالِيَةَ التي لَهَا طَلْعٌ مَنْضُودٌ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضاً. النَّخْلَ بَاسِقَاتٍ - طِوَالاً أوْ حَوَامِلَ. طَلْعٌ - ثَمَرٌ في وِعَائِهِ. نَضِيدٌ - مُنَضَّدٌ وَمُتَرَاكِمٌ، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ؟

стр. 4520

(١١) - وَقَدْ أخْرَجَ اللهُ تَعَالى، بِهذا المَاءِ، الحَبَّ والنَّخِيلَ وَالبَسَاتِينَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ رِزْقاً لِلْعِبَادِ يأكُلُونَ مِنْهُ هُمْ وَأنْعَامُهُم، وأحْيا اللهُ بِهذا المَاءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ الأرْضَ المَوَاتَ المُجْدِبَةَ التي لا نَبَاتَ فِيها، فَأنْبَتَتْ وَاخْضَرَّتْ فَانْتَفَعَ بِها النَّاسُ والأنْعَامُ. وَكَمَا أخْرَجَ اللهُ النَّبَاتَاتِ وَالأشْجَارَ مِنَ الأرْضِ المَواتِ بإنزالِ المَطَرِ عَلَيها، كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللهُ الأموَاتَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيُحيِيِهمْ، وَيُعِيدُ خَلْقَ أجْسَادِهِمْ، وَلا شَيءَ يَسْتَعْصِي عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالى. كَذِلِكَ الخُرُوجُ - كَذَلِكَ يُخْرِجُ الأمواتَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوَمَ القِيَامَةِ.
следующие страницы →