← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

(١) - ﴿بِسْمِ الله﴾ الَّذِي لاَ مَعْبُودَ بِحقٍّ سِوَاهُ، المُتَّصِفِ بِكلِّ كَمَالٍ، المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّذِي يُفِيضُ بِالنِّعَم الجَلِيلَةِ عَامِّهَا وَخَاصِّهَا عَلَى خَلْقِه، وَهُوَ المُتَّصِفُ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ.

стр. 2

﴿العالمين﴾ (٢) - الثَّنَاءُ الجَمِيلُ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ للهِ وَحْدَهُ، وَنُثْنِي عَلَيْهِ الثَّنَاءَ لأَنَّهُ مُنْشِيءُ المَخْلُوقَاتِ، والقَائمُ عَلَيْهَا.

стр. 3

(٣) - وَهُو صَاحِبُ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ ومَصْدَرُها، يُنْعِم بِكُلِّ النِّعَمِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا عَلَى خَلْقِهِ.

стр. 4

﴿مالك﴾ (٤) - وَهُوَ وَحْدَهُ المَالِكُ لِيَوْمِ الجَزَاءِ وَالحِسَابِ، وَهُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلاَ يُشَارِكُهُ أَحَدٌ في التَّصَرُّفِ.

стр. 5

(٥) - وَلاَ نَعبُدُ إلاَّ إِيَّاكَ، يَا رَّبنا، وَلاَ نَطْلُبُ العَوْنَ والخَيْرَ إلاَّ مِنْكَ.

стр. 6

﴿الصراط﴾ (٦) - وَنَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا الى طَرِيقِ الحَقِّ، والخَيْرِ والسَّعَادَةِ، وهُوَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي يُوصِلُنَا إلَيْكَ.

стр. 7

﴿صِرَاطَ﴾ (٧) - وَهُوَ طَرِيقُ عِبَادِكَ الَّذِينَ وَفَّقتَهُمْ إلى الإِيمَانِ بِكَ، وَوَهَبْتَ لَهُمُ الهِدَايَةَ والرِّضَا مِنْكَ، لاَ طَرِيقُ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا غَضَبَكَ، وَضَلُّوا طَرِيقَ الحَقِّ والخَيْرِ لأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِكَ، والإِذْعَانِ لِهَدْيِكَ.

стр. 8

ألِفْ. لام. ميم. وَتُقْرأُ مُقَطَّعةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ تَفسِيرِ مَعْنَى الحُروفِ الوَارِدَةِ فِي مَطَالِعِ السُّورِ، وَأَكثَرُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلى أَنَّها مِمَّا استَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. وَمنهُمْ مَنْ فَسَّرها، وَلكِنَّهُمُ اختَلَفُوا حَولَ مَقَاصِدِهَا، فَمِنهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّها حُروفُ تِنْبيهٍ، كَمَا يَقُولُ القَائِلُ: أَيا وَهَيَا: والتَّفسِيرُ الذِي اختَارَهُ بَعضُهُمْ وَرأَى أَنَّهُ أَقْربُ الى المَنْطِقِ هُوَ: أَنَّ هذا القُرآنَ المُنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِأَمْثَالِ هذهِ الحُروفِ، المَعْروفَةِ عِندَ العَرَبِ، هُوَ المُعْجِزَةُ، لأنَّهُ تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، مَعَ أَنَّه مُنَزَّلٌ بِلُغَتِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الفَصَاحَةِ وَالبَيَانِ واللَّسنِ. وَمَا دَامَ المُفَسِّرونَ قَدِ اخْتَلَفُوا حَوْلَ مَعْنَاهَا الصَّحِيحِ فَالأَفْضَلُ أَنْ نَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

стр. 9

﴿الكتاب﴾ (٢) - لاَ شَكَّ في أَنَّ هَذَا القُرآنَ (الكِتَابُ) مُنْزَلٌ مِنْ عِندِ اللهِ، وَهُوَ هُدًى وَنُورٌ يَهتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، الذِينَ يَجتَهِدُونَ في العَمَلِ بِطَاعَةِ اللهِ، وَيَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَأَسْبَابَ العِقَابِ. الاتِّقَاءُ - هُوَ الحَجْزُ بَيْنَ شَيئَين وَمِنْهُ اتَّقَى الطَّعنَةَ بِتّرْسِهِ، أَيْ جَعَلَ التُّرْسَ حَاجِزاً بَيْنِ الرُّمْحِ وَبَيْنَهُ. هُدًى - هَادٍ مِنَ الضَّلالَةِ.

стр. 10

﴿الصلاة﴾ ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٣) - وَهؤلاءِ المُتَّقُونَ هُمُ الذينَ يُصَدِّقُونَ بِحَزمٍ وَإيمانٍ وإِذعَانٍ بما لاَ يَقَعُ تَحْتَ حَواسِّهِمْ (الغَيْبِ) فَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَجَنَّتِهِ وَلِقَائِهِ، وَبِالحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ. وَهُمْ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤَدُّونَها حَقَّ أَدَائِهَا وَيُتِمُّونَ - بِخُشُوعٍ تَامٍّ، وَحُضُورِ قَلْبٍ - رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَتِلاوَتَهَا، وَيُنْفِقُونَ ممَّا رَزَقَهُمُ اللهُ في وُجُوهِ الخَيرِ، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ. الغَيْبُ - هُوَ مَا غَابَ عَنْ حِسِّ الإِنسْانِ، أَوْ مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنِ الإِنسَانِ كَذَاتِ اللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ. الإِيمانُ - هُوَ تَصْدِيقٌ جَازِمٌ يَقْتَرِنُ بِإِذْعَانِ النَّفْسِ واستِسلامِهَا.

стр. 11

﴿وبالآخرة﴾ (٤) - وَهؤلاءِ المُتَّقُونَ هُمُ الذينَ يُصَدِّقُونَ بما جِئْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبمَا أُنزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلا يَجْحَدُونَ بما جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ بِصِدْقِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ النُّبُوَّاتُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ في الآخِرَةِ. اليَقِينُ - هُوَ التَّصدِيقُ الجَازِمُ. وَيُعرَفُ اليَقِينُ بآثَارِهِ في الأَعْمَالِ، فَمَنْ شَهِدَ زُوراً، أَوْ أَكَلَ مَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِيمانُهُ قَائِماً عَلَى اليَقِينِ.

стр. 12

﴿أولئك﴾ (٥) - فَهؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ: مِنْ إِيمَانٍ باللهِ، وَإِيمَانٍ بِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَتَأْدِيةِ الزَّكَاةِ. . . هُمْ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَنُورٍ وَبَصِيرَةٍ، وَهُمُ المُفْلِحُونَ الفَائِزُونَ الذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوهُ بعدَ السَّعيِ الحَثِيثِ فِي الحُصُولِ عَليهِ، وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا اجْتَنَبُوهُ. عَلَى هُدًى - تَعْبِيرٌ يُفِيدُ التَّمَكُّنَ مِنَ الهُدَى، وَكَمَالَ الرُّسُوخِ فِيهِ.

стр. 13

﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ (٦) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَجَحَدُوا الحَقَّ وَسَتَرُوهُ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَأَنْذَرْتَهُمْ وَخَوَّفْتَهُمْ عَاقِبَةَ بَغْيِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِم المَوْعِظَةُ. الكُفْرُ - هُوَ سَتْرُ الشَّيءِ وَتَغْطِيَتُهُ. سَوَاءٌ - مُسْتَوٍ.

стр. 14

﴿اأَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿غِشَاوَةٌ﴾ (٧) - وَهؤُلاءِ قَدْ تَمَكَّنَ الكُفْرُ مِنْهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا وَكَأَنَّ الله، قّدْ وَضَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ خَتْماً فَأَصْبَحَتْ لاَ يَصِلُ إِلَيهَا شَيءٌ مِنَ الهِدَايَةِ، وَكَأَنَّ اللهَ وَضَعَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ خَتْماً فَأَصْبَحَتْ لاَ تَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِأَسْبَابِ الهِدَايَةِ، وَكَأَنَّ الله تَعَالَى أَلْقَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً فَأَفْقَدَهَا القُدْرَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ الوَاضِحَةِ الجَلِيَّةِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ سَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَسَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لاستِحْقَاقِهِم العَذَابَ العَظِيمَ مِنْ رَبِّهِمْ. الخَتْمُ وَالطَّبْعُ والرَّينُ - بِمَعْنىً وَاحِدٍ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الشَّيءِ. الغِشَاوَةُ - الغِطَاءُ والسَّتْرُ.

стр. 15

﴿آمَنَّا﴾ ﴿الآخر﴾ (٨) - يَفْضَحُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ، وَيَكْشِفُ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَمْرَهُمْ وَخَفَايَا نُفُوسِهِمْ. وَالمُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ آمَنُوا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالإِسْلاَمِ، وَهُمْ كُفَّارٌ، فَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ، وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُؤْمِنينَ، وَلاَ مُخْلِصِين فِي إِيمَانِهِمْ. (وَيَنْطَبِقُ لَفْظُ المُنَافِقِ عَلَى كُلِّ مَنْ يُظْهِرُ الخَيْرَ وَيُبطِنُ الشَّرَّ) . النَّاسِ - هُمْ بَنُو البَشَرِ، وَسُمِّيَ النَّاسُ أُناساً لظُهُورِهِمْ وَتَعَلُّقِ الإِينَاسِ بِهِمْ.

стр. 16

﴿يُخَادِعُونَ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ (٩) - وَهُمْ إِنَّما يُرِيدُونَ خِدَاعَ النَّبيِّ وَالمؤْمِنِينَ وَغِشَّهُمْ مِنْ وَرَاءِ تَظَاهُرِهِمْ أَمَامَ المسلِمينَ بِالإِسْلاَمِ. وَلكِنَّ الله يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُمْ، وَقَدْ نَبَّهَ رَسُولَه ﷺ وَالمُؤْمِنينَ إِلى ذلِكَ، وَلِهذا فَإِنَّهُمْ لا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أَنَّ أَمْرَهُمْ مَكْشُوفٌ. الخِدَاعُ - أَنْ يُوهِمَ الإِنْسَانُ غَيْرَهُ خِلاَفَ مَا يُخْفِيهِ لِيَحُولَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يُريدُ.

стр. 17

(١٠) - فِي قُلوبِ هؤلاءِ المُنَافِقِينَ شَكٌّ وَنِفَاقٌ (مَرَضٌ) فَزَادَهُمُ اللهُ شَكّاً وَنِفَاقاً وَرِجْساً (مَرَضاً) ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً أليماً فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ عَلَى اللهِ وَعَلَى النَّاسِ. مَرَضٌ - شَكٌّ وَنِفَاقٌ.

стр. 18

(١١) - فَإِذَا قِيلَ لِهؤلاءِ المُنَافِقِينَ: لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، وَلاَ تُثِيرُوا فِيها الفِتَنَ وَالحُرُوبَ، وَلاَ تُحَرِّضُوا الأَعدَاءَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلاَ تُفْشُوا أَسْرارَ المُؤْمِنينَ لأَعْدَائِهِمْ، وَلاَ تَرتَكِبُوا المَعَاصِيَ وَغَيْرَ ذلِكَ مِنْ فُنُونِ الشَّرِّ. . . قَالُوا: إِنَّنا نُرِيدُ الإِصْلاَحَ، فَنَحْنُ بَعِيدُونَ عَنِ الإِفْسَادِ وَشَوَائِبِهِ. والمُفْسِدُونَ يَدَّعُونَ دَائماً أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الإِصْلاَحَ. الفَسَادُ - هُوَ خُروجُ الَّشيءِ عَنْ حَدِّ الاعتِدالِ. وَالفَسَادُ في الأَرْضِ - هُوَ إِثَارَةُ الاضْطِرَابَاتِ وَالفِتَنِ فِيهَا. الصَّلاحُ - هُوَ عَكْسُ الفَسَادِ.

стр. 19

(١٢) - وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هُمُ المُفْسِدُونَ، لأَنَّ مَا يَقُومُونَ بهِ هُوَ عَيْنُ الفَسَادِ، وَلكِنَّهُمْ لِجَهْلِهِمْ لا يَشْعُرونَ بِأَنَّهُ فَسَادٌ، وَلاَ يُدْرِكُونَ سُوءَ العَاقِبَةِ الذِي سَيَصِيرُون إِليهِ.

стр. 20

﴿آمِنُواْ﴾ (١٣) - وَإِذا قِيلَ لِهؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ: آمِنُوا بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَبِالحِسَابِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ كَمَا آمَنَ النَّاسُ المُؤْمِنُونَ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي امتِثَالِ الأَوَامِرِ وَتَرْكِ الزَّوَاجِرِ، قَالُوا سَاخِرِينَ: كَيْفَ نُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ هؤلاَءِ السُّفَهَاءُ، وَنَصِيرُ مَعَهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلكِنَّهُمْ لِجَهْلِهِمْ، وَضَعْفِ عُقُولِهِمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذلِكَ. السَّفَهُ - خِفَّةٌ فِي العَقْلِ، وَفَسَادٌ فِي الرَّأْيِ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ رَدِيءٌ.

стр. 21

﴿آمَنَّا﴾ ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٤) - كَانَ المُنَافِقُونَ إِذا التَقَوْا بِالمُؤمِنينَ أَظْهَرُوا لَهُمُ الإِيمَانَ نِفَاقاً وَمُصَانَعَةً وَتَقِيَّةً، وَلكِنَّهُمْ حِينَما كَانُوا يَذْهَبُونَ إلى شَيَاطِينِهِمْ - أَيْ سَادَتِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ، وَرُؤُوسِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ -، وَيَخْتَلُونَ بِهِمْ بَعِيداً عَنْ سَمْعِ المُؤْمِنينَ وَأَبْصَارِهِمْ، كَانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ إِنَّهُمْ كَفَرَةٌ، وَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ لِلْمُؤمِنينَ نِفَاقاً وَتَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً، واسْتِهْزَاءً بِالمُؤْمِنينَ وَدِينِهِمْ. الاستِهْزَاءُ - السُّخْرِيَةُ. خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ - انْصَرَفُوا إِلَيهِمْ، وَانْفَرَدُوا بِهِمْ.

стр. 22

﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ (١٥) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَى هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ وَيَقُولُ لهُمْ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ يَمُدُّ لَهُمْ فِي الغِوَايَةِ وَالضَّلاَلِ، وَيَزيدُهُمْ مِنهُما، وَهُوَ الذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَتْرُكُهُمْ حَيَارَى فِي ضَلاَلِهِمْ لاَ يَجِدُونَ إِلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ سَبِيلاً. العَمَهُ - هُوَ الضَّلاَلُ والاسْتِرْسَالُ فيهِ، وَهُوَ ظُلْمَةُ البَصِيرَةِ. مَدَّ الجَيْشَ، وَأَمَدَّهُ - زَادَهُ عَدَداًً وَقَوَّاهُ بَالمَدَدِ. طُغْيَانِهِمْ - مُجَاوَزَتِهِم الحَدَّ فِي الكُفْرِ.

стр. 23

﴿أولئك ا﴾ ﴿الضلالة﴾ ﴿تِّجَارَتُهُمْ﴾ (١٦) - فَهؤُلاءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ أَخَذُوا الضَّلاَلَةَ وَالكُفْرَ وَتَرَكُوا الهُدَى وَالإِيمَانَ، وَكَأَنَّهُمْ عَقَدُوا صَفْقَةً بِذَلِكَ، وَلكِنَّ هذِهِ الصَّفْقَةَ خَسِرَتْ وَلَمْ تَربَحْ لأَنَّهُمْ بَاعُوا مَا وَهَبَهُمُ اللهُ مِنْ نُورٍ وَهُدىً، بِضَلاَلاَتِ البِدَعِ وَالأَهْوَاءِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا فِي عَمَلِهِمْ هذا إِلى الحَقِّ وَالإِيمانِ والصَّوابِ.

стр. 24

﴿ظُلُمَاتٍ﴾ (١٧) - يُصوِّرُ اللهُ تَعَالى حَالَ المُنَافِقِينَ الذِينَ أَسْلَمُوا وَدَخَلَ نُورُ الإِيمَانِ إِلى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ دَاخَلَهُمُ الشَّكُّ فِيهِ فَكَفَرُوا، فَيَقُولُ: إِنَّ حَالَهُمْ يُشْبِهُ حَالَ جَمَاعَةٍ أَوْقَدوا نَاراًً لِيَنْتَفِعُوا بِها فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُمْ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالأَمَاكِنِ، عَرَضَ لَهَا عَارِضٌ أَطْفَأَهَا فَأَصْبَحُوا فِي ظَلامٍ دَامِسٍ لا يَتَسَنَّى لَهُمْ مَعَهُ الإِبْصَارُ والاهْتِدَاءُ، ذلِكَ لأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا فَضَائِلَ الإِيمَانِ وَمَحَاسِنَهُ، فَأَصْبَحُوا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ لاَ يُبْصِرُونَ مَسْلَكاً مِنْ مَسَالِكِ الهِدَايَةِ وَالنَّجَاةِ. المَثَلُ - الشَّبَهُ. اسْتَوْقَدَ نَاراً - طَلَبَ إِيقَادَها.

стр. 25

(١٨) - وَهؤُلاءِ كَأَنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ، وَبُكْمٌ لاَ يَنْطِقُونَ، وَعُمْيٌ لاَ يُبْصِرُونَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِحَوَاسِّهِمْ مَعَ سَلاَمَتِهَا، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلى الحَقِّ لأَنَّ مَنْ فَقَدَ حَوَاسَّهُ لاِ يَسْمَعُ صَوْتاً يَهْتَدِي بِهِ، وَلاَ يَصِيحُ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ، وَلاَ يَرَى بَارِقاً مِنْ نُورٍ يَتَّجِهُ إِليهِ وَيَقْصُدُهُ، وَلاَ تَزَالُ هَذِهِ حَالُهُ: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَهُوَ يَتَرَدَّى فِي مَهَاوِي الهَلاَكِ. الصَّمَمُ - آفَّةٌ تَمْنَعُ السَّمعَ. البَكَمُ- الخَرَسُ، وَفَقْدُ القُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ.

стр. 26

﴿ظُلُمَاتٌ﴾ ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ ﴿آذَانِهِم﴾ ﴿بالكافرين﴾ (١٩) - وَحِينَما جَاءَتْ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ دَعْوَةُ اللهِ، وَبَيِّناتُهُ وآياتُهُ، وَوُجِّهَتْ أَبْصَارُهُمْ إِلى حُجَجِ اللهِ القَائِمَةِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ الْتَمَعَ في نُفُوسِهِمْ قَبَسٌ مِنْ نُورِ الهِدَايَةِ، وَلكِنَّهُمْ سُرْعَانَ مَا اعْتَرَضَتْهُمْ ظُلمَاتُ الشُّبَهِ وَالتَّقَالِيدِ وَالخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ، إِذا أَخَذُوا بمَا يُخَالِفُ آراءَ مَنْ حَوْلَهُمْ، فَاعْتَرَتْ نُفُوسَهُمُ الحَيْرَةُ والقَلَقُ والاضْطِرابُ. وَقَدْ مَثَّلَ اللهُ حَالَ هؤلاءِ المُنَافِقِينَ بِحَالِ قَوْمٍ في إِحدَى الفَلَواتِ نَزَلَ بِهِمْ - بَعْدَ حُلُولِ ظَلاَمِ اللَّيلِ - مَطَرٌ شَدِيدٌ يَتَسَاقَطُ مِنَ السَّمَاءِ، تُصَاحِبُهُ رُعُودٌ قَاصِفَةٌ، وَبُرُوقٌ لاَمِعَةٌ، وَصَوَاعِقُ مُنْقَضَّةٌ فَتَولاَّهُمُ الدَّهَشُ والرُّعْبُ، وَأَهْوَوْا بِأَصَابِعِهِمْ لِيَضَعُوهَا فِي آذانِهِمْ لِيَمْنَعُوا وُصُولَ الأَصْوَاتِ المُخِيفَةِ المُزْعِجَةِ إِلى أَسْمَاعِهِمْ، لِمَا يَحْذَرُونَهُ مِنَ المَوْتِ. وَلكِنْ هَلْ يُنْجِي حَذَرٌ مِنْ قَدٍَ؟ إِنَّ الله قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بأَسْمَاعِهِم وَأبْصَارِهِمْ وَلكِنَّهُ إِذا لمْ يَفْعَلْ فَمَا ذلِكَ إِلاَّ لحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهَا مَشِيئَتُهُ. الصَّيِّبُ - المَطَرُ الذِي يَنْزِلُ. الرَّعْدُ - الصَّوتُ الذِي يُسْمَعُ فِي السَّحَابِ وَقْتَ البَرْقِ. البَرْقُ - النُّورُ اللاَّمِعُ في السَّحَابِ. الصَّاعِقَةُ - نَارٌ تَنْقَضُّ مِنْ بَيْنِ السَّحَابِ.

стр. 27

﴿أَبْصَارَهُمْ﴾ ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢٠) - يَكَادُ بَرْقُ الإِيمَان يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ لِشِدَّةِ ضَوْئِهِ، فَكُلَّما ظَهَرَ لَهُمْ شَيءٌ مِنَ الإِيمَانِ، اسْتَأْنَسُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ، ثُمَّ تَعْرِضُ لَهُمُ الشُّكُوكُ فَتُظْلِمُ نُفُوسُهُمْ، وَيَقِفُونَ حَائِرِينَ مُتَرَدِّدِينَ. وَكَذَلِكَ يَكُونُ حَالُ المُنَافِقِينَ مُتَفَاوِتينَ فِي الدَّرَجَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَلَو شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، لِمَا تَرَكُوا مِنَ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَاللهُ وَاسِعُ القُدْرَةِ، إِذا أَرَادَ شَيئاً فَعَلَهُ، ولا يُعْجِزُهُ شيءٌ أَبَداًً فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ. قَامَ - وَقَفَ في مَكَانِهِ. أَظْلَمَ عَلَيهِمْ - خَفِيَ عَلَيهِم البَرْقُ وَاسْتَتَرَ. يَخْطَفُ - يَذْهَبُ بِهَا بِسُرْعَةٍ.

стр. 28

﴿يَاأَيُّهَا﴾ (٢١) - يَدْعُو اللهُ تَعَالَى النَّاسَ (وّقّالّ بّعْضَ المُفَسِّرِينَ إِنَّهُ قَصَدَ بِدَعْوَتِهِ هذِهِ هُنَا المُنَافِقينَ وَالكَافِرِينَ) إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، عِبَادَةَ خُشُوعٍ وَإِخْلاصٍ، لأَنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَهُمْ، وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الأَجْيَالِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذلِكَ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّقْوَى، وَبَلَغُوا الغَايَةَ القُصْوَى، وَكَانُوا مِنْ عِبَادِ اللهِ المُتَّقِينَ الذِينَ يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ، وَيَخَافُونَ سُوءَ العَاقِبَةِ.

стр. 29

﴿فِرَاشاً﴾ ﴿الثمرات﴾ (٢٢) - فَاللهُ هُوَ الَذِي جَعَلَ الأَرْضَ لِلنَّاسِ مُوطَّأَةً مِثْلَ الفِراشِ لِيَنْتَفِعُوا بِخَيْرَاتِها، وَليَسْهُلَ عَلَيهِم الاستِقْرارُ عَلَيها، وَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفاً يُحِيطُ بِالأَرْضِ (بِنَاءً) ، وَزَيَّنَهَا بِالكَوَاكِبِ لِيَهْتَدِيَ بِها السَّارِي فِي ظُلُماتِ اللَّيلِ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ أَنْواعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ رِزْقاًً لَهُمْ وَلأَنْعَامِهِمْ، وَفِي كُلِّ ذلِكَ مَا يَهْدِي العَقْلَ إِلى أَنَّ خَالِقَ هذا الكَوْنِ البَدِيعِ المِثَالِ لاَ نِدَّ لَهُ وَلاَ نَظِيرَ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ وَحْدَهُ الذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعبُدُوهُ. ثُمَّ يأمُرُ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بِأَنْ يَعبُدُوهُ، وبِأَنْ لاَ يَجْعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ وَأَنْدَاداً يُمَاثِلُوَنُهْم بِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَالخَلْقِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ وَلاَ مُمَاثِلَ نِدٌّ - نَظِيرٌ وَمُمَاثِلٌ وَشَبيهٌ. فِراشاً - بِسَاطاً وَوِطَاءً للاسْتِقْرارِ عَلَيهَا.

стр. 30

﴿صَادِقِينَ﴾ (٢٣) - وَيَتَحَدَّى اللهُ المُشْرِكِينَ وَالكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا فِي شَكِّ (رَيْبِ) مِنْ صِحَّةِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، مِنْ وَحْي وَقُرْآنٍ، فَلْيَأْتُوا بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مِثْلِ هذا القُرآنِ فِي بَلاغَتِهَا وَإِحْكَامِهَا وَهِدَايَتِهَا، وَلْيَدْعُوا آلِهَتَهُمْ وَأَعْوَانَهُمْ وَمَنْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ (شُهَدَاءَهُمْ) مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَاعتِقَادَاتِهِمْ. ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ - أَحْضِرُوا آلِهَتَكُمْ الذِينَ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ.

стр. 31

﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢٤) - فَإِنْ لَم يَسْتَطِيعُوا هُمْ وِشُرَكَاؤهُمْ وَشُهَداؤهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ (وَهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ أَبَداً مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ) فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ وَحيِ المُكَابِرِينَ المُعانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ، وَفِيما يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ، وَيَكُونُونَ هُمُ المُكَابِرِينَ المُعَانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ، وَعَلَيهِمْ أَنْ يَخْشَوْا عَذَابَ اللهِ وَنَارَهُ التِي يَكُونُ النَّاسُ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَحِجَارَةٍ. . . مِنَ الوَقُودِ الذِي تَشْتَعِلُ بِهِ، وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِتَعْذِيبِ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ.

стр. 32

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿مُتَشَابِهاً﴾ ﴿أَزْوَاجٌ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٢٥) - ويُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ في الآخِرَةِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ في جَنَبَاتِهَا، وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالأَذى وَالآثامِ ومسَاوِئِ الأَخْلاَقِ، كَالََكَيْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ. . وَتَأْتِيهِمُ الثِّمَارُ في الجَنَّةِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي عَرَفُوهَا في الدُّنيا (أَوْ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي أَتَتْهُمْ قَبْلَ ذلِكَ فِي الجَنَّةِ، وَتَخْتَلفُ عَنْهَا طَعْماً مَعَ أَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي شَكْلِها وَمَنْظَرِهَا) . وَكُلَّمَا رُزِقُوا مِنْها ثَمَرَةً قَالُوا: هذا مَا وُعِدْنا بِهِ في الدُّنيا جَزَاءً عَلَى الإِيمَان وَالعَمَلِ الصَّالِحِ. والذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً صَادِقاً، وَعَملُوا عَمَلاً صَالِحاً يَبْقَوْوَ في الجَنَّةِ خَالِدينَ أبداً، لاَ يَمُوتُونَ فِيها وَلا يَحُولُونَ عَنْها. (وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالى الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ المُؤمِنُونَ) . مُتَشَابِهاً - فِي اللَّوْنِ وَالمَنْظَرِ لاَ فِي الطَّعْمِ.

стр. 33

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الفاسقين﴾ (٢٦) - لمَّا ضَرَبَ اللهُ تَعَالى الأَمْثَالَ السَّابِقَةَ للنَّاسِ قَالَ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ: (اللهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هذِهِ الأَمَْالَ) . فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَتَيْنِ ٢٦ و ٢٧ تَكْذِيباً لهُمْ، فَقَالَ تَعَالى: إِنَّهُ لاَ يَسْتَنْكِفُ، وَلاَ يَرَى مِنَ النَّقْصِ (لاَ يَسْتَحيِي) ، أَنْ يَذْكُرَ شَيْئاً مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي قِيمَتِهِ: البَعُوضَةَ وَمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهَا، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا لأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ جَلِيلاً كَانَ أَوْ حَقِيراً، فَالذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هذا قَوْلُ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ. أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا فَيَسْتَغْرِبُونَ ذلِكَ وَيُنْكِرُونَهُ، فَيُضِلُّ اللهُ بِهذا المَثَلِ كَثيراً مِنَ النَّاسِ مِنَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ المُؤْمِنِينَ، وَاللهُ لا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ الخاَرِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، الذِينَ لا يَطْلُبُونَ الحَقَّ، وَلا يُرِيدُونَهُ.

стр. 34

﴿مِيثَاقِهِ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الخاسرون﴾ (٢٧) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ مَعْنَى العَهْدِ الذِي وُصِفَ هؤُلاَءِ الفَاسِقُونَ بِنَقْضِهِ: - فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ وَصِيَّةُ اللهِ إِلَى الخَلْقِ بِأَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَبِأَنْ يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الكِرَامِ فَتَرْكُهُمُ العَمَلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَالانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ هُوَ نَقْضٌ لِلعَهْدِ. -وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِم العَهْدَ، فِي التَّوراةِ بِأَنْ يَعْمَلُوا بِها، وَبِأَنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّداً ﷺ حِينَ يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالى، وَبِأَنْ يُصَدِّقُوا بِرِسَالَتِهِ وَكِتَابِهِ، وَقَدْ تَرَكُوا العَمَلَ بِمَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ، وَجَحَدُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ وَنُبُوَّتَهُ، بَعْدَ مَا عَرَفُوهُ مِنْ حَقِيقَتِها، وَأَنْكَرُوهَأ وَكَتَمٌوا عَنِ النَّاسِ ذلِكَ لِكَيْلا يَتَّبِعُوهٌ، فَكَانَ ذلِكَ مِنْهُمْ نَقْضاً لِلْعَهْدِ. - وَقَال آخَرُونَ إِنَّ الآيةَ تَعْنِي جَمِيعَ أَهْلِ الكُفْرِ والشِّرْكِ والنِّفَاقِ وَقَدْ نَصَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُمُ الأَدِلَّةَ في الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَربُوبِيَّتِهِ فَكَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ فَكَانَ ذلِكَ مِنْهُمْ نَقْضاً لِلْعَهْدِ. وَقَالَ آخَرُونَ إنَّ اللهَ تَعَالَى عَهِدَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ عَهْدَ فِطْرَةٍ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَبِوُجُودِهِ، وَقَدْ وَثَّقَ عَهْدَ الفِطْرَةِ بِأَنْ جَعَلَ العُقُولَ قَابِلَةً لإِدْرَاكِ السُّنَنِ الإِلهِيَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ لَهُمُ الأَدِلَّةَ والبَرَاهِينَ عَلَى وُجُودِهِ.

стр. 35

﴿أَمْوَاتاً﴾ ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٢٨) - يُنْكِرُ اللُه تَعَالَى عَلَى النَّاسِ كُفْرَهُمْ بِهِ وَبِقُدْرَتِهِ، كَمَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ إِنْكَارَهُمْ عَلَيهِ أَنْ يَبْعَثَ مِنْهُمْ رَسُولاً يَدْعُوهُمْ إِلى عِبَادَتِهِ تَعَالى، مَعَ أَنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلى أَنْفُسِهِمْ، وَإِلَى مَا حَوْلَهُمْ فِي الكَوْنِ، تَكْفِي لِحَمْلِهِمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فَقَدْ كَانُوا أَمْواتاَ فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللهُ، وَأَخْرَجَهُمْ إِلى الحَيَاةِ وَالوُجُودِ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ وَتَكْوِينٍ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ مَوْتَةَ الحَقِّ التِي فَرَضَها عَلى جَميعِ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَبْعَثُهُمْ وَيُحْيِيهِمْ مَرَّةً أُخْرى يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يُرْجَعُونَ إِليهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

стр. 36

﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ (٢٩) - وَيَسُوقُ اللهُ تَعَالى لِلنَّاسِ دَلِيلاً آخَرَ عَلَى أَنَّهُ الخَالِقُ الذِي لاَ تَجِبُ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، فَهُوَ الذِي خَلَقَ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ نِعَمٍ وَخَيْرَاتٍ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْها، وَلِيَنْتَفِعُوا بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ إِرَادَتُهُ تَعَالى إِلى السَّمَاءِ فَخَلَقَها وَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَات مُنْتَظِمَاتٍ تَامَّاتِ الخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ، وَإِنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ.

стр. 37

﴿لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ (٣٠) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ قَوْماً يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضاً، قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، أُمَكِّنُ لَهُمْ فِيها، وَأَجْعَلُهُمْ أَصْحَابَ سُلْطَانٍ عَلَيها، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ مُسْتَعْلِمِينَ مِنَ الرَّبِّ الكِرِيمِ عَنِ الحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِ هذا الخَلَفِ الذِي سَيُوجَدُ مِنْهُ مَنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكً الدِّمَاءَ. فَإِنْ كَانَ هذا الَقْصُودُ مِنْ خَلْقِهِمْ عِبَادَةَ اللهِ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وَنُصَلِّي لَكَ (نُقَدِّسُ لَكَ) ، وَلا يَصْدُرُ مِنّا شَيءٌ مِنْ ذلِكَ الفَسَادِ. فَقَالَ اللهُ تَعَالى: إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ مُبَرِّراتِ خَلْقِهِمْ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَأَجْعَلُ فِيهِمُ الأَنبياءَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءَ وَالصَّالِحِينَ وَالخَاشِعِينَ. وَالكَافِرُونَ الفَاسِقُونَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ بإِثَارَةِ الفِتَنِ والقَلاقِلِ وَشَنِّ الحُرُوبِ، وَتَخْرِيبِ العُمْرَانِ وَقَطْعِ الأَرْحَامِ، والإِسَاءَةِ إِلى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ النَّاسَ مِنْ تَوَادٍّ وَتَرَاحُمٍ فِيمَا بَيْنَهُم. وَهُؤلاَءِ هُمُ الخَاسِرُونَ لأَنَّهُمْ يُحْرَمُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَيَصِيرُونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ.

стр. 38

﴿ءَادَمَ﴾ ﴿الملائكة﴾ ﴿صَادِقِين﴾ (٣١) - وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا: الأَرْضِ والسَّمَاءِ وَأَصْنَافِ الحَيَوانَاتِ والسَّهْلِ وَالجَبَلِ وَالبَحْرِ. . وَذَواتِها وَخَصَائِصِهَا وَأَفْعَالِها. . ثُمَّ عَرَضَ هذِهِ المُسَمَّيَاتِ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّني لَمْ أَخْلُق أَعْلَمَ مِنْكُمْ؟

стр. 39

﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٣٢) - قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: تَنزَّهَ اسْمُكَ يَارَبُّ (سُبْحَانَكَ) إِنَّنا لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا، وَهذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ نَعْرِفُها، وَأَنْتَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ في خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وَفِي تَعْلِيمِكَ مَا تَشَاءُ، وَمَنْعِكَ مَا تِشاءُ.

стр. 40

﴿يَآءَادَمُ﴾ ﴿بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ ﴿السماوات﴾ (٣٣) - قَالَ اللهُ تَعَالى لآدَمَ: أَخْبِرْهُمْ يَا آدَمُ بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ فَأَخْبَرَهُمْ. وَلَمَّا ظَهَرَ فَضْلُ آدَمَ عَلَى المَلاَئِكَةِ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَشْيَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّني أَعْلَمُ الغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالخَفِيَّ في السَّمَاءِ والأَرْضِ وَأَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلانِيتَكُمْ (أَيْ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) ، كَمَا أَعْلَمُ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ (مَنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ إِنَّ اللهَ لَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيهٍ مِنَّا، فَنَحْنُ أَحَقُّ بالخِلاَفَةِ مِنْ هذا المَخْلُوقِ) ، كَمَا أَعْلَمُ مَا انْطَوَتْ عَلَيهِ نَفْسُ إِبليسَ مِنْ حَسَدٍ وَمُخَالَفَةٍ لأَمرِ اللهِ.
следующие страницы →