Полный текст (6 113 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
﴿المنافقين﴾
(١٣٨) - عَدَّ اللهُ تَعَالَى المُنْافِقِينَ مِنْ هَذَا الصَّنْفِ المُتَرَدِّدِ مِنَ النَّاسِ، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَقَدْ بَشَرَّهُمُ اللهُ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الآخِرَةِ.
(وَالبشَارَةُ تُسْتَعْمَلُ عَادَةً فِي الأَخْبَارِ السَّارَّةِ، فَاسْتِعْمَالُهَا هُنْا فِي الأَخْبَارِ السَّيِّئَةِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ وَالتَّوِبِيخِ)
стр. 632
﴿الكافرين﴾
(١٣٩) - ثُمَّ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ بِأنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ المُعَادِينَ للإِيمَانِ وَالمُؤْمِنِينَ، أَوْليَاءَ لَهُمْ يُلْقُونَ إليهِمْ بِالمَوَدَّةِ. وَيُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هَذا المَسْلَكَ فِي مُوَالاَةِ الكَافِرِينَ. وَيَسْأَلُ اللهُ مُسْتَنْكِراً: هَلْ يَبْتَغِي هَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ العِزَّةَ وَالغَلَبَةَ وَالمَنَعَةَ عِنْدَ الكَافِرِينَ؟ ثُمَّ يُنَبِّهُهُمْ إلَى أنَّ العِزَّةَ كُلَّها للهِ وَحْدَهُ، وَلا شَرِيكَ لَهُ فِيها، ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ لِمَنْ جَعَلَهَا اللهُ لَهُ. ثُمَّ يَحُثُّهُمُ اللهُ عَلى الإِقْبَالِ عَلَى إِعْلاَنِ عُبُودِيَّتِهِم للهِ وَحْدَهُ، وَالانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ لَهُمُ النَّصْرُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَلَهُمُ الفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
العِزَّةَ - المَنَعَةَ وَالقُوَّةَ وَالنُّصْرَةَ.
стр. 633
﴿الكتاب﴾ ﴿آيَاتِ﴾ ﴿المنافقين﴾ ﴿والكافرين﴾
(١٤٠) - كَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَجْلِسُونَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَهُمْ يَخُوضُونَ فِي الكُفْرِ وَذَمِّ الإِسْلاَمِ، وَالاسْتِهْزَاءِ بِالقُرْآنِ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ الإِنْكَارَ عَلَيهِمْ لِضَعْفِهِمْ، وَلِقُوَّةِ المُشْرِكِينَ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ فِي القُرْآنِ أَمْراً إلى جَمِيعِ مَنْ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، أنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا أنَاسَاً يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ، أَوْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا فَعَلَيهِمْ ألاَّ يَقْعُدُوا مَعَهُمْ إلى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ هَذَا المُنْكَرِ، وَيَأْخُذُوا فِي حُدِيثٍ آخَرَ، وَأنَّ المُؤْمِنِينَ إذَا قَعَدُوا مَعَ مَنْ يَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِ اللهِ، وَيَكْفُرُونَ بِاللهِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَكَمَا أَشْرَكُوهُمْ فِي الكُفْرِ، كَذَلِكَ يُشْرِكُهُمْ اللهُ مَعَهُمْ فِي الخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَبَداً، وَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ العُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ.
стр. 634
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿القيامة﴾
(١٤١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ دَوَائِرَ السَّوْءِ، وَيَنْتَظِرُونَ زَوَالَ دَوْلَةِ الإِسْلاَمِ، وَظُهُورَ الكُفْرِ عَلَيهِمْ، وَذَهَابَ مِلَّتِهِمْ. فَإذَا نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ، وَفَتَحَ عَلَيهِم، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى الغَنَائِمِ، قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَوَدِّدِينَ إِلَيْهِمْ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَإذاً فَنَحْنُ نَسْتَحِقُّ نَصِيباً مِنَ المَغْنَمِ الذِي حُزْتُمُوهُ. وَإذَا كَانَ النَّصْرُ وَالغَلَبَةُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ كَمَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، قَالُوا لِلْكَافِرِينَ المُنْتَصِرِينَ: أَلَمْ نُسَاعِدْكُمْ فِي البَاطِنِ وَنَحْمِكُمْ، وَنُخَذِّلِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيهِم (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) ؟ فَاعْرِفُوا لَنَا هَذَا الفَضْلَ، وَأَعْطُونَا نَصِيباً مِمَّا أَصَبْتُمْ مِنَ المَغْنَمِ.
وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ بِأَنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ حِسَاباً عَسِيراً عَلَى بَوَاطِنِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَنْ يَنْفَعَهُمْ تَظَاهُرُهُمْ بِالإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ وَنِفَاقُهُمْ، وَأنَّهُ سَيَحْكُمُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، الذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وَيُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، وَيُجَازِي كُلا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. وَيَقُولُ تُعُالَى: إنَّهُ لَنْ يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سُلْطَاناً وَسَبِيلاً فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، قَائِمِينَ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَإنْ حَقَّقَ الكَافِرُونَ بَعْضَ الظَّفرِ، فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَالعَاقِبَةُ لِلْحَقِّ دَائِماً، وَالبَاطِلُ إلى زَوَالٍ. كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَنْ يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ سُلْطَاناً عَلَى المُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ.
يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ - يَنْتَظِرُونَ بِكُمْ مَا يَحْدُثُ لَكُمْ.
فَتْحٌ - نَصْرٌ وَظَفْرٌ وَغَنِيمَةٌ.
أَلْمَ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ - أَلَمْ نَغْلِبْكُمْ فَأبْقَيْنَا عَلَيْكُمْ.
стр. 635
﴿المنافقين﴾ ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ﴿خَادِعُهُمْ﴾ ﴿الصلاة﴾
(١٤٢) - يَعْتَقِدُ المُنَافِقُونَ، جَهْلاً مِنْهُمْ وَسَفْهاً، أنَّ أُمُورَهُمْ رَاجَتْ عِنْدَ النَّاسِ لِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُمْ مِنَ الإِيمَانِ وَأَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وَأنَّ نِفَقاَهُمْ سَيَرُوجُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَيْضاً، كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدَ جَهَلَ هَؤُلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَسْلَكِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ، وَهُوَ يَخْدَعُهُمْ إذْ يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ، وَضَلاَلِهِمْ، وَيَخْدَعُهُمْ عَنِ الحَقِّ وَالوُصُولِ إلَيْهِ، فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ خِدَاعَهُ تَعَالَى لَهُمْ هُوَ أنْ يُعْطِيَهُمْ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَإِذا وَصَلُوا إلى الصِّرَاطِ انْطَفَأ نُورُهُمْ وَبَقُوا فِي ظُلْمَةٍ) .
وَمِنْ صِفَةِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ حَتَّى فِي الصَّلاَةِ، التِي هِيَ أَعْظَمُ الفَرَائِضِ وَالقُرُبَاتِ إلَى اللهِ، لا يُؤَدُّونَها إلا وَهُمْ كُسَالَى، لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِيهَا، لأَنَّهُمْ لا نِيَّةَ لَهُمْ وَلا إِيمَانَ لَهُمْ، وَلاَ يَفْقَهُونَ مَعْنَى الصَّلاَةِ، وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلاَةِ أَمَامَ النَّاسِ، تَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً، وَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ لاَهُونَ لاَ يَخْشَعُونَ، وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلاً.
стр. 636
(١٤٣) - المُنَافِقُونَ مُحَيَّرُونَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَبَيْنَ الكُفْرِ، فَلاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَلاَ هُمْ مَعَ الكَافِرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ، فَتَارَةً يَمِيلُ إلَى هَؤُلاَءِ، وَتَارَةً يَمِيلُ إلَى أُوْلَئِكَ. وَمَنْ صَرَفَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مُنْقِذاً وَلاَ مُرْشِداً، فَإِنَّهُ تَعَالَى لاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ يَسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
مُذَبْذَبِينَ - مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ.
стр. 637
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الكافرين﴾ ﴿سُلْطَاناً﴾
(١٤٤) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتَخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ، يُصَاحِبُونَهُمْ وَيُصَادِقُونَهُمْ، وَيُنَاصِحُونَهُمْ، وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ أَحْوَالَ المُؤْمِنِينَ البَاطِنَةَ.
وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ جَعَلُوا للهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةً بَيِّنَةً وَعُذْراً فِي عُقُوبَتِهِ إِيّاهُمْ. (وَالمُرَادُ هُنَا النُّصْرَةُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرُ المُسْلِمِينَ) .
سُلْطَاناً - حُجَّةً وَسَبَباً لِلْعُقُوبَةِ.
стр. 638
﴿المنافقين﴾
(١٤٥) - يَقُولُ تَعَالَى إنَّ المُنَافِقِينَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي أَسْفَلِ طَبَقَاتِ (دَرَكَاتِ) نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَنْ يَنْصُرَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ.
الدَّرْكِ - الطَّبَقَةِ تَكُونُ أَسْفَلَ مِنَ الأُخْرَى. وَالنَّارُ سَبْعُ دَرَكَاتٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهَا مُتَدَارِكَةٌ مُتَتَابِعَةٌ.
стр. 639
﴿فأولئك﴾
(١٤٦) - أمَّا الذِينَ يَتُوبُونَ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَيُقْلِعُونَ عَنِ النِّفَاقِ وَالكُفْرِ، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُمْ وَعَمَلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وَسَيَنَالُهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ الذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ.
стр. 640
﴿وَآمَنْتُمْ﴾
(١٤٧) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ انْتِقَاماً مِنْهُ، وَلاَ طَلَباً لِنَفْعٍ، وَلاَ دَفْعاً لِضَرَرٍ، لأنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالنَّاسِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِأَنْعُمِ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ قَدْ أَنْعَمُ عَلَيْهِمْ، بِالعَقْلِ وَالحَوَاسِّ وَالوِجْدَانِ، لَكِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً لِلاهْتِدَاءِ بِهَا إلَى وُجُودِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَلَوُ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَشَكَرُوا لَطَهُرَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَظَهَرَتْ آثَارُ ذَلِكَ فِي عُقُولِهِمْ، وَسَائِرِ أَعْمَالِهِمْ، التِي تُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ رِضْوَانَ اللهِ. وَاللهُ يَجْعَلُ ثَوَابَ المُؤْمِنِينَ الشَّاكِرِينَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِهِمْ، وَيُنِيلُهُمْ مِنَ الدَّرَجَاتِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ، جَزَاءَ شُكْرِهِمْ وَإيمَانِهِمْ.
стр. 641
(١٤٨) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ، وَلاَ يَرْضَى لَهُمْ، أنْ يَجْهَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِذِكِر العُيُوبِ، وَالسَّيِّئَاتِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ (وَأَقَلَّهَا أَنَّهُ يَضْعُفُ فِي النَّفْسِ اسْتِقَبَاحُهُ وَاسْتِبْشَاعُهُ خُصُوصاً إذَا تَكَرَّرَ سَمَاعُهُ) ، كَمَا أنَّهُ لاَ يُحِبُّ الإِسْرَارَ بِالسُّوءِ، إذْ أنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنِ النَّجْوى بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَّةِ الرَّسُولِ. وَلَكِنَّ مَنْ ظَلَمَهُ ظَالِمٌ فَلَهُ أنْ يَجْهَرَ بِالشَّكْوَى مِمَنْ ظَلَمَهُ، وَأَنْ يَشْرَحَ ظُلاَمَتَهُ لِحَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، مَنْ تُرْجَى نَجْدَتُهُمْ، وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى إِزَالَةِ هَذا الظُّلْمِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلاَ إِثْمَ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحْبُ لِعِبَادِهِ أَنْ يَسْكُتُوا عَلَى الظُّلْمِ، وَلا أنْ يَخْضَعُوا لِلضَّيْمِ، وَالسُّكُوتِ عَلَى الضَّيْمِ وَالظُّلْمِ أعْظَمُ مِنَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ، لِذَلِكَ جَازَتِ الشَّكْوَى مِنَ الظُّلْمِ.
وَاللهُ سَمِيعٌ لِمَنْ دَعَاهُ، فَلاَ يَفُوتُهُ قَوْلٌ مِنْ أقْوَالِ مَنْ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِالبَوَاعِثِ التِي أَدَّتْ إليهِ.
стр. 642
(١٤٩) - إنْ عَمِلْتُمْ خَيْراً فِي الجَهْرِ أَوْ فِي السِّرِّ، أَوْ عَفَوْتُمْ عَمَّنْ أَسَاءَ إلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللهِ، وَيُجْزِلَ ثَوَابَكُمْ لَدَيْهِ، فَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِكُمْ، لأنَّهُ تَعَالَى يَجْزِي العِبَادَ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالِهِمْ. وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى الصَّفْحَ عَنْ عِبَادِهِ، مَعْ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ:
" مَا نَقُصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلاَّ عِزّاً، وَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ ".
стр. 643
(١٥٠) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ بِهِ، وَالكَافِرِينَ بِرُسُلِهِ جَمِيعاً بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّاتِ، وَيَزْعُمُونَ أنَّ مَا أتَى بِهِ الأَنْبِياءُ، مِنَ الهُدَى وَالشَّرَائِعِ، هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، لاَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا يَتَوعَّدُ اللهُ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ، الكَافِرِينَ بِبَعْضِ رُسُلِهِ أَوْ أَحَدِهِمْ، كَاليَهُودِ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ وَعِيسَى، وَالنَّصَارَى الذِينَ يَكْفُرُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ إنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الهَوَى وَالعَادَةِ، وَلأنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَيهِ، وَلاَ دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ طَرِيقاً وَسَطاً، وَمَسْلَكاً (سَبِيلاً) .
стр. 644
﴿أولئك﴾ ﴿الكافرون﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٥١) - يَقُولُ تَعَالَى إنَّ هَؤُلاءِ الذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ رُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، هُمُ الكَافِرُونَ المُمْعِنُونَ فِي الكُفْرِ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً، عِقَاباً لَهُمْ عَلَى اسْتِهَانَتِهِمْ بِأوَامِرِ رَبِّهِمْ.
стр. 645
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أولئك﴾
(١٥٢) - وَالذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَآمَنُوا بِجَمِيعِ رُسُلِهِ (وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لأنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ) ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ رَبُّهُمْ أُجُورَهُمْ بِحَسَبِ حَالِهِمْ فِي العَمَلِ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَى إيمَانِهِمْ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى غَفُورٌ يَغْفِرُ هَفَوَاتِ مَنْ صَحَّ إيمَانُهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِرَبِهِ أَحَداً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ رُسُلِهِ، وَهُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ يَرْحَمُ مَنْ يُعَامِلُهُ بِالإِحْسَانِ، وَيُضَاعِفُ لَهُ الحَسَنَاتِ، وَيَزِيدُهُ تَفَضُّلاً مِنْهُ.
стр. 646
﴿يَسْأَلُكَ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿كِتَاباً﴾ ﴿الصاعقة﴾ ﴿البينات﴾ ﴿وَآتَيْنَا﴾ ﴿سُلْطَاناً﴾
(١٥٣) - سَأَلَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالتَّعْجِيزِ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِم كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ مَكْتُوباَ بِخَطٍّ سَمَاويٍّ، يَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ، كَمَا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَكْتُوبَةً. وَسَأَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَنْ يُفَجِّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً، وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ : لاَ تَعْجَبْ مِنْ سُؤَالِهِمْ هَذا، فَإِنَّ اليَهُودَ، مِنْ أَسْلاَفِهِمْ، قَدْ سَأَلُوا مُوسَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً وَعَيَاناً، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِإِنْزَالِ الصَّاعِقَةِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ طُغْيَانِهِمْ، وَبَغْيِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَلأَنَّهُمْ سَألُوا مُوسَى تَعَنُّتاً، وَبَعْدَ أَنْ رَأَوا مِنْ آيَاتِ اللهِ البَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى فِي مِصْرَ، مِنْ إِهْلاَكِ فِرْعَونَ وَجُنُودِهِ فِي البَحْرِ. ثُمَّ عَبَدُوا العِجْلَ حِينَما كَانَ مُوسَى يُنَاجِي رَبَّهُ، ثُمَّ أَعْطَى اللهُ مُوسَى سُلَطَةً ظَاهِرَةً عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخْضَعَهُمْ لِسُلْطَانِهِ، مَعَ مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ تَمَرُّدٍ وَعِنَادٍ. فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِأنْ يَقْتُلَ البَرِيءُ مِنْهُمُ المُذْنِبَ فَعَلُوا.
جَهْرَةً - عِيَاناً بِالبَصَرِ.
الصَّاعِقَةُ - نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ صَيْحَةُ مِنْها.
стр. 647
﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ ﴿مِّيثَاقاً﴾
(١٥٤) - ثُمَّ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَمَا جَاءَ فِيهَا، فَظَهَرَ مِنْهُمْ إبَاءٌ وَتَمَرَّدَ عَلَى مُوسَى، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَرَفَعَ اللهُ فَوْقَهُمْ جَبَلَ الطُّورِ، وَهَدَّدَهُمْ بِإسْقَاطِهِ عَلَيْهِمْ، إنْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِهَا، فَخَافُوا وَقَبِلُوا العَمَلَ بِهَا. ثُمَّ أَمَرَهُمُ اللهُ بِأنْ يَدْخُلُوا بَابَ أَوَّلِ مَدِينَةٍ احْتَلُّوهَا فِي الأَرْضِ سُجَّداً للهِ شُكْراً لَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ (أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا وَذُنُوبَنَا) فَدَخَلُوهُ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ (أَدْبَارِهِمْ) وَهُمْ يَقُولُونَ: (حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ) .
وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ السَّبْتِ، وَحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، فَاحْتَالُوا فِيهِ لِصَيْدِ الحِيتَانِ، عَنْ طَرِيقِ نَصْبِ الشِّبَاكِ لَهَا قَبْلَ حُلُولِ السَّبْتِ، وَجَمْعِهَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ.
وَأَخَذَ اللهُ مِنْهُمْ عَهْداً مُؤَكَّداً (مِيثَاقاً غَلِيظاً) لَيَأْخُذُنَّ بِأحْكَامِ التَّوْرَاةِ بِقُوَّةٍ، وَلَيُقِيمُنَّ حُدُودَ اللهِ، وَلا يَتَجَاوَزُهَّا، فَخَالَفُوا وَعَصَوْا، وَارْتَكَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ، عَنْ طَرِيقِ الحِيلَةِ وَالخِدَاعِ.
لاَ تَعْدُوا - لاَ تَعْتَدُوا بِصَيْدِ الحِيتَانِ.
مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً مُؤَكَّداً.
стр. 648
﴿مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿بَآيَاتِ﴾
(١٥٥) - فَبِسَبَبِ نَقْضِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ لِلْمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَهُمُ اللهُ بِهِ، (إذْ أحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ، وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللهُ) . وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بَآيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ، وَبِسَبَبِ قَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ ظُلْماً وَعُدْوَاناً وَاجْتِرَاءً عَلَى مَحَارِمِ اللهِ، وَبِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنَا مُغَلَّفَةٌ بِغِطَاءٍ لاَ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ وُصُولُ العِلْمِ وَالهُدى إليها (غُلفٌ) . . . فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالتَّجَاوُزِ عَلَى أَوَامِرِ اللهِ وَحُدُودِهِ وَشَرْعِهِ، فَعَلَ اللهُ بِهِمْ مَا فَعَلَ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ لَيْسَتْ مُغَلَّفةً، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَيْهَا بِالكُفْرِ، فَلاَ يَصِلُ إليها إلاَّ قَلِيلٌ مِنَ الإِيمَانِ (أَوْ إنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلُونَ) .
قُلُوبُنَا غُلْفٌ - مُغَطَّاةٌ بِأَغْطِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ فَلا تَعِي.
طَبَعَ اللهُ عَلَيهَا - خَتَمَ عَلَيْهَا فَحَجَبَهَا عَنِ العِلْمِ.
стр. 649
﴿بُهْتَاناً﴾
(١٥٦) - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِمْ غَضَبَهُ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَرِسَالَتِهِ، وَرَمْيِهِمْ أمَّهُ الطَّاهِرَةُ البَتُولَ بِالبُهْتَانِ وَالكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ.
بُهْتَاناً عَظِيماً - كَذِباً وَبَاطِلاً فَاحِشاً.
стр. 650
(١٥٧) - وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لأَنَّهُمْ قَالُوا سَاخِرِينَ مُسْتَهْزِئِينَ: إِنَّهُمْ قَتَلُوا المَسِيحَ ﵇، وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ، وَإِنَّمَا صَلَبُوا شَخْصاً آخَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَالْتَبَسَ، وَلَمْ يَتَيَّقَنُوا مِنْ أَنَّهُ هُوَ المَسِيحُ بِعَيْنِهِ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ. وَالأَنَاجِيلُ تَقُولُ إنَّ الذِي أَسْلَمَهُ إلى الجُنْدِ هُوَ يَهُوذا الأَسْخَرْيوطِيُّ، وَقَدْ جَعَلَ لَهُمْ عَلاَمَةً هِيَ أنَّ مَنْ قَبَّلَهُ يَكُونُ هُوَ المَسِيحَ، فَلَمَّا قَبَّلَهُ قَبَضُوا عَلَيْهِ.
وَانْجِيلُ بِرْنَابَا يَقُولُ إنَّ الجُنُوَد أَخَذُوا يَهُوذَا الأسْخَرْيُوطِيَّ نَفْسَهُ ظَنّاً مِنْهُمْ أنَّهُ المَسِيحُ، لأنَّ اللهَ أَلْقَى عَلَيهِ شَبَهَهُ. وَالذِينَ اخْتَلَفُوا فِي شَأْنِ عِيسَى مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَفِي شَكٍّ وَتَرَدُّدٍ مِنْ حَقِيقَةِ أَمْرِ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ، وَإِنَّمَا هُمْ يَتْبَعُونَ الظَّنَّ وَالقَرَائِنَ التِي تُرَجِّحُ بَعْضَ الآرَاءِ عَلَى بَعْضٍ.
شُبِّهَ لَهُمْ - ألْقِيَ عَلَى المَقْتُولِ شَبَهُ عِيسَى.
стр. 651
(١٥٨) - وَالذِي تَمَّ فِعْلاً هُوَ أنَّ اللهَ أَنْجَاهُ مِنْ كَيْدِ اليَهُودِ، وَرَفَعَهُ إلَيْهِ، وَاللهُ سَبْحَانَهُ عَزِيزُ الجَانِبِ، لاَ يُرَامُ جنابُهُ، وَلا يُضَامُ مَنْ لاَذَ بِبَابِهِ الكَرِيمِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الأُمُورِ.
(وَقِيلَ فِي مَعْنَى: رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ: إنَّهُ تَوَفَّاهُ وَطَهَّرَهُ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا. وَقِيلَ أَيْضاً بَلِ المَعْنَى هُوَ أنَّ اللهَ تَعَالَى رَفَعَهُ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ إلى السَّمَاءِ. وَقِيلَ أَيْضاً إنَّ اللهَ رَفَعَهُ إلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ) .
стр. 652
﴿الكتاب﴾ ﴿القيامة﴾
(١٥٩) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ، وَالذِي اخْتَارَهُ ابْنُ كَثيرٍ هُوَ أنَّهُ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇ إلى الأَرْضِ، بَعْدَ أنْ رَفَعَهُ اللهُ إلَى السَّمَاءِ، إلاَّ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ اللهُ عَلَيهِ بِالمَوْتِ، وَيَكُونُ عِيسَى ﵇ يَوْمَ القِيَامَةِ شَاهِداً عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَبْلَغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَأَقَرَّ بِعُبُودِيَّتِهِ للهِ.
(وَهُنَاكَ مَنْ قَاَل بَلِ المَعْنَى هُوَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ عِنْدَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ، يَنْكَشِفُ لَهُ الحَقُّ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَسِواهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، فَيُؤْمِنُ بِعِيسَى إِيمَاناً حَقّاً صَحِيحاً) .
стр. 653
﴿طَيِّبَاتٍ﴾
(١٦٠) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ طَيِّبَاتٍ كَانَتْ حَلاَلاً عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَدِّهِم النَّاسَ عَنْ سَبيلِ اللهِ، إمَّا بِالأمْرِ بِالمُنْكَرِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ. . . وَإمَّا بِسُوءِ القُدْوَةِ، فَكَانُوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً، أَوْ مُخَالَفَةً لأَمْرِ اللهِ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ، عَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَيَتُوبُونَ إلى اللهِ تَعَالَى.
стр. 654
﴿الربا﴾ ﴿أَمْوَالَ﴾ ﴿بالباطل﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٦١) - وَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَيْهِمْ أَيْضاً، بِسَبَبِ تَعَامُلِهِمْ بِالرِّبَا، وَقَدْ نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِم، فَاحْتَالُوا عَلَى أَكْلِهِ بَأْنَواعِ الحِيَلِ، وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَبِسَبَبِ أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَذَلِكَ بِالرَّشْوَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالخِيَانَةِ وَنَحْوِها. . . مِمَّا فِيهِ أَخْذٌ لِلْمَالِ بِلاَ مُقَابِلٍ يُعْتَدُّ بِهِ.
وَيَتَهَدَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعِقَابِ الأَلِيمِ الذِي أَعَدَّهُ لِمَنْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الجَرَائِمَ، وَهُوَ الخُلُودُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَفِيهَا العَذَابُ الأَلِيمُ.
стр. 655
﴿الراسخون﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿الزكاة﴾ ﴿أولئك﴾
(١٦٢) - لِكِن الثَّابِتُونَ فِي العِلْمِ، مِنَ اليَهُودِ، وَالمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، يُصَدِّقُونَ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، وَمَا أُوْحِيَ إلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. وَالذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ حَقَّ أَدَائِهَا، وَيَدْفَعُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَيُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَبِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، فَهَؤُلاءِ جَمِيعاً سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمُ الجَنَّةَ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ.
(خَصَّ اللهُ تَعَالَى المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ بِالمَدْحِ فَنَصَبَ (المُقِيمِينَ) عَلَى المَدْحِ، لأنَّ الذِي يُقيمُ الصَّلاَةَ عَلى الوَجْهِ الأَكْمَلِ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ) .
وَالمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ - مَنْصُوبٌ عَلَى المَدْحِ.
стр. 656
﴿والنبيين﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿وَهَارُونَ﴾ ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ ﴿وَآتَيْنَا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾
(١٦٣) - قَالَ رَجُلٌ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ مَا نَعْلَمُ أنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ بَعْدَ مُوسَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَالآيَاتِ التِي تَلِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ فَضَائِحَ المُكَذِّبِينَ وَمَعَايِبَهُمْ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَذِبِ، وَمَا هُمْ عَلَيهِ مِنَ الافْتِرَاءِ وَالتَّعَنُّتِ، وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ أَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، كَمَا أَوْحَى إلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ ﵈. وَقَالَ تَعَالَى: إنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى دَاوُدَ كِتَاباً هُوَ الزَّبُورُ.
السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ، وَالأَسْبَاطُ هُمْ أَحْفِدَةُ يَعْقُوبِ.
стр. 657
﴿قَصَصْنَاهُمْ﴾
(١٦٤) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَوْحَى إلَى رُسُلٍ قَصَّهُمْ عَلَى نَبِيِّهِ فِي الآيَاتِ السَّابِقَاتِ، وَذَكَرَ لَهُ أَسْمَاءَهُمْ، وَإنَّهُ أَوْحَى أَيْضاً إلَى رُسُلٍ لَمْ يَقْصُصْهُمْ عَلَيهِ، وَلَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُمْ فِي القُرْآنِ.
وَفِي حَدِيثٍ يَرويه أبو ذر: " إنَّ عَدَدَ الأَنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفاً وَإنَّ عَدَدَ الرُّسُلِ مِنْهُمْ ثَلاَثُمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ أو خَمْسَةَ عَشَرَ "
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ شَرَّفَ مُوسَى بِأَنْ كَلَّمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، بِدُونِ وَاسِطَةٍ (وَالوَحْيُ لِلرُّسُلِ يُسَمَّى تَكْلِيماً) .
стр. 658
(١٦٥) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللهَ، وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالخَيْرَاتِ وَحُسْنِ الثَّوَابِ، وَيُنْذِرُونَ، بِالعِقَابِ وَالعَذَابِ، مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَذَلِكَ لِكَيْلا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، بَعْدَ أنْ أَوْضَحَتِ الرُّسُلُ لِلْنَّاسِ أوَامِرَ اللهِ وَنَوَاهِيهِ، وَالجَزَاءُ لاَ يَكُونُ إلاَّ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ. وَكَانَ اللهُ عَزيزَ الجَانِبِ لا يُضَامُ، حَكِيماً فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
стр. 659
﴿والملائكة﴾
(١٦٦) - لَمَّا أَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الكَافِرِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كُفْرَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَتَكْذِيبَهُمْ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَتَعَنُّتَهُمْ فِي طَلَبِ المُعْجِزَاتِ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّهُ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ أَنْزَلَ وَحْيَهُ عَلَى رَسُولِهِ، بِعِلْمٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ الرَّسُولُ وَلاَ قَوْمُهُ (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ، وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ، وَكَفَى بِمَنْ يَشْهَدُ اللهُ لَهُ صِدْقاً.
стр. 660
﴿ضلالا﴾
(١٦٧) - الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَرَفَضُوا اتِّبَاعَ الحَقِّ، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ الهُدَى وَالإِيْمَانِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الحَقِّ، وَضَلُّوا عَنْهُ، وَبَعُدُوا عَنْهُ بُعداً عَظِيماً.
стр. 661
(١٦٨) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ عَلَى الكَافِرِينَ بِكِتَابِهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَبِارْتِكَابِ المَآثِمِ، وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِ اللهِ، بِأنَّهُمْ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ، وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً إلَى الخَيْرِ وَالرَّشَادِ (طَرِيقاً) .
стр. 662
﴿خَالِدِينَ﴾
(١٦٩) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّهُ لَنْ يَهْدِيَهُمْ إلى طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ التِي تُوصِلُهُمْ إلى جَهَنَّمَ، لِيَبْقَوْا فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، وَذَلِكَ أَمْرٌ يَسِيرٌ عَلَى اللهِ.
стр. 663
﴿ياأيها﴾ ﴿فَآمِنُواْْ﴾ ﴿السماوات﴾
(١٧٠) - بَعْدَ أَنْ أَقَامَ اللهُ سُبْحَانَهُ الحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ، وَرَدَّ شُبُهَاتِهِمْ، وَاقْتِرَاحَاتِهِمُ التِي اقْتَرَحُوهَا تَعَنُّتاً وَعِنَاداً، خَاطَبَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، وَشَفَعَهُ بِالوَعْدِ عَلَى عَمَلِ الخَيْرِ، وَالوَعِيدِ عَلَى الكُفْرِ وَعَمَلِ السُّوءِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ قَدَ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَالبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللهِ، ، فَعَلَيهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ، وَأنْ يَتَّبِعُوهُ، لأنَّ فِي ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: أمَّا إذَا أَصْرَرْتُمْ عَلَى الكُفْرِ، أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَعَنْ إِيْمَانِكُمْ، وَلاَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ، لأنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُمْ جَمِيعاً خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ فَيُضِلَّهُ وَيُغْوِيهِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
стр. 664
﴿ياأهل﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿أَلْقَاهَا﴾ ﴿فَآمِنُواْ﴾ ﴿ثَلاَثَةٌ﴾ ﴿وَاحِدٌ﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿السماوات﴾
(١٧١) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ عَنِ الغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ، وَعَنِ المُبَالَغَةِ، وَتَجاوُزِ الحُدُودِ التِي حَدَّها اللهُ، وَيَأمُرُهُمْ بِألا يَعْتَقِدُوا إلاَّ القَوْلَ الحَقَّ الثَّابِتِ بِنَصٍّ دِينيٍّ مُتَوَاتِرٍ، وَبُرْهَانٍ قَاطِعٍ. وَيَخُصُّ فِي خِطَابِهِ، فِي هَذِهِ الآيَةِ، النَّصَارَى الذِينَ غَلَوا فِي المَسِيحِ فَجَعَلُوهُ إلهاً يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللهِ. وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأنْ لاَ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ، فَيَجْعَلُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَداً، فَلاَ إله إلاَّ هُوَ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ، فَالمَسِيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ، خَلَقَهُ اللهُ بِكَلِمَةٍ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالتَّصْدِيقِ بِأنَّ اللهَ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، وَهُوَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، لاَ صَاحِبَهٌ لَهُ وَلاَ وَلَدٌ، وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولَهُ إلَى اليَهُودِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأنْ لاَ يَجْعَلُوا عِيسَى وَأُمَّهُ شَرِيكَيْنِ مَعَ اللهِ، فِي الخَلْقِ وَالمُلْكِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُواً كَبِيراً.
ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَإِشْرَاكٌ، لأنَّ فِي الانْتِهَاءِ عَنْ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ.
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إنَّ اللهَ وَاحِدٌ، ، وَتَنَزَّهَ، عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ أَوْ شَرِيكٌ، وَجَمِيعُ مَا فِي الوُجُودِ مِنْ خَلْقٍ مُلْكَهُ، وَهُمْ جَمِيعاً تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟
لاَ تَغْلُو - لاَ تُجَاوِزُوا الحَدَّ وَلاَ تُفْرِطُوا.
كَلِمَتُهُ - وُجِدَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ دُونَ أَبٍ.
رُوحٌ مِنْهُ - رُوحٌ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ.
стр. 665
﴿الملائكة﴾
(١٧٢) - لاَ يَسْتَكْبِرُ المَسِيحُ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ، أنْ يَكُونُوا مِنْ عِبَادِ اللهِ، لأنَّهُمْ يَعْرِفُونَ عَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ، وَالذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَيَرَوْنَ أنَّهُ لاَ يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِقَاباً شَدِيداً، وَيَحْشُرُهُمْ جَميعاً فِي جَهَنَّمَ.
لَنْ يَسْتَنْكِفَ - لَنْ يَسْتَكْبِرَ وَلَنْ يَتَرفَّعَ.
стр. 666
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾
(١٧٣) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، فَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ. وَأمَّا الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَامْتَنَعُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، فَهُوَ تَعَالَى يُجَازِي المُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ بِالعَدْلِ وَالفَضْلِ، وَيُجازِي المُسِيءَ عَلَى إِسَاءَتِهِ بِالعَدْلِ. وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ وَليّاً يَلِي أُمُورَهُمْ وَيُدَبِّرُها، وَلاَ نَاصِراً يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأسِهِ.
стр. 667
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿بُرْهَانٌ﴾
(١٧٤) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ جَمِيعاً فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الدَّلاَئِلُ القَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي رِسَالَتِهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ قُرْآناً مُبِيناً كَالنُّورِ يُضِيءُ الطَّرِيقَ، وَيَهْدِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
بُرْهَانٌ - هُوَ مُحَمَّدٌ.
نُوراً - القَرْآنَ.
стр. 668
﴿صِرَاطاً﴾
(١٧٥) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِحَبْلِ اللهِ الذِي يَعْصِمُهُمْ مِنَ الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ (وَهُوَ القُرْآنُ) ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَإِنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلَى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، المُوصِلِ إلى الجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللهِ.
стр. 669
﴿الكلالة﴾ ﴿امرؤ﴾
(١٧٦) - الكَلاَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الإِكْلِيلِ الذِي يُحِيْطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ، لِذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إنَّ الكَلاَلَةَ تَعْنِي مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ أَقَارِبِهِ (وَقِيلَ بَلْ تَعْنِي مَنْ لاَ وَلَدَ لَهُ تَمَشِّياً مَعَ النَّصِّ) .
وَفِي هَذِهِ الآيةِ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ مِيرَاثِ مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ أَبٌ يَرِثُهُ فَيَقُولُ:
- إذا مَاتَ المَرْءُ (هَلَكَ) ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَكَانَ لَهُ أخْتٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّها تَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ يَرِثُهُ المُسْتَحِقُونَ مِنَ العَصَبَةِ.
- أمَّا إذا كَانَ المُتَوفَّى امَرأة، وَلَهَا أَخٌ فَإنَّهُ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ.
- وَإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى أخْتَانِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَلاَ وَالِدَ، فَإِنَّهُمَا تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ لاَ غَيْرَ.
- وإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى إخْوَةٌ، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، فَلِلْذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ أمُورَ دِينِكُمْ التِي مِنْ أَوَّلها تَفْصِيلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، وَيَفرِضُ لَكُمْ فَرَائِضَهُ، وَيُوَضِّحُ لَكُمْ شَرَائِعَهُ، لِكَيْلا تَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ البَيَانِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيْرِ لِعِبَادِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ القَرَابَاتِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ.
الكَلاَلَةِ - المَيِّتِ الذِي لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ فَيَرِثُهُ أقْرِبَاؤُهُ مِنَ الحَوَاشِي.
стр. 670
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الأنعام﴾
(١) - يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا التَزِمُوا الوَفَاءَ بِجَميعِ العُهُودِ التِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَالعُهُودِ المَشْرُوعَةِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِالعُقُودِ فِي هَذِهِ الآيَةِ هِيَ عُهُودُ اللهِ التِي عَهِدَ بِهَا إلى عِبَادِهِ، أَيْ مَا أَحَلَّ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي القُرْآنِ كُلِّهِ فَلاَ عُذْرَ وَلاَ نَكْثَ) .
فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفَاءِ بِمَا عَقَدُوهُ، وَارْتَبَطُوا بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى، مَا لَمْ يَكُنْ يُحَرِّمُ حَلاَلاَ، أَوْ يُحَلِّلُ حَرَاماً: كَالعَقْدِ عَلَى الرِّبا، أَوْ أَكَلِ مَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ (كَالرَّشْوَةِ وَالقِمَارِ) .
ثُمَّ فَصَّلَ اللهُ تَعَالَى الأَحْكَامَ التِي أَمَرَ بِهَا فَقَالَ: إنَّهُ أحَلَّ لِلنَّاسِ أكْلَ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعَامِ (وَهِيَ البَقَرُ وَالإِبْلُ وَالمَاعِزُ وَالغَنَمُ وَألحِقَبِهَا الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الوَحْشِ وَنَحْوُهَا) ، إلاّ مَا سَيُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير﴾ وَعَلَى أنْ لاَ يُحِلُّوا صَيْدَ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ، حِينَمَا يَكُونُوا مُحْرِمِينَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ.
وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي خَلقِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلٍِ وَتَحْرِيمٍ، بِحَسَبِ الحِكمِ وَالمَصَالِحِ التِي يَعْلَمُهَا.
العُقُودُ - كُلُّ مَا تَعَاقَدَ عَلَيهِ المَرْءُ وَالتَزَمَ فِيهِ بُمُوجِبٍ نَحْوَ اللهِ وَنَحْوَ النَّاسِ.
وَأنْتُمْ حُرمٌ - وَأنْتُمْ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ.
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ - غَيْرَ مُسْتَحِلَّهِ فَهُوَ حَرَامٌ.
следующие страницы →