Полный текст (6 113 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
﴿جَنَّاتٌ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٩٨) - أمَّا المُتَّقُونَ فَلَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَخِلاَلَ أَشْجَارِهَا، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا مُخَلَّدِينَ أَبَداً، مُنَزَّلِينَ فِيهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ الذِينَ يَبرُّونَ وَالِدَيْهِمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
النُّزُلِ - مَا يُهَيَّأ لِلضَّيْفِ النَّازِلِ مِنَ الضِّيَافَةِ.
стр. 492
﴿الكتاب﴾ ﴿خَاشِعِينَ﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿أولائك﴾
(١٩٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ، مَعَ إيمَانِهِمْ بِمَا فِي الكُتبِ المُتَقَدِّمَةِ، وَأنَّهُمْ خَاشِعُونَ مُطِيعُونَ للهِ، لاَ يَكْتُمُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ لِقَاءَ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ. ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ .
وَهَؤُلاَءِ لَهُمْ أَجْرَهُمْ، وَسَيُلاَقُونَهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إذْ صَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَةَ الغَائِبِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أيَأمُرُنَا أنْ نُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ فِي الحَبَشَةِ؟) .
стр. 493
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(٢٠٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ أنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الذِي ارْتَضَاهُ اللهُ لَهُمْ، وَهُوَ الإِسْلاَمُ، فَلاَ يَدَعُونَهُ لِشِدَّةٍ وِلاَ لِرَخَاءٍ، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ. وَالمُرَابَطَةِ هِيَ المَرَابَطَةِ فِي الثُّغُورِ لِلْغَزْوِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وَمَا عَلَيهَا ".
(وَقِيلَ إنَّ المُرَابَطَةَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ الانْتِظَارُ فِي المَسَاجِدِ لأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ حِينَمَا تَحِينُ أَوْقَاتُها، أيْ رَابِطُوا فِي المَسَاجِدِ، وَاتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
صَابِرُوا - غَالِبُوا الأَعْدَاءَ بِالصَّبْرِ.
رَابِطُوا - أَقِيمُوا فِي الثُّغُورِ مُتَأهِّبِينَ لِلْجِهَادِ.
стр. 494
﴿ياأيها﴾ ﴿وَاحِدَةٍ﴾
(١) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ (أَيْ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ) ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ عِصْيَانِهِ، فَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ جَمِيعاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (هِيَ آدَمُ، ﵇ ، وَخَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَهَا (حَوْاءَ) ، وَخَلَقَ مِنْ هَاتِينِ النَّفْسَينِ البَشَرَ رِجَالاً وَنِسَاءً، وَنَشَرَهُمْ فِي الأَرْضِ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ. ثُمَّ يَعُودُ تَعَالَى فَيُكَرِّرُ أَمْرَهُ لِعِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَقْوَاهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُ هُوَ اللهُ الذِي يَتَسَاءَلُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَيَقُولُ بَعْضَهُمْ لَِبَعْضٍ: أسْأَلُكَ اللهَ، وَأَنْشُدُكَ اللهَ. .) ، وَيَأمُرُهُمْ تَعَالَى بِأَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ قَطْعِ صِلاَتِ الرَّحْمِ وَالقَرَابَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، (وَفِي أَكْثَر مِنْ مَكَانٍ مِنَ القًُرْآنِ يُكَرِّرُ تَعَالَى أَمْرَهُ إلى عِبَادِهِ بِصَلَةِ الأَرْحَامِ وَبِرِّهَا) ، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ أنَّهُ هُوَ اللهُ، وَأنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى أَعْمَالِ البَشَرِ، وَمُرَاقِبٌ لَهَا، وَأنَّهُ مُجَازِيهِمْ عَلَيهَا يَوْمَ القِيَامَةِ.
النَّفْسُ الوَاحِدَةُ - هِيَ آدَمُ ﵇.
تَسَاءَلُونَ بِهِ - يَسْألُ بَعْضُكُمْ بِهِ بَعْضاً (سَألْتُكَ اللهَ) .
الرَّقِيبُ - المُشْرِفُ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ لِلْمُرَاقَبَةِ.
الأَرْحَامَ - القَرَابَاتِ.
بَثَّ مِنْهُمَا - نَشَرَ مِنْهُمَا بِالتَّناسُلِ.
стр. 495
﴿وَآتُواْ﴾ ﴿اليتامى﴾ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿اأَمْوَالِكُمْ﴾
(٢) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى الأَوْصِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ عَلَى الأَيْتَامِ بِأنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَمْوَالِ الأَيْتَامِ، وَأنْ لاَ يَتَعَرَّضُوا لَهَا بِسُوءٍ، وَبِأَنْ يَدْفَعُوا إلَى الأَيْتَامِ أَمْوَالَهُمْ كَامِلَةً إذَا بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، كَمَا يَنْهَاهُمْ عَنْ أنَ يَتَبَدَّلُوا الأَمْوَالَ الحَرَامَ مِنْ أَمْوُالِ اليَتَامَى، بِالحَلاَلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَقُولُ لَهُمْ: لاَ تَخْلُطُوا أَمْوَالَ اليَتَامَى بِأَمْوَالِكُمْ حَتَّى لاَ يَبْقَى بِإِمْكَانِكُمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَتَأْكُلُوهَا جَمِيعاً. وَلاَ تُعْطُوا اليَتِيْمَ شَاةً مَهْزُولَةً وَتَأْخُذُوا شَاةً سَمِينَةً، لأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَذَنْبٌ عَظِيمٌ فَاجْتَنِبُوهُ.
اليَتِيمُ - مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ.
الخَبِيثَ - الحَرَامَ.
الطَّيبُ - الحَلاَلُ.
الحُوبُ - الذَّنْبُ العَظِيمُ.
стр. 496
﴿اليتامى﴾ ﴿وَثُلاَثَ﴾ ﴿وَرُبَاعَ﴾ ﴿فَوَاحِدَةً﴾ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾
(٣) - فَإنْ خِفْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أنْ لاَ تَعْدِلُوا مَعَ الزَّوْجَةِ اليَتِيْمَةِ، وَأنْ تَأْكُلُوا مَالَهَا، فَاعْدِلُوا عَنِ الزَّوَاجِ بِهَا إلَى الزَّوَاجِ بِغَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَنْ لاَ يُعْطِيهَا مَهْرٌ مِثْلِهَا، فَعَلَيْهِ أنَ يَعْدِلَ إلَى الزَّوَاجِ بِغَيْرِهَا، فَإِنَّ النِسَاءَ كَثِيرَاتٍ، وَلَم يُضَيِّقُ اللهُ عَلَى النَّاسِ، إذْ أَبَاحَ لَهُمْ الزَّوَاجَ بِاثْنَتَينِ وَثَلاَثٍ وَأَرْبَعٍ. فَإِنْ خِفْتُمْ، فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ عِنْدَكُمْ، أنْ لاَ تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ فِي المُعَامَلَةِ، فَاقْتَصِرُوا عَلَى الزَّوَاجِ بِوَاحِدَةٍ، وَعَلَى الجَوَارِي السَّرَارِي (لأنَّهُ لاَ وُجُوبَ لِلْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَباً) وَالاقْتِصَارُ عَلَى الزَّوَاجِ بِوَاحِدَةٍ فِيهِ ضَمَانٌ مِنْ عَدَمِ الجُوْرِ وَالظُّلْمِ. (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى - ذَلِكَ أدْنَى ألاّ تَعُولُوا - هُوَ أنْ لاَ تَفْتَقِرُوا) (وَالعَدْلُ يَكُون فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ طَاقَةِ الإِنْسَانِ كَالتَّسْوِيَةِ فِي المَأْكَلِ وَالمَلْبَسِ وَالمَسْكَنِ وَغَيْرِهِ. . أمَّا مَا لاَ يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ مِنْ مَيْلِ القَلْبِ إلَى وَاحِدَةٍ دُونَ الأُخْرَى فَلاَ يُكَلِّفُ الإِنْسَانَ بِالعَدْلِ فِيهِ) .
ألاَّ تَقْسِطُوا - أنْ لاَ تَعْدِلُوا.
طَابَ - حَسُنَ وَمَالَ القَلْبُ إِلَيهِ، وَهُوَ هُنَا مَا حَلَّ لَكُمْ.
ألاَّ تَعُولُوا - ألاَّ تَجُورُوا فِي المُعَامَلَةِ. أوْ ألاَّ تَفْتَقِرُوا مِنْ كَثْرَةِ العِيَالِ.
النِّكَاحُ - الزَّوَاجُ.
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ - الجَوَارِي المَمْلُوكَاتُ.
стр. 497
﴿وَآتُواْ﴾ ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ﴿مَّرِيئاً﴾
(٤) - وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ المَرْأَةَ مَهْرَهَا طَيِّباً نَفْساً بِذَلِكَ، لِيَكُونَ رَمْزاً لِلْمَوَدَّةِ التِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا، فَإنْ تَنَازَلَتِ المَرْأَةُ عَنْ شَيءٍ مِنْ مَهْرِهَا لِلْرَجُلِ مِنْ بَعْدِ فَرْضِ المَهْرِ، عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ مِنْهَا، وَرِضَا نَفْسٍ، دُونَ ضِرَارٍ أوْ تَهْدِيدٍ أوْ خَدِيعَةٍ، فَلاَ بَأْسَ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ، وَلْيَأكُلْهُ حَلاَلاً طَيِّباً. (وَعَلَى هَذَا فَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَأكُلَ مَالَ المَرْأَةِ أَوْ شَيْئاً مِنْهُ إلاَّ إذَا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهَا طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ، فِإنْ طَلَبَ مِنْهَا شَيْئاً وَحَمَلَهَا الخَوْفُ أوِ الخَجَلُ عَلَى إعْطَاءِ مَا طَلَبَ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ) .
الصَّدَقَاتِ - المُهُورُ.
نِحْلَةً - العَطَاءَ عَن ْطِيبِ خَاطِرٍ.
طَابَ بِهِ نَفْساً - أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ.
الهَنِيءُ - مَا يُسْتَلَذُّ أكْلُهُ.
المَرِيءُ - مَا حَسُنَتْ عَاقِبَتُهُ هَضْماً وَغِذَاءً.
стр. 498
﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ ﴿قِيَاماً﴾
(٥) - هَذَا خِطَابٌ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وَالنَّهْيُ فِيهِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَالٍ يُعْطَى لأيِّ سَفِيهٍ، فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِعْطَاءِ كُلِّ يَتِيمٍ مَالَهُ إذَا بَلَغَ، وَكُلِّ امْرَأَةٍ صَدَاقَهَا، إلاَّ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا سَفِيهاً لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ فَعَلَى المَسْؤُولِينَ عَنِ المَالِ أنْ لاَ يُعْطُوهُ مِنْهُ لِئَلاَّ يُبَذِّرَهُ، وَأنْ يَحْفَظُوهُ لَهُ حَتَّى يَرْشُدَ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَمْوَالَ لِلْنَّاسِ لِتَقُومَ بِهَا مَعَاشَاتُهُمْ وَتِجَارَتُهُمْ، وَتَثْبُتَ بِهَا مَنَافِعُهُمْ وَمَرَافِقُهُمْ. فَمَرَافِقُهُمْ وَمَصَالِحُهُمُ العَّامَّةُ لاَ تَزَالُ ثَابِتَةً قَائِمَةً مَا دَامَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي أَيْدِي الرَّاشِدِينَ المُقْتَصِدِينَ مِنْهُمْ، الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَثْمِيرَهَا. وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى الأَوْلِيَاءَ الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أَمْوَالَ السُّفَهَاءِ وَتَثْمِيرَهَا، بِأنَّ عَلَيهِمْ أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُقَدِّمُوا لَهُمْ كِفَايَتَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَنَحُوَ ذَلِكَ، مِنْ نِتَاجِ الأَمْوَالِ وَأَرْبَاحِهَا، لاَ مِنْ طُلْبِ المَالِ حَتَّى لاَ يَأكُلَهُ الإِنْفَاقُ. وَعَلَى الوَلِيِّ أنْ يَنْصَحَ اليَتِيمَ الصَّغِيرَ، أوِ السَّفِيهَ، وَأنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا فِيهِ خَيْرُهُ وَمَصْلَحَتُهُ، وَأنْ يَحُثَّهُ عَلَى تَرْكِ الإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَأنْ يُعَامِلهُ بِالرِّفْقِ وَالإِحْسَانِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ.
السَّفَهُ - الخِفَّةُ وَالاضْطِرَابُ، ثُمّ أُطْلِقَ عَلَى التَّبْذِيرِ فِي إِنْفَاقِ المَالِ فِيهَا لاَ يَنْبَغِي.
قِيَاماً - تَقُومُ بِهَا أُمُورِ النَّاسِ وَمَعَايِشُهُمْ (وَمِنْهَا القَوَّامُ) .
القَوْلُ المَعْرُوفُ - هُوَ القَوْلُ الذِي يطيب بِهِ الخَاطِرُ.
стр. 499
﴿اليتامى﴾ ﴿آنَسْتُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾
(٦) - وَاخْتَبِرُوا اليَتَامَى، بِإِعْطَائِهِمْ شَيْئاً مِنَ المَالِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، فَإِنْ أَحْسَنُوا التَّصَرُّفَ كَانُوا رَاشِدِينَ. فَإِذَا بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، وَبَلَغُوا الحُلُمَ، وَتَأكَّدْتُمْ مِنْ صَلاَحِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ التِي تَحْتَ أيْدِيكُمْ. أمَّا إذَا لَمْ تَجِدُوهُمْ أَهْلاً لِتَسلُّمِ المَالِ فَاسْتَمِرُّوا عَلَى الابْتِلاءِ حَتَّى تَأنَسُوا الرُّشْدَ مِنْهُمْ. وَيَنْهَى اللهُ تَعَالَى العِبَادَ عَنْ أَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةً ضَرُورِيَّةٍ، وَبِمُبَادَرَةٍ مِنَ الوَلِيِّ إلَى الإِسْرَافِ فِي الإِنْفَاقِ لِتَبْدِيدِ مَالِ اليَتِيمِ قَبْلَ أنْ يَكْبَرَ. فَإِذَا كَانَ الوَلِيُّ غَنِيَاً فَلْيَعْفُ عَنْ مَالِ اليَتِيمِ، وَلاَ يَأكُلْ مِنْهُ شَيْئاً، وَإِذَا كَانَ الوَلِيُّ فَقِيراً جَازَ لَهُ أنْ يَأكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ بِقَدْرِ جُهْدِهِ فِي القِيَامِ بِتَدْبِيرِ مَالِ اليَتِيمِ (فَلَهُ أنْ يَأكُلَ بِأقَلِّ الأَمْرَيْنِ: أَجْرِ مِثْلِهِ، وَقَدْرِ حَاجَتِهِ) . وَأَشْهِدُوا شُهُوداً عَلَى عَمَلِيَّةِ دَفْعِ مَالِ الأَيْتَامِ إليَهِمْ لِتَبْرَأ ذِمَمُكُمْ.
آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً - لاَحَظْتُمْ مِنْهُمْ حُسْنَ التَّصَرُّفِ.
الإِسْرَافُ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي التَّصَرُّفِ.
البِدَارُ - المُبَادَرَةُ وَالمُسَارَعَةُ إلَى الشَّيءِ.
يَسْتَعْفِفُ - أنْ يَعُفَّ عَنْ مَالِ اليَتِيمِ، وَالعِفَّةُ هِيَ تَرْكُ مَالاَ يَنْبَغِي مِنَ الشَّهَواتِ.
الحَسِيبُ - المُحَاسِبُ وَالمُرَاقِبُ.
стр. 500
﴿الوالدان﴾
(٧) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ المَالَ لِلْرِجَالِ الكِبَارِ، وَلاَ يُوَرِثُونَ النِّسَاءَ وَلاَ الأَطْفَالَ، بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ لاَ يَتَحَمَّلُونَ أَعْبَاءَ الحُرُوبِ. فَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالَى هَذَا التَّعَامُلَ الجَائِرَ، وَجَعَلَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ سَوَاءً فِي المِيرَاثِ. وَجَعَلَ اللهُ المِيْرَاثَ حَقّاً مُعَيَّناً مَقْطُوعاً لَيْسَ لأَحدٍ أنْ يُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئاً، وَلاَ أنْ يُحَابِي.
(هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِينَمَا جَاءَتْ امْرَأةٌ إلَى الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ لِي ابْنَتَانِ قَدْ مَاتَ أَبُوهُما، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيءٌ، وَحَازَ عَمُّهُمَا المَالَ كُلَّهُ) .
نَصِيبٌ - حُصَّةٌ.
المَفْرُوضُ - المُقَدَّرُ وَالمُعَيَّنُ.
стр. 501
﴿أُوْلُواْ﴾ ﴿واليتامى﴾ ﴿والمساكين﴾
(٨) - (قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الفَرَائِضِ ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ وَكَانَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مَعْمُولاً بِهِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ آيَةُ الفَرَائِضِ فَلَمَّا نَزَلَتْ أُعْطِيَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) .
إنَّ هَؤُلاَءِ الفُقَرَاءِ مِنَ الأَقَارِبِ الذِينَ لاَ يَرِثُونَ، وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ إذَا حَضَرُوا قِسْمَةَ مَالٍ وَافِرٍ، فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ تَتُوقُ إلَى شَيءٍ مِنْهُ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يُعْطَوْا شَيْئاً مِنَ المَالِ يَكُونُ بِرّاً بِهِمْ، وَجَبْراً لِقُلُوبِهِمُ الكَسِيرَةِ، وَمَنْعاً مِنْ أنْ يَسْرِيَ الحَسَدُ إلَى نُفُوسِهِمْ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقُولُوا لِهَؤُلاَءِ قَوْلاً طَيِّباً، تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ عِنْدَمَا يُعْطَوْنَ، حَتَّى لاَ يَثْقلَ عَلَى أَبِيِّ النَّفْسِ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُهُ، وَيَرَضَى الطَّامِعُ فِي أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ بِمَا أَخَذَ.
القَوْلُ المَعْرُوفِ - القَوْلُ الذِي يَطِيبُ بِهِ الخَاطِرُ.
стр. 502
﴿ضِعَافاً﴾
(٩) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ فِي الرَّجُلِ تَحْضُرُهُ الوَفَاةُ فَيَسْمَعَهُ رَجُلٌ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تُضِرُّ بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الشَّخْصَ الذِي يَسْمَعُهُ أنْ يَتَّقِيَ اللهُ، وَأنْ يَوَفِّقَهُ وَيُرْشِدَهُ إلَى الصَّوَابِ، فَيَنْظُرَ لِوَرَثَتِهِ كَمَا يُحِبُّ هُوَ أنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إذَا خَشِيَ الضَّيْعَةَ عَلَيهِمْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ "
(وَقِيل إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أَمْرٌ لِلأوْلِيَاءِ وَالأَوْصِياءِ بِأَنْ يُعَامِلُوا مَنْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنَ اليَتَامَى مُعَامَلَةً طَيِّبَةً، كَمَا يُحِبُّون أنَ يُعَامِلَ غَيْرُهُمْ أَوْلاَدَهُمْ لَوْ أَنَّهُمْ مَاتُوا وَتَرَكُوا ذَرِّيَّةً ضُعَفَاءَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَكُونُ وَلِيّاً أَوْ وَصِيّاً عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَخْشَوْنَ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمْ) .
لِيَخْشَ - لِيَخَفْ.
قَوْلاً سَدِيداً - قَوْلاً صَوَاباً مُنْصِفاً.
стр. 503
﴿أَمْوَالَ﴾ ﴿اليتامى﴾
(١٠) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى بِدُونِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ، وَعَلَى سَبِيلِ الهَضْمِ وَالظُّلْمِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَكُون سَبَباً فِي إِيصَالِهِمْ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَوْ إنَّهُمْ إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً تَتَأجَّجُ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ قَوْلَهُ ﷺ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلَ الرِّبا، وَأَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ "
ظُلْماً - بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
سَيَصْلَوْنَ - سَيُذُوقُونَ العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَمِنْهُ صَلَى اللَّحْمَ، إذَا شَوَاهُ عَلَى النَّارِ.
السَّعِيرُ - النَّارُ المُسْتَعِرَةُ أيِ المُشْتَعِلَةُ المُتَأَجِّجَةُ.
стр. 504
﴿اأَوْلاَدِكُمْ﴾ ﴿وَاحِدَةً﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ ﴿يُوصِي﴾ ﴿آبَآؤُكُمْ﴾
(١١) - يَأمُرُكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي مُعَامَلَةِ أَبْنَائِكُمْ فَإِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ المِيْرَاثَ كُلَّهُ لِلْذُّكورِ دُونَ الإِنَاثِ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي المِيْرَاثِ، وَجَعَلَ لِلْذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَينِ نَظَراً لاحْتِياجِ الرَّجُلِ إلَى مَؤُونَةِ النَّفَقَةِ، وَالكُلْفَةِ وَمُعَانَاةِ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ. فَإِنْ كَانَ الأوْلاَدُ إِنَاثاً اثْنَتَينِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَهُنَّ ثُلُثَا المِيْرَاثِ، قِيَاساً عَلَى حُكْمِ الأُخْتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا تَأْخُذَانِ ثًُلُثَيِ التَّرِكَةِ، وَالبِنْتَانِ أَوْلى بِذَلِكَ مِنَ الأخْتَينِ، لِذَلِكَ اتَّفَقَ الفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ لِلأَبَوَينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ كَانَ لَهَا نِصْفُ المِيرَاثِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ، كَانَ لِلأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلأَبِ الثُّلُثَانِ. وَتَرِكَةُ المَيِّتِ لا تُقَْمُ بَيْنَ الوَرَثَةِ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ مِنْهَا الدَّيْنَ وَالوَصِيَّةُ التِي أَوْصَى بِهَا المَيِّتُ عَلَى أنْ تَكُونَ فِي الحُدُودِ التِي عَيَّنَهَا الشَّرْعُ، فَهُما مُقَدَّمَانِ عَلَى المِيْرَاثِ. وَإذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَّفَى وَلَدٌ وَلَهُ أَبَوَانِ وَإِخْوَةٌ - أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ - تَنْزِلُ حِصَّةُ الأُمَِّ إلَى السُّدُسِ، وَلاَ يَسْتَفِيدُ الأَوْلاَدُ شَيْئاً مِنَ المِيرَاثِ بِهَذَا الحَجْبِ، وَيُحوزُ الأَبُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ المِيرَاثِ البَاقِيَةَ كُلَّها، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ إنَّ الأَبَ يَلِي نَفَقَةَ أَوْلاَدِهِ، أمَّا الأُمُّ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَتُهُمْ.
وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ إِنَّمَا فَرَضَ لِلآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ نَصِيباً مِنَ المِيرَاثِ، وَجَعَلَ لَهُمْ جَمِيعاً حَقّاً فِي المِيرَاثِ لأنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفْعُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الآخِرَةِ مِنْ أَبَويهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأتِيهِ مِنْ أَبْنَائِهِ، وَقَدْ يَكُونُ العَكْسُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَالذِي يَعْلَمُ ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ.
الحَظُّ - النَّصِيبُ وَالحِصَّةُ.
يُوصِيكُمُ - يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ بِأنْ تَفْعَلُوا.
стр. 505
﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ ﴿كَلاَلَةً﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾
(١٢) - يُبَيّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المِيرَاثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَبَيْنَ الإِخْوَةِ: فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ مَالِ زَوْجَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَالنِّصُفُ الآخَرُ يَرِثُهُ عَصَبَتُهَا أَوْ ذَوُو أَرْحَامِهَا. أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا وَلَدٌ، فِإنَّ الزَّوْجَ يَرِثُ الرُّبْعَ. وَلِلزَّوْجَةِ رُبْعُ المِيرَاثِ إنْ لَم يَكُنْ لِزَوْجِهَا وَلَدٌ، فِإنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَتِ الزَّوْجَةُ الثُّمُنَ، بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَإِخْرَاجِ الوَصِيَّةِ. وَإذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُصُولٌ (آبَاءٌ) أَوْ فُرُوعٌ (أَبْنَاءٌ أَوْ أَحْفَادٌ) وَوَرِثَهُ إِخْوَتِهِ وَحَوَاشِيهِ (وَالكَلاَلَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الإِكْلِيلِ وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ) فَيُخْرَجُ الدَّيْنُ أَوْلاً، ثُمَّ تُخْرَجُ الوَصِيَّةُ، ثُمَّ تُوَزَّعُ التَّرِكَةُ مِيرَاثاً عَلَى المُسْتَحِقِّينَ. وَالأخُ المَذْكُورُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الأَخُ لأمٍّ، وَكَذَلِكَ الأُخْتُ. وَالإِخْوَةُ لأمٍّ يَخْتَلِفُونَ عَنْ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِنْ وُجُوهٍ:
(أ) - فَهُمْ يَرِثُونَ مَعْ مَنْ أدْلوا بِهِ وَهُوَ الأُمُّ.
(ب) - ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ سَواءٌ فِي المِيْرَاثِ.
(ج) - لاَ يَرِثُونَ إلاَّ إذَا كَانَ المَيِّتْ يُورَثُ كَلاَلَةً، فَلاَ يَرِثُونَ مَعَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ.
(د) - لاَ يُزَادُونَ عَنِ الثُّلُثِ وَإنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ يَعْنِي أنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ التِي يُوصِي بِهَا المِيِّتُ يُقْصَدُ بِهَا العَدْلُ، وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الإِضْرَارِ وَالجُورِ وَالحَيْفِ، كَأنْ يُرِيدَ حِرْمَانَ بَعْضِ الوَرَثَةِ، أَوْ إِنْقَاصِ حِصَّتِهِمْ أوْ زِيَادَتِهَا عَمَّا فَرَضَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الفَرِيضَةِ، فَمَنْ سَعَى فِي ذَلِكَ كَانَ كَمَنْ يُضَادُّ اللهَ فِي حُكْمِهِ وَشَرْعِهِ.
وَرَوَى ابْنُ عَبْاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَهُ: " الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ " وَاللهُ تَعَالَى عَليمٌ بِمَا يَنْفَعُكُمْ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِ المُوَصِّينَ مِنْكُمْ، حَلِيمٌ لاَ يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَحْكَامِهِ عَسَى أنْ تَتُوبُوا إِلَيهِ.
غَيْرَ مُضَارٍّ - لاَ يُقْصَدُ بِهِ إلى الإِضْرَارِ.
كَلاَلَةً - مَيِّتٌ لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ وَحَوْلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ حَوَاشِيهِ.
стр. 506
﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٣) - وَهَذِهِ الأَنْصِبَةُ التِي حَدَّدَهَا اللهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ بِحَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنَ المَيِّتِ هِيَ حُدُودُ اللهِ، فَلاَ تَعْتَدُوا فِيها، وَلاَ تَتَجَاوَزُوهَا. وَمَنْ يُطِعْ أَمْرَ اللهِ، وَأَمْرَ رَسُولِهِ، فَيمَا فَرَضَهُ اللهُ لِلْوَرَثَةِ، فَلَمْ يُنْقِصْ لِبَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَزِدْ بَعْضَهُمْ بِحِيلةٍ. . أَدْخَلَهُ اللهُ جَنَّةً تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِداً فِيها، وَهَذا هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
حُدُودُ اللهِ - حُدُودُ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ.
стр. 507
﴿خَالِداً﴾
(١٤) - وَمَنْ يَعْصِ اللهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَ شَرْعِ اللهِ، وَيُصِرَّ عَلَى العِصْيَانِ، دُونَ اسْتِشْعَارِ خَوْفٍ أَوْ نَدَمٍ، يُدْخِلْهُ اللهُ نَاراً، وَيَبْقى خَالِداً فِيها أبَداً، وَلَهُ فِيها عَذَابٌ مُذِلٌّ مُهِينٌ.
стр. 508
﴿واللاتي﴾ ﴿الفاحشة﴾ ﴿نِّسَآئِكُمْ﴾ ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾
(١٥) - كَانَ الحُكْمُ فِي ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ أنَّ المَرْأَةَ إذَا زَنَتْ، وَثَبَتَ زِنَاهَا بِالبَيِّنَةِ العَادِلَةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ مِنَ الرِّجَالِ العُدُولِ، حُبِسَتْ فِي بَيْتٍ فَلاَ تُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ. وَبَقِيَ الحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ النُّورِ فَنَسَخَهَا بِالجَلْدِ لِلْبِكْرِ، وَبِالرَّجْمِ لِلثَّيِّبِ، وَفْقاً لِمَا جَاءَ فِي السُنَّةِ، فَكَانَتْ هِيَ السَّبِيلُ التِي يَجْعَلُهَا اللهُ لِلْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ فِي قَوْلِهِ (أَوْ يَجْعَل اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) .
الفَاحِشَةَ - هِيَ الزِّنَى فِي هَذِهِ الآيَةِ وَهِيَ لُغَةً الفِعْلُ القَبِيحُ.
стр. 509
﴿واللذان﴾ ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ ﴿فَآذُوهُمَا﴾
(١٦) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الرَّجُلَينِ إذَا فَعَلاَ اللّوَاطَةَ، وَكَانَ الحُكْمُ أنَّهُ إذَا ثَبَتَ الفِعْلُ عَلَى الرَّجُلينِ آذَاهُما المُسْلِمُونَ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالتَّعْيِيرِ، وَهَذا العِقَابُ يُنْزَلُ بِهِما إذا لَمْ يَتُوبا وَيُصْلِحَا، فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحا عَمَلَهُمَا وَغَيَّرا أَحْوَالَهما، بِالإِقْبَالِ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ مِنْ أدْرَانِ المَعَاصِي التِي فَرَطَتْ مِنْهُما، فَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى بِالكَفِّ عَن إِيْذَائِهِمَا بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، لأنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَى العَبْدِ التَّائِبِ، وَهُوَ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ.
وَبَقِيَ الحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَ بِآيَةِ الجَلْدِ مِنْ سُورَةِ النُّور، وَبِالسُّنَّةِ فِي رَجْمِ المُحْصَنِ، (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلْ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولِ بِهِ ") (وَمِنَ المُفَسِّرينَ مَنْ قَالَ إنَّ المَقْصُودَ هُنا الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ اللّذَانِ يَرْتَكِبَانِ جَرِيمَةَ الزِّنى. فَإذَا ثَبَتَ الفِعْلَ عَلَيْهِما، كَانَ عَلَى المُسْلِمينَ أنْ يُؤْذُوهُمَا بِالتَّوبِيخِ وَالتَّأنِيبِ، وَالأوَّلُ أَظْهَرُ) .
стр. 510
﴿بِجَهَالَةٍ﴾ ﴿فأولئك﴾
(١٧) - إنَّ التَوْبَةَ التِي أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى عَلى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ قُبُولَها بِوَعْدِهِ كَرَماً مِنْهُ وَتَفْضُّلاً، لَيْسَت إلاَّ لَِمَنْ يَجْتَرِحَ السَّيِّئَاتِ بِجَهَالةٍ تُلاَبِسُ النَّفْسَ مِنْ ثَوْرَةِ غَضَبٍ، أوْ تَغَلُّبِ شَهْوَةٍ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أنْ يَنْدَمَ عَلَى مَا فَرًَّطَ مِنْهُ، وَيُنِيبُ إلى رَبِّهِ، وَيَتُوبُ وَيُقْلِعَ عَنْهَا. فَأولَئِكَ الذِينَ فَعَلُوا الذُّنُوبَ بِجَهَالَةٍ وَتَابُوا بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ، يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِم، لأنَّ الذُنُوبَ لَمْ تَتَرَسَّخُ فِي نُفُوسِهِمْ وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
وَاللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِضَعْفِ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُم لاَ يَسْلَمُونَ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ، فَشَرَعَ بِحِكْمَتِهِ قَبولَ التَّوْبَةِ، فَفَتَحَ لَهُمْ بَابَ الفَضِيلةِ، وَهَدَاهُمْ الى مَحْوِ السَّيِّئَةِ.
السُّوءَ - هُوَ العَمَلُ القَبِيحُ الذِي يَسُوءُ فَاعِلَهُ إذَا كَانَ عَاقِلاً سَوِيَّ الفِطْرَةِ.
الجَهَالَةُ - الجَهْلُ وَتَغَلُّبُ السَّفَهِ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ ثَوْرَةِ الشَّهْوَةِ أوِ الغَضَبِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهَا الحِلْمُ وَتَنْسَى الحَقَّ.
يَعْمَلُونَ السُّوءَ - يَفْعَلُونَ مَا يَسُوءُ.
стр. 511
﴿الآن﴾ ﴿أولئك﴾
(١٨) - أمَّا الذِينَ يَفْعَلُونَ السَّيِّئَاتِ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي فِعْلِهَا وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَيها، وَلاَ يَتُوبُونَ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهِم، أيْ حَتَّى يَحْضُرُهُمْ مَلَكُ المَوْتِ، فَيَقُولُونَ: تُبْنَا الآنَ، وَالذِين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، فَهَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ يَتَوَعَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعَذَابِ الأَلِيمِ المُوجِعِ الذِي أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ. (وَجَعَلَ اللهُ تَوْبَةَ التَّائِبِ وَهُوَ عَلى فِرَاشِ المَوْتِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ) .
стр. 512
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾
(١٩) - كَانَ النَّاسُ قَبْلَ الإِسْلاَمِ يَجْعَلُونَ النِّسَاءَ كَالمَتَاعِ فَإذا مَاتَ الرًَّجُلُ كَانَ أَوْلِياؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ يَتَزَوَّجُونَها بِدُونِ مَهْرٍ وَلاَ رِضَاً مِنْهَا، وَكَأنَّهَا شَيءٌ مِنْ مِيرَاثِ الرَّجُلِ المُتَوَفَّى، فَإنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها، وَإنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَكَانُوا أَحَقَّ بِهِا مِنْ أَهْلِها، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لإِبْطَالِ هَذا التَّعَامُلِ الجَائِرِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِعَدَمِ الإِضْرَارِ بِالمَرْأَةِ، وَبِعَدَمِ مُضَايَقَتِهَا (عَضْلِهَا) فِي العِشْرَةِ لِتَتْرُكَ لِلْرَجُلِ مَا دَفَعَهُ لَها مِنْ مَهْرٍ، أوْ بَعْضِ حُقُوقِهَا عَلَيهِ، أَوْ شَيْئاً مِنْ حُقُوقِهَا فِي المِيْرَاثِ، عَلى سَبِيلِ القَهْرِ وَالإِضْرَارِ.
أمَّا إذَا زَنَتِ المَرْأَةُ فَكَانَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الذِي دَفَعَهُ إلَيها، وَأنْ يُضَاجِرَهَا حتَّى تَتْرُكَهُ (أيْ أنَّ لَهُ عَضْلَهَا فِي هَذِهِ الحَالَةِ) . أمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الزِّنَى فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ بِمُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ بِالمَعْرُوفِ، أيْ مَعَ طِيبِ قَوْلٍ، وَحُسْنِ فِعْلٍ، حَتَّى وَلَوْ كَرِهُوهُنَّ، فَقَدْ يَكْرَهُ الإِنسَانُ شَيْئاً وَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً، كَأنْ تَلِدَ لَهُ المَرْأةُ وَلَداً يَنْبُغُ أو يَسُودُ، أوْ يَكُونُ ذَا شَأنٍ أوْ أنْ يَنْصَلِحَ حَالُها فَتَكُونَ سَبباً فِي سَعَادَته.
العَضْلُ - التَّضْييقُ وَالشِّدَّةُ لِلمُضَارَّةِ.
الفَاحِشَةُ - الفِعْلَةُ الشَّدِيدَةُ القُبْحِ.
المُبَيِّنَةُ - الظَّاهِرَةُ الفَاضِحَةُ.
كَرْهاً - مُكْرَهَاتٍ عَلَيهِ.
стр. 513
﴿وَآتَيْتُمْ﴾ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ ﴿بُهْتَاناً﴾
(٢٠) - وَإذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لِكُرْهِهِ إيَّاهَا، وَعَدَمْ صَبْرِهِ عَلى مُعَاشَرَتِها، وَأنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهَا بِها، وَهِي لَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا الكَثِيرَ مِنَ المَالِ مَقْبُوضاً أوْ مُلْتَزِماً، دَفَعَهُ إلَيْها، أَوْ صَارَ دَيْناً فِي ذِمَّتِهِ، فَعَلَى الرَّجُلِ أنْ لاَ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ عَلَيهِ أنْ يَدْفَعَهُ إليها بِالكَامِلِ، وَلُوْ كَانَ قِنْطَاراً مِنَ المَالِ. ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الرِّجِالِ البَاهِتينَ الآثِمِينَ الذِينَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا تَطْلِيقَ الزَّوْجَةِ رَموهَا بِالفَاحِشَةِ حَتَّى تَخَافَ وَتَشْتَرِيَ نَفْسَها مِنْهُمْ بِتَرْكِ المَهْرِ الذِي دَفَعُوهُ.
البُهْتَانُ - الكَذِبُ الذِي يَبْهَتُ المكْذُوبَ عَلَيهِ وَيُسْكِتُهُ مُتَحَيِّراً.
القِنْطَارُ - يُقَصَدُ بِهِ هُنَا الكَثْرَةُ مِنَ المَالِ.
стр. 514
﴿مِّيثَاقاً﴾
(٢١) - وَيُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُ عَلَى الرِّجَالِ الذِينَ يُفَكِّرُونَ بِأَخْذِ شَيءٍ مِمَّا أَعْطَوا النِّسَاءَ مِنْ مُهُورٍ وَصَدَاقٍ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَسْتَسِيغُونَ أَخْذَ شَيءٍ مِمَّا دَفَعْتُمْ إلى نِسَائِكُمْ كُلاًّ أوْ بَعْضاً، بَعْدَ أنْ تَأَكَّدَتِ الرَّابِطَةُ، بَيْنَ الزَّوْجِينِ، بِأَقْدَسِ رِبَاطٍ حَيَوي، وَلاَبَسَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ، وَأَفْضَى إليهِ بِالاتِّصَالِ الجَسَدِيِّ، حَتَّى صَارَ أحَدُهُمَا بِمَثَابَةِ الجُزْءِ المُتَمِّمِ للآخَرِ، وَأخَذْنَ عَلَيكُمْ عَهْدَ اللهِ عَلَى إمْسَاكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ، أوْ تَسْرِيحِهِنَّ بِإِحْسَانٍ؟!
أَفْضَى - وَصَلَ بِالوِقَاعِ أوْ الخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ.
مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً وَثيقاً.
стр. 515
﴿آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿فَاحِشَةً﴾
(٢٢) - كَانَ زَوَاجُ الأَبْنَاءِ بِزَوْجَاتِ الآبَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَاشياً فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَذَمَّ اللهُ تَعَالَى هَذا الفِعْلَ، وَسَمَّاهُ فَاحِشَةً، وَجَعَلَهُ مَبْغُوضاً أشَدَّ البُغْضِ. وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأبْنَاءِ زَوْجَاتِ الآبَاءِ تَكْرِمَةً لَهُمْ وَتَعْظِيماً. وَتَحْرُمُ امْرَأةُ الأبِ عَلَى الابْنِ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ عَلَيها، دَخَلَ بِهَا أمْ لَمْ يَدْخُلْ، وَعَدَّ اللهُ تَعَالَى مِثْلَ هَذا الزَّوَاجِ فَاحِشَةً، لأنَّهُ يُؤَدِّي بِالابْنِ إلى مَقْتِ أبيهِ بَعْدَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، وَأنَّهُ طَرِيقٌ سَيِّئٌ لِمَنْ سَلَكَهُ. وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذا التَّحْرِيمِ الزَّوَاجَ الذِي تَمَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ (مَا قَدْ سَلَفَ) .
سَلَفَ - مَضَى.
مَقْتاً - مَمْقُوتاً وَمَبْغُوضاً.
سَاءَ سَبيلاً - قَبُحَ طَرِيقاً.
стр. 516
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ ﴿وَخَالاَتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ ﴿اللاَّتِي﴾ ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ﴾ ﴿نِسَآئِكُمْ﴾ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي﴾ ﴿وَحَلاَئِلُ﴾ ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾
(٢٣) - هَذِهِ الآيَةُ تَحْوِي تَحْرِيمَ المَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَمِنَ الرَّضَاعِ، وَالمَحَارِمِ بِالصِّهْرِ.
فَمِنَ النَّسَبِ - تَحْرُمُ: الأمُّ وَالجَدَّاتُ وَإنْ عَلَوْنَ، وَبَنَاتُ الأَصْلاَبِ، وَبَنَاتُ الأَوْلاَدِ وَإِنْ نَزَلْنَ، وَالأُخْتُ وَالعَمَّةُ وَالخَالَةُ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ، وَبَنَاتُ الأَخِ وَإِنْ نَزَلْنَ.
وَمِنَ الرَّضَاعِ - تَحْرُمُ: الأمُّ وَالأُخْتُ مِنَ الرَّضَاعِ.
وَمِنَ الصِّهْرِ - تَحْرُمُ أمُّ الزَّوْجَةِ (وَتَحْرُمُ بِمُجَّرَدِ العَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا) ، وَبِنْتُ الزَّوْجَةِ (الرَّبِيبَةُ) المَدْخُولِ بِهَا، وَزَوْجَةُ الابْنِ، وَجَمْعُ أخْتِ الزَّوْجَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ، إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ زَوَاجٍ قَبْلَ هَذا التَّحْرِيمِ، فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الرَبِيبَةُ - ابْنَةُ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ.
لاَ جُنَاحَ عَلَيْكًُمْ - لاَ إِثْمَ عَلَيْكُمْ وَلاَ حَرَجَ.
стр. 517
﴿والمحصنات﴾ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿كِتَابَ﴾ ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿مُسَافِحِينَ﴾ ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ ﴿تَرَاضَيْتُمْ﴾
(٢٤) - وَتَحْرُمُ النِّسَاءَ الأُخْرَياتِ، غَيْرَ الوَارِدِاتِ فِي التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، المُتَزَوِّجَاتُ (أيْ المُحْصَنَاتُ بِالزَّوَاجِ لأَنَّهُنَّ يَكُنَّ فِي حصْنِ أَزْوَاجِهِنَّ وَحِمَايَتِهِمْ) ، إلاَّ النِّسَاءَ المُتَزَوِّجَاتِ اللَّوَاتِي يَقْعَنَ سَبَايَا فِي مُلْكِكُمْ فِي حَرْبٍ دِينيَّة تُدَافِعُونَ بِها عَنْ دِينِكُمْ، وَأَزْوَاجُهُنَّ كُفَّارٌ فِي دَارِ الكُفْرِ، فَحِينَئذٍ يَنْحَلُّ عَقْدُ زَوَاجِهِنَّ، وَيَكُنَّ حَلالاً لَكُمْ بِالشُّرُوطِ المَعْرُوفَةِ فِي كُتُبِ الفِقْهِ.
وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَنْ سُبِيَ مَعَهَا زَوْجُهَا فَلاَ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ لأنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اخْتِلافِ الدَّارِ بَيْنَ الزَّْجَينِ، دَارَ الإِسْلاَمِ وَدَارَ الكُفْرِ.
وَهَذا التَّحْرِيمُ هُوَ كِتَابُ اللهِ عَلَيْكُمْ فَالْتَزِمُوا بِهِ.
وَمَا عَدَا هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ فَذَلِكَ حَلاَلٌ لَكُمْ إذَا سَعَيْتُمْ إلَى الحُصُولِ عَلَيْهِ بِأَمْوَالِكُمْ لِلزَّوَاجِ، أوْ لِشِراءِ السَّرَارِي، بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِي، لاَ بِقَصْدِ الزِّنى وَلا المُخَادَنَةِ. (وَلِذَا قَالَ تَعَالَى مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ أَيْ لاَ تَسْفَحُونَ فِيهِ مَاءَ الفِطْرَةِ سَفْحاً) .
وَكَمَا تَسْتَمْتِعُونَ بِالنِّسَاءِ، فَعَلَيْكُمْ أنْ تُؤْتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ المَفْرُوضَةَ (أُجُورَهُنَّ) ، فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ. وَإنْ كُنْتُمْ فَرَضْتُمْ لِلْمَرْأةِ مَهْراً ثُمَّ رَضيَتْ أنْ تَضَعَ لَكُمْ مِنْهُ شَيْئاً بَعْدَ الفَرْضِ، فَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ، كَذَلِكَ لاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي الزِّيَادَةِ فِي المَهْرِ المَفْرُوضِ. وَالله عَليمٌ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، وَهُوَ حَكيمٌ فِيما أَمَرَ بِهِ وَفَرَضَهُ عَلى عِبَادِهِ.
المُحْصَنَةُ وَالمُحْصَنُ - العَفِيفَةُ وَالعَفِيفُ، وَأُحْصِنَتِ المَرْأَةُ تَزَوَّجَتْ وَأَصْبَحَتْ فِي حِصْنِ الرَّجُلِ وَحِمَايَتِهِ.
المُسَافِحُ - الزَّاني. وَالمُسَافِحَةُ - الزَّانِيَةُ.
الاسْتِمْتَاعُ - التَّمَتُّعُ بِالشَّيءِ.
الأجُوُرُ - هِيَ فِي الأصْلِ مَا يُعْطَى مُقَابِلَ عَمَلٍ وَيُقْصَدُ بِها هُنَا المَهْرُ الذِي يُخَصَّصُ لِلزَّوْجَةِ.
الفَرِيضَةُ - الحِصَّةُ المُحَدَّدَةُ المَفْرُوضَةُ.
стр. 518
﴿المحصنات﴾ ﴿المؤمنات﴾ ﴿أَيْمَانُكُم﴾ ﴿فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾ ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ ﴿مُسَافِحَاتٍ﴾ ﴿مُتَّخِذَاتِ﴾ ﴿أَخْدَانٍ﴾ ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ ﴿المحصنات﴾
(٢٥) - وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ نَاحِيَّةِ المَالِ، وَالقُدْرَةِ عَلى الإِنْفَاقِ أنْ يَتَزَوَّجَ الحَرَائِرَ العَفِيفَاتِ المُؤْمِناتِ (المُحْصَنَاتِ بِالحُرِّيَّةِ) فَإِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ الإِماء المُؤْمِنَاتِ، اللاتي يَمْلِكُهُنَّ المُؤْمِنُونَ، فَأَنْتُم أَيَّها المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فِي الإِيْمَانِ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَعدُّوا نِكَاحَ الإِمَاءِ، عِنْدَ الحَاجَةِ إليه، عَاراً. وَفِي هَذا إِشَارَةً إلى أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ شَأنَ الفَتَيَاتِ المُؤْمِنَاتِ، وَسَاوَى بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الحَرَائِرِ، وَهُوَ العَلِيمُ بِحَقِيقَةِ الإِيْمَانِ، وَدَرَجَةِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِهِ (وَاللهُ أَعْلَمُ بَإيمانِكُمْ) ، عَلى أنْ يَتِمَّ الزَّوَاجُ بِإِذْنِ سَيِّدِ الأُمَةِ، لأنَّهُ وَلِيُّها، وَلاَ تُزَوَّجُ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَعَلى أنْ يَدْفَعَ الزَّوْجُ إلَيْهَا مَهْراً بِالمَعْرُوفِ، عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَعَلَيهِ أنْ لاَ يُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئاً، اسْتِهَانَةً بِهَا، لِكَوْنِهِا أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ، عَلى أنْ يَحْصِنَهُنَّ الزَّوَاجُ عَنِ الزِّنَى فَلاَ يَتَعاطَيْنَهُ (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) ، وَعَنِ اتِّخَاذِ أَخْدَانٍ وَأَخِلاَّء (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) .
فَإذا أُحْصِنَتِ الإِمَاءُ بِالزَّوَاجِ، ثُمَّ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ، كَأنْ مَارَسْنَ الزِّنى، أوِ اتَّخَذْنَ خَليلاً، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ الحَرَائِرِ مِنَ العُقُوبَةِ، (لأنَّ الأمةَ ضَعِيفةٌ عَنْ مُقَاوَمَةِ الإِغْرَاءِ) وَالأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ لاَ رَجْمَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي الزِّنَى.
وَقَدْ أُبِيحَ الزَّوَاجُ بِالشُّرُوطِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الإِمَاءِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الوُقُوعَ فِي الزِّنَى (خَشِيَ العَنَتَ) ، وَشَقَّ عَلَيهِ الصَّبْرُ. أمَّا إذَا اسْتَطَاعَ الكَفَّ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالإِمَاءِ، وَالصَّبْرَ عَنِ الزِّنَى فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، لأنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ الأَمَةَ وَجَاءَهُ أَوْلاَدٌ مِنْها كَانُوا أَرِقَاءَ لِسَيِّدِهَا. وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الهَفَوَاتُ، كَاحْتِقَارِ الإِمَاءِ المُؤْمِنَاتِ، وَالطَّعْنِ فِيهِنَّ أَثْنَاءَ الحَدِيثِ، وَعَدَمَ الصَّبْرِ عَلَى مُعَاشَرَتِهِنَّ بِالمَوَدَّةِ، وَهُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ إذْ بَيَّنَ لَهُمْ أَحْكَامَ شَرْعِهِ.
الطَوْلُ - القُدْرَةُ عَلى تَحْصِيلِ الرَّغَائِبِ.
الفَتَيَاتُ - يُقْصَدُ بِهِنَّ هُنا الإِمَاءُ.
الأَخْدَانُ - الأَصْحَابُ، وَيُرَادُ بِهِمْ هُنَا العُشَّاقُ الذِينَ يَزْنُونَ بِهِنّ سِراً.
العَذَابِ - العُقُوبَةِ.
стр. 519
(٢٦) - إنَّ اللهَ يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، مَا أَحَلَّ لَكُمْ، وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم، وَأَنْ يَهْدِيكُمْ إلى سُنَنِ مَنْ كَانُوا قَبْلَكُمْ، وَطَرَائِقِهِمُ الحَمِيدَةُ، وَإلى اتِّبَاعِ شَرَائِعِهِ التِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا، وَيُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم مِمَّا ارْتَكَبْتُمْ مِنَ الإِثْمِ وَالمَحَارِمِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
السُّنَنَ - وَاحِدَتُها سُنَّةٌ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ وَالنَّهْجُ.
стр. 520
﴿الشهوات﴾
(٢٧) - وَاللهُ يُرِيدُ بِمَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ الأَحْكَامِ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ مَا فِيهِ مَصَالِحُكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ، وَأَنْ تَهْتَدُوا وَتَعْمَلُوا صَالِحاً، وَتَتَّبِعُوا شَرْعَهُ لِيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِئَاتِكُمْ، وَيُرِيدُ أَتْبَاعُ الشَّيْطَانِ الضَّالُونَ أنْ تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ مَيْلاً عَظِيماً.
стр. 521
﴿الإنسان﴾
(٢٨) - وَيُريدُ اللهُ تَعَالَى أنْ يُخَفِّفَ عنَكْمُ التَّكَالِيفَ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَشَرْعِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، لأنَّ الإِنْسَانَ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ وَعَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ، لِذَلِكَ أَبَاحَ لَكُمُ الزَّوَاجَ مِنَ الإِمَاءِ بِشُرُوطٍ حَدَّدَهَا.
стр. 522
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿تِجَارَةً﴾
(٢٩) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى النَّاسَ عَنْ أنْ يَأكُلَ بَعْضَهُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالبَاطِلِ، أيْ أنْ يَأخُذَهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعيِّ: كَالقِمَارِ وَالرِّبَا وَالحِيَلِ وَغَيْرِها. . وَإنْ ظَهَرَتْ فِي قَالِبِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، مِمّا يَعْلَمُ اللهُ أنَّ مَتَعَاطِيهَا إنَّمَا يُرِيدُ الحِيلَةَ لأكْلِ الرِّبا. فَاللهُ تَعَالَى يُحَرِّمُ عَلى النَّاسَ تَعَاطِي الأَسْبَابِ المُحَرَّمَةِ فِي اكْتِسَابِ الأَمْوَالِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ المُتَاجَرَةَ المَشْرُوعَةِ التِي تَتِمُّ عَنْ تَرَاضٍ بَينَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي، فَسَمَحَ اللهُ لِلمُؤْمِنِينَ بِتَعَاطِيهَا، وَالتَّسَبُّبِ فِي كَسْبِ الأَمْوَالِ بِهَا. وَيَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ بِارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ، وَأكْلِ الأَمْوَالِ بِالبَاطِلِ، فَإنَّ اللهَ كَانَ رَحِيماً بِهِمْ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، لأنَّ فِيهِ صَلاَحَهُمْ.
وَهذِهِ الآيَةُ تَشْمَلُ أَيْضاً مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ قَتْلاً حَقِيقاً وَأَعْدَمَها الحَيَاةَ بِحَديدٍ أَوْ بِسُمٍّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ. وَجَعَلَ اللهُ جِنَايَةَ الإِنسَانِ عَلى غَيْرِهِ جِنَايَةً عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.
أكَلُ المَالِ بِالبَاطِلِ - أخْذُهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ.
стр. 523
﴿عُدْوَاناً﴾
(٣٠) - وَمَنْ تَعَاطَى مَا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مُعْتَدِياً فِيهِ عَلَى الحَقِّ، وَظَالِماً فِي تَعَاطِيهِ، وَعَارِفاً بَتَحْرِيمِهِ، وَمُتَجَاسِراً عَلَى انْتِهَاكِهِ، فَإنَّ اللهَ سَوْفَ يُعَذِّبُهُ فِي نَارِ جَهَّنَم، وَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَليهِ.
عُدواناً - مُعْتَدِياً بِهِ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ.
نُصْلِيهِ نَاراً - نُدْخلُهُ فِيهَا وَنُعَذِّبُهُ.
стр. 524
﴿كَبَآئِرَ﴾
(٣١) - إذَا اجْتَنَبْتُمْ مُقَارَفَةَ كَبَائِرِ الآثَامِ وَالذُّنُوبِ التِي نَهَاكُمُ اللهُ عَنْهَا، كَفَّرَ عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ، وَأَدْخَلَكُمْ فِي جَنَّتِهِ، وَرَحِمَكُمْ مَا دُمْتُمْ بَاذِلِينَ جُهْدَكُمْ فِي الاسْتِقَامَةِ.
وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي عَدَدَ الكَبَائِرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا سَبْعٌ: (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّها أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الكَبَائِرُ إلى سَبْعِينَ أَقْرَبُ، إذْ لاَ صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ) . وَيُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الذَنْبَ يُرْتَكَبُ لِعَارِضٍ مِنْ ثَوْرَةِ شَهْوَةٍ، أوْ غَضَبٍ، وَصَاحِبُهُ يَخَافُ اللهَ، وَلاَ يَسْتَّحِلُّ مَحَارِمَهُ فَهُوَ مِنَ السَّيِّئَاتِ يُكَفِّرُهَا اللهُ. وَكُلُّ ذَنْبٍ يُرْتَكَبُ مَعَ التَّهَاوُنِ بِالأَمْرِ، وَعَدَمِ المُبَالاَةِ يُعَدُّ كَبِيراً مَهَمَا صَغُرَ ضَرَرُهُ، إذا كَانَ فِيهِ إِصْرَارٌ وَاسْتِهْتَارٌ.
الاجْتِنَابُ - التَّرْكُ وَالابْتِعَادُ.
السَّيِّئَاتُ - صَغَائِرُ الذُّنُوبِ.
مُدْخَلاً كَرِيماً - مُدْخَلاً حَسَناً شَرِيفاً (الجَنَّةَ) .
стр. 525
﴿واسألوا﴾
(٣٢) - قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةٍ ﵂ : يَا رَسُولَ اللهِ يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ نَغْزُو، وَلَنَا نِصْف المِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَتَمَنَّى الرَجُلُ فََيَقُولُ: لَيْتَ لِي مَالَ فُلاَنٍ، وَلُوْ أنَّ لِي مَالَ فُلاَنٍ. فَإِنَّ اللهَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَسَأَلُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ. وَلِكُلٍّ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَزَاءَ عَمَلِهِ بِحَسبِهِ إنْ خَيْراً فَخْيراً، وَإنْ شَراً فَشَراً، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الدُّنْيَا فَيُعْطِيهِ مِنْهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الفَقْرَ فَيُفْقِرَهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الآخِرَةَ فَيُهَيِّئُ لَهُ أَعْمَالَها، وَلِذَلِكَ فَضَّلَ بَعُْض النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ مَرَاتِبِ اسْتِعْدَادِهِمْ، وَتَفَاوُّتِ اجْتِهَادِهِمْ فِي الحَيَاةِ.
التَّمَنِّي - هُوَ تَشَهِّي الأَمْرِ المَرْغُوبِ فِيهِ.
стр. 526
﴿مَوَالِيَ﴾ ﴿الوالدان﴾ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿فَآتُوهُمْ﴾
(٣٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجَالِ الذِينَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، وَمِنَ النِّسَاءِ اللَّواتِي لَهُنَّ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، مَوَالِيَ (وَرَثَةٌ) ، لَهُمْ حَقُّ الوِلاَيَةِ عَلَى مَا يَتْرُكُونَ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ المَوَالِيَ هُمْ جَمِيعُ الوَرَثَةِ مِنَ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ وَالحُوَاشِيَ وَالأَزْوَاجِ، وَالذِينَ عَقَدَ المُتَوَفَّى مَعَهُمْ عَقْداً مِنْ مُقْتَضَاهُ أنْ يَرِثُوهُ إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ قَرَابَةٍ، فَأعْطُوا هَؤُلاءِ المَوَالِيَ نَصِيْبَهُمُ المُقَدَّرُ لُهُمْ، وَلاَ تُنْقِصُوهُمْ مِنْهُ شَيئاً فَإنَّ اللهَ رَقِيبٌ شَاهِدٌ عَلَى تَصَرُّفَاتِكُمْ، فَلاَ يَطْمَعُ مَنْ كَانَ المَالُ بِيَدِهِ أنْ يَأْكُلَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِ الوَرَثَةِ شَيئاً، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَراً أوْ أُنْثَى، صَغِيراً أوْ كَبِيراً.
(وَيُقَالُ إنَّ المُهَاجِرِينَ فِي المَدِينَةِ آخَى الرَّسُوُل ﷺ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الأَنْصَارِ، فَكَانَ المُتآخِيَانِ يَتَوارَثَانِ بِسَبَبِ هذِهِ المُؤَاخَاةِ دُونَ سَائِرِ الوَرَثَةِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا التَّعَامُلِ بِهَذِهِ الآيَةِ) .
(وَقَدْ عَرَفَ المُجْتَمَعُ الإِسْلاَمِيُّ أَنْوَاعاً مِنَ العُقُودِ أَقَرَّتْهَا الشَّرِيعَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ، وَجَعَلَتْ فِيها الإِرْثَ يَذْهَبُ أَحْيَاناً لِغَيْرِ الأَقْرِبَاءِ، مِنَها عَقْدُ وَلاَءِ العِتْقِ فَكَانَ المُتَوَفَّى يَرِثُهُ مَوْلاَهُ إذَا مَاتَ دُونَ عِصْبَتِهِ. وَعَقْدُ المُوَالاَةِ هُوَ عَقْدٌ يُبِيحُ لِغَيْرِ العَرَبِّي أنْ يَرْتَبِطَ بِعَقْدٍ مَعَ عَرَبيّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ عَصَبَتِهِ فَيَرِثُهُ إذَا مَاتَ. وَعَقْدُ المُؤَاخَاةِ الذِي عَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَقَدْ أُبْطِلَتْ هَذِهِ العُقُودُ دُونَ أثَرٍ رَجْعِيٍّ) .
جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ - وَرَثَةً عَصَبَةً يَرِثُونَ مِمّا يَتْرُكُ.
الذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ - حَالَفْتُمُوهُمْ وَعَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَى التَّوارُثِ.
стр. 527
﴿قَوَّامُونَ﴾ ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿فالصالحات﴾ ﴿قَانِتَاتٌ﴾ ﴿حَافِظَاتٌ﴾ ﴿واللاتي﴾
(٣٤) - مِنْ شَأْنِ الرَّجُلِ أنْ يَقُومَ عَلَى المَرْأَةِ بِالحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، وَلِذَلِكَ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى الجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالجِهَادُ مِن أخَصِّ شُؤُونِ الحِمَايَةِ. وَقَدْ فَضَّلَ اللهُ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الخِلْقَةِ، وَأعْطَاهُمْ مَا لَمْ يُعْطَ النِّسَاءُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، كَمَا فَضّلَهُمْ بِالقُدْرَةِ عَلَى الإِنْفَاقِ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ أَمْوالِهِمْ، فَإِنَّ فِي المُهُورِ تَعْوِيضاً لِلْنِّسَاءِ، وَمُكَافَأَةً لَهُنَّ عَلَى الدُّخُولِ تَحْتَ رِئَاسَةِ الرَّجُلِ، وَقَبُولِ القِيَامَةِ عَلَيْهِنَّ. وَالقِيَامَةُ تَعْنِي الإِرْشَادَ وَالمُرَاقَبَةَ فِي تَنْفِيذِ مَا تُرْشِدُ إلَيْهِ النِّسَاءُ، وَمُلاَحَظَةَ أَعْمَالِهِنَّ، وَمِنْ ذَلِكَ حِفْظُ المَنْزِلِ، وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ إلاَّ بِإِذْنٍ، وَالانْصِرَافَ إلى وَظِيفَتِهِنَّ الفِطْرِيَّةِ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ وَتَرْبِيَّةٍ. وَالنِّسَاءُ الصَّالِحَاتُ مُطِيعَاتٌ لأَزْوَاجِهِنَّ، حَافِظَاتٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ فِي خِلْوَاتِهِمْ، لاَ يُطْلِعْنَ عَلَيهِ أَحَداً، وَيَحْفَظْنَّ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ أَيْدِي العَابِثِينَ، وَعَلَيْهِنَّ أنْ يَحْفَظَنَّ أَمْوَالَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الضَيَاعِ، وَهَذا الصِنْفُ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ لِلْرِّجَالِ عَلَيِهِنَّ سُلْطَانُ التَّأديب. أمَّا اللَّوَاتِي تَخْشَوْنَ مِنْهُنَّ أنْ لاَ يَقُمْنَ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى الوَجْهِ الذِي تَرْضَونَ، فَعَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَتُهُنَّ، مُبْتَدِئِينَ بِالوَعْظِ وَالإِرْشَادِ، وَالتَّذْكِيرِ بِوَاجِبَاتِهِنَّ، فَقَدْ يَكْفِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ، فَجَرِّبُوا الهَجْرَ فِي المَضْجَعِ، وَالإِعْرَاضِ عَنْهُنَّ، فَقَدْ يُفِيدُهُنَّ ذَلِكَ فَيَفِئْنَ إلى الصَّوَابِ. وَإذَا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَجَرِّبُوا الضَّرْبَ غَيْرَ المُبَرِّحِ وَغَيْرَ المُؤْذِي، وَهَذا لاَ يَلْجَأُ إلَيْهِ إلاَّ إذَا يَئِسَ الرَّجُلُ مِنْ رُجُوعِ المَرْأَةِ عَنْ نُشُوزِهَا إلاَّ بِهِ.
وَإذَا أَطَاعَتِ المَرْأَةُ زَوْجَهَا فِيمَا يُرِيدُهُ مِنْهَا، مِمَّا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ مِنْها، فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبَهَا، وَلاَ هُجْرَانَها، وَلاَ إِسَاءَةُ مُعَامَلَتِهَا.
وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ إذا بَغَوْا عَلَى النِّسَاءِ بَغْيِرِ سَبَبٍ، وَيُعْلِمُهُمْ بِأنَّهُ وَليُّهُنَّ، وَأنَّهُ سَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ يَبْغِي عَلَيْهِنَّ.
قَوَّامُونَ - قِيَامَ الوُلاَةِ المُصْلِحِينَ عَلَى الرَّعِيَّةِ.
قَانِتَاتٌ - مُطِيعَاتٌ لأَزْوَاجِهِنَّ.
حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ - صَائِنَاتٌ لِلْعِرْضِ وَالمَالِ فِي الغَيْبَةِ.
بِمَا حَفِظَ اللهُ - لَهُنَّ مِنْ حُقُوقِهِنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ.
النُّشُوزُ - عَدَمِ المُطَاوَعَةِ.
стр. 528
﴿إِصْلاَحاً﴾
(٣٥) - إذَا وَقَعَ الشِقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجِينِ، أَسْكَنَ القَاضِي الزَّوْجَةَ إلَى جَنْبِ ثِقَةٍ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهَا، وَيَمْنَعُ مِنْهُمَا الظاًَّلِمَ مِنْ ظُلْمِهِ، فَإنْ تََفَاقَمَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَهُما، وَصَارَتْ تُهَدِّدُ بِالانْفِصَالِ، بَعَثَ القَاضِي ثِقَةً مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ وَثِقَةً مِنْ أَهْلِ الزَّوْجِ، لِيَجْتَمِعَا وَيَنْظُرا فِي أَمْرِهِمَا، وَيَفْعَلا مَا فِيهِ المَصْلَحَةُ مِمَّا يَرَيَانِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ أوْ التَّوْفِيقِ، وَالشَّارِعُ أَمْيَلُ إلَى التَّوْفِيقِ، لِذَلِكَ قَالَ إنْ يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما، فَهَذِهِ الأَحْكَامُ إنَّمَا شَرَعَهَا اللهُ العَلِيمُ بِأَحْوالِ العِبَادِ وَأَخْلاَقِهِمْ، وَالخَبِيرُ بِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبِأَسْبَابِهِ.
стр. 529
﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ واليتامى﴾ ﴿والمساكين﴾ ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾
(٣٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَبِعَدَمِ الإشْرَاكِ بِهِ، وَبِالعَمَلِ بِمَا أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ أَوْصَاهُمْ بِالإِحْسَانِ إلَى الوَّالِدَينِ، فَقَدْ جَعَلَهُمَا اللهُ سَبباً لِخُرُوجِ الإِنْسَانِ مِن العَدَمِ. ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلَى ذَوِي القُرْبَى، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلى اليَتَامَى الذِينَ فَقَدُوا آبَاءَهُمْ، وَمَنْ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بِالإِحْسَانِ إلَى المَسَاكِينِ (وَهُمُ المُحْتَاجُونَ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَنْ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ) ، فَأَمَرَ اللهُ بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلى الجَارِ الجَنْبِ، وَهُوَ الجَارِ الذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، كَمَا أَمَرَ تَعَالَى بِالإِحْسَانِ إلَى الصَّاحِبِ بِالجَنْبِ، وَهُوَ الرَّفِيقُ الصَّالِحُ فِي الحِلِّ وَالسَّفَر، وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ الضَّيْفُ عَابِرُ السَّبِيلِ مَارّاً بِكَ فِي سَفَرٍ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ. كَمَا أَمَرَ اللهُ النَّاسَ بِالإِحْسَانِ إلى الأَرِقَّاءِ الذِين تَحْتَ أَيْدِيهِمْ.
ثُمَّ أَضَافَ تَعَالَى إلى ذَلِكَ، أنَّهُ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فِي نَفْسِهِ، مُعْجَباً مُتَكَبِّراً فَخُوراً عَلَى النَّاسِ، يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَقِيرٌ.
الجَارِ الجُنُبِ - البَعِيدِ سَكَناً أوْ نِسْبَةً.
الصَّاحِبِ بِالجَنْبِ - الرَّفِيقِ فِي أَمْرٍ حَسَنٍ.
مُخْتالاً - مُتَكَبِّراً مُعْجَباً بِنَفْسِهِ.
فَخُوراً - كَثيرَ التَّطَاوُلِ وَالتَّعَاظُمِ بِالمَنَاقِبِ.
стр. 530
﴿آتَاهُمُ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(٣٧) - قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُخْتَالِينَ الفَخُورِينَ، وَهُنَا يَصِفُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُخْتَالِينَ الفَخُورِينَ فَيَقُولُ: إنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، مِنْ بِرِّ الوَالِدَينِ، وَالإحْسَانِ إلَى الأَقَارِبِ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ، وَالجَارِ وَابْنِ السَبِيلِ، وَمَا مَلَكَتِ الأَيْمَانُ مِنَ الأَرِقَاءِ، وَلا يُؤَدُّونَ حَقَّ اللهِ، وَلاَ يَكْتَفُونَ بِالتَّكَبُّرِ وَالبُخْلِ، وَإنَّمَا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ أَيْضاً
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالقَطِيْعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا ") .
وَالبَخِيلِ جَحُودٌ لِنِعْمَةِ اللهِ فَلا تَظْهَرُ عَلَيهِ، وَلاَ تَبِينُ فِي مَأْكَلِهِ، وَلاَ فِي مَلْبَسِهِ، فَهُو كَاتِمٌ لَمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، كَافِرٌ بِنِعْمَتِهِ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لِلْكَافِرِينَ بِنِعَمِهِ عَذَاباً مُهِيناً.
(وَيَشْمَلُ البُخْلُ المَقْصُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ البُخْلَ بِلَيِّنِ الكَلاَمِ، وَالنُّصْحَ في التَّعْلِيمِ، وَإِنْقَاذَ المُشْرِفِ عَلَى التَّهْلُكَةِ) .
следующие страницы →