← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب لمحمد بن محمود بن أحمد البابرتى الحنفي المتوفي سنة ٧٨٦ هـ دراسة وتحقيق ضيف الله بن صالح بن عون العمرى إشراف فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور / عمرو بن عبد العزيز محمد الجزء الأول مكتبة الرشد ناشرون

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي الحمد لله الذى جعل المناسبة بين العالم ومعلوماته منجما للخطأ والصواب، فكان معيارا لمعرفة المرجوح من الراجح، وقوة الانتقال في

стр. 3

المناظرة معجمًا لمن يستحق أن يوجه نحوه الخطاب، فكان مسبارً لغور الإدراك الحاصل من القرائح. ونعت نبينا محمدا ﷺ بالنبوة المطلقة بشيرا ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاُ منيراً. فعرف باتباعه الصالح من الطالح. ونصر شريعته بأصحاب كان بعضهم لبعض ظهيراً، وبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً، ونصر شريعته بأصحاب كان بعضهم لبعض ظهيراً، وبشرهم بأن لهم من الله فضلا كبيرا، فلا أحد منهم إلا وهو فاضل وناجح. صلوات الله وسلامه عليه وعليهم تسليماُ دائماً كثيراً يحزن به الخاسر، ويفرح به الرابح. أما بعد: فإن أقوى ماتمتد نحوه أعناق الأفاضل وترغب في تحصيله أفئدة ذوى التحصيل من الأواخر والأوائل "أصول الفقه" الباحث عن أصول الفقه التي هي في علم الشريعة أعظم

стр. 4

الدلائل. وأصحابنا ـ بحمد الله ـ السابقون منهم هم السابقون في حلبات تدوينه وتسطيره، واللاحقون منهم هم الحائزون لقصبات سبقة في تحريره وتقريره. وغيرهم إنما يتبع أثار أقدامهم، وجمع ما سقط من السنة أقلامهم. فجعلوا يشكرون إذا تجرعوا بجرعتهم، وطفقوا يسكرون أبصارهم، ولم ينشأوا إلا ببقعهم. تصوروا

стр. 5

اللجج مخاضاً، ولو علموا ماتوا مخاضا فهم في ذلك بادون أنقاضاً. وخالون عن آخرهم وفاضا. وما ذاك إلا لقصور المناسبة عن الجلائل، ووفور القناعة عن الأخبية بالجلائل.

стр. 6

هذا وإن منهم الإمام المحقق سيف الدين الآمدي صنف كتاب الإحكام, وجمع فيه اللطاف في العلل والأحكام، ولم يأل جهداً في التهذيب والإحكام إلى حيث يصل منهم الإفهام. ومنهم الإمام المختصر المدقق جمال الدين ابن الحاجب اختصر الإحكام اختصاراً كاد أن يخرجه عن الإفهام، فأغرب به بما أعجب ذوي الأوهام. ومنهم الفاضل الألمعي ناصر الدين البيضاوي صنف المنهاج وجعله

стр. 7

كسراج وهاج، وأجادوا فيما فعلوا، وأفادوا بما نقلوا، لكنهم أخذوا يرمون أصحابنا والمرمى حيث ذهبوا وعالوا، فما وجدوا من تأويلاتهم الصحيحة القريبة استبعدوها ولو وجدوها بعيدة لاستبطلوها، وتابعهم في ذلك شراحهم فامتلأت من مدام الملام أقداحهم. وها أنا قد كشفت عن ساعدي نقد "للمختصر" ينبه الفطن على ما غفلوا من ماجد الأصحاب، وتعسفوا فتركوا إلى القشر ما هو محض اللباب، فمن رزق الفطنة الوقادة عرفها ومن اتبع الفاعة والعادة (٢/أ) فعن الحقائق صرفها. والله الحق حقيق بإلهام الصواب، يؤتى الحكمة من يشاء وهو الحكيم الوهاب. ص: "وينحصر". ش: "اختلف الشارحون في ضمير ينحصر فمنهم من أعاده إلى أصول الفقه، ومنهم من أعاده إلى المختصر.

стр. 8

فالأولون قالوا: وجه انحصار أصول الفقه فيها أن لكل علم مبادئ, ومسائل وموضوعاً. فالمبادئ: هي مبادئ أصول الفقه. والأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح موضوعة؛ لأن الأصول يبحث فيها عن أحولها الموصلة إلى الاحكام، وكيفية استثمارها عنها على وجه كلى، ويعلم من ذلك أن مسائلة هي تلك الأحوال المبحوث عنها فيه. وهذا ليس بشيء، لأنه ليس فيه بيان حصره فيها، بل بيان أن المذكور في المختصر عائد إلى المبادئ والموضوع والمسائل, والمقصود بيان الحصر، ولأنه سيذكر أن "الحد" من

стр. 9

المبادئ، وهو ليس من أجزاء العلوم. وأجيب: بأنه جعله جزءاً بطريق التغليب، وهو استعمال خطابه في موضوع جدلي، وهو في قوة الخطأ عند المحصلين. والآخرون قالوا: المقصود الأولى من تأليف هذاالمختصر العمل بالأحكام ولا يمكن إلا بمعرفتها ولها طرق، وللطرق أمور تتعلق بها من جهة إفضائها إلى التمكن من العمل بها, فإذا لا يكون المذكور نفس المعرف أولا. والأول: الادلة السمعية. والثاني: إما أن تكون ما يتوقف عليه المعرف، أولا. والأول: الترجيح. والثاني: الاجتهاد؛ إذا ليس لغير الاجتهاد بعد الثلاثة تعلق بالتمكن من العمل أصلاً؛ لأن المكلف إذا بذل جهده بعد تحقق الثلاثة وعرفها، حصلت له معرفة الاحكام, وتمكن من العمل المقصود بالقصد الأولى. وهو فاسد أما أولاً: فلأن المقصود من تأليف المختصر ليس العمل بالأحكام، بل التمكن من معرفة كيفية الاستنباط على أن العمل بها لا يصلح أن يكون مقصوداً أولياً من المصنفات في الفقه؛ لأن المقصود الأولى معرفة الأحكام والتمكن من العمل بها إنما هو بعدها فضلاً أن يكون مقصوداً أصلياً من المصنفات في الاصول. وأما ثانياً: فلأن لمعرفة الأحكام طريقاً واحداً هي تعلم الفقه والطرق إنما هي

стр. 10

لمعرفة كيفية استنباطها، والأدلة السمعية قد لا تكون معرفة للعامل بها وأن كانت معرفة لمستنباطها، لكن الكلام في كونها معرفة للعامل. وأما ثالثاً: فلأن المعرف لا يتوقف له على حد أصول الفقه، والمصنف جعله من المبادئ. وأما رابعاً: فلأن المراد بالاجتهاد أن كان نفسه فليس من أجزاء المختصر أصلاً؛ لكونه أمراً قائماً بالمجتهد، وأن كان المراد معرفته فلا نسلم أنه ليس بعد الثلاثة لغير الاجتهاد (٢/ب) تعلق بالتمكن من العمل لأن للفقه تعلقا بالتمكن من العمل وهو غير ذلك، على أنه ذكر في المختصر مسألة مكرراً وليس ذلك كله من المبادئ والأدلة والاجتهاد والترجيح وهي في المختصر مسألة مكرراً وليس ذلك كله من المبادئ والادلة والاجتهاد والترجيح وهي في المختصر، وقد ذكر الشارحون من هذا النمط كثيراً والذى نقلته أقوى ما ذكروه فلا حاجة إلى التطويل بذكرها، وسيأتي الكلام في المبادئ. وأما الأدلة السمعية فالظاهر أن المراد بها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكون الإجماع والقياس دليلاً سمعياً غير واضح؛ لأنهما ليسا سمعيين، وإنما ثبتت حجتهما بالسمع، أي بمسموع آخر وإثباتهما به غيرهما لا محالة، والاعتذار بأن السمعية تسمية فيجوز وصفهما بها من حيث كونهما دليلين ثابت بالسمع كذلك؛ لعدم استقامته في الكتاب والسنة لأن وصفهما بها ليس من حيث أن كونهما دليلين ثابت بمسموع آخر لئلا

стр. 11

يتسلسل بل من حيث أنهما مسموعان إلا لمن يجوز إدارة معنيين مختلفين من لفظ واحد بإطلاق واحد، وهو مرجوح على ما سيأتي والمراد بالاجتهاد والترجيح ههنا معرفتهما وسيأتي الكلام فيهما إن شاء الله. واعلم أن الحكم الثابت بالدليل المرجح إنما حصل باستفراغ الفقيه جهده في استنباطه فكان التراجيح اجتهاداً وذكر أحدهما تكراراً محضاً في موجز كاد تركيبه يلغز. ص- فالمبايء: حده إلى آخره. ش- المباديء عند الأصوليين هو: ما يبدأ به قبل الشروع في المسائل لتوقفها عليه، أو لتوقف تصور العلم أو غايته أو استمداده عليه. وهي بهذا المعنى بتمامها لا تكون من أجزاء العلم، ولهذا بطل رجوع ضمير ينحصر إلى أصول الفقه، كما تقدم. وإذا عرف هذا فمن حاول علماً وجب عليه أن يتصوره بحده والمراد به ما يجعل غير الحاصل التصورى من الأمور الحاصلة في الذهن حاصلاً سواء كان من الذاتيات. أو العرضيات. أو منهما؛ ليكون على بصيرة في طلبه وأن يعرف موضوعه وهو: ما يبحث في ذلك العلم عن أحواله اللاحقة به. ليتميز ذلك العلم عن غيره، وهو الأدلة المذكورة، والاجتهاد فيما نحن فيه.

стр. 12

وأن يعرف غايته؛ لئلا يكون سعيه عبثاً، وقد عبر عنها بالفائدة واستمداده، ليتمكن من البناء على المستمد منه إذا احتاج إليه. ص ـ أما حده لقيا. ش ـ أي حد أصول الفقه من جهة أنه علم يدل على المدح فأنه المراد باللقب, أما أنه علم فلأنه موضوع لنوع من العلم ولا يقبل الاشتراك. وأما أنه يدل على المدح، فلأنه يدل على أن مدلوله ما يبنى عليه (٣/ أ) العلم الذى به سعادة الدنيا والاخرة، وهو منقول إلى العلم عن متعلقه لأن مفهومه الاضافي متعلق هذا العلم، وهو علم له، واعلم أن العملية تنافي التعريف، إذ لا يجوز أن يقال: زيد من حيث أنه علم لفلان معرف بكذا أو كذا، فأن التعريف للكليات، وأن كونه موضوعا لنوع من العلم ينافي العلمية؛ لأن النوع كلى والعلم لا يكون إلا للجزئيالحقيقي. ص- فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. إلى آخره.

стр. 13

ش- سيذكر المصنف أن أصح حدود العلم: صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض. وأضافة ههنا إلى متعلقه وهو القواعد بناء على أن تعرف نوع من العلم لا يمكن الا يذكر متعلقه. والقواعد هي: الأمور الكلية المنطبقة على الجزئيات ليتعرف أحكامها منها. قيل: احترز به عن الامور الجزئية، وعن بعض مسائل الأصول؛ لأنه وأن كان من أصول الفقه لكنه ليس نفسه، لأن بعض مسائل الأصول؛ لأنه وأن ٍكان من أصول الفقه لكنه ليس نفسه، لأن بعض الشيء غيره. وفيه نظر. وقوله: "يتوصل بها إلى استنباط الاحكام " احتراز عن العلم بالقواعد التي تسنبط بها سائر الحرف والعلوم، وفي ذكر التوصل إشارة إلى أنه علم إلى لا مقصود بذاته. وقوله: "الشرعية" احتراز عن العقليات. وقوله "الفرعية" يعني بها الفقهية, فقيل: أنه لبيان الواقع. وقيل: احتراز عن الأحتراز عن الاحكام الكلامية، فأنها شرعية أصلية. واعترض عليه: بأنه (من أنه علم) لايكون العلم بالقواعد المذكورة, بل هو اسم لذلك, والاعتذار بأن الاسم غير المسمى عند

стр. 14

الأشاعرة غير مجد؛ لأنه تسمية لا اسم. وبأن القواعد الموصوفة لو كانت معلومة للأصولي على وجه لا يحتمل النقيض لما وقع الخلاف فيها، لكنه واقع فأن ههنا أن العام الذى لم يخص لا يفيد القطع عند العامة، وخالفهم الحنفية وقالوا أنه قد يفيده. والموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية، وأمثلته

стр. 15

كثيرة. وبأن العلم بالقواعدعلم بأمور كلية ليست بذاتها موصلة إلى استنباط الاحكام الشرعية، بل بواسطة الجزئيات التي يتعلق بكل جزئي أوبعدة منها استنباطي حكم شرعي. فالجزئيات يتوصل بها بلا واسطة، والكليات يتوصل بها بواسطتها فترك الاقرب إلى الابعد وهو في قوة الخطأ عند ذوى التحصيل. وأن كان لابد من التعرض للقواعد كان الأسد أن يقول: فالعلم بالأمور التي يتوصل بها إلى آخره. وبأن القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الاحكام لا تعلم الا في اصول الفقه، اذ في غيره من العلوم لم يذكر أصلاً أن الخاص حكمه كذا، والمشترك حكمه كذا، والمجمل كذا

стр. 16

والمتشابه حكمه كذا، وكذا الدلائل السمعية تفيد القطع أو لا تفيده، والقياس كذا وحكمه كذا، لا أخالك تنكره. فيكون العلم (٣/ب) بها موقوفاً على العلم بأصول الفقه، فالتعريف به دون هذا. وقد أعترض عليه الشارحون بغير ما ذكر، وكثر الكلام في ذلك فمنها ما قيل: أن هذا التعريف غير مطرد لصدقه على علم الخلاف. ومنها: أنه اعتبر فيالحد الإضافة، الإضافة عارضة فالتعريف بها لا يكون حداً. ومنها: أن القواعد تناولت خبر الواحد, والقياس وهما ظنيان فليسا من أصول الفقه لأن أصول الفقه علم بالقواعد. وأجيب عن الأول: بأن قواعد الخلاف لحفظ الاحكام المستنبطة لا لاستنباطها. وعن الثاني: بأن المراد بالحد هو الجامع المانع وهو أعم من أن يكون

стр. 17

بالذاتيات أو بغيرها وقد تقدم. وعن الثالث: بأن القواعد لم تتناول خبر الواحد والقياس لذاتهما، بل من حيث أفادتهما الظن فهما من حيث كذلك معلومان والظن فيما أفاداه. ص- وأما حده مضافاً: فالأصول الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. ش- أي حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف لا من حيث أنه لقب, ولما فرغ من تعريفه لقباً بين تعريفه مضافاً، وتعريفه كذلك لا يكون إلا بمعرفة المضاف والمضاف إليه فقال: "الأصول الادلة". والأصول جمع أصل، وهو: ما يحتاج إليه الشيء. وقيل: ما يبنى عليه الشيء. والأدلة السمعية المعهودة أصول بالمعنيين جميعا؛ لأنها تحتاج إليها الفروع

стр. 18

ويبنى عليها. وقال الفقه: "العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال ". وقد تقدم حد العلم، وأن نوعاًمن العلوم لا يعرف إلا بذكر متعلقة، ومتعلق علم الفقه الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. وما قيل في بيان متعلق مطلق العلم: أنه الذوات. أن كان مقتضيا لنسبة مفيدة، أو الصفات، أن كان مقتضيا لنسبة مفيدة، أو الصفات، أن لم يكن ضعيف؛ لأن المراد بالصفة أن كان ما يتناول الكم والكيف والوضع والمتاوالأينوالإضافة والملك والفعل

стр. 19

والانفعال، فالأفعال والصفات والأحكام داخلة فيه، وأن أراد بعض ذلك فالقسمة ليست بحاصرة، بل متعلق مطلق العلم هو المقولات العشر. والأحكام جمع حكم، وهو: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. وأما "جمع" إشارة إلى أقسامه وهي: الوجوب والندب، والحرمة، والكراهة, والإباحة على ما سيأتي. والجهة الموجبة لنسبتها إلى الشرع كون تعلقها أو كون العلم بتعلقاتها مستفادا منه. والجهة الموجبة لنسبتها إلى الفرع كون أدلتها التفصيلية متفرع عن الأدلة الأصولية أو كونها متعلقة بالعمل الذى هو فرع العلم والأدلة التفصيلية هي الأمارات وإذا عرف هذا. فقوله: "العلم" كالجنس، وقوله: "بالأحكام" يخرج غيرها من المتعلقات كالذوات والصفات والأفعال. وقوله: الشرعية " يخرج العقلية. وقوله: "الفرعية" يخرج الأصولية (٤/أ) وقوله: "عن أدلتها التفصيلية" يخرج

стр. 20

علم الله - تعالى- ورسوله, وعلمنا بوجوب الصلاة والزكاة، والحج, لأن علم الله ورسوله ليس عن الأدلة، وعلمنا بها ضروري غير محتاج إلى الدليل. وقوله "بالاستدلال" يخرج اعتقاد المستفتي. وليس المراد بعلمها تصورها، لأنه من مبادىْ أصول الفقه، ولا التصديق بثبوتها في أنفسها لأنه من مسائل الكلام، بل المراد به التصديق بكونها متعلقة بالأفعال. كقولنا: شرب النبيذ حرام، وأمثال ذلك والمراد بالتصديق: القدر المشترك بين الظن والتقليد واليقين، وهو الاعتقاد الراجح لا اليقين خاصة، لأنه لو كان كذلك لم يتناول العلم اعتقاد المستفتي فلم يحتج إلى قيد يخرجه وكان قيد الاستلال ضائعا. (ولو رود) الشبهة المشهورة وهي: أن الفقه من باب الظنون لأنه مستفاد من الأدلة الظنة، والمستفاد من الظن ظني فكيف يكون علمًا؟.

стр. 21

وأجيب عن الأول: بأن المستفتي فبل الفتوى ليس بمعتقد، وبعده اعتقاده مستند إلى علم المجتهد، وهو أن كان قطعيا فاعتقاده كذلك، وأن كان ظنيا لم يكن العلم متناولا لعلم المجتهد فتخصيص الكلام باعتقاد المستفتي غير موجه. وعن الثاني: بأنا لا نسلم الفقه من باب الظنون؛ لأن المراد بالعلم بالأحكام العلم بوجوب العمل بها، وهو ثابت بدليل قطعي لحصوله للمجتهد من مقدمتين قطعيتين، إحداهما: أن هذا الحكم مظنون، وهي ضرورية. والثانية: أن كل مظنون يجب العمل به بالإجماع. ويلزم من ذلك هذا الحكم يجب العمل به قطعا، إلا أن الظن وقع في طريقه، لأنه وقع محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى، ولا يلزم من كون المحمول ظنيا كون القضية ظنية.

стр. 22

وضعف الأول: بأن اعتقاد المستفتي وعلم المجتهد إذا كانا متساويين كان إبطال أحدهما إبطالا للآخر فيكون الكلام متوجها نظرا إلى المقصود. والثاني، بوجوه أقواها ما قيل: لا نسلم أن الإجماع يفيد القطع؛ لأنه مبنى على الأدلة الظنية، سلمنا أن أدلته قطعية، لكنه يفيد القطع إذا بلغنا بالتوتر، وهو ممنوع، هذا أقوى ما ذكروه في هذا الموضوع وأوضحه وهو كما ترى يفيد أن المراد بالعلم التصديق بالمعنى الأعم. وأقول: المراد " بالعلم" ههنا هو التصور، و "بالأحكام" أقسام خطاب الله الخمسة، وقوله: "الشرعية" أي المنسوبة إلى الشرع بمعنى الشارع. وقوله: "الفرعية" أي المتعلقة بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير، و "الادلة التفصيلية" هي الامارات؛ أي الأسباب كحدوث العالم لوجوب الإيمان وأوقات الصلاة لوجوبها فيها، وتحريم إخراجها عنها، وكراهتها عند تأخيرها إلى الوقت المكروه، وشهر رمضان لوجوب (٤/ب) الصوم فيه وتحريم تأخيره عنه، ويوم العيد لكراهته فيه، ويومعرفه وعاشوراء لانتدابه فيه وملك النصاب لوجوب الزكاة، والبيت للحجيج، والنكاح لحل وطاء الزوج وحرمة نكاح غيره،

стр. 23

والتوقان لوجوبه، واعتدال الحال لإباحته، وخوف الجور لكراهته والطلاق لحرمة وطاء من كان جائزا له، وحالة الحيض لكراهته، والعتاق لخروج الملك وجوبه وحرمة استخدامه بغير رضاه، والبيع لوجوب

стр. 24

خروج المبيع عن ملك البائع ووجوب الثمن على المشترى، والاجارة لإباحة الانتفاع للمستأجر بعد ما لم يكن وحرمته على الاجر بعد حله، وتعاطى المحظورات لما رتب عليها من عقوبة أو دية أو كفارة، أو غير ذلك، ما يطول شرحه من الامور التي تفيد أحد الأقسام الخمسة. وقوله: "بالاستدلال"؛ أي الحاصلة بالاستدلال من الأدلة السمعية على ذلك الامارات، ويكون المعنى: الفقه تصور خطاب الله - تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخبير عن الأسباب الحاصلة بالاستدلال عليها من الادلة السمعية، وهو من هذه الحيثية مبادئ أصول الفقه، على ما سيجاء. ولا يرد الفقه من باب الظنون لأنه مستفاد من الادلة الظنية؛ لأنه إذا كان تصورا لا يستدل عليه بظني ولا بغيره. واعلم أن قوله: "وأما حده مضافاً" ليس بمستقيم لا لفظا ولا معنى. أما لفظا: فلأن ضمير "حده" لأصول الفقه، فيكون تقديره: وأما حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف إلى شيء، وأصول الفقه ليس بمضاف إلى شيء، وأن جعلت "مضافا" مصدرا بمعنى الإضافة كان المعنى: أصول الفقه من حيث إضافة إلى شيء، أو من حيث إضافة شيء إليه، وكلاهما ليس بمراد ولا صحيحا، وأن جعلت تقديره: "حد أصول الفقه"، أي هذا اللفظ المركب من حيث إضافة بعض أجزائه إلى بعض لا يصح.

стр. 25

قوله: "فالأصول: الأدلة" لأن الأدلة ليست حده من حيث أن بعض أجزائه مضاف إلى بعض آخر، بل من حيث أن المتكلم أراد من هذا اللفظ مدلول هذا الآخر، فليس إلا تعريفاً لفظياً كتعريف الغضنفر بالأسد. وأما معنى: فلأن حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف على وجه كان ليس ما يحتاج إلى ذكره في هذا المختصر. ص- وأورد: أن كان المراد البعض لم يطرد؛ لدخول المقلد. وأن كان الجميع لم ينعكس، لثبوت "لا أدرى". ش- يعني أورد على حد الفقه بفقد أحد أمرين لا بد من وجودهما في كل حد أغنى الاطراد والانعكاس، فأن الحد يجب أن يكون مساويا للمحدود؛ لأن الأخص أخفي، والأعم لا دلالة (له) على الأخص أصلا. فحينئذ يجب تحقق (٥/أ) المحدود عند تحقق الحد، وهو الاطراد، وانتفاؤه عند انتفائه، وهو الانعكاس. فالألف واللام في قوله: "بالأحكام"، إما أن يراد بهما جميع الأحكام أو بعضها فإن أريد الثاني لم يطرد؛ إذ المقلد عالم بالبعض، فيصدق عليه حد الفقه فيكون علمه

стр. 26

فقهًا، لكنه ليس كذلك، لأنه لا يسمي فقيها. وأن أريد الأول، لم ينعكس؛ لأنه الأئمة المجتهدين فقهاء لا محالة، ولم يعلموا جميع الفقه، فأن مالكا ﵀ سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: لا أدرى، ولم يخالف أحد في كونه فقيها إمام دار الهجرة. ص- وأجيب: بالبعض، ويطرد؛ لأن المراد بالأدلة: الأمارات. وبالجميع: وينعكس؛ لأن المراد تهيؤه للعلم بالجميع. ش- أجيب عن هذا الإيراد على كل واحد من الشقين فقيل المراد: البعض والمقلد ليس بداخل؛ لأن المراد البعض الحاصل من الأدلة التفصيلية بالاستدلال وما

стр. 27

للمقلد ليس كذلك، وإلا لم يكن مقلدا. وعبارة المصنف قاصرة عن البيان على هذا الوجه، وتقدير كلامه: بأن المراد بالأدلة الأمارات، وعلم المقلد ليس بالأمارات، ليس بكاف؛ لأنه يفيد أن المراد بالأدلة ليس علم المقلد، وليس بمراد، بل المراد: أن المراد بالأحكام ماكان حاصلا بالإمارات، وفقه المقلد ليس كذلك. والتكلف الزائد في تصحيحه يفضى إلى كونه من الألغاز، هذاعلى الشق الأول. وعلى الثاني: فيقال: المراد "بالأحكام جميعها"، التهيؤ للعلم بجميعها، والتهيؤ له كذلك لا ينافيه لا أدرى، لجواز أن يقول ذلك عند تعارض الأدلة، قبل التمكن من الاجتهاد مع وجود التهيؤ وهو: الاستعداد القريب إلى الفعل عند حصول الطرق. وفي كلامه نظر من أوجه: الأول: أن "الأحكام" جمع معرف باللام وهو يفيد العموم، فالتخصيص بالبعض تخصيص بلا مخصص، واستعمال مجاز مجمل في التعريف. الثاني: أن خروج المقلد قد علم من قوله: "عن أدلنها التفصيلية" أو من قوله: بالاستدلال فالإيراد به غير متوجه. الثالث: أن ذكر العلم وإرادة التهيؤ له غير جائز؛ لأنه على التفسير المذكور ليس بمستلزم له؛ لأن حصول العلم بعد تمهيد الطرق عادى عند أهل السنة فقد يتخلف ولا لازم له؛ لجواز أن يكون ضروريا يحصل بدونه فلا يجوز إرادته منه لا

стр. 28

مجازًا ولا كناية. الرابع: أن إطلاق العلم على الفقه حينئذ إنما يكون باعتبار ما يؤل إليه فلا يكون علما: حقيقة. الخامس: أنه يلزم أن يكون الفقه هو التهيؤ، وهو ليس بعلم ولا صادق عليه. السادس: أن المراد بالجميع، جميع ما يكون حكما شرعيا إلى قيام الساعة أو ما يكون حكما شرعيا مدة حياته، فأن كان الأول: لا يمكن التهيؤ لذلك لأحد، وأن كان الثاني لزم أن يكون (٥/ب) المراد به البعض؛ لأنه بعض الاحكام الشرعية، فما فرضناه جميعا لم يكن جميعا، هذا خلف باطل، والحق أن يقال: الفقه وهو تصور خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. مفهوم الكل والجزء منه في إطلاق الاسم والرسم سواء كالقرآن. ص- وأما فائدته: فالعلم بأحكام الله.

стр. 29

ش- قال الشارحون: فائدة أصول الفقه معرفة أحكام الله - تعالى- التي فائدته: معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، لا معرفة الأحكام. ص- وأما استمداده فمن الكلام، والعربية، والأحكام. ش- هذا هو القسم الثالث من المباداء، ويظهر منه أمرأن: بيان أنه من أي علم يستمد، وبيان بعض ما يستمد منه، كذا في بعض الشروح، وفيه نظر؛ لأن كلمة "من" للابتداء لا للتبعيض. ص- أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري، وصدق المبلغ، وهو يتوقف على دلالة المعجزة. ش- قيل: الأدلة الكلية التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس من حيث هي أدلة تتوقف على معرفة البارئ، وصدق المبلغ وهو الرسول ﷺ ، وصدقه يتوقف على دلالة المعجزة على صدقه، وكل ذلك من الكلام، وفيه

стр. 30

بحث من وجهين: أحدهما: أن أصول الفقه لمعرفة كيفية استنباط الأحكام، والمتصدي لذلك هم المجتهدون من المسلمين، وهم يحتاجون إلى إثبات كون ذلك دليلا. والثاني: أن صدق المبلغ كاف أن احتيج إلى إثبات ذلك، فأن أثبت البلغ صدقه في كونه مرسلا بالمعجزة وجب تسليم ما يبلغه سواء كان حجته كتاب أو غيره، ومن هذه الحيثية لا يحتاج إلى معرفة المرسل سوى أنه مرسل، ويعلم ذلك بمعرفة صدق المبلغ، نعم يحتاج إلى معرفة الباري ووجوده وصفاته القديمة من حيث الإيمان به لا من حيث حجية الأدلة. ص- وأما العربية، فلأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية. ش- الأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنة وهما عربيان فلا بد من معرفة الجهات التي تستفاد منها كيفية دلالة الألفاظ العربية على مدلولاتها كالعموم والخصوص، والاشتراك والترادف، والحقيقة والمجاز، وغير ذلك

стр. 31

وفيه بحث وهو: أن العربية نسبة فإن كان الموصوف بها اللغة فلا دلالة لها على الحقيقة والمجاز وغير ذلك مما ذكرنا، لأنها ليست وظيفة لغوية، وأن كان غيرها فلا نسلم توقف دلالتها عليه؛ فأن التصريف والنحو والمعاني والبيان وغيرها علوم حادثة، والاجتهاد في الاستنباط كان موجودا قبلها، لا يقال: أصول الفقه علم حادث، فحادثة (٦/أ) عربية يستمد له منها؛ لأنا نقول: اصول الفقه لم توضع الا لمعرفة كيفية الاستنباط، وإذا يستمد له منها؛ لأنا نقول: أصول الفقه لم توضع إلا لمعرفة كيفية الاستنباط، وإذا كان ذلك موقوفا على أوضاع حادثة لم يكن السلف عارفين بكيفية الاستنباط فكان خوضهم فيه خوضا (فيما) لا يعلمون من أمر الشريعة، ونعوذ بالله من ذلك الاعتقاد.

стр. 32

ص- وأما الأحكام فالمراد تصورها ليمكن إثباتها وونفيها، وإلا جاء الدور. ش- استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من حيث تصورها؛ لأن الغرض من الأصول معرفة كيفية استنباط الأحكام من الأدلة، وذلك موقوف على تصور الاحكام لا محالة، كذا في بعض الشروح، وليس فيه تعرض لشرح قول المصنف "ليمكن"إثباتها ونفيها". وقيل: معناه، الأحكام إما محمولات المسائل كقولنا: مقتضى الأمر الوجوب والنهي للتحريم، أو متعلقاتها كقولنا: العام إذا خصص يكون حجة في الباقي أو لا يكون حجة في الباقي، فلا بد من تصورها ليمكن أثباتها أو نفيها. قوله: "وإلا جاء الدور"؛ أي أن لم يكن المراد بها تصورها جاء الدور وذلك لأن المراد لم يكن التصور كان المراد بها التصديق؛ لأنه قسيمه ولا وسط بينهما، ولو كان المراد بها التصديق، فإما أن يكون التصديق من حيث هي متعلقة بأفعال المكلفين على سبيل التفصيل، أو التصديق من حيث أنها محمولات مسائل الأصول أو متعلقاتها، ولا سبيل إلى شيء منها للزوم الدور فأن كان التصديق بها من حيث الأول من مسائل الفقه، وهو يتوقف على الأصول منه، لزم الدور، وكذا من حيث الثاني فأن المسائل تتوقف على المباداء فلو استمد الأصول منه لتوقف على

стр. 33

نفسه وهو محال، والمصنف أطلق الدور على الثاني بطريق المشاكله، أو بالنظر إلى أن محظور الدور وهو توقف الشيء على نفسه موجود، هذا أقوى ما ذكروه, وفيه نظر؛ لأن الأقسام غير حاصرة، لوجود قسم آخر وهو التصديق بوجود الأحكام من حيث هو، وهو من مسائل الكلام، فيكون من المباداء. ويمكن أن يجاب عنه، بأن وجود الأحكام من حيث هو، أن كان في الذهن فهو تصورها، وأن كان في الخارج فلا يمكن إلا متعلقا بأفعال المكلفين، وقد تقدم أنه لا يجوز الاستمداد به أنفا، ورد: بأنه لا يدفع كون قسمته غير حاصرة فأن قيل: ظهر من هذا أن الأحكام من حيث تصورها من المباداء، وقد تقدم أنها من حيث كذلك هو الفقه، فيكون الفقه من مبادئ الأصول، لكن الفقه يتوقف على الأصول فجاء الدور. فالجواب: أن الفقه هو الأحكام من حيث تصورها، ومن هذه الحيثية ليس بموقوف على الأصول بل من حيث استنباطها من الأدلة، ومن هذه الحيثية ليست بمباد فلا دور. ص- الدليل لغة: المرشد، والمرشد: الناصب، والذاكر وما به الإرشاد. ش- عرف الدليل تعريفا لفظيا لبيان (٦/ب) مفهومه اللغوي بما هو أخفي، لاحتياجه إلى تعريف بلفظ آخر، وهو: الناصب والذاكر، أي الناصب للعلامة والذاكر، أي الناصب للعلامة والذاكر لها، وما به الإرشاد أي العلامة التي نصبت للتعريف. وقوله: "وما به الإرشاد" يجوز أن يكون معطوفا على المرشد، وأن يكون

стр. 34

معطوفًا على الذاكر، لأن المرشد كما يطلق على الناصب لعلامة يطلق على العلامة المنصوبة؛ إذ الفعل قدينسب إلى الآلة. قيل: قوله: "الدليل لغة المرشد" إلى قوله: "مبادئ اللغة" من المباداء الكلامية، وإنما لما ذكر أن استمداده من الكلام والعربيةوالأحكام، اراد أن يبين ما يستمد منه على الترتيب فبدأ بالكلام ورد: بأن بحث الدليل، والقواعد المنطقية غير مخصوص بالكلام؛ ونسبته إلى الكلام، كنسبته إلى الأصول؛ لأن المنطق آلة لجميع العلوم الكسبية. والأولى أن يقال: لما ذكر الدليل في حدى الأصول والفقه، ولم يسبق شيء يعرف منه الدليل، أراد أن يشير إلى معناه. وقيل: قوله "لغة" يشير إلى بيان أنه من المباداء اللغوية، وليس كذلك لأنه لم يتعرض لذلك بعد، وإنما يتعرض له بعد حين بقول مبادئ اللغة.

стр. 35

وفي الجملة أن كان بيان الدليل ما لا بد منه فهو من حيث اللغة، وأما على الوجه الذى ذكره من حيث الاصطلاح، والأشكال المنطقية التي هي قواعد أهل الضلال، فليس بجائز، فلا أقل أن لا يكون محتاجا إليه، فأنا نعلم بيقين أن النص الخاص يتناول المخصوص، والإجماع على شيء لم يتصد له أهل الهدى. ص- وفي الاصلاح، ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. وقيل: إلى العلم به، وهو يخرج الأمارة. وقيل: قولان فصاعدا يكون عنه قول آخر. وقيل: يستلزم لنفسه، فتخرج الأمارة. ش- ذكر للدليل بحسب الاصطلاح أربع تعريفات، بحسب مطالب الفقهاء والمتكلمين، فأن من طل الفريقين متقدمين ومتأخرين، والمتقدمون من كل منهما لم يخلطوا اصطلاحهم باصطلاح المنطقيتين، والمتأخرون منهم خلطوه به، ومطالب الفقهاء ليس بمشروط فيها العلم فلم يشترط في تعريفهم للدليل الإفضاء إلى العلم. والتعريف الأول: للفقهاء المتقدمين، والثاني: للمتكلمين المتقدين، والثالث: للفقهاء المتأخرين، والرابع: للمتكلمين المتأخرين. فقوله: "بصحيح النظر فيه" يخرج المقدمات الكاذبة، التي يمكن أن يتوصل بالنظر الفاسد فيها إلى مطلوب خبري، ضرورة امتناع التوصل بصحيح النظر فيها إلى

стр. 36

مطلوب خبري؛ لأن النظر (٧/ أ) إنما يكون صحيحا إذا كانت مادته صادقة، وإنما قيد بالإمكان لئلا يخرج عنه المقدمات الصادقة التي يمكن أن يتوصل بالنظر الصحيح والفاسد فيها إلى مطلوب خبري وفي إمكان التوصل بالنظر الفاسد فيها إلى مطلوب خبري، لا ينافي إمكان بصحيح النظر فيها إلى مطلوب خبري. وقوله "إلى مطلوب خبري" يريد التصديقي لئلا يخرج عنه المطلوب الطلبي فأن المطالب الشرعية فيها المطالب الطلبية، يخرج ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصوري، أي الأقوال الشارحة. ودخل في هذا التعريف الأمارة؛ لأن المطلوب الخبري أعلم من أن يكون علمياً أو ظنيا. قوله: "وقيل" إشارة إلى التعريف الثاني، وتقديره الدليل: ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالمطلوب الخبري، فتخرج الأمارة؛ لأنه يتوصل بها إلى الظن، والدليل بهذا المعنى أخص منه مطلقا بالمعنى الأول. وقوله: "وقيل: قولان "إشارة إلى التعريف الثالث، وأراد بقوله "قولان" قضيتين، و (بقوله: فصاعدا) ليتناول: القياس البسيط

стр. 37

والمركب. وقوله: "يكون عنه" يريد أعلم من أن يكون لازما أو غيره، ليتناول الأمارة وخرج عنه قضيتان لم يحصل منهما شيء آخر. وقوله: "قول آخر" أي يكون مغايرا لكل واحدة من القضيتين، ليخرج عنه مجموع آية قضيتين اتفقتا؛ فأنه يستلزم أحدهما، وهذا التعريف للفقهاء المتأخرين. وقوله: "وقيل: يستلزم" إشارة إلى التعريف الرابع، وهو لمتأخري المتكلمين، وتقديره: الدليل قولان فصاعدا يستلزم لنفسه قولا آخر أعم من أن يكون الاستلزام بينا أو غيره، فيتناول الأشكال الأربعة، والقياس الاستثنائي ويخرج عنه بقوله "لنفسه" قياس المساوة، كقولنا (أ) مساو لـ (ب)، و (ب) مساو لـ (ج)، فأنه يلزمه (أ) مساو لـ (ج)، ولكن لا لنفسه، بل بواسطة مقدمة أجنبية غير لازمة لإحدامقدمتي القياس، وهو قولنا: كل ما هو مساو لـ (ب) مساو لـ (ج). وكذا خرج عنه القول المؤلف من قولين المستلزم لقول آخر بواسطة عكس نقيض إحدى مقدمتيه، كقولنا: جزء الجوهر يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر، وما

стр. 38

ليس بجوهر لايوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر. فأنه يستلزم قولنا: جزء الجوهر جوهر، ولكن لا لنفسه، بل بواسطة عكس نقيضه المقدمة الثانية، وهو قولنا: وما يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر فهو جوهر. وكذا خرج عنه: الأمارة؛ فأنها لا يستلزم لنفسها قولا آخر؛ إذ ليس بين الأمارة وما تفيده ربط عقلي يقتضى لزوم القول الآخر عنها. واعترض على التعريفين الآخرين: بأنهما لا يصدقان على ما رتبه المستدل في نفسه من المقدمات لتحصيل مطلوبة، وإخراجه عنه باطل؛ إذ هو الذى شده إلى مطلوبه. وأجيب: بأن المراد بالقول أعم من أن يكون عقليا، أو لفظيا، وضعف: بأن القول العقلي غير معقول (٧/ب) وبأن الجمع بين المعنيين من لفظ واحد ليس بمتفق عليه. ص- ولا بد من مستلزمات للمطلوب حاصل للمحكوم عليه. فمن ثم وجيب المقدمتان. ش- أراد أن يبين أن الدليل لابد أن يكون مركبا من مقدمتين؛ لأن المطلوب الخبري إذا كان مجهولا لا بد أن يكون في الدليل أمر يوجب العلم أو الظن به، وإلا كان أجنبيا لا يفيد العلم أو الظن به، وذلك الأمر يسمي وسطا، وهو معنى

стр. 39

قوله: "ولا بد من مستلزم للمطلوب". وقوله: "حاصل للمحكوم عليه" صفة لمستلزمات، يعني لا بد أن يكون الوسط حاصلا للمحكوم عليه فتحصل الصغرى، والمحكوم به حاصلا له أو مسلوبا عنه لتحصل الكبرى، وكلامه ناقص؛ لأنه ذكرى الصغرى ولم يذكر الكبرى فقال: "فمن ثم وجبت المقدمتان" على أن هذا مخصوص بالشكل الأول. فأن اعتذر بأن مراده بيانه فقط؛ لأنه باقي الأشكال موقوف عليه. لم يندفع الأول دون الثاني مع كونه إيجازا مخلا؛ لأن العلم بكون الأشكال الباقية موقوفة عليهلا يحصل بهذا المقدار أيضا. ص- و النظر: الفكر الذى يطلب به علم أو ظن. ش- لما ذكر في تعريف الدليل النظر اراد أن يعرفه فقال: "النظر الفكر الذى يطلب به علم أو ظن" قال بعض الشارحون: صرح الإمام بأن الفكر هو انتقال النفس في المعانيانتقالا بالقصد، وذلك قد يكون لطلب علم أو ظن علم أو ظن فيسمى نظرًا،

стр. 40

وقد لا يكون كذلك كأكثر حديث النفس فلا يسمي نظرا وهذا كما ترى يدل على أن الفكر على نوعين فكان جزءا أعم في هذا التعريف ميزة بقوله: "الذى يطلب به علم أو ظن". واعترض بوجهين، أحدهما: أنهم قالوا: إنما ذكر النظر ههنا، لكونه مأخوذا في تعريف الدليل، فكان عريفه زيادة بيان للدليل، وعلى النظر ههنا، لكونه مأخوذا في تعريف الدليل، فكان تعريفه زيادة بيان للدليل، وعلى هذا كان يلزمه أن يعرف مطلق الفكر، لأنه أخذه في تعريف النظر، فأن الفكر إذا كان معناه خفيا كان النظر كذلك فذكره لا يفيد في معنى الدليل توضيحا. والثاني: سيأتي بيانه. وقال المحققون: الفكر قد يطلق على حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب مستعرضة للمعاني الحاضرة عندها طالبة مبادئه المؤدية إليه إلى أن يجدها ويرتبها فيرجع منها إلى المطلوب ولابد للنفس عنده هذه الحركة من ملاحظة المعاني التي ترتبها لتحصيل المطلوب فهذه الحركة تسمى فكرا، والملاحظة تسمى نظرا ولتلازمهما يطلق اسم احدهما على الآخر، والفكر بهذا المعنى هو الذى تترتب عليه العلوم الكسبية واذا كانا متلازمين لا يكون الفكر أعم من النظر مطلقا حتى يقع عليه العلوم الكسبية وإذا كانا متلازمين لا يكون الفكر أعم من النظر مطلقا حتى يقع الجزء الأعم في تعريفه، وعن هذا هرب الآمدي (٨/أ) وقال: الفكر هو معرف النظر. وقوله: "الذى يطلب به علم أو ظن" صادق عليهما، ولا شيء منهما
следующие страницы →