Полный текст (6 113 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
﴿يابنيءَادَمَ﴾ ﴿يُوَارِي﴾ ﴿سَوْءَاتِكُمْ﴾ ﴿آيَاتِ﴾
(٢٦) - يَمْتَنُ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللِّبَاسِ (وَهُوَ مَا يُلْبَسُ لِسَتْرِ العَوْرَةِ) ، وَمِنَ الرِّيشِ (وَهُوَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ ظَاهِراً) . ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ إنَّ خَشْيَةَ اللهِ، وَالخُوْفَ مِنْهُ، هُمَا أَفْضَلَ مَا يَكْسِبُهُ الإِنْسَانُ وَيَلْبَسُهُ.
وَذَلِكَ الذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ النِّعَمِ بِإِنْزَالِ المَلاَبِسِ هُوَ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَدَلاَئِلِ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ.
(وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ بِلِبَاسِ التَّقْوَى - هُوَ مَا يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ وَالمَغَافِرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُتَّقَى بِهِ البَأْسُ فِي الحَرْبِ) .
الرِّيشُ - لِبَاسُ الحَاجَةِ وَالزِّينَةِ.
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ - أَعْطَيْنَاكُمْ وَوَهَبْنَا لَكُمْ.
لِبَاسُ التَّقْوى - الإِيمَانُ وَثَمَرَاتُهُ.
стр. 982
﴿يابنيءَادَمَ﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿سَوْءَاتِهِمَآ﴾ ﴿يَرَاكُمْ﴾ ﴿الشياطين﴾
(٢٧) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجَمَاعَتِهِ (قَبِيلِهِ) ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِعَدَاوَتِهِ القَدِيمَةِ لآدَمَ وَزَوْجِهِ، حِينَمَا سَعَى فِي إِخْرَاجِهِمَا مِنَ الجَنَّةِ، دَارِ السَّعَادَةِ وَالهَنَاءِ، إلَى الأَرْضِ دَارِ الشَّقَاءِ، وَتَسَبَّبَ فِي هَتْكِ سِتْرِهِمَا، وَكَشْفِ عَوْرَاتِهِمَا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُمَا، وَلِذَلِكَ فَإنَّ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِمْ ألاَّ يُمَكِّنُوا إِبْلِيسَ مِنْ خِدَاعِهِمْ، وَإِيقَاعِهِمْ فِي المَعَاصِي بِوَسْوَسَتِهِ، فَإِبْلِيسُ يَرَى البَشَرَ فِي حِينِ أَنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَهُ هُمْ. وَالشَّيَاطِينُ هُمْ أَوْلِيَاءُ وَأَخِلاَّءُ وَأَصْحَابٌ لِلْكُفَّارِ الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ مِنَ الإِنْسِ، لاسْتِعْدَادِهِمْ لِتَقَبُّلِ وَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَإِغْوَائِهِمْ. أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ.
لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ - لاَ يُضِلَّنَّكُمْ وَلاَ يَخْدَعَنَّكُمْ.
يَنْزِعُ عَنْهُمَا - يُزِيلُ عَنْهُمَا.
قَبِيلُهُ - جُنُودُهُ أَوْ ذُرِّيَتُهُ.
стр. 983
﴿فَاحِشَةً﴾ ﴿آبَاءَنَا﴾
(٢٨) - وَإِذَا فَعَلَ المُكَذِّبُونَ أَمْراً بَالِغَ النُّكْرِ، كَالشِّرْكِ، وَالطَّوَافِ، بِالبَيْتِ عُرَاةً، اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وَاللهُ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَرَضِيَ لَهُمْ عَنْ فِعْلِهِ، إِذْ أَقَرَّهُمْ عَلَيهِ.
وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مُنْكِراً مَا يَفْتَرُونَ: إنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِهذِهِ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَيهِ تَعَالَى مَا لاَ يَجِدُونَ دَلِيلاً عَلَى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ؟
فَعَلُوا فَاحِشَةً - فَعَلُوا فِعْلاً مُتَنَاهِياً فِي القُبْحِ.
стр. 984
(٢٩) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أَمَرَ رَبِّي بِالاسْتِقَامَةِ وَالعَدْلِ فِي كُلِّ الأُمُورِ (بِالقِسْطِ) ، فَأَقْسِطُوا وَتَوَجَّهُوا إلَى اللهِ بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ تَعْبُدُونَهُ فِيهِ، وَأَخْلِصُوا فِي عِبَادَتِهِ، وَكَمَا خَلَقَ اللهُ النَّاسَ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئاً، كَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُعِيدَهُمْ إلى الحَيَاةِ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ وَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَاللهُ لاَ يَتَقَبَّلُ العَمَلَ مِنَ العَبْدِ إلاَّ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعاً أَمْرَينِ:
- الصَّوابَ وَمُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ.
- وَأَنْ يَكُونَ خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ بَعِيداً عَنِ الشِّرْكِ.
بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ - وَهُوَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ للهِ.
أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ - تَوَجَّهُوا إِلَى عِبَادَتِهِ مُسْقَيمِينَ.
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - فِي كُلِّ مَكَانِ سُجُودٍ.
стр. 985
(٣٠) - وَكَمَا بَدَأَ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ خَلْقَاً وَتَكْوِيناً بِقُدْرَتِهِ، كَذَلِكَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ:
أ - فَرِيقاً هَدَاهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ فَاهْتَدَى، وَأَقَامَ وَجْهَهُ للهِ مُخْلِصاً فِي عِبَادَتِهِ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً.
ب - وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةَ لاتِّبَاعِهِمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ لِرَبِّهِمْ، وَإِنَّهُمْ حِينَ أَطَاعُوا الشَّيَاطِينَ فِيمَا زَيَّنُوهُ لَهُمْ مِنَ الفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ، أَصْبَحُوا وَكَأَنَّهُمْ وَلَّوْهُمْ أُمُورَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ الذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
стр. 986
﴿يابنيءَادَمَ﴾
(٣١) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى المُشْرِكِينَ، الذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ وَهُمْ عُرَاةٌ، وَكَانَ الذِينَ يَطُوفُونَ مِنْهُمْ يُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم الدَّسَمَ مَا أَقَامُوا بِألمَوْسِمِ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ بِسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ حِينَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَبالتَّجَمُّلِ عِنْدَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُم الأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِدُونِ إِسْرَافٍ (أَيْ بِدُونِ تَجَاوُزِ الحَدِّ المَعْقُولِ) ، لأنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبسُوا فلِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلاَ سَرَفٍ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرى أثرُ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِ) .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) .
يُقْصَدُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ - ارْتِدَاءُ المَلابِسِ الحَسَنَةِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ.
стр. 987
﴿الْطَّيِّبَاتِ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿الآيات﴾
(٣٢) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئاً مِنَ المَآكِلِ، وَالمَلاَبِسِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللهِ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤلاَءِ المُشْرِكينَ: مَنْ حَرَّمَ مَا خَلَقَ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَسْبَابِ الزِّيْنَةِ، وَمِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ؟ فَهذِهِ الطَّيِّبَاتُ وَالزِّينَةُ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِنْ شَركَهُمْ فِيها الكُفَّارُ فِي الدُّنْيا، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، لاَ يَشْرَكُهُمُ الكُفَّارُ فِي شَيءٍ مِنْها.
وَهكَذَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى آيَاتِهِ وَيَشْرَحُهَا لِمَنْ يَعْقِلُونَ مِنَ النَّاسِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ مَالِكُ المُلْكِ وَبِيَدِهِ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ.
стр. 988
﴿الفواحش﴾ ﴿سُلْطَاناً﴾
(٣٣) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَافْتَرُوْا عَلَى اللهِ الكَذِبَ، فَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِن كَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِم الزِّينَةَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ إلاَّ الأُمُ رَ التَّاليةَ.
أ - الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (كَالزِّنَى وَالمَعَاصِي الأُخْرَى) .
ب - الإِثْمَ - وَهُوَ المَعْصِيَةُ.
ج - البَغْيَ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ.
د - وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُشْرِكُوا مَعَهُ أَحَداً فِي عِبَادَتِهِ.
هـ - وَأَنْ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ وَيَكْذِبُوا، وَأَنْ يَقُولُوا عَلَيْهِ مَا لا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ (كَقِوْلِهِمْ إنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ نَحْوَ ذلِكَ. . .) .
الفَوَاحِشَ - كِبَارَ المَعَاصِي لِمَزِيدِ قُبْحِهَا.
الإِثْمَ - مَا يُوجِبُهُ مِنْ سَائِرِ المَعَاصِي.
البَغْيَ - الظُّلْمَ وَالاسْتِطَالَةَ عَلَى خَلْقِ اللهِ.
سُلْطَاناً - حُجَّةً وَبُرْهَاناً.
стр. 989
(٣٤) - جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلاً وَمِيقَاتاً قَدَّرَهُ لِهَلاكِهِمْ. فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لِهَلاَكِهِمْ، وَحُلُولِ العِقَابِ بِهِمْ، أَخَذَهُمْ فَلا يَسْتَطِعُونَ إِبْطَاءً وَلاَ تَعَجُّلاً وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً.
стр. 990
﴿يابنيءَادَمَ﴾ ﴿آيَاتِي﴾
(٣٥) - وَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّهُ سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ مِنِ البَشَرِ، يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ وَيُبَيِّنُونَ لَهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ. فَمَنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَآمَنَ بِرُسُلِهِ، وَاتَّقَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَصْلَحَ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ العَمَلَ. . فَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أَمْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَخَافُ مِمَّا هُوَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ يَحْزَنُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيا، وَلاَ عَلَى مَا خَلَّفَهُ فِيهَا وَرَاءَهُ.
стр. 991
﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾
(٣٦) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ المُنَزَّلَةِ عَلَى أَحَدِ رُسُلِهِ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها، وَعَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ فِيهَا، وَعَنِ العَمَلِ بِمَا فِيهَا. . . فَهَؤُلاَءِ سَيَكُونُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ أَبداً، لاَ يَمُوتُونَ وَلاَ يَحْيَونَ (خَالِدِينَ أَبَداً) .
стр. 992
﴿بِآيَاتِهِ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿كَافِرِينَ﴾
(٣٧) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ بِأَنْ أَوْجَبَ عَلَى العِبَادِ شَيْئاً مِنَ العِبَادَاتِ لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ، أَوْ عَزا إلى دِينِهِ أَحْكَاماً لَمْ يُنْزِلها اللهُ عَلَى رُسُلِهِ.
وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ، بِالقَوْلِ أَوْ بِالاسْتِهْزَاءِ، وَالاسْتِكْبَارِ عَنِ اتِّبَاعِهَا، وَهَؤُلاَءِ المُفْتَرُونَ المُكَذِّبُونَ سَيَحْصَلُونَ عَلَى نَصِيبِهِمْ مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الآجَالِ وَالأَرْزَاقِ (نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتَابِ) مَعْ ظُلْمِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، لاَ يُحْرَمُونَ شَيْئاً مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ إلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ. فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ جَاءَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمنِ يَتَوَفَّوْنَهُمْ، فَيَسْأَلُونَهُمْ: أَيْنَ الذِينَ كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَتَدْعُونَهُم آلِهَةً، وَتَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ؟ أُدْعُوهُم الآنَ لِيُخَلِّصُوكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ؟ فَيُجِيبُهُمْ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ: لَقَدْ غَابُوا عَنَّا وَتَوارَوُا (ضَلُّوا عَنَّا) فَلاَ نَرْجُو مِنْهُم نَفْعاً وَلاَ ضَراً. وَيُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدَعوَتِهِم الشُّرَكَاءَ مَعَ اللهِ، وَيَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
стр. 993
﴿أُخْرَاهُمْ﴾ ﴿لأُولاَهُمْ﴾ ﴿فَآتِهِمْ﴾
(٣٨) - فَيُقَالُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ: ادْخُلُوا مَعَ جَمَاعَاتٍ وَأُمَمٍ مِنْ أَمْثَالِكُمْ، وَعَلَى صِفَاتِكُمْ، قَدْ سَبَقَتْكُمْ فِي الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ. وَكُلَّمَا دَخَلَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي النَّارِ، لَعَنَتْ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ وَالمِلَّةِ إِذْ هِيَ قَدْ ضَلَّتْ بِاتِّبَاعِهَا، وَالاقْتِدَاءِ بِهَا فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا فِي النَّارِ جَمِيعاً (ادَّارَكُوا فِيهَا) ، قَالَتْ آخِرُ كُلِّ أُمَّةٍ دَاخِلَةٍ إلَى النَّارِ (وَهُمُ الأَتْبَاعُ وَالسِّفْلَةُ) تَشْكُو أَهْلَ المَنْزِلَةِ وَالمَكَانَةِ مِنَ الكُبَرَاءِ المَتْبُوعِينَ، مِمَّنْ تَقَدَّمُوهُمْ فِي الدُّخُولِ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ:
إنَّ هَؤُلاَءِ هُمُ الذِينَ أَضَلُّونَا وَدَفَعُونَا إلَى الشِّرْكِ وَالضَّلاَلَةِ، فَأَضْعِفْ لَهُم العَذَابَ يَا رَبِّ، وَزِدْهُمْ فِيهِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لَقَدْ فَعَلْنَا، وَجَعَلْنَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفاً مِنَ العَذَابِ لإِضْلاَلهِ النَّاسَ، فَوْقَ العَذَابِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى ضَلاَلِهِ، وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَا يُلاَقُونَهُ مِنَ العَذَابِ.
ادَّارَكُوا فِيهَا - تَلاَحَقُوا فِي النَّارِ وَاجْتَمَعُوا فِيهَا.
أُخْرَاهُمْ - فِي المَنْزِلَةِ وَهُمُ السِّفْلَةُ وَالأَتْبَاعُ (وَقَدْ يَكُونُونَ الآخِرِينَ فَي الدُّخُولِ إلَى النَّارِ لأنَّ الكُبَرَاءَ يَكُونُونَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْها) .
أُولاَهُمْ - مَنْزِلَةً وَهُمُ القَادَةُ - وَقَدْ يَكُونُونَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إلَى النَّارِ.
عَذَاباً ضِعْفاً - عَذَاباً مُضَاعَفاً وَمَزِيداً.
стр. 994
﴿أُولاَهُمْ﴾ ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾
(٣٩) - وَيَرُدُّ المَتْبُوعُونَ عَلَى الأَتْبَاعِ قَائِلِينَ: لَقَدْ ضَلَلْتُمْ كَمَا ضَلَلْنَا نَحْنُ وَلِذَلِكَ فَلَيْسَ لأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أَحَدٍ يَسْمَحُ بِأَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ العَذَابُ، فَذُوقُوا العَذَابَ الذِي تَسْتَحِقُّونَهُ، عَلَى مَا اقْتَرَفْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي وَالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ. (أَوْ إنَّ هذِهِ العِبَارَة يَقُولُها اللهُ لَهُمْ مُوَبِّخاً وَمُقَرِّعاً) .
стр. 995
﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿أَبْوَابُ﴾
(٤٠) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ تَكَبُّراً وَطُغْيَاناً، وَلَمْ يَتَّبِعُوا رُسُلَ اللهِ اسْتِكْبَاراًَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، فَهَؤُلاَءِ لاَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لأَرْوَاحِهِمْ، وَلاَ يَرْفَعُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ عَمَلٌ وَلاَ دُعَاءٌ، وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَدْخُلَ الحَبْلُ الغَلِيظُ (الجَمَلُ) فِي فَتْحَةِ الإِبْرَةِ الصَّغِيرَةِ (سَمِّ الخِيَاطِ) . فَكَمَا أنَّ الحَبْلَ الغَلِيظَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ فِي فَتْحَةِ الإِبْرَةِ الصَّغِيرَةِ، كَذَلِكَ لاَ يَدْخُلُ الكُفَّارُ الجَنَّةَ.
وَهَذَا جَزَاءٌ عَادِلٌ مِنَ اللهِ لِلْمُجْرِمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ، مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
الجَمَلُ - الحَبْلُ الغَلِيظُ - وَقِيلَ إِنَّ المَقْصُودَ بِهِ هُنَا الجَمَلُ حَقِيقَةً.
سَمِّ الخِيَاطِ - ثُقْبِ الإِبْرَةِ.
стр. 996
﴿الظالمين﴾
(٤١) - وَلَهُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فُرُشٌ مِنْ تَحْتِهِمْ (مِهَادٌ) ، وَلَهُمْ مِنْهَا أَغْطِيَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ تُغَطِّيهِمْ (غَوَاشٍ) . وَبِمِثْلِ هَذَا الجَزَاءِ يَجْزِي اللهُ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ، المُضِلِّينَ لِلْنَّاسِ.
مِهَادٌ - فُرُشٌ أَوْ مُسْتَقَرٌ.
غَوَاشٍ - أَغْطِيَةٍ.
стр. 997
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُون﴾
(٤٢) - وَالذِينَ آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ اللهِ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، بِجَوارِحِهِمْ، فَهَؤُلاَءِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَداً.
وَالإِيمَانُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ سَهْلانِ مَيْسُورٌ فِعْلُهُمَا لِجَمِيعِ النَّاسِ، لأنَّ اللهَ لاَ يُكَلِّفُ أَحَداً إلاَّ قَدْرَ طَاقَتِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ.
وُسْعَها - طَاقَتَها وَمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
стр. 998
﴿الأنهار﴾ ﴿هَدَانَا﴾
(٤٣) - وَيَنْزِعُ اللهُ مَا فِي صُدُورِ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْ حِقْدٍ وَضَغِينَةٍ وَحَسَدٍ، فَيُصْبِحُونَ مُتَحَابِّينَ، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ فِي أَرْضِ الجَنَّةِ، وَيَنْظُرُونَ إلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَيَقُولُونَ: الحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا إلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وَلَوْلاَ هُدَى اللهِ لَمَا كُنَّا اهْتَدَيْنَا إِليهِ، لَقَدْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ رُسُلُ اللهِ هُوَ الحَقَّ. وَيُنَادُوْنَ (يُنَادِيهِم اللهُ تَعَالَى أَوْ تُنَادِيهِم المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ) : إنَّ هذِهِ الجَنَّةَ التِي أَنْتُمْ تَحُلُّونَهَا قَدْ أَوْرَثَكُمُ اللهُ إِيَّاهَا ثَوَاباً لَكُمْ وَجَزَاءً عَلَى إِيمَانِكُمْ وَأَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ.
الغِلٌّ - الحِقْدُ وَالضَّغِينَةُ وَالعَدَاوَةُ.
стр. 999
﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿الظالمين﴾
(٤٤) - وَبَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَهْلَ الجَنَّةِ فِيهَا، وَيَحْمَدُونَ اللهَ تَعَالَى عَلَى النَّعِيمِ الذِي أَسْبَغَهُ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، يَطَّلِعُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَرَوْنَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّصَبِ، وَيَرَوْنَ قَوْماً مِمَّنْ عَرَفُوهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللهِ، وَيَكْفُرُونَ بِهَا، وَيَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَيُشَكِّكُونَ فِي صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ عَنْ ثَوَابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَاعِلِي الخَيْرِ، وَعَنِ العَذَابِ الذِي يَنْتَظِرُ المُكَذِّبِينَ المُجْرِمينَ، فَيُخَاطِبُونَهُمْ قَائِلِينَ: لَقَدْ وَجَدْنَا نَحْنُ مَا وَعَدَنَا رَبُّنا مِنْ نَعِيمٍ، وَجَنَّاتٍ، حَقّاً، جَزَاءً عَلَى الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ النَّارِ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ عَذَابٍ وَنَكَالٍ حَقّاً؟ فَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ النَّارِ: أَنْ نَعَمْ، لَقَدْ وَجَدْنَا ذَلِكَ. وَبَعْدَ أَنْ يُقِروا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، يُعْلِنُ مُعْلِنٌ: أَنْ لَعْنَةَ اللهِ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي.
أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ - نَادَى مُنَادٍ، أَوْ أَعْلَنَ مُعْلِنٌ.
стр. 1000
﴿بالآخرة﴾ ﴿كَافِرُونَ﴾
(٤٥) - وَيُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ اتِّبَاعِ مَا شَرَعَ اللهُ مِنَ الهُدَى، وَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّاتَ، وَيَبْغُونَ أَنْ تَكُونَ سَبيلُ اللهِ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ حَتَّى لاَ يَسْلُكَهَا أَحَدٌ، وَيَكْفُرُونَ بِلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لاَ يُصَدِّقُونَ وَلاَ يُؤْمِنُونَ، وَلِذَلِكَ فَإنَّهُمْ لاَ يُبَالُونَ بِمَا يَأْتُونَ مِنْ مُنْكَرِ القَوْلِ وَالفِعْلِ، لأنَّهُمْ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَ اللهِ وَحِسَابَهُ.
يَبُغُونَهَا عِوَجاً - يَطْلُبُونَهَا ذَاتَ اعْوِجَاجٍ.
стр. 1001
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ ﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿سَلاَمٌ﴾
(٤٦) - وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ بَيْنَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ حِاجَزاً (حِجَاباً) يَمْنَعُ وُصُولَ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الجَنَّةِ، وَهُوَ السُّورُ الذِي قَالَ عَنْهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أَخْرَى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾ وَهُوَ الأَعْرَافُ.
وَيَقُولُ المُفسِّرُونَ: يَقِفُ عَلَى الأَعْرَافِ أُنَاسٌ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ مَعْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَلاَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَلا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيهِمْ، وَلكِنَّهُمْ يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَأَهْلُ الأَعْرَافِ يَعْرِفُونَ كُلاًّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الجَنَّةِ بِسِيمَاهُمُ التِي وَصَفَهُمُ اللهُ بِهَا (وَهِيَ بَيَاضُ الوَجْهِ، وَنَضْرَةُ النَّعِيمِ التِي تَعْلُو وُجُوهَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَوادُ الوَجْهِ وَالقَتَرَةُ التِي تَرْهَقُ وُجُوهَ أَهْلِ النَّارِ) . وَيَتَوَجَّهُ أَهْلُ الأَعْرَافِ إلَى أَهْلِ الجَنَّةِ بِالسَّلاَمِ قَائِلِينَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، يَقُولُونَهَا مُهَنِّئِينَ بِالفَوْزِ بِالحِسَابِ، طَامِعِينَ فِي أَنْ يُدِخِلََهُمُ اللهُ الجَنَّةَ مَعَهُمْ.
(وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) إِنَّ أَهْلَ الأَعْرَافِ يُسَلِّمُونَ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَجْتَازُوا الحِسَابَ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، إِذْ يَكُونُونَ طَامِعِينَ فِي دُخُولِهَا لِمَا رَأَوْهُ مِنْ يُسْرِ الحِسَابِ) .
بَيْنَهُمَا حِجَابٌ - حَاجِزٌ - وَهُوَ سُورٌ بَيْنَهُمَا.
الأَعْرَافِ - أَعَالِي السُّورِ الفَاصِلِ بَيْنَ النَّارِ وَالجَنَّةِ.
بِسِيمَاهُمْ - بِعَلاَمَاتٍ مُمَيِّزَةٍ فِيهِمْ.
стр. 1002
﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ ﴿أَصْحَابِ﴾ ﴿الظالمين﴾
(٤٧) - وَكُلَّمَا اتَّجَهَتْ أَبْصَارُهُمْ إلَى جِهَةِ أَهْلِ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَقَالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ.
стр. 1003
﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾
(٤٨) - وَيَعْرِفُ أَهْلُ الأَعْرَافِ رُؤُوسَ الكُفْرِ، وَقَادَةَ الشِّرْكِ، وَهُمْ فِي النَّارِ، بِسِيمَاهُمْ (أَيْ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ) فَيُقَرِّعُونَهُمْ قَائِلِينَ: لَمْ تَنْفَعْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وَجَمْعُكُمُ المَالَ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْكُمُ اسْتِكْبَارُكُمْ، مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَهَا أَنْتُمْ قَدْ صِرْتُمْ إلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَذَابِ، وَسُوءِ المَصِيرِ.
لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ - لَمْ تُفِدْكُمْ وَلَمْ تَنْفَعْكُمْ.
стр. 1004
(٤٩) - ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُمْ مُوَبِّخِينَ مُقَرِّعِينَ، وَهُمْ يَلْفِتُونَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى أَهْلِ الجَنَّةِ الذِينَ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَيَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يُصِيبَهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ: أَهَؤُلاَءِ الذِينَ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَنْ يَرْحَمَهُمْ؟ ألاَ تَرَوْنَ مَا قِيلَ لَهُمْ بِأَمْرِ اللهِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ، لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفْتُمْ وَرَاءَكُمْ فِي الدُّنْيَا.
стр. 1005
﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿أَصْحَابَ﴾ ﴿الكافرين﴾
(٥٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذِلَّةِ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ، وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الجَنَّةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئاً مِنْ شَرَابِهِمْ وَطَعَامِهِمْ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: إِنَّ اللهَ حَرَّم ذَلِكَ عَلَى الكَافِرِينَ.
أَفِيضُوا عَلَينَا - صُبُّوا عَلَينا أَوْ أَعْطُونَا.
стр. 1006
﴿الحياة﴾ ﴿نَنسَاهُمْ﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾
(٥١) - وَوَصَفَ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ، الذِينَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَاءَ وَالطَّعَامَ، بِأَنَّهُمْ: الذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ لَهْواً وَلَعِباً، وَاغْتَرُّوا بِالدُّنيا وَزِينَتِهَا وَزُخْرُفِها، فَانْصَرَفُوا إِليها، وَتَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ العَمَلِ لِلآخِرَةِ.
وَكَمَا نَسِيَ هَؤُلاَءِ دِينَهُمْ وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَجَحَدُوا بِهَا، فَإِنَّ اللهَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الشَّيءِ المَنْسِيِّ، الذِي لاَ يَبْحَثُ عَنْهُ أَحَدٌ، وَيَنْسَاهُمْ فَلا يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ، وَيَتْرُكُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يُعَذَّبُونَ.
غَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيا - خَدَعَتْهُمْ بِزَخَارِفِهَا وَزِينَتِهَا.
نَنْسَاهُمْ - نَتْرُكُهُمْ فِي العَذَابِ كَالمَنْسِيِّينَ.
وَمَا كَانُوا - وَكَمَا كَانُوا.
стр. 1007
﴿جِئْنَاهُمْ﴾ ﴿بِكِتَابٍ﴾ ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾
(٥٢) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّه أَعْذَرَ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّداً رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، وَفَصَّلَهُ تَفْصِيلاً لِيُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ مَا يَحْتَاجُهُ المُكَلِّفُونَ مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، تَزْكِيَةً لِلْنُفُوسِ، وَتَطْهِيراً لِلْقُلُوبِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ سَعَادَتِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَجَعَلَهُ هُدًى وَرَحْمَةً لِمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ إِيمَاناً يَبْعَثُهُ إلَى العَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ.
стр. 1008
(٥٣) - إِنَّ هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، وَيَشُكُّونَ فِي صِدْقِ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ، فَهَلْ يَسْتَمِرُّ هَؤُلاَءِ الجَاحِدُونَ فِي تَرَدُّدِهِمْ حَتَّى يَتَحَقَّقَ وَقُوعُ مَا أَشَارَ القُرْآنُ إِلى حُدُوثِهِ مِنْ أُمُورِ الغَيْبِ وَالمَعَادِ؟ وَمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنْ نَصْرٍ وَعِزَّةٍ فِي الدُّنْيا، وَجَنَّةٍ وَنَعيمٍ فِي الآخِرَةِ، وَمَا أَنْذَرَ بِهِ الكَافِرِينَ مِنْ ذِلَّةٍ وَخِذْلاَنٍ فِي الدُّنْيا، وَعَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الآخِرَةِ (هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ) . فَإِذَا وَقَعَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ القُرْآنُ، وَبَيَّنَتِ الأَحْدَاثُ الوَاقِعَةُ تَأْوِيلَهُ وَتَفْسِيرَ مَا جَاءَ فِيهِ، وَبَعَثَ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْحِسَابِ، حِينَئِذٍ يُفِيقُ هؤُلاَءِ الكَفَرَةُ مِنْ غَفْلَتِهِمْ، وَهُمُ الذِينَ نَسُوا هذا القُرْآنَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَيَقُولُونَ لأَنْفُسِهِمْ (أَوْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) : إِنَّ رُسُلَ اللهِ قَدْ جَاؤُونَا بِالحَقِّ وَلَكِنَّنَا لَمْ نُؤْمِنْ بِذَلِكَ، فَهَلْ لَنَا مَنْ يَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا؟ أَوْ هَلْ يَرُدُّنَا اللهُ إلى الدَّارِ الدُّنْيا فَنَرْجِعَ عَمَّا كُنّا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَنُؤْمِنَ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَنَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحاً يُرْضِيهِ؟
وَهَؤُلاَءِ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَغَبَنُوهَا حُظُوظَهَا بِدُخُولِهِمُ النَّارَ، وَخُلُودِهِمْ فِيهَا، وَغَابَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَسِيرِ (ضَلَّ عَنْهُمْ) الذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، فَلا يَشْفَعُونَ فِيهِمْ، وَلاَ يَنْصُرُونَهُمْ، وَلاَ يُنْقِذُونَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ.
تَأْوِيلُهُ - عَاقِبَةُ مَا وَعَدَ الكِتَابُ (القُرْآنُ) وَمَآلُهُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ.
يَفْتَرُونَ - يَقُولُونَ كَذِباً وَاخْتِلاَقاً عَنِ الشُّرَكَاءِ وَشَفَاعَتِهِمْ.
стр. 1009
﴿السماوات﴾ ﴿الليل﴾ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ ﴿العالمين﴾
(٥٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ: السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِما وَمَا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ اسْتِواءً يَليقُ بِجَلاَلِهِ، وَأَخَذَ يُدَبِّرُ أَمْرَهُمَا، فَيُتْبعُ اللَّيْلَ النَّهَارَ، فَيَغْشَى الوُجُودَ بِالظُّلْمَةِ، وَيُتْبعُ النَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَغْشَاهُ بِالضِّيَاءِ، يَتَتَابَعَانِ سَرِيعاً، لاَ يَتَأَخَّرُ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنَّجُومُ كُلُّهَا تَسِيرُ مُسَخَّرةً، بِأَمْرِ رَبِّهَا، وَمُنْقَادَةً لِحُكْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، وَللهِ الأَمْرُ وَالمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ.
وَنَسُوقُ هُنَا مَا قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ حَوْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ) : (نَسْلكُ فِي هَذا المَقَامِ مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَهُوَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْييفٍ وَلاَ تَشْبيِهٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَالظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إلَى أَذْهَانِ المُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لا يُشْبِهُهُ شَيءٌ (وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) . وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الخُزَاعِيُّ شَيْخُ البُخَارِيِّ: (مَنْ شَبَّهَ اللهُ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَن جَحَدَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ فِيمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلاَ رَسُولهُ تَشْبِيهٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ مَا وَرَدَتْ بِهِ الآثَارُ الصَّرِيحَةُ وَالأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الوَجْهِ الذِي يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَنَفَى عَنِ اللهِ النَّقَائِصَ فَقَدْ سَلَكَ سَبيلَ الهُدَى) .
стр. 1010
(٥٥) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إلى دُعَائِهِ بِتَضَرُّعٍ وَبِصُورَةٍ خَفِيَّةٍ. (أَيْ بِخُشُوع وَصِحَّةِ يَقِينٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَبُرُبُوبِيَّتِهِ) لاَ جَهَاراً وَلاَ مُرَاءَاةً، فَاللهُ لاَ يُحِبُّ أَنْ يَتَجَاوَزُوا فِي الدُّعَاءِ حُدُودَ مَا أُمِرُوا بِهِ (كَالمُبَالَغَةِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الدُّعَاءِ، أَوْ طَلَبِ العَوْنِ مِنَ اللهِ عَلَى ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالمُنْكَرَاتِ، أَوْ التَّوجُّهِ بِالدُّعَاءِ إلَى غَيْرِ اللهِ لِيَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ. . .) .
ادْعُوا رَبَّكُمْ - اسْأَلُوهُ قَضَاءَ حَاجَاتِكُمْ.
تَضَرُّعاً - مُظْهِرِينَ الضَّرَاعَةَ وَالذِّلَّةَ وَالاسْتِكَانَةَ وَالخُشُوعَ.
خُفْيَةً - سِرَاً فِي أَنْفُسِكُمْ.
стр. 1011
﴿إِصْلاَحِهَا﴾ ﴿رَحْمَتَ﴾
(٥٦) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَهَا اللهُ بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ وَالنِّظَامِ، وَبِمَا هَدَى النَّاسَ إِلَيهِ مِنْ حُسْنِ اسْتِغْلاَلها، وَالانْتِفَاعِ بِخَيْرَاتِهَا، وَبِمَا سَخَّرَهُ لَهُمْ مِنْهَا.
وَيَشْمَلُ الإِفْسَادُ كُلَّ مَا أَفْسَدَ العُقُولَ وَالعَقَائِدَ، وَالآدَابَ الشَّخْصِيَّةَ وَالمَعَايِشَ وَالمَرَافِقَ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَصِنَاعَةٍ. . ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ خَوْفاً مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ شَدِيدِ العِقَابِ، وَطَمَعاً بِمَا عِنْدَهُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوابِ، فَرَحْمَةُ اللهِ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ الذِي يَتَّبِعُونَ أَوَامِرَهُ وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ.
رَحْمَةَ اللهِ - إِنْعَامَهُ وَإِحْسَانَهُ أَوْ ثَوَابَهُ.
стр. 1012
﴿الرياح﴾ ﴿سُقْنَاهُ﴾ ﴿الثمرات﴾
(٥٧) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُدَبِّرُ لأمْرِ الخَلْقِ وَالكَوْنِ، وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ يَدِيْ رَحْمَتِهِ، مِنَ السَّحَابِ الحَامِلِ لِلْمَاءِ، فَيُنْشِىءُ بِهَا السَّحَابَ الثِّقَالَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ المَاءِ، حَتَّى إذَا أَقَلَّتِ الرِّيحُ السَّحَابَ، وَرَفَعَتْهَا إلَى جَوِّ السَّمَاءِ، سَاقَتْها الرِّيَاحُ، بِأَمْرِ رَبِّها، إلَى أَرْضٍ مُجْدِبَةٍ لاَ نَبَاتَ فِيهَا لِتُمْطِرَ عَلَيهَا، وَتَصُبَّ مَا فِيهَا مِنَ المَاءِ، فَتُنْبِتَ الأَرْضُ، وَتَخْرُجَ فِيهَا الثَّمَراتُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. وَكَمَا يُخْرِجُ اللهُ النَّبَاتَ وَالثَّمَرَاتِ مِنَ الأَرْضِ المَوَاتِ بِالمَطَرِ وَالمَاءِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِ المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَرِّبُوا هَذَا المَثَلَ مِنْ ذلِكَ تَتَذَكَّرُوا هذا الشَّبَهَ، فَيَزُولَ اسْتِبْعَادُكُمْ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
بُشْراً - مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ.
بَلَدٍ مَيِّتٍ - بَلَدٍ مُجْدِبٍ، لاَ نَبَاتَ فِيهِ وَلاَ مَاءَ.
стр. 1013
﴿الآيات﴾
(٥٨) - وَالأَرْضُ مِنْهَا الطَّيِّبَةُ الكَرِيمَةُ، وَمِنْهَا الخَبِيثَةُ كَالسِّباخِ وَغَيْرِهَا، فَالأَرْضُ الطَّيِّبَةُ يَخْرُجُ نَبَاتُها بِسُهُولَةٍ حَسَناً، وَالأَرْضُ الخَبِيثَةُ لاَ يَخْرُجُ نَبَاتُها إلاَّ بِصُعُوبَةٍ وَعُسْرٍ (نَكِداً) ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ البَرِّ وَالكَافِرِ الفَاجِرِ. وَهَكَذا يَضْرِبُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيَّنُ لَهُم الآيَاتِ (يُصَرِّفُ) لَعَلَّ المُؤْمِنينَ يَشْكُرُونَ رَبَّهُمْ عَلَى مَا هَدَاهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
النَّكِدُ - هُوَ العَسِيرُ المُمْتَنِعُ مِنْ إِعْطَاءِ الخَيْرِ بُخْلاً، أَوْ هُوَ القَلِيلُ الذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ.
نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُها بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ لِيَعِيَهَا النَّاسُ.
стр. 1014
﴿يَاقَوْمِ﴾
(٥٩) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قِصَّةَ آدَمَ، ﵇، شَرَعَ فِي سَرْدِ قَصَصِ الأَنْبِياءِ الكِرَامِ، فَابْتَدأ بِنُوحٍ، ﵇، لأنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ إلى أَهْلِ الأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ.
وَقَدْ لاقَى نُوحٌ مِنْ قَوْمِهِ عَنَاءً وَعَنتاً، فَوَجَدَ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَسَمّوها بِأَسْمَاء، مِثْل وَدٍّ وَسَواع وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ. . . فَبَعَثَ اللهُ نُوحاً فَأَمَرَ قَوْمَهُ بِعِبَادِةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
стр. 1015
﴿لَنَرَاكَ﴾ ﴿ضَلاَلٍ﴾
(٦٠) - فَقَالَ جُمْهُورُ السَّادَةِ وَالكُبَرَاءِ (المَلأُ) مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ: إِنَّنَا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ فِي دَعْوَتِكَ إِيَّانَا إلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ التي وَجَدْنَا آبَاءَنا يَعْبُدُونَها.
المَلأُ - السَّادَةُ وَالكُبَرَاءُ.
стр. 1016
﴿يَاقَوْمِ﴾ ﴿ضَلاَلَةٌ﴾ ﴿العالمين﴾
(٦١) - فَقَالَ لَهُمْ نُوحٌ: إِنَّنِي لَسْتُ ضَالاً، وَلَمْ أَخْرُجْ عَنِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ فِي دَعْوتي لَكُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَإِنَّما أَنَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ وَرَبِّ كُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ وَمَالِكِهِ.
стр. 1017
﴿رِسَالاَتِ﴾
(٦٢) - وَأَنَا أَتَوَلَّى إِبْلاَغَكُمْ مَا أَرْسَلَنِي بِهِ اللهُ إِلَيْكُمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إلَى التَّوْحِيدِ، وَإِخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ، وَأَتَوَلَّى نُصْحَكُمْ وَتَوْجِيهَكْم إِلَى الخَيْرِ وَإِنَّنِي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، لأَنَّنِي مُرْسَلٌ مِنْ قِبَلِهِ إِلَيْكُمْ.
أَنْصَحُ لَكُمْ - أَتَحَرَّى مَا فِيهِ صَلاَحُكُمْ قَوْلاً وَفِعْلاً.
стр. 1018
(٦٣) - قَالَ لَهُمْ نُوحٌ: أَعَجِبْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ، لأنَّ اللهَ أَوْحَى إلَى رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ (مِنْكُمْ) ، وَأَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولاً لِيَدْعُوكُمْ إلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَيُحَذِّرَكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَنَكَالِهِ إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، لَعَلَّ هَذا الإِنْذَارَ يَحْمِلُكُمْ عَلَى أَنْ تَتَّقُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ، مِنَ الشِّرْكِ فِي عِبَادَتِهِ، وَالإِفْسَادَ فِي الأَرْضِ، وَإنَّ اللهَ يُرِيدُ أَنْ يُعِدَّكُمْ بِالتَّقْوَى لِلْفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ التِي تُرْجَى لِكُلِّ مَنْ أَجَابَ الدَّعْوَة.
стр. 1019
﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ ﴿بِآيَاتِنَآ﴾
(٦٤) - فَكَذَّبَهُ جُمْهُورُهُمْ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، وَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنْ مَعَهُ، إلاَّ قَليلٌ مِنْهُمْ، فَأَنْجَى اللهُ نُوحاً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ (الفُلْكِ) ، وَأَغْرَقَ بِالطُّوفَانِ الذِينَ كَذَّبُوا نُوحاً بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَبَرَاهِينِهِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَدْ كَانَ الذِينَ أَغْرَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالطَّوَفَانِ، قَوْماً عَمِينَ عَنِ الحَقِّ، لا يُبْصِرُونَهُ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَيهِ، فَنَصَرَ اللهُ رَسُولَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ.
قَوْماً عَمِينَ - عُمْيَ القُلُوبِ عَنِ الحَقِّ وَالإِيمَانِ.
стр. 1020
﴿يَاقَوْمِ﴾
(٦٥) - وَكَمَا أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى نُوحاً إلى قَوْمِهِ، كَذَلِكَ أَرْسَلَ هُوداً إلَى قَوْمِهِ عَادٍ، وَهُوَ مِنْهُمْ، يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُ لُغَتَهُمْ وَتَفْكِيرَهُمْ لِيَسْتَطِيعَ مُخَاطَبَتَهُمْ. وَكَانَ قَوْمَ عَادٍ ذَوِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وَقُوَّةٍ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ فِي الأَحْقَافِ فِي جَنُوبِّي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسَ تَكْذِيباً لِلْحَقِّ، اعْتِدَاداً مِنْهُمْ بِقُوَّتِهِمْ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ. فَدَعَاهُمْ هُودٌ إلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ نِقَمِهِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى فِعْلِ مَا يُسْخِطُ اللهَ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَهَا.
следующие страницы →