← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ (٢٩) - وَيَسُوقُ اللهُ تَعَالى لِلنَّاسِ دَلِيلاً آخَرَ عَلَى أَنَّهُ الخَالِقُ الذِي لاَ تَجِبُ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، فَهُوَ الذِي خَلَقَ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ نِعَمٍ وَخَيْرَاتٍ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْها، وَلِيَنْتَفِعُوا بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ إِرَادَتُهُ تَعَالى إِلى السَّمَاءِ فَخَلَقَها وَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَات مُنْتَظِمَاتٍ تَامَّاتِ الخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ، وَإِنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ.

стр. 37

﴿لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ (٣٠) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ قَوْماً يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضاً، قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، أُمَكِّنُ لَهُمْ فِيها، وَأَجْعَلُهُمْ أَصْحَابَ سُلْطَانٍ عَلَيها، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ مُسْتَعْلِمِينَ مِنَ الرَّبِّ الكِرِيمِ عَنِ الحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِ هذا الخَلَفِ الذِي سَيُوجَدُ مِنْهُ مَنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكً الدِّمَاءَ. فَإِنْ كَانَ هذا الَقْصُودُ مِنْ خَلْقِهِمْ عِبَادَةَ اللهِ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وَنُصَلِّي لَكَ (نُقَدِّسُ لَكَ) ، وَلا يَصْدُرُ مِنّا شَيءٌ مِنْ ذلِكَ الفَسَادِ. فَقَالَ اللهُ تَعَالى: إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ مُبَرِّراتِ خَلْقِهِمْ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَأَجْعَلُ فِيهِمُ الأَنبياءَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءَ وَالصَّالِحِينَ وَالخَاشِعِينَ. وَالكَافِرُونَ الفَاسِقُونَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ بإِثَارَةِ الفِتَنِ والقَلاقِلِ وَشَنِّ الحُرُوبِ، وَتَخْرِيبِ العُمْرَانِ وَقَطْعِ الأَرْحَامِ، والإِسَاءَةِ إِلى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ النَّاسَ مِنْ تَوَادٍّ وَتَرَاحُمٍ فِيمَا بَيْنَهُم. وَهُؤلاَءِ هُمُ الخَاسِرُونَ لأَنَّهُمْ يُحْرَمُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَيَصِيرُونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ.

стр. 38

﴿ءَادَمَ﴾ ﴿الملائكة﴾ ﴿صَادِقِين﴾ (٣١) - وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا: الأَرْضِ والسَّمَاءِ وَأَصْنَافِ الحَيَوانَاتِ والسَّهْلِ وَالجَبَلِ وَالبَحْرِ. . وَذَواتِها وَخَصَائِصِهَا وَأَفْعَالِها. . ثُمَّ عَرَضَ هذِهِ المُسَمَّيَاتِ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّني لَمْ أَخْلُق أَعْلَمَ مِنْكُمْ؟

стр. 39

﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٣٢) - قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: تَنزَّهَ اسْمُكَ يَارَبُّ (سُبْحَانَكَ) إِنَّنا لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا، وَهذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ نَعْرِفُها، وَأَنْتَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ في خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وَفِي تَعْلِيمِكَ مَا تَشَاءُ، وَمَنْعِكَ مَا تِشاءُ.

стр. 40

﴿يَآءَادَمُ﴾ ﴿بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ ﴿السماوات﴾ (٣٣) - قَالَ اللهُ تَعَالى لآدَمَ: أَخْبِرْهُمْ يَا آدَمُ بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ فَأَخْبَرَهُمْ. وَلَمَّا ظَهَرَ فَضْلُ آدَمَ عَلَى المَلاَئِكَةِ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَشْيَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّني أَعْلَمُ الغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالخَفِيَّ في السَّمَاءِ والأَرْضِ وَأَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلانِيتَكُمْ (أَيْ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) ، كَمَا أَعْلَمُ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ (مَنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ إِنَّ اللهَ لَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيهٍ مِنَّا، فَنَحْنُ أَحَقُّ بالخِلاَفَةِ مِنْ هذا المَخْلُوقِ) ، كَمَا أَعْلَمُ مَا انْطَوَتْ عَلَيهِ نَفْسُ إِبليسَ مِنْ حَسَدٍ وَمُخَالَفَةٍ لأَمرِ اللهِ.

стр. 41

﴿لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ ﴿الكافرين﴾ ﴿لأَدَمََ﴾ (٣٤) بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِمَكَانَةِ آدَمَ، وَأَنَّهُ جَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْجُدُوا لآدَمَ سُجُودَ خُضُوعٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ، تَكْرِيماً لَهُ، وَاعْتِرافاً بِفَضْلِهِ، وَاعْتِذاراً عَمَّا قَالُوهُ في شَأْنِهِ، فَسَجَدُوا، إِلا إِبليسَ فَقَدْ دَاخَلَهُ الحَسَدُ وَالكِبْرُ مِمَّا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى آدَمَ مِنَ الكَرَامَةٍ، فَأَبى أَنْ يَسْجُدَ، وَصَارَ مِنَ الكَافِرِينَ بِعِصْيَانِهِ أَمْرَ اللهِ. (وَهُنَاكَ مُفَسِّرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ الأَرْضَ كَانَ يَعْمُرُها، قَبْلَ آدَم وَذُرِّيَّتِهِ، خَلْقٌ آخرونَ انْقَرَضُوا بَعْدَ أَنْ أَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُحِلَّ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مَحَلَّ أُولئِكَ الخَلْقِ. وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالى، بَعْدَ ذِكْرِ هَلاَكِ القُرُونِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم﴾ وَمِنْ سُؤَالِ المَلاَئِكَةِ للهِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ قِيَاساً عَلَى مَنْ كَانَ فِي الأَرْضِ قَبْلَ آدَمَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ التِي سَفَكَتِ الدِّمَاءَ. (وَهُنَاكَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ المُرادَ بالخِلاَفَةِ، الخِلاَفَةُ عَنِ اللهِ في تَنْفِيدِ أَوَامِرِهِ بَينَ النَّاسِ، وَهذا الاسْتِخْلاَفُ يِشْمَلُ اسْتِخْلاَفَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يُوحِيَ بِشَرَائِعِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ مِنْهُمْ، يَصْطَفِيهِمْ لِيَكُونُوا خُلَفَاءَ عَنْهُ) . اسْتَكْبَرَ - أَظْهَرَ الكِبْرَ وَالتَّرَفُّعَ.

стр. 42

﴿يَآءَادَمُ﴾ ﴿الظالمين﴾ (٣٥) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لآِدَمَ: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ، وَكُلا مِنْها مَا شِئْتُما هَنِيئاً مَرِيئاً، بِلا عَنَاءٍ وَلاَ تَعَبٍ، وَلاَ تَقْرَبَا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ تَحْدِيدِ نَوْعِ الشَّجَرَةِ) ، وَنَبَّهَهُمَا اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُمَا إِنْ أَكَلا مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ كَانَا مِنَ المُخَالِفِينَ لأَمْرِ اللهِ. الرَّغَدُ - الهَنِئُ الذِي لاَ عَنَاءَ فِيه، أَوِ الوَاسِعُ. الظَّالِمُ - هُوَ الذِي يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللهِ إِذْ يُعَرِّضُهَا لِلْعِقَابِ.

стр. 43

﴿الشيطان﴾ ﴿وَمَتَاعٌ﴾ (٣٦) - فَأَغْرَاهُما الشَّيْطَانُ بالشَّجَرَةِ، وَحَمَلَهُما عَلَى الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ (وَقِيلَ إِنََّّ، مَعْنى أَزَلَّهُما الشَّيْطَانُ عَنْهَا نَحَّاهُمَا عَنِ الجَنَّةِ وَعَمَّا كَانَا فِيهِ مِنَ الحَيَاةِ الهَانِئَةِ السَّعِيدَةِ بِرضَا اللهِ وَفَضْلِهِ) . فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِباً آدَمَ وَزَوْجَهُ وَإِبْلِيسَ: اهْبِطُوا جَميعاً مِنَ الجَنَّةِ إِلى الأَرْضِ، وَسَيَكُونُ لَكُمْ في الأَرْضِ قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ إِلى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ. الزَّلَلُ - الغَلَطُ، وَأَزَلَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الوُقُوعِ في الغَلَطِ. المُسْتَقَرُّ - الاسْتِقْرَارُ وَالبَقَاءُ. المَتَاعُ - الانْتِفَاعُ الذِي يَمْتَدُّ وَقْتُهُ.

стр. 44

﴿ءَادَمُ﴾ ﴿كَلِمَاتٍ﴾ (٣٧) - فَأَلْهَمَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ كَلِمَاتٍ يَقُولُها وَيَعْتَذِرُ بِهَا عَمَّا فَعَلَهُ هُوَ وَزَوْجُهُ، (وَقِيلَ إِنَّ هذِهِ الكَلِمَاتِ هِيَ: رَبَّنَا إِنَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ) فَقَالَها آدَمُ فَتَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَغَفَرَ لَهُ، وَاللهُ هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ التَّائِبِينَ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ الضُّعَفَاءِ. (التَّوْبُ - هُوَ الرُّنجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ إِلى الطَّاعَةِ بالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، وَإِذا وُصِفَ بِهِ الخَالِقُ فَيَعْنِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ عَنِ العُقُوبَةِ إِلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ) .

стр. 45

(٣٨) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ وَزَوْجَهُ وَإِبْلِيسَ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ، وَأَنْذَرَهُمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ بِأَنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُّسُلَ، وَيُنَزِّلُ الكُتُبَ وَيَفْرِضُ التَّكَالِيفَ، فَمَنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتَابِ، وَبِمَنْ بَعَثَ مِنَ الرُّسُلِ، وَاهْتَدَى وَاسْتَقَامَ عَلَى الهِدَايَةِ، وَقَامَ بِمَا فُرِضَ عَليهِ مِنَ التَّكَالِيفِ. . فَهؤُلاءِ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنيا.

стр. 46

﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾ (٣٩) - أَمَّا الذِينَ سَيَكْفُرونَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الكُتُبِ، وَبِمَنْ بَعَثَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ فَهؤُلاءِ سَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَخْلُدُونَ فِيها أَبَداً، لاَ يَمُوتُونَ فِيها وَلا يَحُولُونَ عَنْهَا أَبَداً.

стр. 47

﴿إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ (٤٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى بِنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمُ اليَهُُودُ - وَإِسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ ﵇ بِالدُّخُولِ في الإِسلامِ، وَمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ التِي أَنْعَمَهَا عَلَيهِمْ، بِأَنْ جَعَلَ فِيهِم النُّبُوَّةَ، وَبِأَنْ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَفجَّرَ لَهُمُ المَاءَ مِنَ الحَجَرِ في سَيْنَاءَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِم المَنَّ والسَّلْوَى. وَيُطَالِبُهُمْ بِالوَفَاءِ بِالعَهْدِ الذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ الذِي سَيَبْعَهُهُ اللهُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ. فَقَدْ جَاءَ في التَّورَاةِ في صِفَةِ النَّبِي ﷺ : (إِنَّه يُقِيمُ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيّاً يُعِيمُ الحَقَّ) ، وَجَاءَ في سِفْرِ تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ: (قَالَ لِيَ الرَّبُ: أَحْسِنُوا فِيمَا تَتَكَلَّمُونَ سَوْفَ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلامي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ، وَيَكُونُ الإِنسَانُ الذِي لا يَسْمَعُ لِكَلاَمِي، وَالذِي يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ، وَيَكُونُ الإِنسَانُ الذِي لاَ يَسْمَعُ لِكلاَمِي، وَالذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أَكُونُ المُنْتَقِمَ مِنْهُ) . وَلكِنَّ اليّهُودَ حَرَّفُوا هذِهِِ البِشَارَاتِ وَأَوَّلُوهَا بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهٌمْ بِهِ أَوْفَى بِعَهْدِهِ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُ سَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَسَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ. أَمَّا إِذا لَمْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُم اللهُ بِهِ، فَلْيَحْذَرُوا أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ نِقَمُ اللهِ التِي أَنْزَلَهَا بمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ، مِنَ المَسْخِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُقُوبَاتِ. فَاللهُ تَعَالى يُرغِّبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الإِيمَانِ، وَيُحَذّرُهُمْ مِنَ الكُفْرِ وَالمُعَانَدَةِ (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) . فَارْهَبُونِ - فَخَافُونِي فِي نَقْضِكُمُ العَهْدَ.

стр. 48

﴿آمِنُواْ﴾ ﴿بِآيَاتِي﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ (٤١) - يَأَمُرُ اللهُ بَني إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بالقُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ مُصَدِّقاً لِمَا جَاءَ بِهِ مَا سَبَقَهُ مِنَ الكُتُبِ - التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ - وَهِيَ الكُتُبُ التِي وَرَدَتْ فِيها إِشَارَةٌ إِلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِلى أَوْصَافِهِ. وَيَقُولُ اللهُ لِبَني إِسْرائِيلَ لاَ تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِالقُرآنِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ النَّاسِ، لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكُمْ مِنْ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ. وَيَتَوَعَّدُ اللهُ اليَهُودَ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الحقِّ وَالمُعَانَدَةِ، وَمُخَالَفَةِ رَسُولِهِ، وَيَتَوَعَّدُ اللهُ اليَهُودَ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الحقِّ وَالمُعَانَدَةِ، وَمُخَالَفَةِ رَسُولِهِ، وَيَطْلُبُ مِنَ اليَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ، رَجَاءَ الفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ﴿وَإِيَّايَ فاتقون﴾ .

стр. 49

﴿بالباطل﴾ (٤٢) - يَنْهَى اللهُ اليَهُودَ عَنِ القِيَامِ بِمَا كَانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنَ التَّمْوِيهِ (إِلبَاسِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ) ، وَعَنْ خَلْطِ الحَقِّ المُنْزَلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بِالبَاطِلِ الذِي يَخْتَرِعُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ لِيُمََوِّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ وَيُضِلُّوهُمْ بِهِ، وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأَلاَّ يَكْتُمُوا الحَقَّ، وَهُوَ المَعْرِفَةُ بِرَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ. لاَ تَلْبِسُوا - لاَ تَخْلُطُوا وَلاَ تَسْتُرُوا.

стр. 50

﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ ﴿الراكعين﴾ (٤٣) - وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأَنْ يُصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِأَنْ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَيَدفَعُوهَا إِلى النَّبِيِّ، وَبِأَنْ يُصَلُّوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، أَيْ إِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ وَمِنْهُمْ.

стр. 51

﴿الكتاب﴾ (٤٤) - يَنْعِى اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ - وَهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ - أَنْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِالخَيْرِ وَالبِرِّ وَطَاعَةِ اللهِ، فِي حَالِ أَنَّهُمْ يَنْسَوْنَ وَعْظَ أَنْفُسِهِمْ، وَحَمْلَهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُمْ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ المُنْزَلَ إِلَيْهِمْ، وَيَعْلَمُونَ مَا فِيهِ مِنْ عَقَابِ يَحِلُّ بِمَنْ يُقَصِّرُ فِي القِيَامِ بمَا أَمَرَ اللهُ. وَلكِنَّ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ مِنْهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ مِنَ الحَقِّ إِلاَّ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَلا يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ إِذَا عَارَضَ شَهَوَاتِهِمْ. البِرِّ - التَّوَسُّعِ فِي الطَّاعَاتِ.

стр. 52

﴿الصلاة﴾ ﴿الخاشعين﴾ (٤٥) - وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِعَانَةِ عَلَى أَدَاءِ التَّكَالِيفِ، وَمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، بِالصَّبْرِ عَلَى الفَرَائِضِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنِ المَعَاصِي، وَبِالصَّلاةِ، لَعَلَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَا يُؤمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَيُنَبِّهُهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ القِيَامَ بِهذِهِ الوَصِيَّةِ التِي يَطْلبُ مِنَ النَّاسِ الأَخْذَ بِهَا مِنْ صَبْرٍ وَصَلاةٍ. . . أَمْرٌ شَاقٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ، إِلاَّ النُّفُوسَ المُؤْمِنَةَ الخَاشِعَةَ المُسْتَكِينَةَ لِطَاعَةِ اللهِ، المُتَذَلِّلَةَ مِنْ مَخَافَتِهِ. إِنَّها لَكَبِيرَةٌ - إِنَّهَا لَشَاقَّةٌ صَعْبَةٌ. الخَاشِعِينَ - المُسْتَكِينِينَ للهِ.

стр. 53

﴿ملاقوا﴾ ﴿رَاجِعُونَ﴾ (٤٦) - وَهؤُلاءِ الخَاشِعُونَ، المُطْمَئِنَّةُ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ، يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّهُمْ سَيُحْشَرُونَ إَلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ سَيُعْرَضُونَ عَلَيهِ، وَأَنَّ أُمُورَهُمْ سَتَرْجِعُ إِلى مَشِيئَتِهِ لِيَحْكُمَ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ. وَإِنَّ إِيمَانَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ إِلى اللهِ هُوَ الذِي يُسهِّلُ عَلَيهِمْ طَاعَةَ اللهِ، وَتَرْكَ مُحَرَّمَاتِهِ. يَظُنُّونَ - يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ.

стр. 54

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿العالمين﴾ (٤٧) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (اليَهُودَ) الذِينَ كَانُوا فِي زَمَن الرَّسُولِ ﷺ بِمَا أَنْعَمَهُ اللهُ عَلَى آبائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَالأَفْضَالِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: لإِنَّهُ فَضَّلَهُمْ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهمْ إِذْ جَعَلَ فِيهِم النُّبُوَّةَ، وَمَعْرِفَةَ اللهِ تَعَالَى. العَالَمِينَ - النَّاسِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكُمْ.

стр. 55

﴿شَفَاعَةٌ﴾ (٤٨) - وَبَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعَالى بِنِعَمِهِ الكَثِيرَةِ عَلَيهِمْ، عَادَ فَحَذَّرَّهُمْ مِنْ طُولِ نِقَمِِهِ عَلَيهِمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ (وَاتَّقُوا يَوْماً) ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي لاَ يُغنِي فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً، وَلاَ يُقْبَلُ مِنَ الكَافِرِينَ شَفَاعَةٌ، وَلاَ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى. العَدْلُ - الفِدْيَةُ لأَنَّهَا تُعَأدِلُ المَفْدِيَّ قِيمَةً وَقَدْراً. النُّصْرَةُ - العَوْنُ لِدَفْعِ الضُّرِّ. لا تَجْزي - لاَ تُغْنِي وَلاَ تُؤدِّي.

стр. 56

﴿نَجَّيْنَاكُم﴾ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٤٩) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرائِيلَ بِنِعْمَتِهِ عَلَيهِمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (آلِ فِرْعَوْنَ) الذِينَ كَانُوا يُذِيقُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْوَأَ العَذَابِ جَزَاءَ مَا اقْقَرَفُوهُ مِنْ جَرَائِمَ وَآثَامٍ، إِذْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ كَانُوا في مِصْرَ، وَيَسْتَبْقُونَ البَنَاتِ مِنْهُمْ، زِيَادَةً فِي القَهْرِ وَالإِذْلاَلِ، وَإِنَّ هذا الذِي قَامَ بِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ مِنْ ذَبْحِ الأَبْنَاءِ، وَإِرْهَاقِ بَني إِسْرَائِيلَ بِشَأقِّ الأَعْمَالِ، إِنَّمَا هُوَ بَلاَءٌ عَظِيمٌ، وَشَرٌ كَبِيرٌ، ابْتَلَى اللهُ بِهِ اليَهُودَ. سَامَهُ العَذَابَ - أَذَاقَهُ العَذَابَ، وَأَوْلاَهُ إِيَّاهُ. يَسْتَحْيُونَ - يَسْتَبْقُونَ البَنَاتِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. بَلاَءٌ - امتِحَانٌ وَاخْتِبَارٌ.

стр. 57

﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (٥٠) - وَيُذَكِّرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ غَادَرُوا مِصْرَ بِصُحْبَةِ مُوسَى ﵇، تَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، وَكَادَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ البَحْرَ بِعَصَاهُ، فَانْفَلَقَ، وَمَرَّ مُوسَى وَقَوْمُهُ إِلى الجَانِبِ الآخَرِ، وَلَمَّا اتَّبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أَطْبَقَ اللهُ عَلَيهِمْ جَانِبَي البَحْرِ، فَأَغْرَقَهُمْ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يُشَاهدُونَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ الإلهِيَّةَ الخَارِقَةَ بِأَعْيُنِهِمْ. فَرَقْنَا - فَلَقْنَا وَشَقَقْنَا وَشَطَرْنَا.

стр. 58

﴿وَاعَدْنَا﴾ ﴿ظَالِمُونَ﴾ (٥١) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى تَذْكِيرَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ بِأَنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى آبائِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: اُذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِعَفْوِي عَنْكُمْ حِينَمَا عَبَدْتُمُ العِجْلَ. وَقَدْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمُ العِجْلَ بَعْدَ أَن اجْتَازُوا البَحْرَ هَرَباً مِنْ فِرْعَوْنَ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ رَبِّهِمْ، فَوَاعَدَهُ رَبُّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ التَّورَاةَ، وَعَيَّنَ لَهُ مِيقَأتاً لِذلِكَ، بَعْدَ أَنْ صَامَ ثَلاثِين لَيْلَةً، وَأَتَمَّهَا بِصِيامِ عَشرِ لَيَالٍ أُخَرَ، وَلَمَّا ذّهَبَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبَّهِ اسْتَبْطَأَهُ قُومُهُ، فَاتَّخَذُوا عِجْلاً مِنْ ذَهَبٍ جَعَلُوهُ لَهُمْ آِلهاً، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِإِشْرَاكِهِمْ، وَبِعِبَادَتِهِم العِجْلَ. اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ - جَعَلْتُمُوهُ إِلهاً مَعْبُوداً.

стр. 59

(٥٢) - ثُمَّ عَفَا اللهُ عَنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتُوبُونَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَالعَمَلِ بِأَوَامِرِهِ، وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَتَشْكُرُونَ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمْ.

стр. 60

﴿آتَيْنَا﴾ ﴿الكتاب﴾ (٥٣) - ثُمَّ يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ إِذْ أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى التَّورَاةَ والفُرقَانَ (وَالفُرْقَانُ هُنَا هُوَ الآيَاتُ التِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا مُوسَى لِلدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ، وَسُمِّيَتْ فُرْقَاناً لأَنَّهَا تَفْرِقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الهُدَى والضَّلاَلِ) ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِنُورِها إِلى طَرِيقِ اللهِ القَوِيمِ. وَكَانَ ذلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ، وَإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ. الفُرْقَانَ - الشَّرْعَ الفَارِقَ بَيْنَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ، أَوْ هُوَ الآيَاتُ التِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا مُوسَى.

стр. 61

﴿يَاقَوْمِ﴾ ﴿بَارِئِكُمْ﴾ (٥٤) - وَلَمَّا أَنْجَى اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَذَابِ فِرْعَوْنَ وَوَصَلوا إِلى سينَاءَ مَرُّوا بِقَوْمٍ هُنَاكَ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَوَقَعَتْ في نُفُوسِهِمْ عِبَادَةُ العِجْلِ، فَاتَّخَذُوا لأَنفُسِهِمْ عِجْلاً عَبَدُوهُ، فَلَمَّا عَادَ مُوسَى غَضِبَ لَمَّا رَآهُمْ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ يَا قَوْمُ ارْتَكَبْتُمْ ظُلْماً بِحَقِّ أَنْفُسِكُمْ إِذْ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ رَبّاً، فَتُوبُوا إِلى اللهِ الذِي خَلَقَكُمْ وَبَرَأَكُمْ. وَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ سَبِيلَ التَّوْبَةِ التِي تَكُونُ بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ، لأَنَّ القَتْلَ يُطَهِّرُ النُّفُوسَ مِنَ الرِّجْسِ الذِي دَنَّسُوا أَنْفُسَهُمْ بِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ أَهْلاً لِلتَّوْبَةِ. وَكَانَ ذلِكَ عَنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَذلِكَ بَأَنْ يَقْتلَ البَرِيءُ مِنْهُمُ المُذْنِبَ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَدَعَا مُوسَى وَهَارُونُ رَبَّهُمَا فَأَمَرَهُمْ بِالكَفِّ عَنِ القَتْلِ، وَتَابَ اللهُ عَلَيهِمْ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِهِمْ. فَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ هذِهِ القِصَّةَ لِبَني إِسْرَائِيلَ وَغَيرِهِمْ مِنَ العِظَاتِ. بَارِئِكُمْ - خَالِقِكُمْ وَمُبْدِعِكُمْ. فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ - فَلْيَقْتُلِ البَرِيءُ مِنْكُمُ المُذْنِبَ.

стр. 62

﴿ياموسى﴾ ﴿الصاعقة﴾ (٥٥) - وَيُتَابِعُ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ تَذْكِيرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِانْعَامِهِ عَلَيهِمْ فَيُذَكِّرُهُمْ بِإِحْيَأئِهِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ أَنْ صَعَقَهُمْ، حِينَما قَالُوا لِمُوسَى إِنَّهُمْ لَنْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ بِأَنَّ هذا كِتَابُ اللهِ، وَأَنَّ مُوسَى سَمِعَ كَلاَمَ رَبِّهِ حَتَّى يَرَوا اللهَ عِيَاناً، بِدُونَ سَاتِرٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ، فَصَعَقَهُمُ اللهُ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ بَلاءٍ سَاتِرٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ، فَصَعَقَهُمُ اللهُ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ بَلاءِ وَعَذَابٍ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلاً اخْتَارَهُمْ مُوسَى مِنْ قَومِهِ لِيَذْهَبُوا مَعَهُ إِلى مِيقَاتِ رَبِّهِ للاعْتِذَارِ إِليهِ عَنْ عِبَادَةِ قَوْمِهِم العِجْلَ. جَهْرَةً - عِيَاناً بَالبَصَرِ.

стр. 63

﴿بَعَثْنَاكُم﴾ (٥٦) - ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْيَاهُمْ بِدُعَاءِ مُوسَى ﵇، فَقَامُوا يَنْظُرُونَ كَيفَ يُحْييهِم اللهُ، وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ أَنْعُمِ اللهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ الله.

стр. 64

﴿طَيِّبَاتِ﴾ ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٥٧) - وَحِينَما وَصَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلى صَحْرَاءِ سِينَاءَ (التِّيهِ) كَانَ الحَرُّ شَدِيداً، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيهِمْ غُيُوماً بِيضاً (غَمَاماً) تُظَلِّلُهُمْ، وََقِيهم الحَرَّ والشَّمْسَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُم طَعَامٌ فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ، فَأَنْزَلَ عَلَيهِم المَنَّ (وَهُوَ مَادَّةٌ سُكَّرِيَّةٌ تَقَعُ عَلَى الأَشْجَارِ) فَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْدُونَ عَلَيهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَأَرْسَلَ إلَيهِمِ السَّلْوى وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانيَ، لَحْمُهُ لَذِيذُ الطَّعْمِ، فَصَارُوا يَأَكُلُونَ مِنْهُ، وَقَالَ اللهُ لَهُمْ: إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُمُ الأَكْلَ مِنَ المَنِّ وَالسَّلْوَى، وَهُمَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ التِي رَزَقَهُمْ إِيَّاهَا فَلْيَأْكُلُوا مَا شَاؤُوا وَلْيَعْبُدُوا اللهَ. وَلكِنَّهُمْ خَالَفُوا عَنْ أَمْرِ اللهٍ، فَكَفَرُوا تِلْكَ النِّعَمَ الجَزِيلَةَ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ بِعَمَلِهِمْ هذا لا يُسِيئُونَ إِلى اللهِ، وَإِنَّما يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيُسِيئُونَ إِلَيها لأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ. الغَمَامَ - الغُيُومَ البِيضَ. المَنَّ - مَادَّةً صِمْغِيَّةً حُلْوَةً. السَّلْوى - طَائِرَ السُّمَانيَ.

стр. 65

﴿خَطَايَاكُمْ﴾ (٥٨) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالجِهَادِ مَعَ مُوسَى لِدُخُولِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ مِصْرَ، وَقِتَالِ أَهْلِهَا العَمَالِيقِ الكَفَرَةِ فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا، فَرَمَاهُمُ اللهُ في صَحْرَاءِ التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً لَهُمْ، وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِنَ التِّيهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ مَاتَ، وَدَخَلَ بِهِمْ إِحْدَى مُدُنِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنْ يَدْخُلُوا بَابَ البَلَدِ رُكَّعاً شُكْراً للهِ، وَبِأَنْ يَقُولُوا (حِطَّةٌ) (أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، وَاغْفِرْ لَنَا) فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ بِإِخْلاَصٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ، فَإِنَّ اللهَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ دُعَأءَهُمْ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ ذُنُوبّهُمْ، وَيُضَاعِفُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ. رَغَداً - أَكْلاً هَنِيئاً لاَ عَنَاءَ فِيهِ. قُولُوا حِطَّةٌ - اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَحُطَّ عَنَّا.

стр. 66

(٥٩) - فَلَمْ يَدْخُلِ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم البَلَدَ خَاشِعِينَ سُجَّداً للهِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، بَلْ دَخَلُوهُ زَاحِفِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ (أَيْ أَدْبَارِهِمْ) وَبَدَّلُوا قَوْلَ اللهِ اسْتِهْزاءً وَتَمَرُّداً، فَقَالُوا (حِنْطَةٌ) بَدَل (حِطَّةٍ) ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ. الفِسْقُ - الخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ. بَدَّلَ قَوْلاً غَيْرَ الذِي قِيلَ لَهُ - جَاءَ بِذلِكَ القَوْلِ مَكَانَ القَوْلِ الأوَّلِ. رِجْزاً - عَذَاباً.

стр. 67

(٦٠) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا امْتَنَّهُ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ إِذْ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةْ مُوسَى ﵇، حِينَ اسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ المَاءَ وَهُمُ عِطَاشٌ فِي صَحْرَاءِ التِّيهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلْيهِ أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ حَجَراً مِنْ أَحْجَارِ الصَّحْرَاءِ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيْنٌ، عَرَفَها وَأَخَذَ يَشْرَبُ مِنْهَا، مَنْعاً لِلتَّزَاحُمِ والتَّنَافُسِ بَيْنَهُمْ عَلَى وُرُودِ المَاءِ. فَصَارَ بَنُو إِسرائِيلَ يَأْكُلُونَ مِنَ المَنِّ وَالسَّلْوَى وَيَشْرَبُونَ مِنَ المَاءِ. وَأَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ لاَ يُقَابِلُوا هذِهِ النِّعَمَ بِالجُحُودِ وَالعِصْيَانِ وَالإِسْرَافِ في الإِفسادِ. السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ. اسْتَسْقَى - طَلَبَ السُّقْيا عِنْدَ عَدَمِ تَوَفُّرِ المَاءِ. العُثِيُّ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي كُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الفَسَادِ. فَانْفَجَرَتْ - فَانْشَقَّتْ وَسَالَتْ بِكَثْرَةٍ.

стр. 68

﴿ياموسى﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ ﴿وَقِثَّآئِهَا﴾ ﴿وَبَآءُو﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿النبيين﴾ (٦١) - يُذَكِّر اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، بَنِي إِسْرَائِيلَ بِضَجَرِهِمْ مِنَ الرِّزْقِ الكَرِيمِ الذِي مَنَّ بِهِ عَلَيهِمْ إَذْ أَنْزَلَ عَلَيهِم المَنَّ وَالَّلْوَى، وَفَجَّرَ لَهُمُ المَاءَ، فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أن يَدعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِمَّا تُنْبِتُ الأَرضُ مِنَ الثُّومِ والبَصَلِ وَالبقُولِ والعَدَسِ، وَمَا ألِفُوا العَيْشَ عَلَيهِ حِينَما كَانُوا فِي مَصْرَ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى مُقَرِّعاً وَمُوَبِّخاً، وَمُسْتَنْكِراً سُؤَالَهُم الأَطْعِمَةَ الدَّنِيئَةَ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ العَيْشِ الرَّغِيدِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذِي هُوَ أَدْنَى (العَدَسَ وَالبَصَلَ والثُّومَ وَالفومَ. .) بِالذي هُوَ خَيْرٌ (المَنُّ وَالسَّلْوَى) ؟ . ثُمَّ قَالَ لَهُم ادْخُلُوا مِصْراً مِنَ الأَمْصَارِ (أَي ادْخُلُوا أَيَّ بَلَدٍ مِنَ البُلْدَانِ) فَإِنَّكُمْ وَأجِدُونَ فِيهِ مَا سَأَلْتُمْ، وَهُوَ لاَ يَسْتَحِقّ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ فِيهِ. وَقَدْ عَأقَبَهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى كُفْرَانِهِمْ تِلْكَ النِّعَمَ بِأَنْ ضَرَبَ عَلَيهِم الذِّلَّةَ التِي يَهُونُ مَعَها عَلَى النُّفُوسِ قَبُولُ الضَّيْمِ وَالاسْتِكَأنَةِ، فَأَصْبَحَ يَسْتَذِلُّهُمْ كُلُّ مَنْ رَآهُمْ، فَلاَ مُنْقِذَ لَهُمْ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ غَضَبَ اللهِ. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ مَا قَضَى اللهُ بِهِ عَلَيهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ أَنَّهُمْ كَأنُوا يَكْفُرونَ بِآيَأتِ اللهِ، وَوَصَلَ بِهِمْ كُفرهُمْ إِلى حَدِّ قَتْلِ أَنْبِياءِ اللهِ ظُلْماَ وَعُدْواناً، فَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ إِثْماً. ثُمَّ إِ، َّهُمْ عَصَوا اللهَ وَارْكَبُوا مَأ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَتَجَاوَزُوا الحُدُودَ التِي أَبَاحَهَا اللهُ. الاسْتِبدَالُ - طَلَبُ شَيءٍ بَدَلاً مِنْ شَيءٍ. ضُرِبَتْ عَلَيهِ/ - أَحَاطَتْ بِهِمْ كَمَا تحِيطُ الخَيْمَةُ بِمَنْ تُضْرَبُ عَلَيهِ. بَاؤوا بِغَضَبٍ - اسْتَحَقُّوا الغَضَبَ أَوْ رَجَعُوا بِهِ. المَسْكَنَةُ - الفَقْرُ، أَيْ فَقْرُ النُّفُوسِ وَشُحُّهَا. الاعْتِدَاءُ - تَجَأوُزُ الحُدُودِ. الفُومُ - الحِنْطَةُ أَوِ الثُّومُ.

стр. 69

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿والنصارى﴾ ﴿والصابئين﴾ ﴿آمَنَ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ (٦٢) - (هذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بالآية ٩٥ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ) يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى، أَنَّ أَهْلَ المِلَلِ السَّابِقَةِ لاَ يُضَيِّعُ اللهُ إِيمَانَهُمْ، وَلا يَبْخَسُهُمْ ثَوابَ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَيَسْتَ/ِرُّ ذّلِكَ جَائِزاً حَتَّى ظُهُورِ النَّبِيِّ الذِي يَلي نَبِيَّهُمْ. فَاليَهُودُ الذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لاَ يُبْخَسُونَ ثَوَابَ أَعْمَالِهِم الخَيِّرَةِ حَتَّى بُعِثَ عِيسَى، ﵇. والنَّصَارَى الذِينَ أَحْسَنُوا العَمَلَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَالمَفْرُوضُ أَنْ يُؤْمِنَ أَتْبَاعُ الدِّينِ السَّابِقِ بِالنَّبِيِّ الجَدِيدِ (الذِينَ عَاصَرُوهُ وَالذِينَ جَاؤُوا بَعْدَهُ) . الصَّابِئُونَ - أُناسٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ. وقِيلَ إْنَّ اللَّفْظَةَ تُطْلَقُ أيضاً عَلَى مَنْ يُقَدِّسُونَ المَلائِكَةَ.

стр. 70

﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ ﴿ءاتيناكم﴾ (٦٣) - يُذَكِّر اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَخَذَهُ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ مِنَ العُهُودِ وَالمَواثِيقِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِأَنْ يَتَّبِعُوا رُسُلَهُ. وَأَخْبَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَلَى أَسْلاًفِهِم المِيثَاقَ رَفَعَ جَبَلَ الطُّورِ فَوْقَهُمْ تَرعِيباً لَهُمْ وَتَهْدِيداً، لِيُقِرُّوا بِمَا عُوهِدُوا عَلَيهِ، وَلِيأْخُذُوا بِهِ بِقُوَّةٍ وَحَزْمِ وَامْتِثَالٍ، كَمَا أَمَرَ اللهُ. وَقالَ لَهُمْ: اذْكُرُوا مَا فِي التَّورَاةِ مِنْ أَحْكَامٍ وَتَعَالِيمَ وَحَثَّ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَدَارُسِهَا وَالعَمَلِ بِهِا، لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ مِ، َ المُتَّقِينَ. مِيثَاقَكُمْ - العَهْدَ عَلَيْكُمْ بِالعَمَلِ بِمَا فِي التَّورَاةِ.

стр. 71

﴿الخاسرين﴾ (٦٤) - وَيُقَرِّعُهُمُ اللهً، جَلَّ شَأْنُهُ، عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِ، َّهُم تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، رَغْمَ جَمِيعِ مَا رَأَوْهُ مِ، ْ آيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَرَغْمَ مَا أَخَذَهُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنْ مِيثَاقٍ عَظِيمٍ، فَلَوْلا لُطْفُ اللهِ بِهِمْ، وَإِمْهَالُهُ إِيَّاهُمْ، وَتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ، وإِرْسَالُهُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ إِلَيهِمْ، لَكَانُوا مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةٍ، بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ ذلِكَ المِيثَاقَ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي المَعَاصِي. الخُسْرَانُ - هُوَ ضِيَاعُ رَأْسِ المَالِ كُلاً أَوْ بَعْضاً. التَّوَلِّي - الرُّجُوعُ إِلى الوَرَاءِ.

стр. 72

﴿خَاسِئِينَ﴾ (٦٥) - ويُذَكِّرهُمُ اللهُ بِمَا عَلِمُوهُ مِن، ْ أَمْرِ أَهْلِ القَرْيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ. وَكَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَيهِم المِيثَاقَ بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ يَومِ السَّبْتِ، والقِيَامِ فِيهِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، فَخَرَقُوا حُرْمَةَ السَّبْتِ بِاحْتِيالِهِمْ عَلَى صَيْدِ الحِيتَانِ، إِذْ كَانُوا يَنْصُبُونَ لَهَا الشِّبَاكَ والحَبَائِلَ قَبْلَ دُخُولِ السَّبْتِ، وَفي ظَنِّهِمْ أَنَّ، مِثْلَ هذَا التَّحَايلِ يُمْكِنُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى اللهِ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ عِقَاباً عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللهِ. وَتَجَاوُزِهِمْ حُدُودَ مَا أَمَرَ. وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ إِنَّ اللهَ لَمْ يَمْسَخْ صُورَهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ حَقِيقَةً، وَإِنِّمَا مَسَخَ قُلُوبَهُمْ فَجَعَلَهَا كَقُلُوبِ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرِ فِي شَهَوَاتِهَا بَعِيدِينَ عَنِ الفَضَائِلِ الإِنْسَانِيَّةِ يَأْتُونَ المُنْكَرَاتِ جِهَاراً وَعِياناً بِباَ حَيَاءٍ وَلاَ خَجَلٍ. (وَيَرَى الإِمَامُ مُحَمَّدٌ عَبْدُه أَنَّ سُنَّةَ اللهِ في خَلْقِهِ لَمْ تَجْرِ بِمَسْخِ كُلِّ عَاصٍ، وَبِإْخْرَاجِهِ عَنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، وَالعِبْرَةُ الكُبْرَى تَكْمُنُ فِي العِلْمِ بِأَنَّ مَنْ يَفْسُقُ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَيَتَنَكَّبُ الصِّرَاطَ الذِي شَرَعَهُ، يَنْزِلُ بِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الإِنْسَانِ إِلَى مَرْتَبَةِ العَجْمَاوَاتِ.

стр. 73

﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ ﴿نَكَالاً﴾ فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ العُقُوبَةَ نَكَالاً لَهُمْ، وَعِبْرَةً لِغَيرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ المَقْصُودَ بِضَمِيرِ (فَجَعَلْنَاهَا) هُوَ القَرْيَةُ أَيْ فَجَعَلَ اللهُ العُقُوبَةَ التِي أَنْزَلَهَا بِهذِهِ القَرْيَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ القُرَى. وَكَانَتْ هذِهِ العُقُوبَةُ عِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ سَيَأْتُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لِيَتَّقُوا نَقْمَةَ اللهِ، وَلْيَحْذَرُوا مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُهَا، إِذا اعْتَدَوْا وَتَجَاوَزُوا حُدُودَ شَرْعِ اللهِ. نَكَالاً - أَيْ ينْكُلُ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا وَيَمْتَنِعُ عَنْ إِتْيَانِ مِثْلِها.

стр. 74

﴿الجاهلين﴾ (٦٧) - كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائيِلَ رَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَكَانَ وَارِثَهُ الَوحِيدَ ابْنُ أَخِيهِ، فَاسْتَعْجَلَ ابْنُ الأَخِ المِيرَاثَ. وَقَتَلَ عَمَّهُ، ثُمَّ حَمَلَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى بَابِ رَجُل مِنْهُمْ. وَادَّعَى عَلَى صَاحِبِ البَيْتِ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، وَتَسَلَّحَ النَّاسُ، وَتَثَاوَرُوا حَتَّى كَادَ الشَّرُّ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ. فَدَعَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ فِيهِمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلى مُوسَى يَسْأَلُونَهُ الرَّأْيَ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. فَقَالُوا لَهُ: أَتَسْخَرُ مِنَّا، وَتَتَّخِذُنا مَوْضِعاً لِلْهٌزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ؟ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ الذِينَ يَسْخَرُونَ مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَأْمُرُونَ بِشَيءٍ لاَ فَائِدَةَ مِنْهُ. الهُزْءُ - السُّخْرِيَةُ. عَاذَ - اعْتَصَمَ وَلاَذَ. الجَهْلً - فِعْلُ مَا لاَ يَنْبَغِي.

стр. 75

(٦٨) - وَفِي هذِهِ الآيَةِ وَالآيَاتِ التَّالِيَاتِ يُبيِّنُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَدَى تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ، فَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قَالُوا لَهُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ هذِهِ البَقَرَةنُ، وَأيُّ شَيءٍ وَصْفُها؟ فَقَالَ لَهمْ مُوسَى، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها (فَارِضٌ) ، وَلاَ صَغِيرَةٌ لَمْ يَلْحًقْها الفَحْلُ بَعْدُ، وَإِ، َّما هِيَ نَصَفٌ بَيْنَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ (عَوانٌ) ، فَهذِهِ تَكُونُ أَحْسَنَ الدَّوَابَِ وَأَقْوَاهَا، فَاذْبَحُوها وَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمُ اللهُ. الفَارِضُ - المُسِنَّةُ التِي انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها. البِكْرُ - الصَّغِيرَةُ التِي لَمْ تَحْمِلْ بَعْدُ. العَوَانُ - النَّصَفُ أَيْ لَيْسَتْ بِالصَّغِيرَةٍ وَلا الكَبِيرَةِ.
следующие страницы →