Полный текст (6 113 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
(٢٢) - فَلَعَلَكُمْ يَا أيُّها المُنَافِقُونَ إِنَ تولَّيتُمْ عَنِ الجِهَادِ خَوْفاً وَفَزَعاً مِن أَهْوَالِ الحَرْبِ، تَخْرُجُونَ مِنَ الإِسْلامِ الذي دَخْلَتُمُوهُ في الظَّاهِرِ، وَتَعُودُونَ إلى مَا كُنْتُم عَلَيهِ في الجَاهِليَّةِ تُفِسدُونَ في الأَرْضِ وَتَقْطَعُونَ أرْحَامَكُمْ.
(وَقَدْ يَكُونُ المَعْنى: فَلَعَلَّكُم إنْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ وَأمُورَ الأمَّةِ تَعْمَدُونَ إلى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَتَقْطِيعِ الأرْحَامِ) .
فَهَلْ عَسَيْتُمْ - فَهَلْ يُتَوقَّعُ مِنْكُم أوْ لَعَلَّكُمْ.
تَوَلَّيتُمْ - إذا تَرَكْتُمُ الجِهَادَ - أوْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ.
стр. 4447
﴿أولئك﴾ ﴿أَبْصَارَهُمْ﴾
(٢٣) - وَالذِينَ يَبْلُغُ بِهِم الأمْرُ حَدَّ التَّوَلِّي عَنِ الجِهَادِ، وَعَنِ الإِيمان، وَحَدَّ الإِقْدَامِ عَلَى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَقَطْعِ الأرْحَامِ، هُمُ الذِينَ طَرَدَهُمُ اللهُ مِنْ رَحَمْتِهِ، فأصَمَّهُمْ عَنِ الانْتِفَاعِ بِما يَسْمَعُونَ، وَأعْمَى أبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ مَا نَصَبَ اللهُ في الكَوْنِ مِنْ آياتٍ، وَعَنِ الاعْتِبَارِ بِها.
стр. 4448
﴿القرآن﴾
(٢٤) - أفَلاَ يَتَدبَّرُ المُنَافِقُونَ مَا في القُرآنِ مِنْ مَواعِظَ وَعِبرٍ لِيَعْلَمُوا خَطأ مَا هُمْ مُقِيمُونَ عَلَيهِ، أمْ أنَّ قُلُوبَهمَ وَضَعَ اللهُ عَليهَا أقفالاً فَهِي تَحوُلُ بَيْنَك وَبَينَ فَهْمِ القُرآنِ وَتَدَبُّرِ عِظَاتِهِ؟
أقْفَالُهَا - مَغَالِيقُها.
стр. 4449
﴿أَدْبَارِهِمْ﴾ ﴿اشيطان﴾
(٢٥) - إنَّ الذِينَ ارتَدُّوا عَنِ الإِيمانِ، وَرَجَعُوا إلى مَا كَانُوا عليهِ من الكُفْرِ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَينَّ لَهُمُ الحَقُّ، والهُدَى، والإِيمانُ، الشَّيطَانُ هو الذي زيَّن لَهُم ذَلِكَ، وَحَسَّنَه في أعْيُنِهم، وَمَدَّ لَهُمْ في الآمَالِ الكَاذِبةِ، وَوَسْوَسَ لَهُم أنَّ الحَيَاةَ لَذِيذَةٌ حُلْوةٌ يَسْتَطِيعُونَ التَّمَتَّعَ بِها، ثُمَ يتُوبُونَ وَيَعُودُونَ إلى التَّقْوى وَالإِخلاصِ في الإِيمانِ.
سَوَّلَ لَهُمْ - زَيَّنَ لَهُم وَحَسَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ.
أمْلَى لَهُمْ - مَدَّ لَهُمْ في الأمَانِي البَاطِلَةِ.
стр. 4450
(٢٦) - وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ لِلشَّيْطَانِ سُلْطَاناً عليهم فأَدَّى ذَلِكَ بِهِمْ إلى الارْتِدَادِ عَنِ الإِسْلاَمِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، هُو أنَّهُمْ مَالَؤُوا يَهُودَ المدِينةِ، وَنَاصَحُوهُمْ سِرّاًَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعلنُونَ وَلا يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أمُورِهِمْ خَافِيةٌ. وَاليهُودُ كَرِهُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولاً مِنَ العَرَبِ، فَكَادُوا للرَّسُولِ وَالإِسلامِ والمُسْلِمِينَ، وَحَارَبُوهُم حَرْباً لا هَوَادة فِيها، مَعَ أَنَّهم كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ كُتَبِهِم أنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً مِنْ بَني إِسْمَاعِيلَ (أيْ مِنَ العَرَبِ) ، وَكَانُوا هُمْ قَبلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى عَرَب المَدِينَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُم: إِنَّهُمْ سَيُحَارِبُونَ العَرَبَ تَحْتَ لِوائِهِ، وَسَيَنْتَصِرُونَ عَلَيهِم، فَلَمَا بُعثَ الرَّسُولُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفرُوا بِهِ وَبِرِسَالتِهِ.
يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمُ - إخْفَاءَهُمْ مَا يُسِرُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
стр. 4451
﴿الملائكة﴾ ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾
(٢٧) - فَكيفَ يَكُونُ حَالُهُم غَداً حِينَما تَأتي مَلائِكَةُ الرَّحْمَنِ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، وَهُمْ عَلَى فِراشِ المَوْتِ، وَتَضْرِبُ وُجُوُهَهُمْ وأدْبَارَهُمْ لاسْتِخْرَاجِ أرْواحِهم، وَلاَ يَجِدُونَ، وَهُمْ في تِلْكَ الحَالِ لاَ حَوْلَ لَهُمْ فِيهَا وَلا قوةَ، مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأسِ اللهِ، وَلاَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّدَّةِ وَالكَرْبِ وَالعَذَابِ.
стр. 4452
﴿رِضْوَانَهُ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾
(٢٨) - وَقَدْ صَارُوا إلى هَذا المَصِير السَّيِّئِ لأنَّهُم عَمَدُوا إِلى مَا يُسْخِطُ الله مِنْ نِفَاقٍ وَمَعْصِيَةٍ وَتَآمرٍ مَعَ اليَهُودِ أعدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأعْدَاءِ الإِسْلامِ، فَاتَّبَعُوهُ. وَهُمُ الذِينَ كَرِهُوا رِضوَانَ اللهِ، فَلَم يَعْمَلُوا لَهُ، بَلْ عَمِلُوا مَا يُسْخِطُ اللهَ وَيُغْضِبُهُ، فَأبْطَلَ مَا عَمِلُوا مِنْ أعْمالِ البِرِّ وَالخير، التي كَانُوا يُعْجَبُونَ بِها، وَيَتَفَاخَرُونَ بِعَمَلِها، لِينَالُوا بِها حُسْنَ السُّمْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ.
أحْبَط - أبْطَلَ وأهْلَكَ.
стр. 4453
﴿أَضْغَانَهُمْ﴾
(٢٩) - أيَحْسَبُ هَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ، الذِينَ في قُلُوبِهمْ مَرَضٌ وَشَكٌّ وَرِيبَةٌ مِنْ أمْرِ الرَّسُولِ والإِسْلامِ، أنَّ اللهَ لَنْ يَكْشِفَ للرَّسُولِ وَالمُؤْمِنينَ مَا في أنْفُسِهمْ مِنْ حِقْدٍ عَظيمٍ كَامنٍ، وَلَنْ يَفْضَحَهُم وَيَهْتكَ أسْتَارَهُمْ؟
أضْغَانَهُمْ - أحْقَادَهُمُ الكَامِنَةَ.
стр. 4454
﴿لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾
(٣٠) - وَيَهُدِّدُ اللهُ تَعَالى بِكَشْفِ أمْرِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ لِلرَّسُولِ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَريمِ ﷺ : إنَّهُ لَوْ شَاءَ تَعَالَى لَكَشَفَ لَهُ عَنْ أشْخَاصِهِم، حَتَّى إنَّهُ لَيَرى أحَدَهُم فَيَعرفُهُ مِنْ مَلامِحِهِ (سِيماهُمْ) ، وإنَّ لَهْجَتَهُمْ وَنَبَرَاتِ أصْواتِهِمْ، وَإمَالَتَهُمْ في لَفْظِ الكَلِماتِ، وانحِرَافَ مَنْطِقهِم في خِطَابِ الرَّسُولِ، سَيَدُلُّه كُلَّ ذَلِكَ عَلَى نِفَاقِهِمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ أعمَالَ العِبَادِ، وَسَوفَ يُجَازِيهِمْ بِها.
بِسِيماهُمْ - بِعَلاَماتٍ يَسِمُهُمْ بِها.
فِي لَحْنِ القَوْلِ - بِطَرِيقَةِ كَلاَمِهِمِ المُلْتَوِيَةِ.
стр. 4455
﴿المجاهدين﴾ ﴿الصابرين﴾ ﴿نَبْلُوَاْ﴾
(٣١) - أمَرَ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بالإِيمَانِ وَبالجِهَادِ، وَبالأخْذِ بِمَا أمَرَهُمْ بِهِ، وَبالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، لِيَخْتَبِرَهُمْ وَيَكْشِفَ حَقِيقَتَهُم، فَيَظْهَرَ المُجَاهِدُونَ، الصَّابِرُونَ، وَالمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، والمُسْتَسْلِمُونَ للهِ وَأمْرِهِ وَقَدَرِهِ، وَيَظْهَرَ المُتَشَكِّكُونَ النَّاكِلُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَعَنِ القِيَامِ بِمَا أمَرَ اللهُ بهِ.
لَنَبْلُوكُمْ - لَنْخْتَبِرنُكُمْ بِالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ.
نَبْلُو أخْبَارَكُمْ - نُظْهِرُهَا وَنَكْشِفُها.
стр. 4456
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾
(٣٢) - إنَّ الذِينَ كَفَرُوا باللهِ، وَارتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَم وَخَالَفُوا الرَّسُولَ، وَوَقَفُوا في وَجْهِ الحَقِّ أنْ يَبْلغَ النَّاسَ، وَصَدُّوا النَّاسَ عنِ الدُّخُولِ في الإِسْلامِ بالقُّوَّةِ وبِالمَالِ وَبالخِدَاعِ، وَشَاقُّوا الرَّسُولَ بِمُحَارَبتِهِ في حَيَاتِهِ، وَبِمُحَارَبةِ دِينِهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ مَماتِهِ.
إنَّ الذِينَ يُقْدِمُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ هُوَ الحَقُّ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيئاً، لأنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، وَنَاصِرُ رَسُولِهِ وَمُظْهِرُ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّه، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، وَسَيُحْبِطُ اللهُ أعْمَالَهَم، فَتَنْتَهِي إلى الخَيْبَةِ والدَّمَارِ.
стр. 4457
﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾
(٣٣) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بإطِاعَةِ اللهِ، وَإطَاعَةِ رَسُولِهِ فِيما يأمُرانِهِمْ بِهِ، وَفيما يَنْهَيانِهِمْ عَنْهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ إبْطَالِ أَعْمَالِهِم الحَسَنةِ، بارِتكَابِ المَعَاصِي، وَفِعْلِ الكَبَائِرِ والنِّفَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمَالِ التي تُبْطِلُ الحَسَناتِ وَتُذْهِبُها.
стр. 4458
(٣٤) - إن الذِينَ كَفَرُوا باللهِ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَصَدُّوا النَّاسَ عن الدُّخُولِ في الإِسْلامِ، ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كَفّارٌ، فإنَّ اللهَ لَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ، وَلَنْ يَعْفُوَ عَنْ سَيِّئَاتِهِم، لأنَّ بَابَ التَّوبَةِ يَظَلُّ مَفْتَوحاً لِلكَافِرِ وَالعَاصِي حَتَّى تَبْلُغَ رُوحُهُ الحُلْقُومَ، فَإِذا بَلَغَتْهُ فَلا تَوْبَةَ وَلاَ مَغْفِرَةَ.
стр. 4459
﴿أَعْمَالَكُمْ﴾
(٣٥) - فَلا تَضْعُفُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَقِتَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَلا تَدْعُوا إلى المُهَادَنةِ وَالمُسَالَمةِ وَوَضْعِ القِتَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ الغَالِبُونَ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ، وَاللهُ مَعَكُمْ يَنْصُرُكُمْ عَلَيهِم، وَلاَ يَظْلِمُكُمْ شَيْئاً مِنْ ثوابِ أعْمَالِكُمْ.
فَلاَ تَهْنُوا - فَلاَ تَضْعُفُوا عَنْ مُقَاتَلَةِ الكُفَّارِ.
السَّلْمِ - الصُّلْحِ وَالمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ القِتَالِ.
يَتَرَكُم أعْمَالَكُم - يُنْقِصَكُم أجُورَهَا.
стр. 4460
﴿الحياة﴾ ﴿يَسْأَلْكُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾
(٣٦) - يَحُضُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الجِهَادِ، وَعَلَى بَذْلِ الأَرْوَاحِ وَالأمْوَالِ في سَبِيلِ اللهِ، وَفي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ. وَيُصَغِّرُ لهُمْ شَأنَ الدُّنيا، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنيا لهوٌ وَلعبٌ لا يَلْبَثُ أنْ يَضْمَحِلَّ حِينَ لا يكُونَ وَرَاءَها غايَةٌ أكْرَمُ وأبقَى، فَلا يَنْبَغي لِعَاقِلٍ أنْ تَصْرِفَهُ لَذَائِذُ هذِهِ الحِيَاةِ الفَانِيةِ عَنِ العَمَلِ فيما يُرْضي اللهَ تَعالى، وَيُوصِلُهُ إِلى الفَوزِ بنعيمِ الآخرِةِ. وإنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ فَتَقُومُوا بما أمَركُم بِهِ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهاكُمْ عَنْهُ فإنَّهُ يُثِيبُكُمْ عَلَى أعمالِكُم، وَلا يبخسُكمْ مِنْها شيئاً.
وإذا كَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ أمَرَكُم بإخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وبالإِنفَاقِ في وُجُوهِ الطَّاعَاتِ فَما ذَلِكَ إلاّ لِمُواسَاةِ إخوانِكم الفُقَرَاءِ، وَهُوَ تَعالى غَنيٌّ عَنْكُم وعَنْ أمْوالِكم، ثُمّ إنَّهُ لا يَأمُرُكُم بإنِفاقِ أموالِكم جَميعِها، وَإنما يأمْرِكُم بِإِخْراجِ القَليلِ منها، وَهُو تَعَالى لا يُريدُ أن يشُقَّ عَلَى العِبادِ في فَرَائِضِهِ وَتَكاليفهِ لأنَّهُ يَعْلَمُ مَا فُطِرَت عَليهِ النُّفُوسُ مِنْ شُحٍ وَحِرْصٍ.
стр. 4461
﴿يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾
(٣٧) - فَإنَهُ تَعالى إذا أمرَ المُؤْمِنينَ بإخراجِ أمْوالِهم كُلِّها، وَألَحَّ عَلَيْهِمْ في طَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُمُ فَإِنَّهُ يحْرِجُهُمْ بِذَلِكَ، وَيُظْهِرُ شُحَّ نُفُوسِهِمْ، وَتَعَلًّقَهُمُ الشَّديدَ بالمالِ، فَتَخْرُجُ أحْقَادُهُمْ.
يُحْفِكُمْ - يُجْهِدْكُمْ في طَلَبِها.
وَيُقَالُ أحفَاهُ بالمسْألَةِ إذا أكثْرَ الإِلْحَاحَ فيها.
أضْغَانَكُمْ - أحْقَادَكُمْ عَلى الإِسْلامِ.
стр. 4462
﴿هَا أَنتُمْ﴾ ﴿أَمْثَالَكُم﴾
(٣٨) - إنَّكُمْ يَا أيُّها المُسْلِمُونَ تُدعونَ إلى الإِنْفَاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وَفي سَبيلِ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِ، وَفي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ. وَمَنَ المُؤمِنينَ مَنْ يَبْخلُ بالإِنْفَاقِ في هذا السَّبِيلِ، وَمَنْ يَبْخلْ فَإِنَّما يضُرُّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، لأنَّهُ يحرمُها ثَوابَ اللهِ، وَيَحْرِمُها مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العِبَادِ، وَعَنْ أمْوالِهِم وَعَنْ جَهَادِهِمْ، وَهُمُ الفُقَراءُ إلى فَضْلِهِ وإحْسَانِهِ، وَإنما حَثَّهُمْ عَلَى الجِهادِ وَالبَذْلِ لِيَنَالوا الأجْرَ وَالمثَوْبةَ.
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى لَهُم: إنَّهُم إنْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَعَنِ اتِّبَاعِ شَرْعِهِ فإنه قادِرٌ عَلى إهْلاَكِهِمْ، وَعَلى الإِتْيَانِ بقَومٍ آخرِينَ يُؤمِنُونَ باللهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لأوامِرِهِ، وَيَعْمَلُونَ بشَرائِعِهِ، وَلاَ يَكُونُونَ أمْثَالَ مَنْ أهْلَكَهُمْ في البَخْلِ وَالتَّبَاطُؤِ عَنِ الجِهَادِ.
стр. 4463
(١) - نَزَلَتْ هذِهِ السُّورَةُ وَرَسُولُ الله ﷺ في طَريقِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إِلى المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ أَبْرَمَ مَعَ قُرَيشٍ وَثِيقَةَ الصُّلْحِ المَعْرُوفِ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: (إنَّكُم تَعُدُّون الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ) .
وَفِي هذهِ السُّورَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالى لِرَسُولِهِ ﷺ ، إِنَّهُ فَتَحَ لَهُ فَتْحاً ظَاهِراً مُبِيناً بِعَقْدِ الصُّلحِ في الحُدَيْبِيَةِ مَعَ قُرَيشٍ، إِذْ أمِنَ النَّاسُ، وَاجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضِ، وَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكَافِرِ، وَتَسَابَقَ العَرَبُ إلى الدُّخُولِ في دِينِ اللهِ أَفْواجاً، حَتَّى إِذا كَانَ بَعْدَ عَامَينِ سَارَ رَسُولُ اللهِ لِفَتْحِ مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافِ مُقَاتِلٍ، أكْثَرُهُمْ دَخَلَ الإِسْلاَمَ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.
стр. 4464
﴿صِرَاطاً﴾
(٢) - لِيَغْفِرَ اللهُ لَكَ جَمِيعَ مَا صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الذُّنوبِ وَالهَفَوَاتِ، قَبْلَ الرِّسَالةِ وَبَعْدَها، وَيُتِمَّ رَبُّكَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإِعْلاءِ شَأْنِكَ وَشَأْنِ الإِسْلامِ، وانتِشَارِهِ في البُلْدَانِ، وَرَفْعِ ذِكْرِكَ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَيُرْشِدَكَ رَبُّكَ طَرِيقاً مِنَ الدِّينِ لا اعْوِجَاجَ فِيهِ، بِما يَشْرَعُهُ لَكَ مِنَ الشَّرْعِ، وَالدِّينِ القَوِيمِ.
стр. 4465
(٣) - وَيْنَصُرُكَ اللهُ عَلَى مَنْ عَادَاكَ نَصْراً ذَا عِزَّةٍ.
стр. 4466
﴿إِيمَاناً﴾ ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ ﴿السماوات﴾
(٤) - كَانَ مِنْ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ شَرْطَانِ تَرَكَا أَثَراً فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ:
١- أَنْ لاَ يَدْخُلَ المُسْلِمُونَ مَكَّةَ عَامَهُمْ ذَاكَ، وَأَنْ يَأتُوا مُعْتَِرينَ فِي العَامِ، الذِي يَلِيهِ.
٢- أنْ يَرُدَّ المُسْلِمُونَ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ قُرَيشٍ مُسْلِماً إِلى قَوْمهِم، وَأَنْ لاَ تَرُدَّ قُرَيشٌ مَنْ جَاءَها مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَداً عَنِ الإِسْلامِ.
وَظَنَّ بَعْضُ المُسْلِمِين أَنَّ في هذينِ الشَّرْطِينِ غبْناً لِلمُسْلِمِينَ، حَتّى إِن رَسُولَ اللهِ لَمَّا أَمرَ المُسْلِمِينَ بِنَحْرِ الهَدْيِ، وَبِحَلقِ شُعُورِهِمْ، لَمْ يَمْتَثِلوا لأَمْرِهِ في بَادئِ الأَمرِ، فَقَدْ ثَارَتْ في نُفُوسِهِمِ الحَمِيَّةُ للإِسْلامِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، وَلِيَزْدَادُوا يَقِينا في دِينِهمْ بِطَاعَةِ اللهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يُدَبِّرُ أمرَ الكَوْنِ، فَيَجْعَلُ جَمَاعةً مِنْ جُنْدِهِ يُقَاتِلُون لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، وَيَجْعَلُ غَيْرَهم يُقَاتِلُونَ في سَبيلِ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَرْسَلَ عَلَيْهِم جُنْداً مِنَ السَّماء يَقْضُونَ عَلَيهم، لكِنَّهُ شَرَعَ الجِهَادَ والقِتَالَ لما في ذلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ التِي لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالأُمُورِ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
السَّكِينَةَ - السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.
стр. 4467
﴿المؤمنات﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(٥) - وَإِنما قَدَّرَ اللهُ تَعَالى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ نِعْمَةَ اللهِ، وَيَشْكُرُوهَا فَيَدْخُلُوا الجَنَّةَ لِيَبْقَوْا فِيها خَالِدِينَ أَبداً، وَلِيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ بِأَعْمَالِهم الصَّالِحةِ، وفي ذلِكَ ظَفَرٌ لَهُم بِما يَرْجُونَ، وَمَا يَسْعَوْنَ إِليهِ، وَهذا الظَّفَرُ بِالبْغِيةِ، وَدُخُولُ الجَنَّةِ، هُوَ الفَوزُ العَظيمُ.
стр. 4468
﴿المنافقين﴾ ﴿المنافقات﴾ ﴿المشركات﴾ ﴿دَآئِرَةُ﴾
(٦) - وَلِيُعَذِّبَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ، وَالمُشْرِكِينَ بِرَبِّهمِ وَالمُشْرِكَاتِ، في الدُّنيا بالقَهْرِ والغَلَبةِ، وَبِتَسْلِيطِ النَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ عَلَيهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذَابِ الأَليمِ في نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ كَانَ هؤلاءِ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ عَلَى الكَافِرينَ، وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِمِ الدَّوائِر وَقَدْ دَعَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى هؤُلاءِ بِأَنْ تَدُورَ عَلَيهِمْ أَحْدَاثُ الزَّمَنِ بِالسَّوْءِ، وأَنْ تَنْزِلَ بِهِمِ النَّكَبَاتُ وَالمَصَائِبُ، ثُمَّ لَعَنَهم اللهُ وَغَضِبَ عَلَيهِمْ، وَأَنْذَرَهُم بِأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أليماً في نَارِ جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ جَهَنَّمُ مَصِيراً يَصِيرُ إِليهِ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ.
ظَنَّ السَّوْءِ - ظَنَّ الأَمْرِ الفَاسِدِ المَذْمُومِ.
عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ - دُعَاءٌ عَلَيهِمْ بِالهَلاَكِ وَالدِّمَارِ.
стр. 4469
﴿السماوات﴾
(٧) - يٌؤكِّدُ اللهُ تَعَالى قُدْرَتَهُ عَلَى الانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَأَعْدَاءِ رَسُولِهُ، المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِين، فَقَالَ تَعَالى: إِنَّهُ يَمْلِكُ جُنُودَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ مِنَ المَلاَئِكَةِ والإِنْسِ، والجَنِّ، والصَّيْحَةِ، وَالرَّجْفَةِ، والزَّلاَزِلِ والفَيَضَانَاتِ، والرِّيحِ العَقِيمِ. . فإِذا شَاءَ أَنْ يُهلِكَ أَعْدَاءَهُ سَلَّطَ بَعْضَ هؤْلاءِ الجُنُودِ عَلَيهِم فَأهْلَكَهُمْ وَاللهُ غَالِبٌ لا يُرَدُّ بَأسُهُ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
стр. 4470
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ ﴿شَاهِداً﴾
(٨) - إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحمَّدُ شَاهِداً عَلَى الخَلْقِ فِيما أَجَابُوكَ بِه عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ للإِيمَانِ باللهِ، فَتُبَشِّر المُؤْمِنينَ الذِينَ استَجَابُوا للهِ وَلِرَسُولِهِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ في الآخِرَةِ، والثَّوابَ الحَسَنَ، وَتُنْذِرَالمُكَذِّبينَ المُعْرِضِينَ عَمَّا دَعَوْتَهُمْ إِليهِ، بِعَذابٍ أليمٍ في نَارِ جَهَنَّمَ.
стр. 4471
(٩) - فآمِنُوا يَا أَيُّها النَّاسُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وانْصُرُوا دِينَه وَعَظَّمُوهُ، وَنَزِهُوهُ عَمَّا لا يَليِقُ بِجَلاَلِهِ في الغُدَوِّ والعَشِيِّ.
عَزِّرُوهُ - انْصُرُوهُ بِتَفَانٍ.
وَقِّرُوهُ - عَظَّمُوهُ وَبَجِّلُوهُ.
بُكْرَةً وَأَصِيلاً - فِي الغَدُوِّ والأَصَائِلِ أَيْ فِي جَميعِ أَوْقَاتِ اليَومِ.
стр. 4472
﴿عَاهَدَ﴾
(١٠) - حِينَما وَصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِراً (وَالحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ عَلَى مَسِيرَةٍ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ) ، مَعَ ألفٍ وَأَرْبَعِمِئَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، دَعَا خُراشَ بْنَ أُميَّةَ الخزَاعِي فَبَعَثَهُ إِلى قُرَيشٍ، بِمَكَّةَ لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لأَجْلِهِ، فَعَقَرَتْ قُرَيشٌ الجَمَلَ، وَأَرَادُوا قَتْلَ خُراشٍ فَمَنَعَتْهُ الأَحَابِيشُ، فَخَلُّوا سَبِيلَه، فَعَادَ إِلى رَسُولِ اللهِ، وَأَخْبَرَه بِمَا جَرَى. وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرْسِلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فاعْتَذَرَ بَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَقَارِبُ في مَكَّةَ يَمْنَعُونَهُ، وَدَلَّه عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاسْتَدْعَاهُ إِليهِ وَأَرْسَلَهُ إِلى أَبي سُفْيَانَ وأَشْرافِ قُرَيشٍ، يُخْبِرْهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَأْتِ لِحَربٍ، وَإِنما جَاءَ زَائِراً لِلْبَيتِ، مُعْتَمِراً، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بَنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، حِينَ دَخَلَ عُثْمانُ مَكَّةَ، فَجَعَلَهُ في جِوَارِه حَتَّى فَرَغَ مِنْ إِبلاغِ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيشاً احْتَبَسَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَهُمْ فشَاعَ بَينَ المٌسْلِمينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ الرَّسُولُ: لاَ نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ.
وَدَعَا النَّاسَ إِلى البَيْعَةِ فَكَانت بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَحْتَ شَجرةٍ كَانَتْ هُنَاكَ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى أَلاَّ يَفِرُّوا أَبداً. وَلَم يَتَخَلَّفْ عَنِ البَيْعَةِ إِلا الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مُنَافِقٌ مِنَ الأنْصَارِ. وَعَلِمَتْ قُرَيشٌ بِالبَيْعَةِ فَخَافَتْ وَأَرْسَلَتِ الرُّسُلَ إِلى النَّبِيِّ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ وَالمُوادَعَةَ، فَتَمَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ هذا العَامَ، وَلاَ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، وَأَنْ يَحُجَّ في العَامِ القَادمِ، وَعَلى أَنْ يَقُومَ صُلْحٌ بَينَ الرَّسُولِ وَقُريشٍ مُدَّتُهُ عَشْرُ سَنَواتٍ.
وَفِي هذهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالى عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ التي تَمَّتْ تَحْتَ الشَّجَرةِ، فَيقُولُ لِرَسُولِهِ ﷺ : إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ في الحُديبيَةِ مِنْ أَصْحابكَ عَلَى أَلاَّ يَفرُّوا مِنَ المَعْرَكَةِ، وَلا يُوَلُّوا الأَدْبَارَ، إِنَّما يُبَايُعونَ اللهَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ، واللهُ حَاضِرٌ مَعَهُم، وَهُمْ يَضَعُونَ أَيديَهم في يَدِكَ مُبَايِعِينَ، يَسْمَعُ أَقْوالَهُم، وَيَرَى مَكانَهُمْ، وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ، فَهُوَ تَعَالى المُبَايُع بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ، وَيَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.
وفي الحديث: " مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ بَايعَ ".
فَمَنْ نَقَضَ البَيْعَةَ التِي عَقَدَهَا مَعَ النَّبِيِّ فإِنَّ ذَلِكَ إِنَّما يَعُودُ عَلَيهِ، وَلاَ يَضرُّ بالنَّكْثِ وَالإِخْلاَفِ إِلا نَفْسَهُ.
أَمَّا مَنْ أوفى بَعَهدِ البَيْعَةِ فإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ الأَجْرَ والمَثُوبَة في الآخِرَةِ وَيُدْخِلُه الجَنَّةَ لِيبْقَى فِيها خَالِداً.
نَكَثَ - نَقَضَ العَهْدَ أَوِ البَيْعَةَ.
стр. 4473
﴿أَمْوَالُنَا﴾
(١١) - لمَا اتَّجَهَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلى مَكَّةَ مَعْتَمِراً عَامَ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَ القَبَائِلَ المُسْلِمَةَ التِي تَقِيمُ حَوْلَ المَدِينةِ، فَنَفَر أًُنَاسٌ وَتَبَاطَأ أُنَاسٌ وَكَانَ مِمَّنْ تَبَاطَأَ واعْتَذَرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ: قَبَائِلُ جُهَينَةَ وَمُزَيْنَةَ وَغِفَارٍ وَأَشْجَعَ وَأسْلَمَ، وَقَالُوا للرَّسُولِ مُعتَذرينَ:
إِنَّ أَمْوَالهم وَأَهْلِيهمْ قَدْ شَغَلَتْهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ، وَلكِنَّهُمْ في الحَقِيقَةِ كَانُوا ضِعَافَ الإِيمَانِ، خَائِفِينَ مِنْ مُواجَهَةِ قُريشٍ وَثَقيفٍ وَكِنَانَةَ وَالقَبائِلِ المُحَالِفَةِ لقريشٍ حوْلَ مَكَّةَ. وَقَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ:
كَيفَ نَذْهَبُ إِلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دَارهِ بِالمَدِينةِ فَنُقَاتِلُهُم؟ وَقَالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ هذِه السَّفْرَةِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيةَ يَفْضَحُهُم فِيها.
وَمَعْنَى الآيةِ: سَيَقُولُ لَكَ الذِينَ تَخَلَّفُوا مِنَ الأَعْرَابِ عَنْ صُحْبَتِك إِلى مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ: لَقَدْ شَغَلَتْنا عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ رِعَايةُ أَمْوالنا وَأَهْلِينا، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا اللهَ رَبَّكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُنا عَنْ مُخَالَفَةٍ لأَمْرِكَ.
وَيَرَدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهم مُكَذِّباً فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُم لَيْسُوا بِصَادِقينَ في قَوْلِهِمْ إِنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِهِمْ عَنِ الخُرُوجِ هُوَ رِعَايَةُ مُصَالِحِ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَإِنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا مِنْ سَفَرِهِمْ هذا أَبَداً.
ثُمّ أَمَرَ اللهُ تَعَالى الرَّسُولَ الكَرِيمَ بأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَعدَتُمْ ظَنّاً مِنْكُمْ أَنّ في القُعُودِ السَّلامَةَ، وَلكِنْ إِذا أَرَادَ اللهُ بِكُمْ شَرّاً وَسُوءاً فَلَنْ يَنْفَعَكُمُ القُعُودُ شَيئاً، وَإِذا أَرَادَ بِكُمْ خَيْراً فَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ. وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّهُ العِبَادُ، وَمَا يَعْلِنُونَهُ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيءٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا شكاً وَنِفَاقاً وَضَعْفَ إِيمانٍ.
المُخَلَّفُون - المُتَخَلِّفُونَ عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ.
стр. 4474
(١٢) - فَقَدْ كَانَ سَبَببَ قُعُودِكُمْ هُوَ اعْتِقَادُكُم أَنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنينَ سَيُقْتَلُونَ، وَسَتُستَأْصَلُ شَأْفَتُهُمْ، وَلَنْ يَعُودَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ إِلى أَهْلِيهمِ، وَزَيَّنَ لَكُمُ الشَّيْطَانُ ذلِكَ الظَّنَّ السَّيِّئَ. فَقَعدْتُمْ عَنْ صُحْبَتهِ، وَظَنَنْتُم أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَصِرْتمُ بِهذهِ المَقَالَةِ قَوْماً هَالِكينَ، مُسْتَوجِبينَ سُخْطَ اللهِ وَعَذَابَهُ.
لَنْ يَنْقَلِبَ - لَنْ يَرْجِعَ إِلى المَدِينةِ.
بُوراً - هَالِكِينَ.
стр. 4475
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٣) - وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَيُخْلِصِ العَمَلَ للهِ في الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لَهُ نَاراً مُلْتِهِبَةً يُعَذَّبُ فِيها يَوْمَ القِيَامةِ، جَزَاءً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ.
السَّعِيرُ - النَّارُ ذَاتُ الْلَهَبِ.
стр. 4476
﴿السماوت﴾
(١٤) - وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَلاَ رَادَّ لِحُكْمِهِ وَهُوَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ المُطْلَقِ في السَّماواتِ وَالأَرْضِ فَيَغْفِرُ لمنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادهِ ذُنُوبَهُ، وَيُدْخِلهُ الجَنَّةَ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَاللهُ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمةِ.
стр. 4477
﴿كَلاَمَ﴾
(١٥) - بَعْدَ أَنْ أمِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَرَّ قُرَيشٍ بَعَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ، اتَّجَهَ إِلى اليَهُودِ في خَيْبَرَ لِيَسْتَأْصِلَ شَأفَتَهُمْ، وَيَقضِي عَلَى شَرِّهِمْ؛ إِذْ لاَقَى الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ مِنَ اليَهُودِ، وَكَيْدِهِم الشَّيءَ الكَثيرَ. وَلما أَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ الخُرُوجَ إِلى خَيْبَر تَقَدَّمَ الأَعْرَابُ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ السَّيرِ مَعَ الرَّسُولِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ، يَطْلُبُونَ الإِذْنَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ إِلى خَيْبَرَ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَه ﷺ بِألاَّ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لأَنَّهُمْ قَعَدُوا حِينَما كَانَتْ هُنَاكَ مَخَاطِرُ حَرْبٍ شَدِيدةٍ، وَهُمْ يُرِيدُونَ الخُروُجَ الآنَ لِيَحُوزُوا المَغَانِمَ السَّهْلَةَ، فَقَالَ هؤلاءِ المَخْلَّفُونَ إِنَّ سَبَبَ مَنْعِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ إِلى خَيْبَر هُوَ حَسَدُ المُؤْمِنينَ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ في المَغْنَمِ.
وَمَعْنَى الآيةِ: يَقُولُ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَتِكَ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مُعْتَذِرينَ بِرِعَايَةِ مَصَالِحِهمْ وَأَمْوَالِهِمْ، دَعُونا نَسِرْ مَعَكُمْ إِلى خَيْبَرَ، وَهُمْ بِذلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ الرَّسُولَ وأَصْحَابَهُ، الذِينَ سَارُوا مَعَهُ إِلى الحُدَيِبْيَةِ، بِأَنَّ يَكُونَ لَهُمْ مَغْنَمُ خَيْبَرَ خَالِصاً لاَ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ. فإِذا سَمَحَ الرَّسُولَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ إِلى خَيْبَرَ كَانَ لَهُمْ حَقٌّ بِالمُشَارَكَةِ فِي الْمَغْنَمِ. وَفِي ذَلِكَ تَبْدِيلٌ لِكَلِماتِ اللهِ وَوَعْدِهِ. وَأَمَرَ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِهؤلاءِ الأَعرابِ: لَنْ تَتْبَعُونا كَذلك قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ، إِذْ إِنَّ اللهَ جَعَلَ مَغْنَمَ خَيْبَرَ خَالِصاً لِمَنْ كَانُوا مَعَ الرَّسُولِ في الحُدَيْبِيَةِ، فادَّعَى هؤُلاءِ الأعْرَابُ أَنَّ اللهَ مَا قَالَ ذلكَ مِنْ قَبْلُ، بَل إِنَّ المُسْلِمينَ يَحْسَدُونَهُمْ وَلا يُريدُونَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ أَحَدٌ في المَغْنَمِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى قَائِلاً لهؤلاءِ: إِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَما قَالَ هؤُلاءِ المُنَافِقُونَ مِنْ أَنَّكُمْ تَمْنَعُونَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِكُمْ حَسَداً مِنْكُمْ لَهُمْ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ القَوْلَ لأَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ أَمْرَ الدِّينِ إِلاَّ قَلِيلاً وَلَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ لما اتَّهَمُوا الرَّسُولَ وَالمؤْمِنِينَ بالحَسَدِ، وَلما نَفَوا أنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ وَعَدَ أَصْحَابَ الحُدَيْبِيَةِ بِحَوْزِ مَغْنَمِ خَيْبَرَ وَحْدَهُمْ.
ذُرُونَا نَتَّبِعْكُمْ - دَعُونا نخْرُجْ مَعَكُمْ إِلى خَيْبَرَ.
كَلاَمَ اللهِ - حُكْمَهُ بِاخْتِصَاصِ أَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ بِالمَغْنَمِ.
стр. 4478
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾
(١٦) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ الأَعْرابِ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَتِكَ إِلى الحُدَيْبِيَةِ: إِنَّكُمْ سَتُدعَوْنَ إِلى قِتَالِ قَوْمٍ أُولي قُوَّةٍ وَنَجْدَةٍ وَبَأْسٍ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُخَيِّروهُمْ بَيْنَ أَمْرَين: إِمَّا السَّيفُ وَإِمَّا الإِسْلاَمُ - وهذا حَكْمٌ عَامٌّ في مُشْرِكي العَرَبِ وَالمُرْتَدِّين - فَإِذا أَطَعْتُمْ أَمَرَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَخَرَجْتُمْ إِلى مُجَاهَدَةِ هؤُلاءِ، فإِنَّ اللهَ سَيُثِيبُكُمْ عَلَى ذلكَ ثَواباً جَزِيلاً فَتَنَالُونَ المَغْنَمَ في الدُّنيا، وَالجَنَّةَ في الآخِرَةِ. أَمَّا إذا رَفَضْتُمُ الخُرُوجَ إِليهِم، وَالمُبَادَرَةَ إِلى مُجَاهَدَتِهِمْ، وَعَصْيتُمْ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا فَعَلْتُمْ مِنْ قَبْلُ، حِينَ قَعَدْتُمْ عَنِ الخُرُوجِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً أليماً في الدُّنيا وَالآخِرَةِ.
أُولِي بَأسٍ - أَصْحَابُ شِدَّةٍ وَقُوْةٍ في الحَرْبِ.
стр. 4479
﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾
(١٧) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ الأَعْذَارَ المُبِيحَةَ للقُعُودِ عَنِ الجِهَادِ، فَيَقُولُ: إِنَّهُ لا إِثمَ وَلاَ مَلاَمةَ عَلَى الذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عنِ الخُرُوجِ إِلى الجِهَادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ مَا بِهِمْْ مِنْ عِلَلٍ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ، وَمِنَ القِتَالِ: كَالعَمَى وَالعَرَجِ وَالمَرضِ. ثُمَّ حَثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلى الجِهَادِ، وَرَغَّبَهُم فِيهِ، وَبَيَّنَ لَهُم مَا أَعَدَّهُ لِلْمَجَاهِدِينَ مِنْ أجرٍ وَثَوابٍ في الآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالى: وَمَنْ يُطِع اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُجِبِ الدَّعْوةَ إِلى مُجَاهَدَةِ الكُفَّارِ والمُشْرِكِينَ دِفَاعاً عَنْ دِينهِ، وَإعلاءً لِكَلِمَةِ رَبِّهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُدْخِلُهُ يَومَ القِيَامَةِ جِنَّاتٍ تَجري الأَنْهارُ مِنْ تَحْتِها، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَرْفُضِ الخُرُوجَ إِلى الجِهَادِ فإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُه عَذَاباً أَلِيماً.
стр. 4480
﴿أَثَابَهُمْ﴾
(١٨) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ ﷺ عَنْ رِضَاهُ عَلَى المُؤْمِنينَ الذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ تَحتَ الشَّجَرَةِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا ألفاً وأَرْبَعَمئةِ رَجُلٍ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الصِّدقِ، وَالسَّمْعِ، والطَّاعَةِ، فَأَنْزَلَ عَلَيهِم الطُّمَأْنِينةَ، وَهُدُوءَ النَّفْسِ، وَأَعْطَاهُمْ جَزَاءَ مَا وَهِبُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ فَتْحَ خَيْبَرَ عِقِيبَ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبَةِ، ثُمَّ تَلا ذَلِكَ فَتْحُ مَكَّة.
يُبَايِعُونَكَ - بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ.
فَتْحاً قَرِيباً - هُوَ فَتْحُ خَيْبَرَ.
стр. 4481
(١٩) - وَعَوَّضَهُمْ عَنِ المَغَانِمِ، التِي فَاتَتْهُمْ بِسَبَبِ صُلِحِ الحُدَيبِيَةِ، بِمَغَانِمَ كَثِيرَةٍ يأْخُذُونَها مِنْ خَيِبَرَ، وَخَصَّهُمْ بِها دُونَ غَيرِهِمْ، وَاللهُ عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
стр. 4482
﴿آيَةً﴾ ﴿صِرَاطاً﴾
(٢٠) - وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِين بِأَنَّهُمْ سَيَحْصَلُونَ عَلَى مَغَانِمَ كَثِيرةٍ في الأيَّامِ القَادِمَةِ، مَا دَامَ فِي الدُّنيا مُسْلِمُونَ يُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ، وَعَجَّلَ لَهُم بِمَغْنَمِ خَيْبَرَ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الكُفّارِ وَالمشْرِكينَ عَنِ المدِينةِ، وَعَنْ حرَمِ المُؤْمِنينَ وَعِيالِهم، وَأَصْحَابِ الأَعْذَارِ الذِينَ بَقُوا فِيها، في غِيَابِ الجَيْشِ الإِسلامِيّ في الحُدَيبيِة وَخَيبرَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دليلاً لِلْمُؤْمِنينَ عَلَى أَنَّ اللهَ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَلِيَهْدِيَهُمْ رَبُّهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً بِاتِّباعِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمَا.
стр. 4483
(٢١) - وَوَعَدَكُمُ اللهُ فَتْحَ بِلادٍ أُخْرى لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَيها من قَبْلُ، وَلكِنَّ اللهَ أَقْدَرَكُم عَلَيها بِعِزِّ الإِسْلامِ، وَيَسَّرَ لَكُم فَتْحَهَا، واحْتِيَازَ مَغَانِمِها، وَكَانَ اللهُ قَدِيراً عَلى كُلِّ شَيءٍ، لاَ يَسْتَعْصِي عَلَيهِ أَمْرٌ.
أَحَاطَ اللهُ بِهَا - أَعَدَّها اللهُ لَكُمْ أَوْ حَفَظَها لَكُمْ.
стр. 4484
﴿قَاتَلَكُمُ﴾ ﴿الأدبار﴾
(٢٢) - يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُم إِذا قَاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ لاَنْتَصَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيهِمْ، وَلاَنَهَزَمَ جَيْشُ الكُفْرِ فَارّاً مُوَلِّياًَ الأَدْبَارَ، وَلاَ يَجِدُ وَليّاً يَتَوَلَّى رِعَايَتَهُ وَيَحْرُسُهُ، وَلا نَاصراً يَنْصُرُهُ وَيُسَاعِدُهُ، لأَنَّهُ يُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.
стр. 4485
(٢٣) - وَهذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِه: مَا تَقَابَلَ الكُفْرُ وَالإِيمَانُ في مَيْدَانٍ إِلاَّ نَصَرَ اللهُ الإِيمَانَ، وَهَزَمَ الكُفْرَ، وَسُنَّةُ اللهِ لاَ تبديلَ لَها. فَقَدْ نَصَرَ اللهُ النَّبِيَّ وَالمُسْلِمِينَ في بَدْرٍ وَهُمْ قِلَّةٌ قَلِيلةٌ، وَنَصَرَهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أُخْرى.
следующие страницы →