← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (١٧٣) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، فَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ. وَأمَّا الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَامْتَنَعُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، فَهُوَ تَعَالَى يُجَازِي المُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ بِالعَدْلِ وَالفَضْلِ، وَيُجازِي المُسِيءَ عَلَى إِسَاءَتِهِ بِالعَدْلِ. وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ وَليّاً يَلِي أُمُورَهُمْ وَيُدَبِّرُها، وَلاَ نَاصِراً يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأسِهِ.

стр. 667

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿بُرْهَانٌ﴾ (١٧٤) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ جَمِيعاً فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الدَّلاَئِلُ القَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي رِسَالَتِهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ قُرْآناً مُبِيناً كَالنُّورِ يُضِيءُ الطَّرِيقَ، وَيَهْدِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ. بُرْهَانٌ - هُوَ مُحَمَّدٌ. نُوراً - القَرْآنَ.

стр. 668

﴿صِرَاطاً﴾ (١٧٥) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِحَبْلِ اللهِ الذِي يَعْصِمُهُمْ مِنَ الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ (وَهُوَ القُرْآنُ) ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَإِنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلَى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، المُوصِلِ إلى الجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللهِ.

стр. 669

﴿الكلالة﴾ ﴿امرؤ﴾ (١٧٦) - الكَلاَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الإِكْلِيلِ الذِي يُحِيْطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ، لِذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إنَّ الكَلاَلَةَ تَعْنِي مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ أَقَارِبِهِ (وَقِيلَ بَلْ تَعْنِي مَنْ لاَ وَلَدَ لَهُ تَمَشِّياً مَعَ النَّصِّ) . وَفِي هَذِهِ الآيةِ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ مِيرَاثِ مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ أَبٌ يَرِثُهُ فَيَقُولُ: - إذا مَاتَ المَرْءُ (هَلَكَ) ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَكَانَ لَهُ أخْتٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّها تَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ يَرِثُهُ المُسْتَحِقُونَ مِنَ العَصَبَةِ. - أمَّا إذا كَانَ المُتَوفَّى امَرأة، وَلَهَا أَخٌ فَإنَّهُ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ. - وَإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى أخْتَانِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَلاَ وَالِدَ، فَإِنَّهُمَا تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ لاَ غَيْرَ. - وإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى إخْوَةٌ، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، فَلِلْذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ أمُورَ دِينِكُمْ التِي مِنْ أَوَّلها تَفْصِيلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، وَيَفرِضُ لَكُمْ فَرَائِضَهُ، وَيُوَضِّحُ لَكُمْ شَرَائِعَهُ، لِكَيْلا تَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ البَيَانِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيْرِ لِعِبَادِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ القَرَابَاتِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ. الكَلاَلَةِ - المَيِّتِ الذِي لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ فَيَرِثُهُ أقْرِبَاؤُهُ مِنَ الحَوَاشِي.

стр. 670

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الأنعام﴾ (١) - يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا التَزِمُوا الوَفَاءَ بِجَميعِ العُهُودِ التِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَالعُهُودِ المَشْرُوعَةِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِالعُقُودِ فِي هَذِهِ الآيَةِ هِيَ عُهُودُ اللهِ التِي عَهِدَ بِهَا إلى عِبَادِهِ، أَيْ مَا أَحَلَّ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي القُرْآنِ كُلِّهِ فَلاَ عُذْرَ وَلاَ نَكْثَ) . فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفَاءِ بِمَا عَقَدُوهُ، وَارْتَبَطُوا بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى، مَا لَمْ يَكُنْ يُحَرِّمُ حَلاَلاَ، أَوْ يُحَلِّلُ حَرَاماً: كَالعَقْدِ عَلَى الرِّبا، أَوْ أَكَلِ مَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ (كَالرَّشْوَةِ وَالقِمَارِ) . ثُمَّ فَصَّلَ اللهُ تَعَالَى الأَحْكَامَ التِي أَمَرَ بِهَا فَقَالَ: إنَّهُ أحَلَّ لِلنَّاسِ أكْلَ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعَامِ (وَهِيَ البَقَرُ وَالإِبْلُ وَالمَاعِزُ وَالغَنَمُ وَألحِقَبِهَا الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الوَحْشِ وَنَحْوُهَا) ، إلاّ مَا سَيُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير﴾ وَعَلَى أنْ لاَ يُحِلُّوا صَيْدَ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ، حِينَمَا يَكُونُوا مُحْرِمِينَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي خَلقِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلٍِ وَتَحْرِيمٍ، بِحَسَبِ الحِكمِ وَالمَصَالِحِ التِي يَعْلَمُهَا. العُقُودُ - كُلُّ مَا تَعَاقَدَ عَلَيهِ المَرْءُ وَالتَزَمَ فِيهِ بُمُوجِبٍ نَحْوَ اللهِ وَنَحْوَ النَّاسِ. وَأنْتُمْ حُرمٌ - وَأنْتُمْ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ. غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ - غَيْرَ مُسْتَحِلَّهِ فَهُوَ حَرَامٌ.

стр. 671

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿شَعَآئِرَ﴾ ﴿القلائد﴾ ﴿آمِّينَ﴾ ﴿وَرِضْوَاناً﴾ ﴿شَنَآنُ﴾ ﴿العدوان﴾ (٢) - يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْتَبِيحْوا حُرْمَةَ شَعَائِرِ اللهِ بِأنْ تَجْعَلُوا شَعَائِرَ دِينِ اللهِ حَلاَلاً لَكُمْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ تَشَاؤُونَ، بَلِ اعْمَلُوا بِمَا بَيَّنَهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ، وَلاَ تَتَهَاوَنُوا بِحُرْمَتِها، وَلاَ تَحُولُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بَهَا، فَتَصُدُّوا النَّاسَ عِنِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. ولا تُحِلُّوا القِتَالَ فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ. (وَهِيَ ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ) ، وَلاَ تَمْنَعُوا الهَدْيَ (وَهُوَ مضا يُهْدَى إلى الحَرَمِ مِنَ الأنْعَامِ ليُذْبَحَ فِيهِ تَقَرُّباً إلى اللهِ) وَذَلِكَ بِأخْذِهِ غَصْباً وَسَرِقَةً. وَلاَ تُحِلُّوا أخْذَ المُقَلِّدِ مِنَ الهَدْي (وَكَانُوا يُقَلِّدُونَ الأنْعَامَ التي تُوَجَّهُ إلَى البَيْتِ هَدْياً بِوَضْعِ قِلاَدَةٍ فِي أعْنَاقِهَا لِكَيْلا يَتَعَرَّضَ لَهَا أحَدٌ بِسُوءٍ) . وَلاَ تُحِلُّوا قِتَالَ قَاصِدي البَيْتِ الحَرَامِ لِزِيارتِهِ فَتَصُدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأيِّ وَجْهٍ كَانَ. وَلاَ تُصُدُّوا مَنْ قَصَدَ البَيْتَ الحَرَامَ لِلتِّجَارَةِ أوْ لِلنُّسْكِ وَالرَّغْبَةِ بِالفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللهِ (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً) . وَإذَا فَرَغْتُمْ مِنْ إحْرَامِكُمْ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، أَوْ خَرَجْتُمْ مِنْ أَرْضِ الحَرَمِ فَاصْطَادُوا إذَا شِئْتُمْ. وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضَ قَوْمٍ وَعَدَاوَتُهُمْ، (وَهُمُ الذِينَ صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا، وَتَتَجَاوَزُوا أَمْرَ اللهِ فِيهِمْ، فَتَقْتَصُّوا مِنْهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً، بَلْ احْكُمُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ اللهُ مِنَ العَدْلِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ. وَرُويَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ فِي الحُدَيْبِيةِ مَعَ أصْحَابِهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَى المُسْلِمِينَ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهُمْ عَنْ بُلوغِ البَيْتِ، فَمَرَّ بِهِمْ أنَاسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أهْلِ المَشْرِقِ، يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ نَصُدُّ هؤُلاءِ كَمَا صَدَّنَا أصْحَابُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ بِالتَّقْوَى، وَبِالتَّعَاوُنش عَلَى فِعْلِ الخَيْرَاتِ (وَهُوَ البِرُّ) ، وَعَلَى تَرْكِ المَعَاصِي والمُنْكَراتِ (وَهُوَ التَّقْوَى) ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّنَاصُرِ عَلَى البَاطِلِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى المَآثِمِ وَالمَحَارِمِ، وَيُحَذِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ مِنْ بَطْشِهِ وَعِقَابِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ. شَعَائِرَ اللهِ - جَمْعُ شَعِيرَةٍ، مَا شَرَعَ اللهُ وَأمَرَ بِهِ. الهَدْيَ - مَا يُهدَى مِنَ الأنْعَامِ لِلحَرَمِ لِيُذْبَحَ عِنْدَهُ تَقَرُّباً للهِ. القَلائِدَ - مَا قُلِّدَ مِنَ الأَنْعَامِ التِي تُوَجَّهُ إلَى الحَرَمِ هَدْياً بِطَوْقِ ليُعْرَفَ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى الكَعْبَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ. الشَّنآنُ - البُغْضُ وَالكَرَاهِيَةُ. صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - مَنَعُوكُمْ عَنِ الوُصُولِ إليهِ. لاَ تُحِلُّوا - لاَ تَنْتَهِكُوا حُرْمَتَهُ. لاَ يَجْرِمُنَّكُمْ - لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ.

стр. 672

﴿بالأزلام﴾ ﴿يَئِسَ﴾ ﴿الإسلام﴾ (٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةش مَا حَرَّمَ أكْلَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ لَحْمِ الأنْعَامِ وَهِيَ: المَيْتَةُ - وَهِيَ التِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلاَ اصْطِيَادٍ وَذَلِكَ لِمَ فِيهَا مِنَ المَضَرَّةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ المَيْتَةِ السَّمَكُ، فَإنَّهُ حَلالٌ سَوَاءٌ مَاتَ بتَذْكِيَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. وَالدَّمُ المَسْفُوحُ - وَهُوَ الدَّمُ الذِي يَسِيلُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ. وَكَانَ الأَعْرَابُ فِي البَادِيَةِ إذا جَاعُوا فِي الصَّحْرَاءِ يَأخُذُونَ شَيْئاً مُحَدَّداً مِنْ عَظْمٍ أوْ نَحْوِهِ فَيَفْصِدُونَ بِهِ حَيَواناً فَيَجْمَعُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ دَمٍ فَيَشْرَبُونَهُ، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: أحِلَّتْ لَنَا مِيتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأمَّا المِيتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالجَرَادُ، وَأمَّا الدَّمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ. (رَوَاهُ أحْمَدُ وَالبَيْهَقِيُّ) . لَحْمُ الخِنْزِيرِ - إنْسِيَّهِ وَوَحْشِيِّهِ. فَلَحْمُهُ حَرَامٌ. مَا أهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ - أيْ مَا ذُبِحَ فَذُكِرَ اسْمٌ غَيْرُ اسْمِ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ. لأنَّ اللهَ تَعَالَى أوْجَبَ أنْ تُذْبَحَ الأنْعَامُ عَلَى اسْمِهِ العَظِيمِ. (وَالإِهْلالُ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَالإِهْلالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِذِكْرِ اسْمٍ غَيْرِ اسْمِ اللهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ. وَالمَوْقُوذَةُ - وَهِيَ التِي تَضرَبُ بِشَيءٍ ثَقيلٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ. وَالمُتَرَدِّيَةُ - وَهِيَ التِي تَقَعُ مِنْ مَكَانِ مُرْتَفِعٍ، أوْ تَقَعُ فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ فَلا يَحِلُّ أكْلُ لَحْمِهَا. وَالنَّطِيحَةُ - وَهِيَ التِي مَاتَتْ بِسَبَبِ نَطْحِ غَيْرِهَا لَهَا، فَهِيَ حَرَامٌ وَلَوُ خَرَجَ مِنَهَا الدَّمُ، وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا. وَمَا أكَلَ السَّبُعُ - وَهِيَ مَا عَدَتْ عَلَيهَا الحَيَوَانَاتُ الجَارِحَةُ فَقَتَلَتْها فَلا تَحِلُّ بِالإِجْمَاعِ. وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ الحَيَوَانُ الذِي لَحِقَهُ الإِنْسَانُ بِالذَّبْحِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَإنَّهُ إذَا ذُبِحَ أَصْبَحَ حَلالاً يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ - مُحَرَّمٌ أَكْلُهُ. وَالنُّصُبُ هِيَ حِجَارَةٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ، كَانَتِ العَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تَذْبَحُ عِنْدَهَا الذَّبَائِحَ، وَيُنْضَحُ مَا أَقْبلَ مِنْها إلَى البَيْتَ بِدِمَاءِ تِلْكَ الذَّبَائِحِ، وَيُشَرِّحُونَ اللحْمَ وَيَضَعُونَهُ عَلَى النُّصُبِ فَحَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ أَكْلَ الذَّبَائِحِ التِي تَمَّ ذَبْحُها عِنْدَ تِلْكَ النُّصُبِ. فَالذَّبْحُ عِنْدَ النُّصُبِ مِنْ الشِّرْكِ. ثُمَّ أضَافَ اللهُ تَعَالَى إلَى مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ التِي كَانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَهَا، عَمَلاً آخَرَ مِنْ أعْمَالِهِمْ وَهُوَ الاسْتِقْسَامُ بِالأَزْلاَمِ. وَالأَزْلاَمُ وَاحِدُهَا (زَلَمٌ) ، هِيَ عِبَارَةَ عَنْ قِدَاحٍ (سِهَامٍ) ثَلاَثَةٍ أحَدُهَا مُكْتُوبٌ عَلَيْهِ: (افْعَلْ) وَثَانِيهَا مَكْتُوبٌ عَلَيهِ. (لاَ تَفْعَلْ) . وثَالِثُهَا لَمْ يُكْتَبُ عَلَيهِ شَيءٌ. فَإِذا أجَالَهَا فَطَلَعَ السَّهْمُ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ (لاَ تَفْعَلْ) ، لَمْ يَفْعَلْ. وَإِذَا خَرَجَ السَّهْمُ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ (افْعَلْ) فَعَلَ. وَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الغُفْلُ مِنَ الكِتَابَةِ أعَادَ. فَحَرَّمَ اللهُ الاسْتِقْسَامَ بِالأزْلاَمِ، وَعَدَّهُ فِسْقاً، وخُرُوجاً عَنَ طَاعَةِ اللهِ. وَقَدْ أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ إذَا تَرَدَّدُوا فِي أمْرِهِمْ أنْ يَسْتَخِيرُوهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ يَسْأَلُوهُ الخِيَرَةَ فِي الأَمْرِ الذِي يُرِيدُونَ.

стр. 673

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ: اليَوْمَ يَئِسَ الكُفَّارُ مِنَ القَضَاءِ عَلَى دِينِ اللهِ، وَمِنْ رُجُوعٍ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، لِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيكُمْ، إذْ وَفى بِوَعْدِهِ، وَأظْهَرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَلاَ تَخُافُوهُمْ فِي مُخَالَفَتِكُمْ إيَّاهُمْ، وَاخشوني أنا، فَأنَا أنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَأجْعَلُكُمْ فَوْقَهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. ثُمَّ يَقُولُ مُخَاطِباً المُؤْمِنِينَ: إنَّهُ أكْمَلَ لَهُمُ اليَوْمَ دِينَهُمُ الإِسْلاَمَ، فَلاَ يَحْتَاجُونَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ، وَلاَ إلى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ. وَلَمَّا أَكْمَلَ اللهُ لَهُمْ دِينَهُمْ تَمَّتْ عَلَيهِمْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ، فَلْيَرْضَوْا بِالإِسْلاَمِ دِيناً لَهُمْ، فَإنَّهُ الدِّينُ الذِي أحَبَّهُ اللهُ وَرَضِيَهُ لَهُمْ. فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَنَاوُلِ شَيءٍ مِمّا حَرَّمَ اللهُ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ، لِضَرُورَةٍ ألْجَأتْهُ إلى ذَلِكَ، فَلاَ بَأْسَ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ تَنَاوُلُهُ فِي حُدُودِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرُورَةَ، واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لأنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَاجَةَ العَبْدِ المُضْطَرِّ، وَافْتِقَارِهِ إلَى ذَلِكَ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيَغْفِرُ لَهُ. بِشَرْطِ ألاَّ يَكُونَ تَنَاوُلُهُ المُحَرَّمَ مَيْلاً مِنْهُ إلى مَعْصِيَةِ اللهِ، وَرَغْبَةً في الاعْتِدَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ) . (وَفِي الحَدِيثِ: " إنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُهُ ") . (وَرُوِيَ أَيْضاً: " إنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلُ رُخْصَةَ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ ") . (رَوَاهُمَا أَحْمَدُ) . المَخْمَصَةُ - حَالَةُ الجُوعِ الشَّدِيدِ. غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ - غَيْرَ رَاغِبٍ فِي ارْتِكَابِ إِثْمٍ. الأَزْلاَمُ - سِهَامٌ ثَلاثَةٌ يَسْتَعْمِلُونَها فِي الاسْتِسْقَامِ، وَالاقْتِرَاعِ.

стр. 674

﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿الطيبات﴾ (٤) - سَأَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَزَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلٍ الطَّائِييَّنِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالاَ: قَدْ حَرَّمَ اللهُ المَيْتَةَ، فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهَ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَعْنِي: أنَّ اللهَ أَحَلَّ الذَبَائِحَ الحَلاَلَ الطَّيِّبَةَ لَهُمْ، التِي ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا، وَأَحَلَّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ، وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا اصْطَادُوهُ بِِالجَوَارِحِ كَالكِلاَبِ وَالصُّقُورِ وَالفُهُودِ. (وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الحَيَوانَاتُ بِالجَوَارِحِ، اشْتِقَاقاً مِنَ الجَرْحِ وَهُوَ الكَسْبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ لاَ جَارِحَ لَهُ، أَيْ لاَ كَاسِبَ لَهُ) . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ أَيْ مَا كَسَبْتُمْ. وَهَذِهِ الجَوَارِحُ تَقْتَنِصُ الفَرَائِسَ بِمَخَالِبِهَا وَأَظْفَارِهَا، وَتَكُونُ قَدْ عُلِّمَتْ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِذَا أَرْسَلَهَا أَصْحَابُها اسْتَرْسَلَتْ، وَإِذَا أَشْلَوْهَا اسْتَشْلَتْ، وَإِذَا أخَذَتِ الصَّيْدَ أَمْسَكَتْهُ عَلَى أَصْحَابٍهَا حَتَّى يَجِيئُوا إِلَيْهَا، وَلاَ تُمْسكُهُ لِنَفْسِهَا، فَمَتَى كَانَ الجَارِحَ مُعَلِّماً، وَأَمْسَكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ صَاحِبِهِ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ قَبْلَ إِطْلاَقِهِ، حَلَّ الصَّيْدُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِالإِجْمَاعِ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَبِأنْ لاَ يُقْدِمُوا عَلَى مُخَالَفَةِ أوَامِرِهِ، بِالأَكْلِ مِنَ المُحَرَّمَاتِ التي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَيُعْلِمُهُمْ أنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنيا جَميعِها، وَأنَّهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، يُحَاسِبُ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. الجَوَارِحَ - الحَيوانَاتُ التِي يُصَادُ بِهَا كَالكِلاَبِ وَالصُّقُورِ. التَّكْلِيبُ - تَعْلِيمُ الجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ وَتَضْرِيَتُهَا. الطَّيِّبُ - هُوَ مَا تَسْتَطِيبُهُ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ.

стр. 675

﴿الطيبات﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿والمحصنات﴾ ﴿المؤمنات﴾ ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿مُسَافِحِينَ﴾ ﴿بالإيمان﴾ ﴿الخاسرين﴾ (٥) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَا حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَبَائِثِ، وَمَا أَحَلَّ لَهُمْ مِنَ الطَّيبَاتِ، ذَكَرَ حُكْمَ ذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: فَقَالَ: إِنَّهَا حَلاَلٌ لِلْمُسْلِمِينَ لأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ ذَبْحِ الذَّبَائِحِ لِغَيْرِ اللهِ، وَلا يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ غَيْرِ اسْمِ اللهِ. وَقَالَ تَعَالَى: إنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْعَمُوا مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ نَصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَأَحَلُّ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ نِكَاحَ العَفِيفَاتِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (وَقِيلَ بَلْ مَعْنَاهُ المُحْصَنَاتُ بِالحُرِّيَّةِ) ، إذَا دَفَعُوا لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ (أُجُورَهُنَّ) . وَكَمَا شَرَطَ اللهُ الإِحْصَانَ، وَهُوَ العِفَّةُ، فِي النِّسَاءِ، كَذَلِكَ شَرَطَهُ فِي الرِّجَالِ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُحْصَناً عَفِيفاً، وَلِهذا قَالَ (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) (وَالمُسَافِحُونَ هُمُ الزُّنَاةُ الذِينَ لاَ يَرْتَدِعُونَ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَلاَ يَرُدُّونَ أنْفُسَهُمْ عَمَّنْ جَاءَهُمْ، أوْ هُمُ الذِينَ يُجَاهِرُونَ بِالمَعْصِيَةِ التِي يَأتُونَهَا) ، وَلا مَتَّخِذِي أخْدَانٍ (وَهُمْ أصْحَابُ العَشِيقَاتِ - أوْ هُمُ الذِينَ يَأتُونَ المَعْصِيَةَ سِرّاً) ، لِذَلِكَ ذَهَبَ الإِمَامُ أًحْمَدُ إلى أنَّهُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُ عَقْدُ الرَّجُلِ الفَاجِرِ عَلَى امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ حَتَّى يَتُوبَ. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ، وَيَجْحَدْ بِالدِّينِ فَقَدْ هَلَكَ عَمَلُهُ وَبَطَلَ (حَبِطَ) وَسَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ. مُحْصِنِينَ - أَصْحَابُ عِفَّةٍ يَتَعَففُونَ بِالزَّوَاجِ عَنْ الزِّنَى. غَيْرَ مُسَافِحِينَ - غَيْرَ مُجَاهِرِينَ بِالزِّنَى. مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ - مُصَاحِبِي خَلِيلاتٍ لِلزِّنَى سِرّاً. حَبِطَ عَمَلُهُ - هَلَكَ عَمَلُهُ وَبَطَلَ ثَوَابُهُ. طَعَامُ - ذَبَائِحُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ - يُنْكِرْ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ.

стр. 676

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿الغائط﴾ ﴿لاَمَسْتُمُ﴾ (٦) - فِي هَذِهِ الآيَةِ يَبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ شُرُوطَ الوَضُوءِ وَالتَّيَمُمِ، وَيَأمُرُ المُؤْمِنِينَ بِالوُضُوءِ إذا قَامُوا إلى الصَّلاَةِ وَهُمْ مُحْدِثُونَ (وَيُسْتَحَبُّ الوُضُوءَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ) . وَالوُضُوءُ هُوَ غَسْلُ الوَجْهِ، وَغَسْلُ اليَدَينِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأسِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الكَعْبَيْنِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: إذَا كُنْتُمْ جُنُباً فَاغْتَسِلُوا، وَإِذَا كُنْتُمْ مَرْضَى لاَ تَسْتَطِيعُونَ مَسَّ المَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالاغْتِسَالِ، أَوْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَكُمُ المَاءُ، وَإذا أَحْدَثْتُمْ (جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ) ، أَوْ بَاشَرْتُمُ النِّسَاءَ. وَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ لِتَغْتَسِلُوا وَتَتَوضَّؤُوا فَتَيَمَّمُوا مَا صَعَدَ عَلى سَطْحِ الأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ طَاهِرٍ (طَيِّبٍ) فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ، وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يُيَسِّرَ الأَمْرَ عَلَيْكُمْ، وَلاَ يُحْرِجَكُمْ فِي أمُورِ دِينِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكُمْ، وَأَنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، فَيَجْمَعَ لَكُمْ بَيْنَ طَهَارَةِ الأًَبْدَانِ وَطَهَارَةِ الرُّوحِ، لِيُعِدَّكُمْ بِذَلِكَ لِدَوَامِ شُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَعَلَى مَا يَسَّرَهُ لَكُمْ. الغَائِطِ - مَكَانَ قَضَاءِ الحَاجَةِ. لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ - وَاقَعْتُمُوهُنَّ أَوْ مَسَسْتُمْ بَشَرَتَهُنَّ. صَعِيداً طَيِّباً - تُرَاباً طَاهِراً. حَرَجٍ - ضِيقٍ فِي دِينِهِ.

стр. 677

﴿وَمِيثَاقَهُ﴾ (٧) - وَتَذَكَّرُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذْ كُنْتُمْ كُفَّاراً مُتَبَاغِضِينَ فَأَصْبَحْتُمْ بِفَضْلِ اللهِ إِخْوَاناً مُتَحَابِّينَ، وَتَذَكَّرُوا العَهْدَ الذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ، حِينَ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ (أي المَحْبُوبِ وَالمَكْرُوهِ) ، وَالعُسْرِ وَاليُسْرِ، حِينَ قُلْتُمْ سَمِعْنَا مَا أَمَرْتَنَا بِهِ، وَمَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ، وَأَطَعْنَاكَ فِيهِ فَلاَ نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، وَكُلُّ مَا جِئْتَنَا بِهِ فَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَاتَّقُوا اللهَ فَلاَ تَنْقُضُوا عَهْدَهُ، وَلاَ تُخَالِفُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، إنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيهْ شَيءٌ مِمَّا أَضْمَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِمَّنْ أَخَذَ عَلَيْهِم المِيثَاقَ مِنَ الوَفَاءِ بِهِ، أَوْ عَدَمِ الوَفَاءِ بِهِ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيهِ السَّرَائِرُ مِنَ الإِخْلاَصِ وَالرِّيَاءِ. المِيثَاقُ - هُوَ البَيْعَةُ التِي كَانَ المُسْلِمُونَ يُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ عَلَيْها حِينَ إسْلاَمِهِمْ.

стр. 678

﴿يَا أَيُّهَآ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿قَوَّامِينَ﴾ ﴿شَنَآنُ﴾ (٨) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِيَكُنْ هَمَّكُمْ وَدَأبُكُمُ التِزَامَ الحَقِّ فِي أَنْفُسِكُمْ (بِدُونِ اعْتِدَاءٍ عَلَى أَحَدٍ) ، وَفِي غَيْرِكُمْ (بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ ابْتَغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَحْدَهُ، لاَ لأجْلِ إِرْضَاءِ النَّاسِ، وَاكْتِسَابِ السُّمْعَةِ الحَسَنَةِ عِنْدَهُمْ) ، وَكُونُوا شُهَدَاءَ بِالعَدْلِ (القِسْطِ) ، دُونَ مُحَابَاةٍ لِمَشْهُودٍ لَهُ، وَلاَ لِمَشْهُودٍ عَلَيهِ، فَالعَدْلُ مِيزَانُ الحُقُوقِ، وَمَتَى وَقعَ الجُورُ فِي أُمًّةٍ، زَالَتِ الثِّقَةُ مِنْ نُفُوسِ النَّاسِ، وَانْتَشَرَتِ المُفَاسِدُ، وَتَقَطَّعَتْ رَوَابِطُ المُجْتَمَعِ. وَلاَ تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمُ الشَّدِيدَةُ لِقَوْمٍ، وَبُغْضُكُمْ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ العَدْلِ فِي أَمْرِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ إذَا كَانُوا أَصْحَابَ حَقٍّ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الحُكْمِ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَالمُؤْمِنُ يُؤْثِرُ العَدْلَ علَى الجُورِ وَالمُحَابَاةِ. ثُمَّ يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ السَّابِقَ بِضَرُورَةِ إِقَامَةِ العَدْلِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالقِسْطِ فَيَقُولُ: اعْدِلُوا لأنَّ العَدْلَ أَقْرَبُ لِتَقْوَى اللهِ، وَأبْعَدُ عَنْ سَخْطِهِ، وَاتَّقُوا سَخَطَ اللهِ وَعِقَابَهُ لأنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَاحْذَرُوا أنْ يُجَازِيَكُمْ بِالعَدْلِ عَلَى تَرْكِكُمُ القِيَامَ بِالعَدْلِ. شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ - شَاهِدِينَ بِالعَدْلِ. لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ - لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ. شَنآنُ قَوْمٍ - بُغْضُكُمْ لَهُمْ.

стр. 679

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ (٩) - وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. . وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ التِي يَرْضَاهَا رَبُّهُمْ (مِثْلَ العَدْلِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهِي عنِ المُنْكَرِ، وَمُرَاعَاةِ جَانِبِ اللهِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي رَوَابِطِهِم الاجْتِمَاعِيَّةِ) ، بِأنَّهُ سَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيُثِيبُهُمْ بِالأَجْرِ العَظِيمِ، وَهُوَ الجَزَاءُ المُضَاعَفُ عَلى الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَضْلاً مِنْهُ وَرَحْمَةً مِنْ لَدُنْهُ.

стр. 680

﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ (١٠) - أمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ (سَوَاءٌ مِنْهَا التِي أنْزَلَها عَلَى رُسُلِهِ، أَوْ التِي أقَامَهَا فِي الأنْفُسِ وَالآفَاقِ، لِلدَّلاَلَةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ فِيمَا يُبلِّغُونَ عَنْهُ) فَسَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فِي الآخِرَةِ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ نَاصِراً وَلاَ مُنْقِذاً مِنْ دُونِ اللهِ. الجَحِيمِ - النَّارِ العَظِيمَةِ.

стр. 681

﴿يَا أَيُّهَآ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿نِعْمَتَ﴾ (١١) - رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيه وسلم نَزَلَ مَنْزِلاً، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العَضاةِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ سِلاَحَهُ عَلى شَجَرَةٍ، فَجَاءَ أعْرَابِيٌّ إلى سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ فَأخَذَهُ وَسَلَّهُ، وَأقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعَكَ مِنِّي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : اللهُ. وَكَرَّرَ الأَعْرَابِيّ مَقَالَتَهُ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاَثاً، وَالنَّبِيُّ يُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ: اللهُ. فَرَدَّ الأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ إلى مَكَانِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَقِيلَ أَيْضاً: إنَّ اليَهُودَ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنْهُمْ وَخَذَلَهُمْ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ إذْ دَفَعَ الشَّرَّ وَالمَكْرُوهَ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ وَعَنْهُمْ، حِينما هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الشَّرِّ وَالإِيذَاءِ، فَكَفَّ اللهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ أيْدِيَهُمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَنْفِيذَ مَا هَمُّوا بِهِ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَتَّقُوهُ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي أرَاهُمْ قُدْرَتَهُ عَلَى أعْدَائِهِمْ وَقْتَ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ، وَقُوَّةِ أعْدَائِهِمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِأنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ وَحْدَهُ، بَعْدَ أنْ أرَاهُمْ عِنَايَتَهُ بِمَنْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيهِ. يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ - يَبْطُشُوا بِكُمْ بِالقَتْلِ وَالإِهْلاَكِ.

стр. 682

﴿مِيثَاقَ﴾ ﴿اإِسْرَآئِيلَ﴾ ﴿لَئِنْ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿وَآتَيْتُمُ﴾ ﴿الزكاة﴾ ﴿وَآمَنتُمْ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ (١٢) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَخَذَ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَعْمَلُنَّ بِأَحْكَامِ التَّورَاةِ التِي تَحْوي شَرِيعَتَهُمْ. وَأَمَرَ مُوسَى ﵇، بِأنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ، مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيِ عَشَرَ، نَقِيباً يَكُونُ كَفِيلاً عَلَى جَمَاعَتِهِ، بِالوَفَاءِ بِتَنْفِيذِ مَا أُمرُوا بِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى النُّقَبَاءَ، وَأَخَذَ المِيثَاقَ وَتَكَفَّلَ لَهُ النُّقَبَاءُ بِالوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمُوا بِهِ. فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَهُمُ اللهُ السُّكْنَى فِيهَا، وَكَانَ فِيها الكَنْعَانِيُّونَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى النُّقَبَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الأخْبَارَ، فَرَأوا أجْسَامَ الكَنْعَانِيِّينَ قَوَّيةً، فَهَابُوهُمْ، وَرَجَعُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهُمْ بِمَا رَأوا، وَكَانَ مُوسَى قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَنَكَثُوا المِيثَاقَ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ إلاَّ نَقِيبَانِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِبَني إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَان مُوسَى ﵇: إنَّكُمْ بِحِفْظِي وَرِعَايَتِي، وَإنِّي نَاصِرُكُمْ وَمُعِينُكُمْ مَا دُمْتُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى المِيثَاقِ، وَإني مَشْرِفٌ عَلَيكُمْ، وَمُبْصِرٌ لأَفْعَالِكُمْ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ، فَإذا أقَمْتُمُ الصَّلاَةَ، وَأدَّيتُمُوهَا حَقَّ أَدَائِها، وَدَفَعْتُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي جَمِيعاً، وَصَدَّقْتُمُوهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ مِنَ الوَحْي، وَنَصْرَتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الحَقِّ (عَزَّرْتُمُوهُمْ) ، وَأَنْفَقْتُم الأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ (أَقْرَضَتْمُ اللهُ) . . . إذَا فَعَلْتُمْ كُلَّ ذَلِكَ لأكَفِّرنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَأمْحُونَّ ذُنُوبَكُمْ، وَأسْتُرُهَا عَلَيكُمْ، وَلا أَؤاخِذُكُمْ عَلَيها وَلأدْخِلَنَّكُمْ فِي رَحْمَتِي، وَأسْكِنُكُمْ جَنَّتِي التِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ. وَمَنْ خَالَفَ هَذا المِيثَاقَ بَعْدَ عَقْدِهِ وَتَوْكِيدِهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الوَاضِحَ، وَعَدَلَ عَنِ الهُدَى إلَى الضَّلالِ. التَّعْزِيرُ - النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ. النَّقِيبِ - الشَّخْصُ يَخْتَارُهُ جَمَاعَتُهُ لِيَكُونَ كَفِيلاً عَلَيهِمْ. قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً بِطِيبِ خَاطِرٍ.

стр. 683

﴿مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ ﴿قَاسِيَةً﴾ ﴿خَآئِنَةٍ﴾ (١٣) - فَبِسَبَبَ نَقْضِهِم المِيثَاقَ الذِي أخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ (وَمِنْهُ الإِيمَانُ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللهُ، وَنَصْرُهُ وَتَبْجيلُهُ) اسْتَحَقُّوا مَقْتَ اللهِ وَغَضَبَهُ، حَتَّى قَتَلُوا الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَافْتَرَوا عَلَى مَرْيَمَ، وَأَسَاؤُوا إلى عِيسَى، الذِي جَاءَ لإِصْلاَحِ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصٍ جَعَلَ اللهُ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً، فَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ لِغِلْظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَسْوَتِها، وَجَعَلَ أَفْهَامَهُمْ فَاسِدَةً فَسَاءَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ فِي آيَاتِ اللهِ، فَأَخَذُوا فِي تَحْرِيفِها وَتَأوِيلِها عَلَى غَيْرِ مَا أنْزِلَتْ لَهُ، وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ المُرَادِ مِنْهَا (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وَتَرَكُوا العَمَلَ بِهَا رَغْبَةً عَنْهَا (نَسُوْا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ، وَلاَ تَزَالُ تَكْتَشِفُ مِنْ أكْثَرِهِمْ غَدْراً وَمَكْراً بِكَ وَبِأصْحَابِكَ (تَطَّلِعَ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، وَهذا هُوَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَفِيهِ تَألُّفٌ لِقُلُوبِهِمْ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهُمْ إلَى الحَقِّ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى - وَنَسُوا حَظّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ - هُوَ أنَّهُمْ نَسُوا الكِتَابَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) . يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ - يُؤَوِّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ بِهِ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى غَيْرِ المَعْنَى المَقْصُودِ بِهِ. تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ - تَكْشِفُ مِنْهُمْ عَيْنَ غَدْرٍ وَخِيَانَةٍ. نَسُوا حَظّاً - تَرَكُوا نَصِيباً وَاقِراً.

стр. 684

﴿نصارى﴾ ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ ﴿القيامة﴾ (١٤) - وَكَذَلِكَ أخَذَ اللهُ تَعَالَى المِيثَاقَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالقِيَامِ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِمْ، فَسَلَكُوا فِي مِيثَاقِ اللهِ طَرِيقَ اليَهُودِ، فَبَدَّلُوا دِينَهُمْ، وَنَقَضُوا المِيثَاقَ الذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَنَسُوا حَظّاً كَبيراً مِنْ كِتابِهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ المَسِيحَ ﵇ لَمْ يَكْتُبْ مَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنَ المَواعِظِ، وَتَوحِيدِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَلاَ طُرُقَ الإِرْشَادِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَكَانَ الذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَامَّةِ (الحَوَارِيُّونَ كَانُوا مِنَ الصَّيَّادِينَ) ، وَاشْتَدَّ اليَهُودُ فِي مُطَارَدَتِهِمْ فَتَفَرَّقُوا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَاتٌ ذَاتِ قُوَّةٍ وَنُفُوذٍ وَعِلْمٍ تُدَوِّنُ مَا حَفِظُوهُ مِنَ الإِنْجِيلِ. وَالإِنْجِيلُ لَمْ يُكْتَبْ إلاَّ بَعْدَ ثَلاَثَةِ قُرُونٍ عِنْدَمَا دَخَلَ قُسْطَنْطِينُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَاً فِي تَفَرُّقِهِمْ وَتَعَادِيهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ شِيَعاً وَطَوَائِفَ، كُلُّ فِئَةٍ تُكَفِّرُ الأخْرَى وَتُعَادِيها. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَلْقَى بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ حَتَّى قِيامِ السَّاعَةِ. وَيَوْمِ القِيَامَةِ يُنْبِئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، وَبِمَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا نَسَبُوا إِلَيهِ مِنْ أنَّ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَداً . فَأغْرَيْنَا - هَيَّجْنَا وَحَرَّشْنَا.

стр. 685

﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿وَيَعْفُواْ﴾ ﴿كِتَابٌ﴾ (١٥) - يَا أَهْلَ الكِتَابِ إنَّا أرْسَلْنَا مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ كَثِيراً مِنَ الأَحْكَامِ التي أنْزَلَهَا اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَكُنْتُمْ تُخْفُونَهَا (كَالرَّجْمِ لِلزَّانِي المُحْصَنِ، وَكَصِفَاتِ مُحَمَّدِ، وَالبشَارَةِ بِهِ التِي حَرَّفْتُمُوهَا وَحَمَلْتُمُوهَا عَلَى مَعَانٍ أخْرَى، وَمِثْلِ الأحْكَامِ التِي أخْفَيْتُمُوهَا وَنَسِيتُمُوهَا كَنِسْيَانِ اليَهُودِ مَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ مِنْ أخْبَارِ الحِسَابِ وَالجَزَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَقَدْ أظْهَرَ الرَّسُولُ لَهُمْ كَلَّ ذّلِكَ) وَمَعَ هَذا فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يُحْفُونَهُ، وَلا يُظْهِرُ الكَثِيرَ مِمَّا كَانُوا يِكْتُمُونَهُ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِباً أَهْلَ الكِتَابِ: إِنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ نُورٌ مِنَ اللهِ وَكِتَابٍ مُبِينٌ، فَالنُّورُ هُوَ النَّبِيُّ الذِي لَوْلاَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالقُرْآنِ، لَمَا عَرَفُوا الدِّينَ الحَقَّ، وَلاَ مَا طَرَأَ عَلَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ مِنْ تَبْدِيلٍ وَتَحْرِيفٍ، وَالكِتَابُ هُوَ القُرآنُ. نُورٌ - هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ .

стр. 686

﴿رِضْوَانَهُ﴾ ﴿السلام﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿اصِرَاطٍ﴾ (١٦) - يَهْدِي اللهُ بِالقُرْآنِ، مَنْ أَرَادَ اتِّبَاعَ رِضَوَانَ رَبِّهِ، إلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ وَالسَّلاَمَةِ، وَمَناهِجِ الاسْتِقَامَةِ، وَيُخْرَجَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ وَالجَهْلِ وَالظُّلْمِ إلى نُورِ الإِيمَانِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ، بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَيَهْدِيهِمْ إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ. صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - طَرِيقٍ قَويمٍ، لاَ عِوَجَ فِيهِ.

стр. 687

﴿السماوات﴾ (١٧) - يَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ قَالُوا: إنَّ المَسِيحَ عِيسَى بِنْ مَرْيَمَ هُوَ اللهُ، قَدْ كَفَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، لأنَّ المَسْيحَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: مَنْ ذَا الذِي يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَ المَسْيِحَ وَأُمَّهُ مِنَ اللهِ، وَأنْ يَحْمِيَهُمَا مِنْهُ إنْ أرَادَ اللهُ أنْ يُهْلِكَهُمَا؟ بَلْ مَنْ يَسْتَطِيعُ أنْ يَعْتَرِضَ سَبِيلَ إِرَادَةِ اللهِ إنْ أَرَادَ أنْ يُهْلِكَ جَميعَ مَنْ فِي الأَرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ؟ فَاللهُ هُوَ مَالِكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَلا مُعَقِّبَ عَلَى تَصَرُّفِهِ، فَإِذَا كَانَ الأمْرُ قَدِ التَبَسَ عَلَى هَؤُلاءِ بِسَبَبِ خَلْقِ عِيسَى مِنْ دُونِ أبٍ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ دُونِ أبٍ وَلاَ أمٍّ.

стр. 688

﴿والنصارى﴾ ﴿أَبْنَاءُ﴾ ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ﴿السماوات﴾ (١٨) - قَالَ كُلٌّ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُنْتَسِبُونَ إلى أنْبِيَاءِ اللهِ، وَهُمْ بَنُوهُ، وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةٌ، وَهُوَ يُحِبُّنَا. وَأوْرَدُوا فِي كِتَابِهِمْ أنَّ اللهَ قَالَ لِعَبْدِهِ إِسْرَائِيلَ (يَعْقُوبَ) أنْتَ ابْنِي البِكْرُ. فَحَمَلُوا هَذا القَوْلَ عَلَى غَيْرِ تَأوِيلِهِ وَحَرَّفُوهُ. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُقَلائِهِمْ: إنَّ هذا القَوْلَ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى سَبيلِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ. وَوَرَدَ فِي الإِنجيلِ: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إنِّي ذَاهِبٌ إلى أبي وَأبِيكُمْ، يَعْنِي رَبِّي وَرَبِّكُمْ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ رَدّاً عَلَى أقْوالِ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَوْ كَنْتُمْ كَمَا تَدَّعُونَ أبْنَاءَ اللهِ وَأحِبَّاءَهُ فَلِمَ أعَدَّ اللهُ لَكُمْ جَهَنَّمَ جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَكَذِبِكُمْ وَافِتِرائِكُمْ؟ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِنَّنْ خَلَقَ اللهُ، وَلَكُمْ أسْوَةٌ بِأمْثَالِكُمْ، وَهُوَ سَبْحَانَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالحَاكِمُ المَتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِبُ مَنْ يَشَاءُ، وَلا مَعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَهُوَ سَريعُ الحِسَابِ.

стр. 689

﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾ (١٩) - يَقُولُ تَعَالَى لأهْلِ الكِتَابِ إِنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّداً رَسُولاً بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ مَا بَيْنَ إِرْسَالِ عِيسَى وَإِرْسَالِهِ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَسُولٌ (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) ، فَانْطَمَسَتْ سُبُلُ الهُدَى، وَتَغَيَّرَتِ الأدْيَان، وَكَثُرَ عُبَّادُ الأوْصَانِ وَالنِّيرَانِ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهلِ الكِتَابِ، بَعْدَ أنْ بَشَّرَهُمْ بِهِ فِي الكُتُبِ التي أنْزَلَهَا عَلَى أنْبِيائِهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ أنْبِيَاؤُهُمْ، وَذَلِكَ لِكَيْلا يَحْتَجُّوا وَيَقُولُوا: مَا جَاءَنا رَسُولٌ يُبَشِّرُ بِالخَيْرِ وَيُنْذِرُ بِالشَّرِّ. فَها قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى عِقَابِ مَنْ عَصَاهُ، وَعَلَى إثَابَةِ مَنْ أطَاعَهُ. عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ - بَعْدَ مُدَّةٍ طَويلةٍ لَمْ يَأتِ فِيهَا رُسُلٌ.

стр. 690

﴿يَاقَوْمِ﴾ ﴿وَآتَاكُمْ﴾ ﴿العالمين﴾ (٢٠) - وَاذْكُرْ يَِا مُحَمَّدُ لأهْلِ الكِتَابِ، وَأَنْتَ تُبِلِّغُهُمْ دَعْوَةَ رَبِّهِمِ، مَا قَالَهُ مُوسَى لِقَوْمِهِ، وَمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْعُمِ اللهِ وَأفْضَالِهِ عَلَيهِمْ، بِمَا جَمَعَهُ لَهُمْ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الهُدَى، فَقَدْ جَعَلَ الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيهِمْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُم إلى اللهِ، وَيُحَذِّرُهُمْ نِقَمَهُ، وَأنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَهُمْ مُلُوكاً (بِمَعْنَى أَنَّ وَاحِدَهُمْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ سُمِّيَ مَلِكاً) . وَأنَّهُ تَعَالَى آتَاهُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ بِالغَمَامِ فِي مَسِيرَتِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ.

стр. 691

﴿يَاقَوْمِ﴾ ﴿خَاسِرِينَ﴾ (٢١) - ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ مُحَرِّضاً إيَّاهُمْ عَلَى الجِهَادِ لِلاسْتِيلاءِ عَلَى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ (أي المُطَّهَرَةِ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ لِمَا بَعَثَ اللهُ فِيها مِنَ الأَنْبِيَاءِ الدُّعَاةِ إلى التَّوحِيدِ) ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم سِيرُوا إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَ اللهُ أبَاكُمْ إِبْرَاهِيمَ بأنْ يُسْكِنَ فِيها مَنْ آمَنَ مِنْ نَسْلِهِ، وَلاَ تَرْجِعُوا - بَعْدَ الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى - إلَى الوَثَنِيَّةِ وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَالبَغْي وَاتِّبَاعِ الأهْوَاءِ، فَإِنَّ فِي هذا الرُّجُوعِ خُسْراناً لَكُمْ.

стр. 692

﴿قَالُوا ياموسى﴾ ﴿دَاخِلُونَ﴾ (٢٢) - فَاعْتَذَرُوا عَنْ دُخُولِ البَلَدِ بِأَنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ذَوي خِلَقٍ هَائِلَةٍ، وَأَجْسَامٍ ضَخْمَةٍ، وَقُوى شَدِيدةٍ، وَأنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَلاَ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهَا، مَا دَامَ الجَبَّارُونَ فِيهَا، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا، دَخَلَها قَوْمُ مُوْسَى، وَإلاَّ فَإِنَّهُمْ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِ الجَبَّارِينَ. الجَبَّارُ - هُوَ القَوِيّ العَاتِي الذِي يُجْبِرُ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يُرِيدُ.

стр. 693

﴿غَالِبُونَ﴾ (٢٣) - فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إسْرَائِيلَ عَنْ إِطَاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ، وَمُتَابَعَةِ مُوسَى، حَرَّضَهُمْ رَجُلاَنِ، للهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ اللهُ وَيَخْشَى عِقَابَهُ، فَقَالاَ لِقَوْمِهِمَا: إنْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ، وَتَبِعْتُمْ أمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمْ رَبُّكُمْ عَلى أعْدَائِكُمْ، وَأيَّدَكُمْ وَأظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ البَلَدَ الذِي كَتَبَ اللهُ لَكُمُ السُّكْنَى فِيها، فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هذا القَوْلُ شَيئاً.

стр. 694

﴿ياموسى﴾ ﴿فقاتلا﴾ ﴿هَاهُنَا﴾ ﴿قَاعِدُونَ﴾ (٢٤) - وَلَكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصَرُّوا عَلَى النُّكُولِ عَنِ الجِهَادِ، وَعَلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِهِمْ، فَقَالوُا لَهُ: إنَّهُمْ لَنْ يَدْخُلُوا البَلَدَ مَا دَامَ الجَبَّارُونَ مُقِيمِينَ فِيهَا، فَإِذا أصَرَّ مُوسَى عَلَى الجِهَادِ فَلْيَذْهَبْ هُوَ وَرَبُّهُ فَلْيُقَاتِلاَ الجَبَّارِينَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ نَتِيجَةَ المَعْرَكَةِ قَاعِدِينَ، حَيْثُ هُمْ يُقِيمُونَ.

стр. 695

﴿الفاسقين﴾ (٢٥) - فَلَمَّا نَكَلُوا عَنِ القِتَالِ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى، وَاتَّجَهَ إلى اللهِ بِالدُّعَاءِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ مَنْ يُطِيعُنِي وَيُجِيبُنِي إلى تَنْفِيذِ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ إلاَّ نَفْسِي وَأَخِي هَارُونَ، فَاقْضِ يَا رَبِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، الخَارِجِينَ عَلَى طَاعَتِكَ (الفَاسِقِينَ) ، بِقَضَاءِ تَقْضِيهِ بَيْنَنَا، فَتَحْكُمَ لَنَا بِمَا نَسْتَحِقُّ، وَتَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ. (وَقِيلَ إنَّ المَعْنَى هُوَ: إنَّكَ إذَا أَخَذْتَهُمْ بِالعِقَابِ عَلَى فِسْقِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِكِ، فَلا تُعَاقِبْنا مَعَهُمْ) . فَافْرُقْ - فَافَصِلْ بِحُكْمِكَ.

стр. 696

﴿الفاسقين﴾ (٢٦) - فَلَمَّا دَعَا مُوسَى عَلَيهِم، حِينَ نَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ، قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ حَرَّمَ عَلَيهِمْ دُخُولَها أربعينَ سَنَةً، يَتِيهُونَ خِلاَلَهَا فِي الأَرْضِ (أيْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ) ، وَيَبْقَوْنَ مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدينَ، لاَ يَدْرُونَ مَصِيرَهُمْ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، خِلاَلَ المُدَّةِ التِي قَضَاهَا. اللهُ عَلَيْهِمْ. وَخِلاَلَ وُجُودِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ تُوُفِّيَ مُوسَى وَهَارُونُ، ﵉، وَتَوَلَّى قِيَادَةَ بَني إسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ (وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ ﵇ وَجَعَلَهُ الله نَبِيّاً فِيهِمْ، وَتُوُفِّيَ أكْثَرُ الجِيلِ القَدِيمِ، وَنَشَأ فِي الصَّحْرَاءِ وَالحُرِّيَّةِ جِيلٌ جَدِيدٌ. فَلَمَّا انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيهِمْ، خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إلى إحْدَى المُدُنِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَها. ثُمَّ سَلَّى اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَأسَفْ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيعاً لِليَهُودِ، وَبَياناً لِفَضَائِحِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَأمْرَ رَسُولِهِ، ونكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا. يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ - يَضِلُّونَ فِي الأرْضِ وَيَسيرُونَ عَلَى غَيرِ هُدىً. فَلاَ تَأسَ - فَلاَ تَحْزَنْ.

стр. 697

﴿ءَادَمَ﴾ (٢٧) - يُبِيِّنُ اللهُ تَعَالَى عَاقِبَةَ البَغْي وَالحَسَدِ وَالظُّلْمِ، فِي خَبْرِ ابْنَي آدَمَ (قَابِيلَ وَهَابِيلَ) ، وَكَيْفَ عَدا أحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فَقَتَلَهُ بَغْياً عَلَيهِ، وَحَسَداً لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَتَقَبَّلَ القُرْبَانَ الذِي أَخْلَصَ فِيهِ صَاحِبُهُ للهِ فَفَازَ المَقْتُولُ بِغُفْرَانِ اللهِ لَهُ خَطَايَاهُ، وَبِالدُّخُولِ إلَى الجَنَّةِ، وَعَادَ القَاتِلُ وَقَدْ خَسِرَ الدَّارَيْنِ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ. فَقَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: أقْصُصْ عَلى البُغَاةِ الحَسَدَةِ مِنَ اليَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأشْبَاهِهِمْ خَبَرَ ابْنَيْ آدَمَ الذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ وَيَتَنَاقَلُونَهُ، لَقَدْ قَرَّبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْبَاناً إلى اللهِ، فِي أَمْرٍ اخْتَلَفَا عَلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْ أَحَدِهِمَا قُرْبَانَهُ (وَهُوَ هَابِيلُ) وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ الآخَرِ (قَابِيلَ) ، بِأَنْ أَنْزَلَ اللهُ نَاراً مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَلَمْ تَمَسَّ النَّارُ قُرْبَانَ قَابِيلَ. فَغَضِبَ قَابِيلُ، وَهَدَّدَ أَخَاهُ بِالقَتْلِ، فَقَالَ لَهُ هَابِيلُ: إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ القُرْبَانَ وَالصَّدَقَاتِ مِنَ المُتَّقِينَ، الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ، وَاتَّقَوْا الشِّرْكَ، وَخَافُوا عِقَابَ اللهِ، وَاجْتَنَبُوا المَعَاصِي. قُرْبَاناً - مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ تَعَالَى.

стр. 698

﴿لَئِن﴾ ﴿العالمين﴾ (٢٨) - وَإذِا أَرَدْتَ أنْ تَبْسِطَ إليَّ يَدَكَ وَتَمُدَّهَا بِالشَّرِّ، وَإذَا نَوَيْتَ قَتْلِي، فَإنِّي لَنْ أُقَابِلَكَ عَلَى صَنِيعِكَ الفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أنَا وَأَنْتَ سَوَاءً فِي الخَطِيئَةِ، وَإنِّي أَخَافُ اللهَ مِنْ أنْ أَصْنَعَ بِكَ مَا تُرِيدُ أَنْتَ أنْ تَصْنَعَهُ بِي، وَلِذَلِكَ فَإنِّي أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.

стр. 699

﴿تَبُوءَ﴾ ﴿أَصْحَابِ﴾ ﴿جَزَآءُ﴾ ﴿الظالمين﴾ (٢٩) - وَإنِّي إذْ أَرْفُضُ مُقَابَلَةَ الجَرِيمَةِ بِمِثْلِهَا، فَإنَّنِي إنَّمَا أُرْيدُ أنْ تَتَحمَّلَ إِثْمَ قَتْلِي، وَالإِثْمَ الذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمْنَ أَجْلِهِ لَمْ يَتَقَبَّلَ اللهُ قُرْبَانَكَ، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَهَذَا هُوَ الجَزَاءُ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ. وَلَكِنَّ قَابِيلَ لَمْ يَخَفْ النَّارَ التِي خَوَّفُه بِهَا أَخْوُهُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ (وَقِيلَ إنَّ القَاتِلَ يَحْمِلُ فِي الآخِرَةِ إِثْمَ مَنْ قَتَلَهُ وَمَا عَلَيهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَحُقُوقٍ لِلْعِبَادِ، لأَنَّهُ بِقَتْلِهِ مَنَعَهُ مِنْ أنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ إنْ أرَادَ ذَلِكَ) . تَبُوءُ بِإِثْمِي - تَرْجِعُ أَوْ تَحْمِلُ إِثْمَ قَتْلِي إذَا قَتَلْتَنِي. وَإثْمِكَ - السَّابِقِ المَانِعِ مِنْ قُبُولِ قُرْبَانِكَ.

стр. 700

﴿الخاسرين﴾ (٣٠) - فَحَسَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَيهِ، بَعْدَ أنْ سَمِعَ مِنْ أخِيهِ المَوْعِظَةَ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وَلَمْ يَزْدَجِرْ، فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ القَاتِلُ مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنيا بِفَقْدِهِ أخَاهُ، وَفِي الآخِرَةِ إذْ أصْبَحَ مِنْ أهْلِ النَّارِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ كَانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ ") . (رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) .

стр. 701

﴿يُوَارِي﴾ ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ ﴿فَأُوَارِيَ﴾ ﴿النادمين﴾ (٣١) - ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَسْتَفِيدَ مِنْ تَجَارِبِ غَيْرِهِ، فَلَمَّا مَاتَ الأخُ القَتِيلُ، تَرَكَهُ القَاتِلُ فِي العَرَاءِ، وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَدْفِنُهُ، فَبَعَثَ اللهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلاَ، فَقَتَلَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ألْقَاهُ فِيهَا، ثُمَّ حَثَا عَلَيهِ التُّرَابَ. فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ آدَمَ القَاتِلُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا أَعَجِزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرَابِ فَأوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي؟ فَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَل. السَّوْءَةَ - مَا يَسُوء ظُهُورُهُ، وَالمَقْصُودُ بِهَا هُنَا جُثَّتُهُ. يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ - يَحْفِرُ فِيها لِيَدْفِنَ غُراباً قَتَلَهُ.

стр. 702

﴿بني إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بالبينات﴾ (٣٢) - يُخْبِرُ تَعَالَى: أنَّهُ بِسَبَبِ قِتْلِ ابْنِ آدَمَ أخَاهُ، شَرَعَ اللهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ مِنْ قِصَاصٍ أوْ إِفْسَادٍ فِي الأَرْضِ، وَاسْتَحَلَّ قَتْلَهَا، بِلاَ سَبَبٍ وَلاَ جِنَايَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ. وَمَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا، وَكَانَ سَبباً فِي حَيَاةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، بِإِنْقَاذِهَا مِنْ مَوْتٍ، فَكَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً، لأنَّ البَاعِثَ عَلَى الامتِنَاعِ عَنِ القَتْلِ هُوَ اعْتِقَادُهُ بِأنَّ ذَلِكَ شَرٌّ وَأنَّ اللهَ حَرَّمَهُ، وَلِذَلِكَ فَإنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَسْلَمُونَ مِنْ شَرِّهِ، وَيَأمَنُونَ أذَاهُ، وَلأنَّ البَاعِثَ عَلَى إنْقَاذِ النَّفْسَ مِنَ المَوْتِ الذِي كَانَ يَتَهَدَّدُهَا هُوَ الرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَالوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرَائِعِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ مُسْتَعِد لإنْقَاذِ كُلِّ نَفْسٍ إنِ اسْتَطَاعَ، وَلِذَلِكَ يَكُونُ كَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. وَلَقَدْ جَاءَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رُسُلُهُمْ بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ وَالدَّلاَئِلَ الوَاضِحَةِ. وَلَكِنَّ الكَثِيرينَ مِنْهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُسْرِفِينَ فِي فَسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ. (وَهَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللهَ تَعَالَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى ارْتِكَابِهِم المَحَارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهَا مَحَارِم) .

стр. 703

﴿جَزَآءُ﴾ ﴿خِلافٍ﴾ (٣٣) - المُحَارَبَةُ هُنَا هِيَ المُخَالَفَةُ وَالمُضَادَّةُ، لأنَّ فِيهَا عَدَمَ إذْعَانٍ لِدِينِ اللهِ وشَرْعِهِ، فِي حِفْظِ الحُقُوقِ، وَهِيَ تَصْدُقُ عَلَى الكُفْرِ، وَعَلى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَإِخَافَةِ السَّابِلَةِ. وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ الإِفْسَادُ فِي الأَرْضِ عَلَى أنْواعٍ مِنَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ. وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ، وَأَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ، فَخَيَّرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ إنْ شَاءَ أنْ يَقْتُلَهُمْ، وَإنْ شَاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ (أيْ إنْ قَطَعَ اليَدَ اليُمْنَى قَطَعَ مَعَهَا الرِّجْلَ اليُسْرَى، وَالعَكْسُ عَلَى العَكْسِ) أَو أَنْ يَنْفِيَهُمْ مِنَ الأَرْضِ التِي ارْتُكِبَ فِيها الجُرْمُ إلى أرْضٍ أُخْرَى لِيُسْجَنُوا فِيهَا (وَالنَفْي فِي مَفْهُومِ أبي حَنِيفَة هُوَ السِجْن) وَالصَحِيح: أنَّ عَامَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ مَنْ ارتَكَبَ عَمَلاً مِنْ أعمَالِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ. وَحُكْمُ المُحَارَبَةِ عِنْدَ الأئْمَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وابْنِ حَنْبَل يَكُونُ فِي الأمْصَارِ كَمَا يَكُونُ فِي الطُرِقِ خَارِجَ المُدُنِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكاً جَعَلَ المُحَارَبَةَ تَشْمَلُ حَالَةَ الرَّجُلِ الذِي يَخْدَعُ رَجُلاً فَيُدْخِلُهُ بَيْتَهُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأخُذُ مَا مَعَهُ. وَقَالَ أبو حَنِيفَة إنَّمَا تَكُونُ المُحَارَبَةُ فِي الطُّرُقَاتِ لِبُعْدِ النَّاسِ عَمَّنْ يُغِيثُ، أَمَّا فِي الأمْصَارِ فَلاَ تَكُونُ مُحَارَبَةٌ لأنَّ الإنْسَانَ قَدْ يَلْحَقُهُ غَوْثٌ إذَا اسْتَغَاثَ. وَفِي حَالَةِ المُحَارَبَةِ يَكُونُ دَمُ المَقْتُولِ للسُّلْطَانِ لاَ إلى وَليِّ المَقْتُولِ، وَلاَ يَكُونُ عَفْوُهُ سَبَباً فِي اسْقَاطِ العُقُوبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ العُقُوبَةَ تَكُونُ عَلَى الشَّ: ْلِ التَّالِي: إذَا قَتَلُوا يُقْتَلُونَ بِمَنْ قَتَلُوا. إذَا قَطَعُوا وَغَضَبُوا المَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تُقْطَعُ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، وَيُنْفَوْنَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ آخَرَ. إذَا أخَافُوا السَّابِلَةَ فَقَطْ يُحْبَسُونَ. وَهذا الجَزَاءُ هُوَ عَارٌ لَهُمْ وَنَكَالٌ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا (خِزْيٌ) ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ حَتَّى تَحِينَ وَفَاتُهُمْ. وَأكْثَرُ الأئِمَّةِ يَتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَاتَينِ الآيَتَينِ نَزَلَتَا فِي جَمَاعةٍ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَكَلَّمُوا بِالإسْلاَمِ فَوَجَدُوا المَدِينَةَ رَدِيئَةَ المُنَاخِ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ بِبَعْضِ الإِبْلِ وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ إلَى أَطْرَافِهَا لِيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ، وَاسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ فَأَرْسَلَ فِي الطَلَبِ فِي آثَارِهِمْ، فأُتِيَ بِهِمْ إلى النَّبِيِّ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ، فَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَتُرِكُوا حَتَّى مَاتُوا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِبَيَانِ عُقُوبَةِ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ. يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ - يُبْعَدُوا أوْ يُسْجَنُوا. خِزْيٌ - دُلٌّ وَفَضِيحَةٌ وَعُقُوبَةٌ.

стр. 704

(٣٤) - فَإِذا تَابَ الجُنَاةُ المُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِمُ السُّلْطَةُ فِي البَلَدِ، سَقَطَ عَنْهُمُ العِقَابُ المَفْرُوضُ (وَهُوَ القَتْلُ أَوْ الصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ اليَدَينِ. .) وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ، وَهُوَ مُخْلِصٌ فِيهَا، لأنَّ تَوْبَتَهُمْ وَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ خَالِصَةً للهِ، صَادِرَةً عَنْ اعْتِقَادٍ بِقُبْحِ الذَّنْبِ، وَالعَزْمِ عَلَى تَرْكِ العَوْدَةِ إلى فِعْلِ مِثْلِهِ (وَلَكِنْ تَبْقَى عَلَيهِمْ حُقُوقُ العِبَادِ) . قَبْلَ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ - قَبْلَ وُقُوعِهِمْ بِيَدِ السُّلْطَةِ.

стр. 705

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿وَجَاهِدُواْ﴾ (٣٥) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَاتِّقَاءِ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ شَرْعِهِ، وَالانْكِفَافِ عَنْ إتْيانِ مَحَارِمِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَبِأنْ يَتَقَرَّبُوا إليهِ بَطَاعَتِهِ، وَبِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ (وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ) . ثُمَّ أمَرَهُمْ بِجِهَادِ أعْدائِهِمْ، وَأعْدَاءِ اللهِ، الخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وَرَغَّبَهُمْ تَعَالَى فِي الجِهَادِ، بِأنْ أبَانَ لَهُمْ مَا أعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ القَيَامَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ، وَكَرِيمِ المَنْزِلَةِ، فَلَعَلَّهُمْ، إنْ قَامُوا بِأمْرِ رَبِّهِمْ، أنْ يُفْلِحُوا بِالفَوْزِ بِرِضَى اللهِ وَجَنَّتِهِ. (وَيَشْمُلُ الجِهَادُ كُلَّ جَهْدٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الحَقِّ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التِزَامِهِ، كَمَا يَشْمُلُ جِهَادَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ أهْوائِها، وَحَمْلِها عَلَى العَدْلِ وَالإِنْصَافِ فِي جَمِيعِ الأحْوالِ) .
следующие страницы →