Полный текст (6 113 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
﴿دَرَجَاتٌ﴾
(١٦٣) - يُخَبِّرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ أهْلَ الخَيْرِ الذِينَ اسْتَحَقُّوا رِضْوَانَ اللهِ، وَأهَلَ الشَّرِّ الذِينَ بَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَاللهُ بَصِيرٌ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَسَيُوَفِّيهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَلا يَظْلِمُهُمْ خَيْراً فَعلُوهُ، وَلاَ يَزيدُهُمْ شَرّاً لَمْ يَفْعَلُوهُ.
стр. 457
﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿ضَلالٍ﴾
(١٦٤) - مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ جِنْسِهِمْ، وَمِنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ وَلُغَتِهِمْ (مَنْ أنْفُسِهِمْ) ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ، وَالانْتِفَاعِ بِصُحْبَتِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا سَيْتَشْكِلُ عَلَيْهِمْ فِي أمُوِر دِينِهِمْ، وَيَتْلُو عَلَيهِم القُرآنَ (آياتِ اللهِ) وَيَأمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ، لِتَزْكُوَ أنْفُسُهُم، وَتَطْهُرَ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِليَّةِ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (الكِتَابَ) وَالسُّنَّةَ (الحِكْمَةَ) فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فِي غَيٍّ وَجَهَالَةٍ (ضَلاَلٍ) ظَاهِرَيْنِ لِكُلِّ أحَدٍ.
مِنْ أنْفُسِهِمْ - مِنْ جَنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ وَقَوْمِهِمْ.
الضَّلاَلَةُ - الجَهَالَةُ.
يُزَكِّيهِمْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِلِيَّةِ.
стр. 458
﴿أَصَابَتْكُمْ﴾
(١٦٥) - لاَ تَعْجَبُوا يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ فِي مَعْرَكَةِ أحُدٍ، فإنَ خِذْلاَنَكُمْ فيها لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ ظَفَرِكُمْ فِي بَدْرٍ، فَقد كَانَ ظَفَرُكُمْ فِي بَدْرٍ ضِعْفَيْ نَصْرِهِم في أحُدٍ، فَقَدْ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ رجلاً في أحُدٍ، وَقَتَلْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ رَجُلاً فِي بَدْرٍ وَأسَرْتُمْ سَبْعِينَ رَجلاً، أيْ مِثْلَي مَا أضَعْتُم، وَأنتم الآنَ تَتَسَاءَلُونَ كَيْفَ حَدَثَ هذا؟ فَأنْتُمْ تُدَافِعُونَ عَنِ الإِسلامِ، وَهُمْ يُدَافِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ مَا حَدَثَ كَانَ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ، إذَ كَانَ سَبَبَهُ فَشَلُكُمْ، وَتَنَازُعُكُمْ فِي الأمْرِ، وَمُخَالَفَتُكُمْ أمْرَ رَسُولِكُمْ، فَقَدْ كَانَ مِنْ رَأي الرَّسُولِ ﷺ عَدَمُ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، فَإذا جَاءَ المُشْرِكُونَ إلَيْكُمْ قَاتَلْتُمُوهُمْ عَلَى أبْوَابِها، وَظُهُورُكُمْ مَحْمِيَّةٌ، فَطَالَبَ بَعْضُكُمْ بِالخُرُوجِ، وَرَجَعَ ثُلْثُ الجَيْشِ الإِسْلاَمِيِّ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَهَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا. ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَمَرَ الرُّمَاةَ بِلُزُومِ أمَاكِنِهِمْ، وَبِعَدَمِ تَرْكِهَا مَهْمَا كَانَتْ نَتِيجَةُ المَعْرَكَةِ، فَتَرَكُوهَا حِينَما لاَحَتْ بَشَائِرُ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هُجُومُ فُرْسَانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الخَلْفِ، فَتَبَدَّلَ نَصْرُ المُسْلِمِينَ إلَى هَزِيمَةٍ. وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، فَهُوَ القَادِرُ عَلَى نَصْرِكُمْ، إنْ أطَعْتُمْ وَثَبَتُّمْ وَصَبَرتُمْ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى التَّخَلِّي عَنْكُمْ إنْ خَالَفْتُمْ وَعَصَيْتُمْ، وَهُوَ قَدْ رَبَطَ المُسَبباتِ بِالأسْبَابِ، وَلاَ يَشُذُّ عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ وَلاَ كَافِرٌ.
المُرَادُ بِالمُصِيبَةِ - مَا أَصَابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.
مِثْلَيْهَا - ضِعْفَيهَا.
مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ - بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكُمْ، وَسُوءِ تَصَرُّفِكُمْ.
أنَّى هَذَا - مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الخِذْلاَنُ.
стр. 459
﴿أَصَابَكُمْ﴾
(١٦٦) - مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ، حِينَمَا التَقَيْتُمْ بِعَدوكُمْ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ هَزِيمَةٍ وَقَتْلٍ، إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ، الذِي جَعَلَ المُسَببَاتِ نَتَائِجَ لأسْبَابِهَا، فَكُلُّ عَسْكَرٍ يَعْصِي قَائِدَهُ، وَيَكْشِفُ ظَهْرَهُ لِعَدُوِّهِ يُصَابُ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتُمْ بِهِ، وَأَكْثَر مِنْهُ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ، لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ.
الجَمْعَانِ - هُمَا جَيْشَا المُؤْمِنِينَ وَالمُشْرِكِينَ يَوْمَ أحُدٍ.
بِإِذْنِ اللهِ - بِإرَادَتِهِ الأزَلِيَّةِ.
стр. 460
﴿قَاتِلُواْ﴾ ﴿لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿لِلإِيمَانِ﴾ ﴿بِأَفْوَاهِهِم﴾
(١٦٧) - وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المَُاَفِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ، فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ، وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ (أو ادْفَعُوا) ، فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَونَ حَرْباً لاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِنَّنَا فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ. وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْل كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
стр. 461
﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾ ﴿فَادْرَءُوا﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾
(١٦٨) - وَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الذِين قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ، هُمُ الذِينَ قَالُوا عَنْ إِخْوَانِهِم الذِينَ قُتِلُوا فِي المَعْرَكَةِ: لَوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنَا فِي القُعُودِ، وَعَدَمِ الخُرُوجِ لَمَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُسْتَنْكِراً قَوْلَهُمْ هَذَا: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ القُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ القَتْلِ وَالمَوْتِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ إلاَّ تَمُوتُوا. وَلَكِنَّ المَوْتَ آتٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ.
ادْرَؤُوا - ادْفَعُوا.
стр. 462
﴿أَمْوَاتاً﴾
(١٦٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَكِنَّ أَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ تُرْزَقُ عِنْدَ اللهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا إلا الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى مِمَّا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ ".
وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: عَلَيهِمْ ألاَّ يَنْخَدِعُوا بِمَا يَقُولُهُ المُنَافِقُونَ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ، فَهُمْ يُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ، لارْتِيَابِهِمْ فِي البَعْثِ وَالحِسَابِ فِي الآخِرَةِ، فَالشُّهَدَاءُ أحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ رِزْقاً حَسَناً يَعْلَمُهُ هُوَ.
стр. 463
﴿آتَاهُمُ﴾
(١٧٠) - وَيَكُونُ الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَرِحِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالغَبْطَةِ، التِي مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَيهِمْ، مُسْتَبْشِرِينَ بِإِخْوانِهِمْ الذِينَ يُقْتَلُونَ بَعْدَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهِمْ حِينَمَا يَسْتَشْهِدُونَ، لاَ يَخَافُونَ مِمَّا أَمَامَهُمْ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ فِي الدُّنيا.
الاسْتِبْشَارِ - السُّرُورُ الحَاصِلُ بِالبِشَارَةِ.
الذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ - البَاقُونَ عَلَى قَيْدِ الحَيَّاةِ.
стр. 464
(١٧١) - وَهُمْ مُسْتَبْشِرُونَ مِنْ تَلَقِّيهِمْ مَا يُفِيضُهُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالفَضْلِ وَالثَّوَابِ، وَمِنْ يَقِينِهِمْ بِأنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ.
стр. 465
(١٧٢) - بَعْدَ أنِ انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ يَوْمَ أحُدٍ مُتَّجِهَةً إلَى مَكَّةَ، نَدِمَتْ عَلَى الانْصِرَافِ قَبْلَ اسْتِئْصَالِ شَأفَةِ المُسْلِمِينَ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهِمْ، فَفَكَّرُوا فِي العَوْدَةِ إلى المَدِينَةِ.
وَعَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ لِلْخُرُوجِ وَرَاءَ المُشْرِكِينَ لِيَثْنِيَهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي العَوْدَةِ، وَأمَرَ بِألاَّ يَخْرُجَ مَعَهُ إلاَّ مَنْ شَهِدَ أحُداً، فَتَسَارَعَ النَّاسُ إلَى الخُرُوجِ مَعَهُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ جِرَاحٍ.
وَقَدْ وَعَدَ اللهُ مَنْ أحْسَنَ مِنْ هَؤُلاءِ المُسْتَجِيبِينَ لِلْرَسُولِ ﷺ وَاتَّقَى أجْراً عَظِيماً.
القَرْحُ - الجِرَاحُ.
الإِحْسَانُ - القِيَامُ بِالعَمَلِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ.
стр. 466
﴿إِيمَاناً﴾
(١٧٣) - وَخَافَتْ قُرَيشٌ أنْ يَجْمَعَ رَسُولُ الله ﷺ أهْلَ المَدِينَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي المَعْرَكَةِ، وَيَخْرُجَ وَرَاءَهُمْ، فَأَرْسَلُوا إلَيهِ بَعْضَ نَاقِلِي الأخْبَارِ لِيُهَوِّلُوا عَلَيهِ، لِيَكُفَّ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، وَقَالَ نَاقِلُوا الأَخْبَار لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ (النَّاسَ) قَدْ حَشَدُوا لَكُمْ، وَجَمَعُوا قُوَاهُمْ، فَاحْذَرُوهُمْ، وَاخْشَوْهُمْ، فَلَمْ يَزِدْ هَذَا القَوْلُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ - الذِينَ اسْتَجَابُوا لِلْرَسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ وَخَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُلَبِّينَ دَعْوَتَهُ، رَاغِبِينَ فِي نَيْلِ رِضْوَانِ رَبِّهِمْ وَنَصْرِهِ - إلاَّ إِيمَاناً بِرَبِهِمْ، وَثِقَةً بِوَعْدِهِ وَنَصْرِهِ وَأجْرِهِ، وَرَدُّوا عَلَى مُخَاطِبِيِهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ، وَهُوَ حَسْبُهُمْ.
جَمَعُوا لَكُمْ - حَشَدُوا لَكُمْ قُوَاهُمْ.
стр. 467
﴿رِضْوَانَ﴾
(١٧٤) - فَلَمَّا تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ كَفَاهُمُ اللهُ مَا أَهَمَّهُمْ وَأَغَمَّهُمْ، وَرَدَّ عَنْهُمْ بَأسَ النَّاسِ (الكَافِرِينَ) ، فَرَجَعُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ، وَقَدْ فَازُوا بِرِضْوَانِ اللهِ، وَعَظِيمِ فَضْلِهِ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ
(خَرَجَ المُسْلِمُونَ مَعَ الرَّسُولِ إلى مَوْقِعٍ يُعْرَفُ بِحَمْراءِ الأَسَدِ، وَأرْسَلَ إلى المُشْرِكِينَ رُسُلاً يُحَذِّرُونَهُمْ، فَخَافَتْ قُرَيْشٌ وَتَابَعَتْ سَيْرَهَا نَحْوَ مَكَّةَ) .
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ وَاعَدَ َرسُولَ اللهِ ﷺ بَدْراً مِنَ العَامِ القَابِلِ، فَخَرَجَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْمُسْلِمِينَ إلَى بَدْرٍ فِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ، وَتَخَلَّفَتْ قُرَيْشٌ، فَاشْتَرَى رَسُولَ اللهِ عِيْراً مَرَّتْ بِهِمْ فِي المَوْسِمِ، ثُمَّ بَاعَهَا فَرَبِحَ، وَوَزَّعَ الرِّبْحَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَانْقَلَبُوا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَنَالُوا رِضْوَانَ اللهِ، وَحَصَلُوا عَلَى فَضْلِهِ فِي الرِّبْحِ. وَاللهُ عَظِيمُ الفَضْلِ عَلَى عِبَادِهِ.
انْقَلَبُوا - رَجَعُوا.
الفَضْلُ - هُوَ هُنَا الرِّبْحُ فِي التِّجَارَةِ.
стр. 468
﴿الشيطان﴾
(١٧٥) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ، أنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الذِي يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ المُشْرِكِينَ، وَيُوهِمُكُمْ أَنَّهُمْ ذَوُو بَأْسٍ وَقُوَّةٍ، وَهُوَ الذِي قَالَ لَكُمْ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَلاَ تَخَافُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَالْجَؤُوا إِلَيهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقّاً، فَإِنَّهُ كَافِيكُمْ إِيَّاهُمْ، وَنَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ. وَخَافُوهُ هُوَ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى النَّصْرِ وَعَلَى الخُذْلاَنِ، وَعَلَى الضَّرِّ وَالنَّفْعِ.
يُخَوِّفُ أوْلِيَاءَه - يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أنْصَارِهِ المُشْرِكِينَ.
стр. 469
﴿يُسَارِعُونَ﴾
(١٧٦) - لاَ يُحْزِنْكَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، مُسَارَعَةَ المُنَافِقِينَ وَاليَهُودِ إلَى نُصْرَةِ المُشْرِكِينَ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِهِمْ، وَمُحَاوَلَةُ تَثْبِيطِ عَزَائِمِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حَرْبِهِمْ وَمُقَاوَمَتِهِمْ، وَذَلِكَ لأَنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا أَوْلِيَاءَ اللهِ شَيْئاً (وَهُمْ النَّبِيُّ وَأتْبَاعُهُ) . وَعَاقِبَةُ مُسَارَعَتِهِمْ فِي الكُفْرِ سَتَكُونَ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، لاَ عَلَيْكَ، وَلاَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يُحَارِبُونَكَ، وَإٍنَّمَا يُحَارِبُونَ اللهَ، وَهُمْ أَعْجَزُ مِنْ أنْ يُحَارِبُوا اللهَ، وَلِذَلِكَ فَإنَّهُمْ لاَ يَضُرُّونَ إلاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَاللهُ يَمُدُّ لَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ لأَنَّهُ قَضَى بِأنْ يَحْرِمَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ وَثَوَابِهَا، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً عَظِيماً.
لاَ يَحْزُنْكَ - لاَ يَحْمِلْكَ تَصَرُّفُهُمْ عَلَى الحُزْنِ.
يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ - يُسَارِعُونَ فِي نُصْرَةِ الكَافِرِينَ.
стр. 470
﴿بالإيمان﴾
(١٧٧) - وَالذِينَ اسْتَبْدَلُوا (اشْتَرَوا) الكُفْرَ بِالإِيمَانِ، رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي الكُفْرِ، وَإِعْرَاضاً مِنْهُمْ عَنِ الإِيمَانِ، لَنْ يُلْحِقُوا ضَرَراً بِاللهِ، وَإنَّمَا يَضُرُّونَ أنْفُسَهُمْ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ ألِيمٌ.
اشْتَرَوا - اسْتَبْدَلُوا.
стр. 471
(١٧٨) - إذَا كَانَ الكَافِرُونَ يَعْتَقِدُونَ بِأنَّ مَا يَمُدُّهُمْ بِهِ اللهُ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ وَإمْهَالٍ وَإِطَالَةِ عُمْرٍ، هُوَ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ لأَنَّهُ فِي ظَنِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صَوَابِ مَسْلَكِهِمْ، وَعَلَى رِضَا اللهِ عَنْهُمْ، فَهُمْ وَاهِمُونَ، فِإنَّ اللهَ يَمُدُّهُمْ لِيَزْدَادُوا ضَلاَلاً وَإْثماً، فَتَحِقَّ عَلَيهِمْ كَلِمةُ اللهِ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاباً مُهِيناً.
مُهِينٌ - مُذِلٌّ.
أَمْلَى لِفَرَسِهِ - أَرْخَى لَهَا الطِّوَلَ لِتَرْعَى، وَهُنَا مَعْنَاهُ الإِمْهَالُ.
стр. 472
﴿فَآمِنُواْ﴾
(١٧٩) - مَا كَانَ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي عِبَادِهِ أنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ، لِيَظْهَرَ لَهُ المُؤْمِنُ الصَابِرُ، وَيَنْكَشِفَ المُنْافِقُ الفَاجِرُ، وَيَبِينَ وَليُّ اللهِ، وَيَفْتَضِحَ عَدُوُّهُ، فَامْتَحَنَهُمُ اللهُ يَوْمَ أحُدٍ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمْ، وَهَتَكَ أَسْتَارَ المُنَافِقِينَ، بِإِظْهَارِ مُخَالَفَتِهِمْ، وَنُكُولِهِمْ عَنِ الجِهَادِ، وَخِيَانَتِهِمْ لِلْرَّسُولِ، فَعَرَفَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وَأخَذُوا يَحْذَرُونَهُمْ. وَأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لاَ تَعْلَمُونَ غَيْبَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى أنْ يُطْلِعَ عَامَّةَ خَلْقِهِ عَلَى غَيْبِهِ. وَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ تَكُونَ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ تُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَالمُؤْمِنَ مِنَ المُنَافِقِ، وَهَذِهِ الوَسِيلَةُ تَبْتَدِئُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، فَيُؤْمِنُ مَنْ يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ، وَيَكْفُرَ مَنْ يَكْفُرُ، ثُمَ يَقُومُ الرُّسُلِ بِالجِهادِ فَيَبْتَلِي الرُسُلُ أَصْحَابَهُمْ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَتمُّ أمْرُ اللهِ وَيَتَمَيَّزُ الخَبيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، وَتَطْهَرُ القُلُوبُ وَالنُّفُوسُ. ثُمَّ يَدْعُو اللهُ تَعَالَى النَّاسَ إلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ - وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ ﷺ وَمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ فَقَدْ آمَنَ بِالرُّسُلِ السَّابِقِينَ جَمِيعاً، لأَنَّهُ جَاءَ مُصَدِّقاً الرُّسُلَ السَّابِقِينَ.
مَيَّزْتُ الشَّيءَ بعضَهُ عَنْ بَعْضٍ - فَرَزْتُهُ وَأَزَلْتُهُ.
اجْتَبَى - اصْطَفَى وَاخْتَارَ.
стр. 473
﴿آتَاهُمُ﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿مِيرَاثُ﴾ ﴿السماوات﴾
(١٨٠) - وَلاَ يَظُنَّنَّ أحَدٌ أنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ، (كَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَعَدَمِ البَذْلِ حِينَمَا تَتَعرَّضُ الأُمَّةُ لِلَمَكَارِهِ. .) هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وُدُنْيَاهِمْ، لأنَّ العَبْدَ مُطَالَبٌ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَالبُخْلُ كُفْرَانلإ لاَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْ عَاقِلٍ. وَحِينَمَا يَتَهَدَّدُ الخَطَرُ الأمَّةُ، وَيَقْتَضِي الأمْرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ البَذْلَ، فَعَلَيهِمْ أنْ لاَ يَبْخَلُوا لأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ النَّفْسِ وَالمَالِ؛ وَالبُخْلِ وَالامْتِنَاعِ عَنِ البَذْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُرُوفِ شَرٌّ لَهُمْ فِي دُنيَاهُمْ أمَّا فِي دِينِهِمْ فَإنَّ اللهَ يَتَهَدَّدُهُمْ بِأنَّهُمْ سُيُطَوَّقُونَ بِالمَالِ الذِي بَخِلُوا بِهِ، وَيَلْزَمُهُمُ الإِثْمُ وَالذَنْبُ، وَلاَ يَجِدُونَ إلَى دَفْعِهِ سَبِيلاً.
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَالمَالَ كُلُّهُ صَائِرٌ إلَيهِ، فَمَا لِهَؤلاءِ يَبْخَلُونَ عَلَيهِ بِمَالِهِ، وَلاَ يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ لاَ تَخْفَى عَلِيهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ العِبَادِ؟
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا - سَيُلْزَمُونَ إثْمَهُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يَلزَمُ الطَّوقٌ الرَّقَبَةُ.
مِيراثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - مَا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُمَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ.
стр. 474
(١٨١) - لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ قَالَتْ اليَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أفْتَقَرَ رَبُّكَ فَيَسْأَلُ عِبَادَهُ القَرْضَ؟ وَرُوِيَ أنَّ أبَا بَكْرٍ لَقِيَ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ فَدَعَاهُ إلى الإِسْلاَمِ، فَقَالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إلَى اللهِ مِنْ حَاجَةٍ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إِلَينَا لَفَقِيرٌ، مَا نَتَضرَّعُ إلَيهِ كَمَا يَتَضرَّعُ إلينَا، وَإنا عَنْهُ أَغْنِياءُ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيّاً مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ. . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ.
وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأنَّهُ سَمِعَ مَا قَالُوا، وَسَيَكْتُبُهُ وَيُسَجِّلُهُ عَلَيْهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيهِ، كَمَا سَيُحَاسِبُهُمِ عَلَى رِضَاهُمْ بِمَا قَامَ بِهِ أَسْلافُهُمْ مِنْ قَتْلِهِم الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَسَيَجْزِيهِم اللهُ عَلَيهِ شَرَّ الجَزَاءِ. وَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ: ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ.
عَذَابَ الحَرِيقِ - العَذَابَ المُحْرِقَ.
стр. 475
(١٨٢) - وَهَذا العَذَابُ المُحْرِقُ الذِي تَذُوقُونَهُ، إِنَّمَا وَقَعَ بِكُمْ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْهُ أيْدِيكُمْ مِنْ عَمَلٍ سَيِّئٍ، وَكُفْرٍ وَظُلْمٍ، وَقَتْلٍ لِلأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلِ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِكُمْ هَذَا العِقَابَ بِالحَقِّ، وَالعَدْلِ، وَهُوَ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ.
العَبِيدُ - العِبَادُ.
стр. 476
﴿بالبينات﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾
(١٨٣) - لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإِسْلاَمِ، رَدَّ عَليهِ بَعْضُ رُؤَسَائِهِمْ (مِثْلُ كَعَبِ بْنِ الأشرَفِ، وَمَالِكِ بْنِ الصَّيفِ، وَفَنْحَاسِ بْنِ عَازُورَاءَ) قَائِلِينَ: إنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ أنْ لاَ يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَ بِمُعْجِزَةٍ، مِنْهَا أنْ يَكُونَ إذا قَرَّبَ قُرْبَاناً إلى اللهِ، (أيْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) فَتُقُبِّلَ مِنْهُ، تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَحْرُقُ القُرْبَانَ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُكَذِّباً مَقَالَتَهُمْ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ، قُلْ لَهُمْ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ قَبْْلِي بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ، وَبِنَارٍ تَأْكُلُ القَرَابِينَ المُتَقَبَّلَةَ (وَهُوَ الذِي قَالُوهُ وَطَلَبُوهُ) فَلِمَاذَا قَتَلْتُمُوهُمْ، وَكَذَّبْتُمُوهُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟
القُرْبَانُ - مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ مِنْ حَيَوانٍ وَغَيْرِهِ.
البَيِّنَاتِ - المُعْجِزَاتِ الوَاضِحَةِ.
стр. 477
﴿جَآءُوا﴾ ﴿بالبينات﴾ ﴿والكتاب﴾
(١٨٤) - وَيُعَزِّي اللهُ رَسُولَهُ قَائِلاً: إنْ كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ فَلاَ يَهِمَنَّكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَكَ أسْوَةٌ بِمَنْ جَاءَ قَبْلَكَ مِنَ الرُسُلِ، الذِينَ جَاؤُوا المُكَذِبِينَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ بِالبَيِّنَاتِ وَالحِجَجِ وَالبَرَاهِينِ القَاطِعَةِ، وَالكُتُبِ المُنْزَلَةِ مِنَ السَّمَاءِ (الزُّبُرِ) وَالكِتَابِ الوَاضِحِ الجَلِيِّ (الكِتَابِ المُنِيرِ) ، َوَأتَوا بِالقُرْآنِ الذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ. . فَقُوبِلُوا مِنْهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ، وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ كَزَكَرِيّا وَيَحْيَى، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَومٌ غِلاظُ الأَكْبَادِ، قُسَاةُ القُلُوبِ، لاَ يُقِيمُونَ الحَقَّ، وَلا يُذْعِنُونَ لَهُ.
الزُبُرِ - كُتُبِ المَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ.
стр. 478
﴿ذَآئِقَةُ﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿مَتَاعُ﴾
(١٨٥) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ سَتَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ، وَتُحِسُّ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ. وَاسْتَدَّلَ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أنَّ الأَرْوَاحَ لاَ تَمُوتُ بِمَوتِ البَدَنِ، لأنَّ الذَّوْقَ شُعُورٌ لاَ يُحِسُ بِهِ إلاَّ الحَيُّ، وَهُوَ تَعَالَى وُحْدَهُ الحَيُّ الذِي لاَ يَمُوتُ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُحْشَرُ النَّاسُ إلى الله، وَتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ أجُورَهَا عَمَّا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ أَعْمَالٍ، فَمِنْ جُنِّبَ النَّارَ، وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ، فَقَدْ فَازَ كُلَّ الفَوْزِ.
وَالحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إلاَّ مَتَاعاً تَافِهاً زَائِلاً، صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ مَخْدُوعٌ، وَهُوَ مَتَاعٌ مَتْرُوكٌ يُوشِكُ أنْ يَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِهِ.
تُوَفَّوْنَ أجُورَكُمْ - تَسْتَوفُونَهَا غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ.
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ - نُحِّي عَنْهَا.
المَتَاعُ - مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِمَّا يُبَاعُ وَيُشْرَى.
стр. 479
﴿اأَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٨٦) - يُسَلّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ ، وَيَقُولُ لَهُ: إنَّهُ وَأصْحَابَهُ سَيَلْقَوْنَ مِنَ الكُفْارِ أَذًى كَثِيراً فِي النَّفْسِ وَالمَالِ، كَمَا لَقُوهُ مِنْهُمْ مِنْ أَذًى يَوْمَ أحُدٍ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ يُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ، إذْ لاَ بُدَّ مِنْ أنْ يَبْتَلِيَ اللهُ المُؤْمِنَ فِي شَيءٍ مِنْ مَالِهِ، أوْ نَفْسِهِ أو وَلَدِهِ أوْ أَهْلِهِ. . . وَابْتَلاءُ المُؤْمِنِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإنْ كَانَ فِيهِ صَلاَبَةٌ فِي دِينِهِ زِيدَ فِي بَلاَئِهِ. وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمُ وَالمُؤْمِنِينَ عِنْدَ مَقْدَمِهِمْ إلَى المَدِينَةِ (وَقَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) إلَى أَنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ وَمِنَ المُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيراً: مِنَ التَّقَوُّلِ وَالإِرْجَافِ، وَنَقْضِ العُهُودِ وَبَثِّ الشَّائِعَاتِ، وَمُحَاوَلَةِ الإِيذَاءِ. . . وَيَأمر اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ بِالصَّفْحِ وَالصَّبْرِ وَالعَفْوِ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى احْتِمَالِ ذَلِكَ إلاَّ أولُو العَزْمِ الأَقْويَاءُ.
مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ - مَا يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذَ نَفُسَهُ بِتَنْفِيذِهِ.
لَتُبْلَوُنَّ - لَتُخْتَبَرُنَّ وَتُمْتَحَنُنَّ بِالمِحَنِ.
стр. 480
﴿مِيثَاقَ﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٨٧) - أخَذَ اللهُ تَعَالَى العَهْدَ وَالمِيثَاقَ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيَائِهِمْ، بِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ مَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ غَيرَ كَاتِمِينَ مِنْهُ شَيْئاً، وَبِأنْ يُوَضِّحُوا مَعَانِيَهُ كَمَا هِيَ دُونَ تَأوِيلٍ أَوْ تَحْرِيفٍ، وَبِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أن كُتُبَهُمْ أَشَارَتْ إلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لِيَكُونَ النَّاسُ عَلَى أهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى إذَا بَعَثَهُ اللهُ رَسُولاَ لِلْخَلْقِ تَابَعُوهُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ كَتَمُوا ذَلِكَ، واعْتَاضُوا بِحُطَامِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ (ثَمناً قَلِيلاً) عَنِ الأَجْرِ الذِي وَعَدَهُم اللهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَدْ وَبَّخَهُم اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ العَمَلِ، تَوْبيخاً شَدِيداً فِي أكْثَر مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ القُرآنِ، وَقَالَ لَهُمْ: بِئْسَتِ البَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ.
(وَوَاجِبُ أهْلِ الكِتَابِ فِي شَرْحِ مَعَانِي كُتُبِ اللهِ لِلنَّاسِ وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا، يَنْطَبِقُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَيْضاً) .
المِيثَاقُ - العَهْدُ المُؤَكَّدُ.
لَتُبَيِّنُنَّهُ - لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ.
نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ - طَرَحُوهُ وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ.
стр. 481
(١٨٨) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ إلى حَالٍ آخَرَ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْرَحُونَ بِمَا أتَوا مِنَ التَّأويلِ وَالتَّحْرِيفِ لِلكِتَابِ، وَيَرَونَ لأَنْفُسِهِمْ، شَرَفاَ وَفَضْلاً بِأنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَكَانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأَنَّهُمْ حُفَّاظُ الكِتَابِ وَمُفَسِّرُوهُ.
وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا نَقِيضَهُ، إذْ حَوَّلُوهُ مِنَ الهِدَايَّةِ إلى مَا يُوافِقُ أهْواءَ الحُكَّامِ وَالعَامَّةِ.
(وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اليَهُودِ إذْ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيءٍ فِي كِتَابِهِمْ، فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْهُ أنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوا مِنْ كِتْمَانِ مَا سَألَهُمْ عَنْهُ) .
(وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ المُنَافِقِينَ الذِينَ كَانُوا يَتَخَلُّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا غَزَا، فَإذا عَادَ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إليهِ، وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفُْعَلُوا) .
وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ هَؤُلاءِ الذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَيْسُوا نَاجِينَ مِنَ العَذَابِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً.
بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ - بِمُنَجَاةٍ مِنْهُ.
أنْ يُحْمَدُوا - أَنْ يَحْمِدَهُمُ النَّاسُ.
стр. 482
﴿السماوات﴾
(١٨٩) - لاَ تَحْزَنُوا يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَلاَ تَضْعُفُوا، وَبَيِّنُوا الحَقَّ، وَلاَ تَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئاً، وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً، وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا عَمِلْتُمْ، فَإنَّ اللهَ يَكْفِيكُم مَا أهَمَّكُمْ وَأَغَمَّكُمْ، وَيُغْنِيكُمْ عَنْ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ التِي نُهِيتُمْ عَنْهَا، لأنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَادِرٌ، لاَ يَعُزُّ عَلَيهِ نَصْرُكُمْ عَلَى مَنْ يُؤِْيكُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.
стр. 483
﴿السماوات﴾ ﴿واختلاف﴾ ﴿الليل﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾ ﴿الألباب﴾
(١٩٠) - إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِيها مِنْ مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَكَوَاكِبَ وَسَيَّارَاتٍ، وَفِي خَلْقِ الأَرْضِ، وَمَا فِيها مِنْ بِحَارٍ، وَأَنْهَارٍ وَجِبَالٍ وَأَشْجِارٍ وَنَبَاتْ، وَفِي تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَقَارُضِهِمَا الطُّولَ وَالقِصَرَ، وَيَطُولُ هَذا تَارةً، وَيَطُولُ الآخَرَ تَارَةً أخْرَى. . . لآيَاتٍ وَبَرَاهِينَ وَحُجَجَاً وَدَلائِل عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَظِيمَ قُدْرَتِهِ، لأهْلِ العُقُولِ وَالأَلْبَابِ الزّكِيَّةِ.
اخْتِلافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ - تَعَاقُبُهُما وَمَجِيءُ أَحَدِهِمَا خَلْفَ الآخَرِ.
стр. 484
﴿قِيَاماً﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿بَاطِلاً﴾ ﴿سُبْحَانَكَ﴾
(١٩١) - وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى أُوْلِي الأَلْبَابِ فَيَقُولُ عَنْهُمْ: إِنَّهُمُ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قَائِمِينَ وَقَاعِدِينَ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَلاَ يَقْطَعُونَ ذِكْرَ اللهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، بِسَرَائِرِهِمْ، وَأَلْسِنَتِهِمْ. . . وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لِيَفْهَمُوا مَا فِيهَا مِنْ أَسْرَارِ خَلِيقَتِهِ، وَمِنْ حِكَمٍ وَعِبَرٍ وَعِظَاتٍ، تَدُلُ عَلَى الخَالِقِ، وَقُدْرَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى أَنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا الخَلْقَ عَبَثاً وَبَاطِلاً، رَبَّنَا تَنَزَّهْتَ عَنِ العَبَثِ وَالبَاطِلِ، وَإنَّمَا خَلَقْتَهُ بِالحَقِّ، وَالإِنْسَانِ مِنْ بَعْضِ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقْهُ عَبَثاً، وَإِنَّمَا خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ. وَمَتَى حُشِرَ الخَلْقُ إلَيكَ حَاسَبْتَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَتَجْزِي الذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَتَجْزِي الذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. ثُمَّ يُتِمُّونَ دُعَاءَهُمْ سَائِلِينَ رَبَّهُمْ أنْ يَقِيَهُمْ عَذابَ النَّارِ.
بَاطِلاً - عَبَثاً لاَ فَائِدَةَ فِيهِ.
فَقِنَا - جَنِّبْنا وَاحْفَظْنَا.
стр. 485
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾
(١٩٢) - ثُمَّ يُتَابِعُونَ دُعَائَهُمْ وَرَجَاءَهُمْ لِرَبِّهِمْ قََائِلِينَ: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلَهُ النَّارَ فَقَدْ أَهَنْتَهُ وَأَذْلَلْتَهُ، وَأَظْهَرْتَ خِزْيَهُ لأَهْلِ الجَمْعِ يَوْمَ القِيَامَةَ، وَالظَّالِمُونَ لاَ يَجِدُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللهِ.
أَخْزَيْتَهُ - أَذْلَلْتَهُ وَأهَنْتَهُ.
стр. 486
﴿لِلإِيمَانِ﴾ ﴿آمِنُواْ ﴿فَآمَنَّا﴾
(١٩٣) - وَبَعْدَ أَنْ عَرَفُوا اللهَ حَقَّ المَعْرِفَةِ بِالذِّكْرِ وَالفِكْرِ، عَبَّرُوا عَنْ وُصُولِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، وَاسْتِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَتِهِ سِرَاعاً، فَقَالُوا: رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا دَاعِياً يَدْعُو النَّاسَ إلَى الإِيمَانِ بِكَ (وَهُوَ الرَّسُولُ) ، وَيَقُولُ: آمِنُوا بِرَبِّكُمْ، فآمَنَّا مُسْتَجِيبِينَ لَهُ، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَتَجاوَزْ عَنْ سَيِئَاتِنَا، فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارَ الصَّالِحِينَ وَأَلْحِقْنَا بِهِمْ.
الأَبْرَارَ - المُحْسِنِينَ فِي عَمَلِهِمْ.
مُنَادِياً - الرُّسُولَ أوِ القُرْآنَ.
كَفِّرْ عَنَّا - أَزِلْ عَنّا صَغَائِرَ ذُنُوبِنَا.
стр. 487
﴿وَآتِنَا﴾ ﴿القيامة﴾
(١٩٤) - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى لِسَانِ رُسُلِكَ، وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَمَامَ الخَلْقِ، إنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيْعَادَ الذِي أَخْبَرَ عَنْهُ رُسُلُكَ الكِرَامُ، وَهُوَ قِيَامُ الخَلْقِ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَإنَّكَ تَجْزِي العَامِلِينَ الصَّالِحِينَ بِالخَيْرِ وَالحُسْنَى، وَتَجْزِي الذِينَ أسَاؤُوا بِمَا يَسْتَحِقُونَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.
عَلَى رُسُلِكَ - عَلى لِسَانِ رُسُلِكَ.
المِيعَاد - الموعد.
стр. 488
﴿عَامِلٍ﴾ ﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿وَقَاتَلُواْ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾
(١٩٥) - لَمَّا سَأَلَ المُؤْمِنُونَ ذَوُو الأَلْبَابِ رَبَّهُمْ مَا سَأَلُوا فِي الآياتِ السَّابِقَاتِ، اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ لِصِدْقِهِمْ فِي إيمَانِهِمْ، وَذِكْرِهِمْ وَتَفَكُّرِهِمْ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَتَنْزِيهِهِمْ رَبَّهُمْ عَنِ العَبَثِ، وَتَصْدِيقِهِمْ رُسُلَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، وَإنَّهُ سَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ أَجْرَهُ، وَجَمِيعُهُمْ لَدَيهِ سَوَاءٌ فِي الثَّوَابِ (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، فَالذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ وَأَتَوا إلى دَارِ الإِيمَانِ، وَضَايَقَهُمُ المُشْرِكُونَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إلى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ أَهْلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لاَ لِشَيءٍ إلاَّ أنْ يَقُولُوا رَبَّنَا اللهُ، وَالَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُقْتَلُونَ صَابِرِينَ مُحْتَسَبِينَ. . . فَهؤُلاءِ جَمِيعاً سَيُكَّفِرُ اللهُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَسَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيُنِيلُهُمْ ذَلِكَ جَزَاءً لَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَثَوَاباً جَزِيلاً مِنْهُ، لأنَّ اللهَ عَظِيمٌ، وَالعَظِيمُ لاَ يُعْطِي إلاَّ جَزِيلاً. وَلِلْعِبَادِ الصَّالِحِينَ عِنْدَ اللهِ خَيْرُ الجَزَاءِ وَالثَّوابِ.
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ - جَمِيعُهُمْ سَواءٌ لَدَيهِ فِي الثَّوابِ.
لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ - لاَ أتْرُكُ ثَوَابَ عَمَلٍ عَمِلَهُ عَامِلٌ إلاًَّ جَزَيْتُهُ بِهِ.
стр. 489
﴿البلاد﴾
(١٩٦) - لاَ تَنْظُرْ إلَى مَا أتْرِفَ فِيهِ هَؤُلاءِ الكُفَّارُ مِنَ النِّعْمَةِ وَالغَبْطَةِ وَالسُّرُورِ. وَلاَ تَعْجَبْ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الأَسْفَارِ لِلتِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ ثُمَّ عَوْدَتِهُمْ سَالِمِينَ إلَى أَهْلِيهِمْ وَدِيَارِهِمْ.
стр. 490
﴿مَتَاعٌ﴾ ﴿مَأْوَاهُمْ﴾
(١٩٧) - فَإنَّهُ مَتَاعٌ قَلِيلٌ زَائِلٌ، يَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، ثمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُمْ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المُسْتَقَرُّ وَالمَهْدُ.
مَتَاعٌ قًَلِيلٌ - ذَلِكَ الكَسْبُ وَالرِّبْحُ هُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ.
стр. 491
﴿جَنَّاتٌ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٩٨) - أمَّا المُتَّقُونَ فَلَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَخِلاَلَ أَشْجَارِهَا، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا مُخَلَّدِينَ أَبَداً، مُنَزَّلِينَ فِيهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ الذِينَ يَبرُّونَ وَالِدَيْهِمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
النُّزُلِ - مَا يُهَيَّأ لِلضَّيْفِ النَّازِلِ مِنَ الضِّيَافَةِ.
стр. 492
﴿الكتاب﴾ ﴿خَاشِعِينَ﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿أولائك﴾
(١٩٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ، مَعَ إيمَانِهِمْ بِمَا فِي الكُتبِ المُتَقَدِّمَةِ، وَأنَّهُمْ خَاشِعُونَ مُطِيعُونَ للهِ، لاَ يَكْتُمُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ لِقَاءَ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ. ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ .
وَهَؤُلاَءِ لَهُمْ أَجْرَهُمْ، وَسَيُلاَقُونَهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ (وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إذْ صَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَةَ الغَائِبِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أيَأمُرُنَا أنْ نُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ فِي الحَبَشَةِ؟) .
стр. 493
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(٢٠٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ أنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الذِي ارْتَضَاهُ اللهُ لَهُمْ، وَهُوَ الإِسْلاَمُ، فَلاَ يَدَعُونَهُ لِشِدَّةٍ وِلاَ لِرَخَاءٍ، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ. وَالمُرَابَطَةِ هِيَ المَرَابَطَةِ فِي الثُّغُورِ لِلْغَزْوِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وَمَا عَلَيهَا ".
(وَقِيلَ إنَّ المُرَابَطَةَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ الانْتِظَارُ فِي المَسَاجِدِ لأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ حِينَمَا تَحِينُ أَوْقَاتُها، أيْ رَابِطُوا فِي المَسَاجِدِ، وَاتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
صَابِرُوا - غَالِبُوا الأَعْدَاءَ بِالصَّبْرِ.
رَابِطُوا - أَقِيمُوا فِي الثُّغُورِ مُتَأهِّبِينَ لِلْجِهَادِ.
стр. 494
﴿ياأيها﴾ ﴿وَاحِدَةٍ﴾
(١) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ (أَيْ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ) ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ عِصْيَانِهِ، فَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ جَمِيعاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (هِيَ آدَمُ، ﵇ ، وَخَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَهَا (حَوْاءَ) ، وَخَلَقَ مِنْ هَاتِينِ النَّفْسَينِ البَشَرَ رِجَالاً وَنِسَاءً، وَنَشَرَهُمْ فِي الأَرْضِ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ. ثُمَّ يَعُودُ تَعَالَى فَيُكَرِّرُ أَمْرَهُ لِعِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَقْوَاهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُ هُوَ اللهُ الذِي يَتَسَاءَلُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَيَقُولُ بَعْضَهُمْ لَِبَعْضٍ: أسْأَلُكَ اللهَ، وَأَنْشُدُكَ اللهَ. .) ، وَيَأمُرُهُمْ تَعَالَى بِأَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ قَطْعِ صِلاَتِ الرَّحْمِ وَالقَرَابَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، (وَفِي أَكْثَر مِنْ مَكَانٍ مِنَ القًُرْآنِ يُكَرِّرُ تَعَالَى أَمْرَهُ إلى عِبَادِهِ بِصَلَةِ الأَرْحَامِ وَبِرِّهَا) ، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ أنَّهُ هُوَ اللهُ، وَأنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى أَعْمَالِ البَشَرِ، وَمُرَاقِبٌ لَهَا، وَأنَّهُ مُجَازِيهِمْ عَلَيهَا يَوْمَ القِيَامَةِ.
النَّفْسُ الوَاحِدَةُ - هِيَ آدَمُ ﵇.
تَسَاءَلُونَ بِهِ - يَسْألُ بَعْضُكُمْ بِهِ بَعْضاً (سَألْتُكَ اللهَ) .
الرَّقِيبُ - المُشْرِفُ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ لِلْمُرَاقَبَةِ.
الأَرْحَامَ - القَرَابَاتِ.
بَثَّ مِنْهُمَا - نَشَرَ مِنْهُمَا بِالتَّناسُلِ.
стр. 495
﴿وَآتُواْ﴾ ﴿اليتامى﴾ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿اأَمْوَالِكُمْ﴾
(٢) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى الأَوْصِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ عَلَى الأَيْتَامِ بِأنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَمْوَالِ الأَيْتَامِ، وَأنْ لاَ يَتَعَرَّضُوا لَهَا بِسُوءٍ، وَبِأَنْ يَدْفَعُوا إلَى الأَيْتَامِ أَمْوَالَهُمْ كَامِلَةً إذَا بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، كَمَا يَنْهَاهُمْ عَنْ أنَ يَتَبَدَّلُوا الأَمْوَالَ الحَرَامَ مِنْ أَمْوُالِ اليَتَامَى، بِالحَلاَلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَقُولُ لَهُمْ: لاَ تَخْلُطُوا أَمْوَالَ اليَتَامَى بِأَمْوَالِكُمْ حَتَّى لاَ يَبْقَى بِإِمْكَانِكُمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَتَأْكُلُوهَا جَمِيعاً. وَلاَ تُعْطُوا اليَتِيْمَ شَاةً مَهْزُولَةً وَتَأْخُذُوا شَاةً سَمِينَةً، لأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَذَنْبٌ عَظِيمٌ فَاجْتَنِبُوهُ.
اليَتِيمُ - مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ.
الخَبِيثَ - الحَرَامَ.
الطَّيبُ - الحَلاَلُ.
الحُوبُ - الذَّنْبُ العَظِيمُ.
следующие страницы →