Полный текст (1 417 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مطلوب خبري؛ لأن النظر (٧/ أ) إنما يكون صحيحا إذا كانت مادته صادقة، وإنما قيد بالإمكان لئلا يخرج عنه المقدمات الصادقة التي يمكن أن يتوصل بالنظر الصحيح والفاسد فيها إلى مطلوب خبري وفي إمكان التوصل بالنظر الفاسد فيها إلى مطلوب خبري، لا ينافي إمكان بصحيح النظر فيها إلى مطلوب خبري.
وقوله "إلى مطلوب خبري" يريد التصديقي لئلا يخرج عنه المطلوب الطلبي فأن المطالب الشرعية فيها المطالب الطلبية، يخرج ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصوري، أي الأقوال الشارحة.
ودخل في هذا التعريف الأمارة؛ لأن المطلوب الخبري أعلم من أن يكون علمياً أو ظنيا.
قوله: "وقيل" إشارة إلى التعريف الثاني، وتقديره الدليل: ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالمطلوب الخبري، فتخرج الأمارة؛ لأنه يتوصل بها إلى الظن، والدليل بهذا المعنى أخص منه مطلقا بالمعنى الأول.
وقوله: "وقيل: قولان "إشارة إلى التعريف الثالث، وأراد بقوله "قولان" قضيتين، و (بقوله: فصاعدا) ليتناول: القياس البسيط
стр. 37
والمركب.
وقوله: "يكون عنه" يريد أعلم من أن يكون لازما أو غيره، ليتناول الأمارة وخرج عنه قضيتان لم يحصل منهما شيء آخر.
وقوله: "قول آخر" أي يكون مغايرا لكل واحدة من القضيتين، ليخرج عنه مجموع آية قضيتين اتفقتا؛ فأنه يستلزم أحدهما، وهذا التعريف للفقهاء المتأخرين.
وقوله: "وقيل: يستلزم" إشارة إلى التعريف الرابع، وهو لمتأخري المتكلمين، وتقديره: الدليل قولان فصاعدا يستلزم لنفسه قولا آخر أعم من أن يكون الاستلزام بينا أو غيره، فيتناول الأشكال الأربعة، والقياس الاستثنائي ويخرج عنه بقوله "لنفسه" قياس المساوة، كقولنا (أ) مساو لـ (ب)، و (ب) مساو لـ (ج)، فأنه يلزمه (أ) مساو لـ (ج)، ولكن لا لنفسه، بل بواسطة مقدمة أجنبية غير لازمة لإحدامقدمتي القياس، وهو قولنا: كل ما هو مساو لـ (ب) مساو لـ (ج).
وكذا خرج عنه القول المؤلف من قولين المستلزم لقول آخر بواسطة عكس نقيض إحدى مقدمتيه، كقولنا: جزء الجوهر يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر، وما
стр. 38
ليس بجوهر لايوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر.
فأنه يستلزم قولنا: جزء الجوهر جوهر، ولكن لا لنفسه، بل بواسطة عكس نقيضه المقدمة الثانية، وهو قولنا: وما يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر فهو جوهر.
وكذا خرج عنه: الأمارة؛ فأنها لا يستلزم لنفسها قولا آخر؛ إذ ليس بين الأمارة وما تفيده ربط عقلي يقتضى لزوم القول الآخر عنها.
واعترض على التعريفين الآخرين: بأنهما لا يصدقان على ما رتبه المستدل في نفسه من المقدمات لتحصيل مطلوبة، وإخراجه عنه باطل؛ إذ هو الذى شده إلى مطلوبه.
وأجيب: بأن المراد بالقول أعم من أن يكون عقليا، أو لفظيا، وضعف: بأن القول العقلي غير معقول (٧/ب) وبأن الجمع بين المعنيين من لفظ واحد ليس بمتفق عليه.
ص- ولا بد من مستلزمات للمطلوب حاصل للمحكوم عليه. فمن ثم وجيب المقدمتان.
ش- أراد أن يبين أن الدليل لابد أن يكون مركبا من مقدمتين؛ لأن المطلوب الخبري إذا كان مجهولا لا بد أن يكون في الدليل أمر يوجب العلم أو الظن به، وإلا كان أجنبيا لا يفيد العلم أو الظن به، وذلك الأمر يسمي وسطا، وهو معنى
стр. 39
قوله: "ولا بد من مستلزم للمطلوب".
وقوله: "حاصل للمحكوم عليه" صفة لمستلزمات، يعني لا بد أن يكون الوسط حاصلا للمحكوم عليه فتحصل الصغرى، والمحكوم به حاصلا له أو مسلوبا عنه لتحصل الكبرى، وكلامه ناقص؛ لأنه ذكرى الصغرى ولم يذكر الكبرى فقال: "فمن ثم وجبت المقدمتان" على أن هذا مخصوص بالشكل الأول. فأن اعتذر بأن مراده بيانه فقط؛ لأنه باقي الأشكال موقوف عليه. لم يندفع الأول دون الثاني مع كونه إيجازا مخلا؛ لأن العلم بكون الأشكال الباقية موقوفة عليهلا يحصل بهذا المقدار أيضا.
ص- و النظر: الفكر الذى يطلب به علم أو ظن.
ش- لما ذكر في تعريف الدليل النظر اراد أن يعرفه فقال: "النظر الفكر الذى يطلب به علم أو ظن" قال بعض الشارحون: صرح الإمام بأن الفكر هو انتقال النفس في المعانيانتقالا بالقصد، وذلك قد يكون لطلب علم أو ظن علم أو ظن فيسمى نظرًا،
стр. 40
وقد لا يكون كذلك كأكثر حديث النفس فلا يسمي نظرا وهذا كما ترى يدل على أن الفكر على نوعين فكان جزءا أعم في هذا التعريف ميزة بقوله: "الذى يطلب به علم أو ظن".
واعترض بوجهين، أحدهما: أنهم قالوا: إنما ذكر النظر ههنا، لكونه مأخوذا في تعريف الدليل، فكان عريفه زيادة بيان للدليل، وعلى النظر ههنا، لكونه مأخوذا في تعريف الدليل، فكان تعريفه زيادة بيان للدليل، وعلى هذا كان يلزمه أن يعرف مطلق الفكر، لأنه أخذه في تعريف النظر، فأن الفكر إذا كان معناه خفيا كان النظر كذلك فذكره لا يفيد في معنى الدليل توضيحا.
والثاني: سيأتي بيانه. وقال المحققون: الفكر قد يطلق على حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب مستعرضة للمعاني الحاضرة عندها طالبة مبادئه المؤدية إليه إلى أن يجدها ويرتبها فيرجع منها إلى المطلوب ولابد للنفس عنده هذه الحركة من ملاحظة المعاني التي ترتبها لتحصيل المطلوب فهذه الحركة تسمى فكرا، والملاحظة تسمى نظرا ولتلازمهما يطلق اسم احدهما على الآخر، والفكر بهذا المعنى هو الذى تترتب عليه العلوم الكسبية واذا كانا متلازمين لا يكون الفكر أعم من النظر مطلقا حتى يقع عليه العلوم الكسبية وإذا كانا متلازمين لا يكون الفكر أعم من النظر مطلقا حتى يقع الجزء الأعم في تعريفه، وعن هذا هرب الآمدي (٨/أ) وقال: الفكر هو معرف النظر.
وقوله: "الذى يطلب به علم أو ظن" صادق عليهما، ولا شيء منهما
стр. 41
بفكر، فظهر من هذا أن كلامه ليس بمستقيم معنى، وكذا لفظا؛ لأن المسندين معرفة وليس بينهما ضمير الفصل.
стр. 42
حد العلم
ص- والعلم قيل: لايحد. فقال الإمام: لعسره.
ش- لما كان العلم مذكورا في تعريف أصول الفقه، أراد أن يبنيه ولما كان في بيانه بالحد خلاف ذكره. فمنهم من ذهب إلى أنه يحد وآخرون إلى خلافه، واختلفوا فقال إمام الحرمين؛ لا يحد لعسره، وقال الغزالي: إنه
стр. 43
يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس الذاتي، فأن أكثر المدركات الحسية مثل الروائح والطعوم مما يعسر حده لصعوبة الاطلاع على ذاتياتها المشتركة، والمختصة، وإذا كان حال المدركات كذلك، فما قولك في الادراكات، ولكن يمكننا أن نشرح معناه بتقسيم ومثال. هذا كلامه، وهو يدل على أنه أراد بتحديده التحديد بالحد الحقيقي، لا تعريفه مطلقا، فسقط ما قيل عليه: أن المثال والتقسيم أن افادا التمييزصلحا للتعريف الرسمي، وإلا لم يصلحا للتعريف.
وكذا قيل: تحديده عسر؛ لأنه فيه إضافة اشتبهت أنها من عوارضه أو من الذاتيات. لأن هذا الاشتباه أن منع لا يمنع إلا من التحديد بالحد الحقيقي لا مطلقا بل بالنسبة إلى من اشتبهت عليه.
ص- وقيل: لأنه ضروري من وجهين، أحدهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره كان دور، وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على
стр. 44
حصول العلم بغيره، لا على تصوره، فلا دور.
ش- قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يمكن تحديده لكونه ضروريا (من وجهين:
أحدهما: أنه لو لم يكن ضروريا لامتنع تصوره، والثاني ظاهر الفساد فالمقدم مثله.
وبيان الملازمة: أنه لو لم يكن ضروريا) لكان كسبيا؛ إذ لا واسطة بينهما وحينئذ لا يعلم إلا بغيره، لا متناع كون الشيء معرفا لنفسه، وغير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فيتوقف معرفة العلم على غيره ومعرفة غيره عليه فيلزم الدور، فيلزم امتناع تصوره.
قال المصنف: "وأجيب بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره، فلا دور".
стр. 45
وقيل في تقريره: توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره لا على تصور العلم بغيره، وحصول نفس العلم لا يتوقف على العلم بغيره، بل تصور العلم يتوقف على العلم بغيره، فلا دور.
وأقول: ليس دليل الإمام، ولا الجواب عنه صحيحاً؛ أما الدليل فعدم صحته من وجهين:
أحدهما: أن الثاني ليس بفاسد؛ لأن العلم إذا كان متصوراً لا يخلو إما أن يكون نكته حقيقية، أو بوجه ما، والثاني: ليس ما نحن فيه، والأول عين النزاع.
والثاني: أن قوله: "غير العلم لا يعلم إلا بالعلم" مغالطة، ويتبين ذلك بمثال: الإنسان غير العلم لا محالة، ويعرف بقولنا: حيوان ناطق، وليس بشيء منهما علما، ولا صادقا عليه. لا يقال: ليس مراد الإمام من قوله: "لا يعلم" لا يعرف؛ لأنا نقول حينئذ (٨ / ب) النزاع؛ إذا الكلام في تحديد العلم.
وأما الجواب "فعدم صحته من جهة اللفظ والمعنى"، أما الأولى: فلأن ما ذكره المصنف الغاز وتعمية، فأن المقصود بيان اختلاف جهة التوقف لدفع الدور، وذلك يحتاج إلى ذكر الجهتين، ولم يذكر إلا جهة واحدة حيث قال: "توقف تصور غير
стр. 46
العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره" يريد بذلك أن غير العلم إذا علم بالعلم كان تصوره موقوفا على حصول العلم بغير العلم لاعلى تصور العلم، وذلك ليس بكاف حتى يقول: "والعلم إذا عرف بغيره كان تصوره موقوفا على تصور ذلك الغير لا حصوله ليعلم أن الموقوف عليه في إحدى الجهتين هو الحصول، وهوليس بالموقوف، بل غيره وهو التصور فيندفع الدور".
وأما الثانية: فلأن تصور غير العلم، هو حصول العلم بالغير، فيتوقف تصوره على حصوله توقف الشيء على نفسه وهو باطل، لا يقال تصور غير العلم أخص من حصوله توقف الشيء على نفسه وهو باطل، لا يقال تصور غير العلم أخص من حصول العلم بغيره، لأن العلم ينقسم إلى التصور والتصديق، ولا امتناع في توقف الخاص على العام؛ لأنا نقول: غير العلم أخص من حصول العلم لا من حصول العلم بالغير، لأن حصول العلم بالغير فيما نحن فيه لا يكون إلا تصورا، لأن الكلام في التحديد.
ص- الثاني أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة. وأجيب بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوره أو تقدم تصوره.
ش- الوجه الثاني من الدليل على ضرورة العلم، أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة، وهو علم خاص. وإذا كان العلم الخاص ضروريا، فالعلم المطلق أولى أن يكون ضروريا.
والجواب: أن الضروري حصوله ولا نزاع في ذلك، وإنما هو في تصوره.
وقوله: "أو تقدم تصوره" اختلف الشارحون في توجيهه:
فقيل: ذكره لدفع أن يتوهم أن حصوله أن لم يستلزم تصوره حدا جاز أن يستلزم تقدم تصوره شرطاً.
стр. 47
وقيل: هو جواب عما يقال حصول العلم يستلزم تقدم تصوره؛ لأنه من الكيفيات النفسانية الحاصلة باختيار صاحبها فيكون حصول العلم مسبوقا بالاختيار المسبوق بالقصد المسبوق بتصور المقصود فيكون حصول العلم مسبوقا بتصوره فيلزم من حصول العلم تقدم تصوره.
وتقرير الجواب: أنه لا يلزم من حصول العلم تقدم تصوره.
قوله: "لأن حصوله مسبوق باختيار صاحبه" قلنا: ممنوع، بل حصوله بفضل الله فلم يكن مسبوقا بفضل صاحبه، فلم يلزم تقدم تصوره على حصوله.
وأقول: يجوز أن يكون "أو" بمعنى "بل" وإنما ذكره؛ لأن اللازم من الدليل تقدم تصور العلم المطلق فأنه استدل بالخاص على المطلق والمطلق مقدم لا محالة (٩/أ) فاستدرك كلامه بإبطال ما لزم من الدليل.
ثم أقول: كل من الدليل والجواب فاسد، أما الدليل، فلأنه يقال: الضرورة المذكورة فيه إما أن تتعلق بالحصول أو بالتصور، فأن كان الأول فليس بمتصل بمحل النزاع، وأن كان الثاني فهو ممنوع بل هو مصادرة.
وأما الجواب: فلأن قوله لا يلزم من حصول أمر تصوره، إنما يتم إذا ثبت أن الضرورة للحصول لا لتصور العلم، وليس بثابت على أنه مشتمل على مستدرك وهو قوله: "أو تقدم تصوره" على بيان الشارحين، وأما على بياننا فهو قوله: " لا يلزم
стр. 48
من حصوله أمر تصوره"؛ لأن اللازم من الدليل تقدم التصور ودافعه قوله "أو تقدم تصوره".
ص- ثم نقول: لو كان ضروريا لكان بسيطا؛ إذ هو معناه، ويلزم أن يكون كل معنى علما.
ش- لما فرغ من إبطال الدليلين شرع في الاستدلال على امتناع كونه ضروريا فقال: لو كان العلم ضروريا لكان بسيطا، واللازم باطل فالملزوم مثله وبين الملازمة له إذ هو معناه؛ أي البسيط معنى الضروري أو بالعكس لأن الضروري ما لا يتوقف تصوره على تصور غيره، فيكون بسيطا.
وبين بطلأن اللازم بقوله: "ويلزم أن يكون كل معنى علما".
وتقريره: وليس ببسيط وإلا لكان كل معنى علما واللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فلأن العلم يصدق عليه المعنى فلو لم يكن كل معنى علما كان المعنى أعم من العلم. فيلزم تركب العلم من المعنى المشترك والمختص وقد فرض كونه بسيطا هذا خلف، وفيه بحث من وجهين:
الأول: أن تفسير الضروري بالبسيط تفسير بالتشهي. فسره بما يشتهي ليورد عليه ما يشتهي، فإن تفسير الضروري عندالجمهور هو: مالا يتوقف حصوله على طلب وفكر، والضروري بهذا المعنى يجوز أن يكون مركبا لجواز أن تكون أجزاؤه ضرورية فلا يحتاج إلى طلب وفكر وأن كان تصوره موقوفا على تصور أجزاءه الذى هو غيره.
والثاني: أنه على تقدير أن يكون العلم أخص من المعنى لا يلزم تركبه لجواز
стр. 49
أن يكون المعنى عرضا عاما للعلم.
ص- وأصح الحدود: صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض. فيدخل إدراك الحواس كالأشعري، وإلا زيد في الامور المعنوية.
ش- الذين يجوزون تحديد العلم ذكروا له حدودا يطول ذكرها وقال المصنف: " أصلح الحدود، صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض" بوجه.
وقالوا: الصفة ما تقوم بغيره، فيتناول العلم وغيره.
وقوله: "توجب تمييزا" يعني لمن قامت به. يخرج الصفات النفسانية التي لا توجب له ذلك كالحياة وما هو مشروط بها".
وقوله: "لا يحتمل النقيض بوجه" يخرج الظن والاعتقاد والوهم فأنها وأن كانت توجب له تمييزا لكنه يحتمل النقيض إما في الذهن أو في الخارج.
قوله: "فيدخل إدراك الحواس كالأشعري" يعني أن اقتصر على هذا (٩/ب) المقدار المذكور في التعريف يدخل إدراك النفس المحسوسات بواسطة الحواس الظاهرة والباطنة في حد العلم كما هو مذهب أبى الحسن الأشعري: إن الإدراكات
стр. 50
نوع من العلم، وإلا زيد في الامور المعنوية، وهو المعنى بقول صاحب الإحكام "بين المعاني الكلية"، أي وأن لم يقتصر ويراد أن لا يدخل الادراكات في حد العلم زيد قوله: " في الأمور المعنوية"؛ فأن الإدراكات إنما تميز بين المحسوسات الجزئية. هذا ما ذكروا، وفيه نظر:
أما (الأول) فلأن هذا الحد إما للعلم بالمعنى الأعم المنقسم إلى التصور والتصديق فأن كان الأول فقيد "لايحتمل النقيض" غير صحيح؛ لأن الظنون والاعتقادات علم بهذا المعنى وهما يحتملأن النقيض والتصورات الساذجة، وهو حصول صورة الشيء من غير اعتبار كونه مطابقا أو غير مطابق. علم بهذا المعنى ولم يعتبر فيه عدم احتمال النقيض.
فأن قيل: قوله: "لايحتمل النقيض" أعم من أن لا يكون له نقيض فلا يحتمله لعدمه، وأن يكون له نقيض ولا يحتمله.
قلنا: حينئذ يلزم أن تكون البهائم كلها عالمية؛ فأن فيها صفة توجب لها تمييزا بين النار والماء مثلا، تهربن منها، وتنكثبن عليه عند العطش، ولا يحتمل
стр. 51
النقيض؛ لأن ذلك تصور لا نقيض له.
وأن كان الثاني، فلا نسلم اندراج إدراك الحواس تحت الحد.
وأما ثانيا: فلأن الكلام في جواز تحديد مطلق العلم، ومطلق العلم لا يحصل به للنفس المتصفة به التمييز بين حقائق المعاني الكلية، بل التمييز إنما يحصل بعلوم خاصة، وما حكى عن أبى الحسن الأشعري أن العلم الواحد يجوز أن يتعلق بمعلومات كثيرة غير مرضي؛ إذ كان العلم تابعا للمعلوم.
وأما ثالثا: فلأن الضمير في قوله: "لا يحتمل" أن كان راجعا إلى "تمييزا" فليس بصحيح؛ لأن نقيض التمييز بين الحقائق الكلية، وسلب التمييز بين الحقائق غير ممكن، وأن كان غير راجح إليه فليس في الكلام ما يصلح أن يكون مرجعا.
وأما رابعا: فلأن هذا الحد لا يدخل في علم الله - تعالى -؛ لأن صفاته - تعالى ليست عين ذاته ولا غيرها، فلا يمكن أن توجب تمييزا لمن اتصف بها. أما بالنظر إلى أنها ليست غيرها فلئلا يكون فاعلا وقائلا.
وأما بالنظر إلى أنها ليست عينها فلئلا يلزم تأثرها عما ليس ذاته.
وأما بالنظر إلى الجهتين جميعا فلتضاعف المحدود.
وأما خامسا: فلأنه ليس له في القول الشارح ذكر أصلا.
ص- واعترض بالعلوم العادية فأنها تستلزم جواز النقيض عقلاً.
стр. 52
وأجيب بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر استحال أن يكون حينئذ ذهبا ضرورة, وهو المراد، ومعنى التجويز العقلي أنه لو قدر لم يلزم منه (١٠/ا) محال لنفسه، لأنه محتمل.
ش- اعترض على هذا الحد بعدم انعكاسه؛ لخروج العلوم العادية منه وبيانه: أن العلم لابد وأن يكون لموجب حس أو عقل أو برهان أوعادة والعادي لم يدخل فيه، لأنه يحتمل النقيض عقلا، فأن الجبل إذا علم بالعادة كونه حجرا، يجوز العقل وقوع نقيضه بأن لا يكون حجرا بل ينقلب ذهبا؛ إذ هو ممكن في نفسه، والممكن يجوز أن يقع بقدرة الفاعل المختار فيخرج عن الحد.
وأجاب المصنف: بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر استحال أن يكون حينئذ ذهبا ضرورة، وهو المراد، يعني أن المراد بقولنا: "لا يحتمل النقيض بوجه" أن العلم إذا تعلق بالجبل حال كونه جبلا وإلا يلزم اجتماع النقيضين، وهذا المعنى غير التجويز العقلي هو أنه لو قدر مقدر نقيض متعلق العلم لم يلزم من تقديره ذلك محال لنفسه، لأنه ممكن لذاته لا أنه عبارة عن الاحتمال، وهذا كما ترى يصرح بأن التجويز العقلي هو الإمكان الذاتي.
وعدم الاحتمال هو الامتناع لغيره، والممكن لذاته يجوز أن يكون ممتنعا بالغير عادة كان أو غيرها فلا يحتمل الوقوع لا في الخارج ولا عند الحاكم بتقديره في نفسه
стр. 53
ولا بتشكيك مشكك. هذا ما ذكره المحققون، وفيه نظر، لأن تعلق العلم بكونه حجرا ينافي أن لا يكون حجرا في حال المشاهدة حجرا لئلا يلزم اجتماع النقيض، فكان احتمال النقيض حينئذ مستحيلا لذاته لا ممكنا لذاته ومستحيلا بالغير.
ص- واعلم أن ما عنه الذكر الحكمي إما أن يحتمل متعلقة النقيض بوجه.
أولا. والثاني: العلم. والأول: إما أن يحتمل النقيض وهو راجح، أولا. والراجح: الظن، والمرجوح: الوهم. والمساوي: الشك.
ش- لا بد ههنا من بيان ثلاثة أمور اختلف عبارات الشارحين فيها الذكر الحكمي، وما عنه الذكر الحكمي، ومتعلقة. والذى ظهر لي منها أن الذكر الحكمي: وهو القضية ملفوظة كانت أو مخيلة؛ لأنه يدل على كلام منسوب إلى الحكم وهو القضية. وما عنه الذكر الحكمي، أي الذى يعبر عنه الذكر الحكمي هو التصديق؛ لأنه دال عليه، والتصديق علم فلا بد له من متعلق وهو المعلوم وهي النسبة، يعني إيقاعها أو انتزاعها، وإذا عرف هذا، نقول: "ماعنه الذكر الحكمي" إما أن يحتمل متعلقة النقيض بوجه من الوجوه، أي في الخارج أو عند الذاكر بتقديره في نفسه، أولاً.
стр. 54
والثاني: الاعتقاد فأن طابق الواقع فهو صحيح وإلا ففاسد.
والأول وهو: أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره فإما أن يكون احتمال المتعلق راجحا عند الذاكر على احتمال النقيض وهو الظن، أو لا، وحينئذ إما أن يكون مرجوحا أو لا، والأول الوهم (١./ب) والثاني الشك وإنما لم يجعل الحكم مورد القسمة لئلا يلزم خروج الوهم والشك عنه عند من يمنع مقارنتهما للحكم.
واعترض على المصنف في تقسيم الاعتقاد، قوله: "فأن طابق فصحيح" بأنه ليس بصحيح من وجهين:
أحدهما: أنه يناقض احتمال النقيض على التفسير المار للاحتمال.
والثاني: أنه يناقض احتمال النقيض فأن المطابق للواقع لا يحتمل النقيض ولا في نفس الامر ولا بتقدير الذاكر في نفسه فكيف يكون غير طابق".
وأجيب: بأن قوله: "فأن طابق" (لا يقتضى) إلا عدم احتمال النقيض في نفس الأمر وعند الذاكر بتقديره في نفسه، فحينئذ لا يكون مناقضا لاحتمال النقيض لجواز أن يحتمله بالتشكيك.
ص- وقد علم بذلك حدودها.
ش- أي علم بالتقسيم حد كل واحد من الأمور الخمسة، وذلك لأن المقسم لابد وأن يوجد في كل قسم منها، وهو ما به الاشتراك، ولا يتميز بعض من بعض إلا بما يحصه فوجد الجامع والمانع، وليس المعنى بالحد إلا ذلك. بناء على ما تقدم فيقال:
стр. 55
العلم: ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل (متعلقة) النقيض بوجه من الوجوه المذكورة.
والاعتقاد: ما عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقة النقيض بتشكيك مشكل فقط.
والظن: ماعنه ذكر حكمي يحتمل متعلقة النقيض عند الذاكر بتقديره مع كونه راجحا.
وفي الوهم يقال: مع كونه مرجوحا.
وفي الشك مع تساوي طرفيه.
стр. 56
تقسيم العلم
ص- والعلم ضربان: علم بمفرده، ويسمي: تصورا ومعرفة، وعلم بنسبة، ويسمي: تصديقا وعلما.
ش- أراد أن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، كما قال المنطقيون.
فالأول: كعلمنا بالإنسان والكاتب، والنسبة من حيث الحصول في العقل.
والثاني: كعلمنا بإيقاع النسبة ونزعها في قوله: الإنسان كاتب. أو ليس بكاتب.
وبعض العلماء يسمي الأول: معرفة، والثاني: علما، بالاشتراك اللفظي أو الغلبة، وكان هذا المسمى نظرا إلى ما عليه النحويون من استعمال
стр. 57
المعرفة في المتعدي إلى واحد، واستعمال العلم في المتعدي إلى المفعولين لوجود النسبة حينئذ.
واعترض على المصنف: بأن العلم من مقولة أن ينفعل، والحكم إلى الايقاع أو الانتزاع من ... مقولة أن يفعل فكيف يحص تقسيمه إلى التصديق الذى هو الفعل وإلى التصور الذى هو الانفعال.
واجيب: بأنا لا نسلم أن العلم انفعال فأنه قد يكون فعليا كما إذا تصورنا في أنفسنا شيئا ثم ظهرناه في الخارج.
ورد: بأن العلم قد يكون انفعاليا كما إذا جردنا من الشخصيات حقيقة كلية فذلك في جانب السائل كاف. بل الجواب أن يقال: العلم ينقسم إلى تصور ساذج، وإلى تصور مع التصديق، ويكون العلم منقسما إلى نوعين من التصور لا إلى تصور وتصديق، لكن يسمي أحدهما تصورا، والآخر تصديقا، ولعل قول المصنف: "علم بمفرده" أي تصور ساذج ليس معه شيء آخر.
"وعلم بنسبة"، أي تصور ملصق بنسبة هي التصديق إشارة إلى ذلك.
واعلم أن (١١/أ) تعريف العلم بما تقدم من قوله: "صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض" ينافي انقسامه إلى التصور والتصديق؛ لأن قوله: "لا يحتمل النقيض" سلب، وتصوره مسبوق بتصور الايجاب، والتصور لا نقيض له لينفي احتماله. لا يقال: "لا يحتمل النقيض" أعم من أن لا يكون له نقيض فلا يحتمل النقيض، ومن أن يكون له نقيض لكن لا يحتمله؛ لأنا نقول: يستلزم أن تكون البهائم عالمة كما
стр. 58
تقدم.
ص- وكلاهما ضروري ومطلوب، فالتصور الضروري: ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه؛ لانتقاء التركيب في متعلقة؛ كالوجود والشيء، والمطلوب بخلافه، أي تطلب مفرداته بالحد، والتصديق الضروري: ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه والمطلوب بخلافه، أي يطلب بالدليل.
ش- أي كل واحد من التصور والتصديق ينقسم إلى ضروري ومطلوب، أي مكتسب، والتصور الضروري: هو ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه وهو يتناول قسمين: مالا يتقدمه تصور لكنه لا يتوقف عليه.
والمطلوب بخلاف الضروري، وهو ما يتقدمه تصور يتوقف عليه.
وفسره بقوله: "أي تطلب مفرداته بالحد" يعني مفردات التصور فأنه لما كان مركبا على زعمه وقد أريد تصوره بالحد لابد أن تطلب أجزاؤه أولا ليحد المركب بها. ومثل للضروري بالوجود، والشيء، ولم يمثل للمطلوب لظهوره بكثرته.
وقوله: "لانتفاء التركيب في متعلقة" تعليل لعدم توقف التصور على تصور يتقدمه؛ لأن متعلقة إذا كان بسيطا لم يتوقف تصوره على تصور متقدم وعلى هذا يلزم
стр. 59
أن يكون كل مركب مطلوبا وهو خلاف ما عليه الجمهور.
ويلزم أن يكون تصور البسائط موقوفا على تصور متقدم عليه، وليس بلازم لجواز أن يكون تصور البسيط موقوفا على تصور لازم خارج عن حقيقته.
واعلم أنه عرف الضروري بتعريف واستدل على ذلك بقوله: "لانتقاء التركيب" وهو فاسد. وعرف التصديق الضروري بما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه. والمطلوب بخلافه، أي يطلب بالدليل.
يريد هو ما يتقدمه تصديق يتوقف عليه. فحينئذ يطلب ذلك التصديق بالدليل؛ لأن الموصل إلى التصديق المجهول هو الدليل.
مثال الضروري: النفي والاثبات لا يجتمعان، ومثال المطلوب: العالم حادث.
والتعريف المذكور للتصديق الضروري موافق لما ذهب إليه الجمهور فجاز وأن يكون طرفاه كسبيين، وأن ما لا يتقدمه ولكن لا يتوقف عليه، وأن كان تصور طرفيه أو أحدهما كسبيا جاز أن يكون ضروريا.
ص- وأورد على التصور: أن كان حاصلا فلا طلب، وإلا فلا شعور به فلا طلب.
وأجيب: بأنه يشعر بها وبغيرها والمطلوب تخصيص بعضها بالتعيين، وأورد ذلك على التصديق.
وأجيب بأنه (١١/ب) تتصور النسبة بنفي أو إثبات.
ثم يطلب تعيين أحدهما. ولا يلزم من تصور النسبة حصولها، وإلا لزم النقيضان.
стр. 60
ش- اعترض على التصور الكسبي، بأنه لا يجوز أن يحصل شيء بالكسب لأنه إما أن يكون حاصلا أو لا، فأن كان حاصلا امتنع تحصيل الحاصل، وأن لم يكن حاصلا امتنع تحصيل، وأن لم يكن حاصلا امتنع توجه الطلب نحوه؛ لأن النفس لا تتوجه إلى ما ليس بمشعور به.
وأجيب: بأنه يشعر بها وبغيرها، وحاصله أن المراد بتحصيل التصور كسبا تعيين بعض ما كان مشعورا به عن غيره، ولهذا لابد من ذكر أمر عام وأمر مخصص، وهو معنى قول من قال: طلب حصول التصور في الذهن عبارة عن تفصيل مجمل أو تفصيل مفصل بالنسبة، فأن الإنسان إنما يصح منه الطلب اذا أدرك بالإجمال لشيء، ما أو بالتفصيل بالنسبة إلى شيء ما، كإنسان وفرس فطلب الأول تفصيل مجمل، والثاني تفصيل مفصل.
قوله: "وأورد ذلك" أي الاعتراض على التصديق، وتقريره كما في التصور. والجواب بالإجمال والتفصيل، يعني بتصور النسبة الحكمية من غير تعيين السلب والإيجاب، ثم يطلب تعيين أحدهما.
وتقريره: أنا نختار أن لا يكون التصديق حاصلا ولا يمتنع طلبه.
قوله: "لأنه لا يكون مشعورا به" قلنا: ممنوع؛ لجواز أن تكون النسبة الإيجابية والسلبية متصورة ولا تكون حاصلة، فمن حيث التصور يتوجه الذهن نحوه، ثم يطلب تعيين أحدهما.
قوله: "ولا يلزم" جواب عما يقال النسبة الايجابية والسلبية اذا كانت متصورة كانت حاصلة فيمتنع طلب حصولها.
وتقريره: لا يلزم من تصور الحكم الإيجابي والسلبي حصوله، وإلا لزم اجتماع
стр. 61
النقيضين عند تعقل السلب؛ لأنه لا يكون إلا بعد تعقل الإيجاب وإضافة السلب إليه؛ إذ السلب المطلق لا تمييز له.
وفيه النظر؛ لأن قوله: "لا يلزم من تصور الحكم حصوله" ممنوع.
قوله: "وإلا لزم الاجتماع النقيضين".
قلنا: ممنوع. بل اجتماع صورتهما؛ ويجوز اجتماعهما في العقل؛ فأنه يحكم بالتناقض بينهما، فلا (بد) من تصوره، وتصوره منهما يتوقف على تصورهما لا محالة، وتصورهما، هو حصول صورتهما فيه، كما عرف في موضعه.
стр. 62
معرفة الحد وتقسيمه
ص- و مادة المركب: مفرداته.
وصورته: هيئته الخاصة.
والحد حقيقي ورسمي ولفظي.
فالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة.
والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له، مثل الخمر، مائع يقذف بالزبد.
واللفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف، مثل العقار: الخمر.
وشرط الجميع: الاطراد والانعكاس، أي إذا وجد وجد، وإذا انتفى انتفى.
ش- لما أخذ المفردات في تعريف المطلوب، تدرج إلى بيان أن الحد لابد له من مادة وصورة وفيه إشارة إلى أن التعريف بالمفرد لا يجوز، بل لابد من أجزاء، وهي مادته وصورته؛ لأن جزء المركب (١٢/أ) إما أن يكون المركب معه بالقوة وهي المادة، أو بالفعل وهو الصورة.
والمركب مع مفرداته بالقوة، ومع الهيئة الخاصة بالفعل، فقال: "ومادة
стр. 63
المركب مفرداته، وصورته: الهيئة الخاصة "ثم بين أن أقسام الحد ثلاثة: حقيقي ورسمي ولفظي.
والمراد بالحد هو: المعرف ليصح مقسما، وذكر في وجه الحصر أن التعريف: إما أن يكون بحسب اللفظ أو بحسب المعنى، والأول هو: اللفظي، والثاني: إما أن يكون بالذاتيات أو لا، والأول: الحد الحقيقي. والثاني: الرسمي، وتدخل فيه الحدود الناقصة، وهو اصطلاح غير بعيد؛ لأنها لم تفد كنه الحقيقة، فكانت في معنى الرسم في إفادة التمييز.
قوله: "فالحقيقي ما أنبأ" أي الحد الحقيقي معرف دل على جميع الذاتيات الكلية المجتمعة، فقوله: "ما نبأ" كالجنس، وقوله: "عن ذاتياته" لإحراج التعريف بالعرضيات وببعض الذاتيات. وقوله: "الكلية" لإحراج المشخصات، فأنها ذاتية الشخص من حيث هو شخص ولا يحد بها؛ لأن الحد للكليات وقوله: "المركبة" لإحراج الذاتيات التي لم يعتبر تركيبها على وجه تحصل بها صورة وجدانية مطابقة للمحدود، فأنها لا تسمى حدا حقيقيا وقوله: "والرسمي ما أنبأ عن الشيء أي الحد الرسمي معرف أنبأ عن الشىْ بلازم له، أي مختص فإن اللام للاختصاص،
стр. 64
واحترز به عن العرضي المفارق، كالضاحك بالفعل للإنسان، فأنه لا يفيد التعريف.
واعترض: بأن العناية بجعل اللازم بمعنى المختص بدلالة اللام غير مفيدة؛ لأنه مثل بالعرضي المفارق، وهو القذف بالزبد.
ورد: بأن النظر في المثال ليس دأب المحققين.
وقوله: "واللفظي ما أنبأ" أي الحد اللفظي معرف أنبأ عن الشيء بلفظ أظهر مرادف، فقوله: "بلفظ" أخرج الحد الحقيقي والرسمي، وبقوله "مرادف" أخرج الأظهر المباين، كذا قيل، وفيه نظر، والأولى أن لا يكون قيدا مستقلا.
واعترض: بأن الخمر ما أنبأ عن العقار بلفظ أظهر مرادف بل أنبأ عنه بنفسه.
وأجيب: بالعناية بأن المحدود بالحد اللفظي معنى العقار من حيث هو موضوع له العقار. ٍ
والحد معنى الخمر من حيث هو موضوع له الخمر، ولا شك أن معنى الخمر من حيث هو موضوع له الخمر أنبأ عن معنى العقار من حيث هو موضوع له العقار بلفظ الخمر وهو أظهر مرادف له. وهي كما ترى ذات تحمل في القول الشارح على أنها لا تدفع كونه تعريفا بمفرد وهو ليس بجائز.
فإن قيل: بل يدفعه بالتقدير المذكور أن الحد معنى المر من حيث هو موضوع
стр. 65
له الخمر وهو مركب.
قلنا: لا نسلم أن مثل هذا التركيب فيما نحن فيه، ولئن سلمنا زاد تمحل على تمحل.
فإن قيل: التركيب شرط الحقيقي والرسمي.
قلنا: على تقدير التسليم كان عناية أخرى.
والأظهر أن التعريف لا (١٢/ب) بتصور، بل لابد فيهمن تصورين وإلا لما أندفع الاعتراض الوارد على التصور المكتسب على ما مر فتأمل.
قوله: "وشرط الجميع" أي الأقسام الثلاثة المذكورة الاطراد على معنى كلما وجد الحد المحدود، والانعكاس على معنى كلما أنتقى الحد أنتقى المحدود. يعني أن الحد يجب أن يكون مساويا للمحدود؛ لأن المباين والأعم لا دلالة لهما على الحدود، والأخص أخفي، لكونه أقل وجودا وغولط بأن اللفظي لا يكون إلا بالأظهر وهو كالأعم؛ إذ هو ليس بمساو لفرضه أظهر، ولا أخص لكونه أكثر وجودا بالنسبة إلى عالمي الوضع فكان أعم، وبأن المساواة قد تفسده، لتعريف الحركة بعدم السكون.
ودفعها: بأن النسب الأربع إنما تعتبر في الكليات والحدود لها، وغير
стр. 66
المساواة غير مفيدة في الحدود كما مر. والتعريف اللفظي ليس إلا من حيث الدلالة على أن موضوع هذا اللفظ هو موضوع هذا اللفظ الآخر ولو لم يكن الثاني أظهر لما أفاد شيئا، والمساوة إنما كانت في المعرفة. والجهالة لعدم الفائدة إذ ذاك. وأما من حيث النسبة فلا بد منها كما مر.
ص- و الذاتي مالا يتصور فهم الذات قبل فهمه، كاللونية للسواد والجسمية للإنسان. ومن ثم لم يكن لشيء حدان ذاتيان، وقد يعرف بأنه غير معلل، وبالترتيب العقلي.
ش- ولما ذكر الذاتي في تعرف الحد الحقيقي أشار إلى معناه، والمعنى أن الذاتي: ما يمتنع فهم الذات قبله، كالجسمية للإنسان في الجوهر واللونية للواد في العرض، ويدخل تحت هذا التفسير نفس الماهية وأجزاؤها، لا متناع فهم الذات قبل فهمهما.
وقيل: أنه غير مانع ضرورة صدقة على اللازم البين للجنس.
стр. 67
ورد: بأن اللازم البين للجنس لا يلزم أن يكون فهمه قبل فهم النوع، ولامعه وتقدم فهم الجنس على فهم النوع لايقتضى تقد فهم لازمة القريب عليه.
قوله: "ومن ثم لم يكن لشيء واحد حدان ذاتيان" أي من أجل أن لأن الذاتي هو: ما لا يتصور فهم الذات، وفهم الذات لا يتصور إلا بعد فهم جميع ذاتياته فالحد الذاتي ما يشتمل على جميع الذاتيات وهو لا يتعدد.
قوله: "وقد يعترف" أي يعرف الذاتي بما لا يعلل بعلة، يعني أن الذات لا تحتاج في اتصافها بالذاتي إلى علة مغايرة لعلة الذات، فإن السواد لون لذاته لا لشيء آخر جعله لونا.
وقد يعرف الذاتي - أيضا - بالترتيب العقلي. قيل معناه أنه يتقدم على الذات في الوجودين، أعني: الخارجي والذهني. وكذا في العدمين، أي متى وجد الذات بأحد الوجودين يحكم بأن الذاتي عدم قبلها. لكن التقدم في جانب الوجود بالنسبة إلى جميع الأجزاء؛ لأن الكل إنما يوجد جميع الأجزاء واما في جانب العدم فبالنسبة إلى جزء واحد، لأن الكل ينتقى بانتفاع جزء واحد (١٣/أ).
стр. 68
تمام الماهية
ص- وتمام الماهية: هو المقول في جواب ما هو، وجزؤها المشترك: الجنس والمميز: الفصل. والمجموع منهما: النوع.
ش- الماهية هي ما يجاب به عن السؤال بما هو. وهو عبارة عن حقيقة الشيء، وكل شيء له حقيقة مغايرة لجميع ما عداها، لازما كان أو مفارقا وذلك كالحيوان الناطق المقول في جواب ما هو، عند السؤال عن الإنسان. وتمام جزئها المشترك بين الإنسان وغيره من الحيوانات، كالحيوان هو الجنس، وتمام الجزء المميز كالناطق هو الفصل.
وليس في كلامه هذا ما يدل على حصر أجزاء الماهية في الجنس والفصل فيوهم جواز أن تركيب ما هيه من أمرين متساويين، أو أمور متساوية لا يكون شيء منها جنسا ولا فصلا؛ ضرورة عدم كونه تمام الجزء المميز.
стр. 69
ولكن البرهان قائم على أن ذلك لا يجوز على ماعرف في موضوعه، فيكون الذاتي منحصرا على ما ذكر بالتفسير المار له، ووجه ذلك: أن الذاتي إما أن يكون تمام ماهية الشيء أو داخل فيها، والأول: هو الماهية المقولة في جواب ماهو.
والثاني: إما أن يكون تمام الذاتي المشترك بين الماهية وغيرها أو لا.
والأول: هو الجنس.
والأول: هو الفصل. سواء اختص بها أو لم يختص.
أما إذا اختص فظاهر. وأما اذا لم يختص بها فلأنه حينئذ لا يكون جزءا لجميع الماهيات، وإلا لانتفي البسائط فيكون جزءا لبعضها دون بعض فيميزها عما لا يكون جزءا له فيكون فصلا.
والمركب من الجنس والفصل هو النوع. قيل: أي النوع المطلق ليتناول الإضافي والحقيقي، فإن الحقيقي قد يكون مركبا منهما وإن كان غير لازم.
وقيل: بل المراد النوع الإضافي؛ لأنه لا يكون إلا مركبا منهما بخلاف الحقيقي ومطلق النوع لا يتناولهما؛ لأن إطلاق عليهما إنما هو بالاشتراك اللفظي لا المعنوي، حتى يقال للقدر المشترك بينهما النوع المطلق.
стр. 70
وفيه نظر: فإنه يجوز أن يكون مشتركا بينهما لفظا، ويكونان مرادين لأن إرادة المعنيين من اللفظ المشترك جائزة عند الأشاعرة ومن تابعهم.
والحق هو الثاني، لأن الحقيقي المركب منهما إضافي، وغير المركب لم يدخل تحت قوله: "والمركب" فالسعي في تناوله باطل.
وقيل: في كلام المصنف تسامح؛ لأنه ذكر لفظ "تمام" فيما لا ينبغي وترك فيما ينبغي فإنه لو قال: الماهية هو المقول في جواب ما هو كان كلاما تاما.
وأما قوله: "وجزؤهما المشترك" فلا بد فيه من تقدير لفظ "تمام" لئلا يرد عليه فصل الجنس, كالحساس بالنسبة إلى الإنسان فإنه جزء مشترك بين الإنسان وغيره من الحيوانات, وليس بجنس فلا بد من تقدير ذلك, ليكون المعنى وتمام جزءها المشترك الجنس فيدفع البعض, لأن فصل الجنس وأن كان جزءا مشتركا لكنه ليس تمام الجزء المشترك بل بعضه فلا يكون جنسا.
ص-والجنس: ما اشتمل على مختلف بالحقيقة. وكل من المختلف: النوع.
ويطلق النوع على ذي آحاد متفقة الحقيقة.
فالجنس) (٤) الوسط نوع بالأول لا الثاني, والبسائط بالعكس.
ش-لما ذكر الجنس والنوع أراد أن يعرفهما فعرف (١٣/ب) الجنس بقوله: "ما اشتمل على مختلف بالحقيقة" وقال: "وكل من المختلف النوع" واللام في المختلف للعهد, والمعهود قوله: "مختلف بالحقيقة" وكلامه ضعيف لفظاً ومعنى,
стр. 71
أما لفظاً فلأنه ترك في الرسمين جميعا في جواب ما هو, وأدخل اللام في قوله: "النوع" وهو مستدرك؛ لأنه أن أراد الجنس فليس بصحيح, وأن أراد العهد فلا معهود, وكفي أن يقل وكل من المختلف نوع.
وأما معنى فلأنه يقتضي أن يكون كل مركب مشتمل على أجزاء مختلفة الحقائق كالمعاجين وغيرها جنسا , وكل جزء يكون نوعا , وهو باطل قطعا.
وصحح شيخي العلامة ﵀ بعنايات, ولكن ليس الموقع كالصحيح فمن عناياته أن قال: قوله: "ما اشتمل" أي مقول في جواب ماهو, اشتمل على مختلف بالحقيقة.
فبقوله: في جواب ما هو, خرج الفصل والخاصة والعرض العام؛ لأن شيئا منها غير مقول في جواب ما هو, وبقوله: "على مختلف بالحقيقة" خرج النوع لأنه مقول في جواب ما هو مشتمل على مختلف بالعدد لا بالحقيقة, وكل من المختلف الذي يقال عليه وعلى الجنس في جواب ما هو النوع, أي الإضافي, وخرج الفصل والخاصة والعرض العام؛ لأن الجنس لا يقال على شئ منها في جواب ما هو.
ثم قال شيخي ﵀ إلا أنه يشكل بالصنف والشخص؛ فإن الجنس مقول في جواب ما هو على أصناف الأنواع وأشخاصها.
стр. 72
وأجاب: بأنه أراد بالحقيقة في قوله: "مختلف بالحقيقة" الماهية من حيث هي من غير اعتبار العوارض اللاحقة بها المصنفة أو المشخصة.
قال المصنف: "ويطلق النوع على ذي أحاد متفقة الحقيقة" يعني النوع الحقيقي، وهو مقول في جواب ما هو ذو أحاد متفقة الحقيقة.
فيقوله: "في جواب ما هو" خرج الفصل والخاصة والعرض العام.
وبقوله: "متفقة الحقيقة" خرج الجنس، والفرق بينهما أن الجنس الوسط كالجسم النامي نوع بالمعنى الأول؛ لأن جنس يقال عليه وعلى غيره في جواب ما هو، ولا يكون نوعا بالمعنى الثاني لأنه مقول في جواب ما هو على مختلفين بالحقيقة، وهي الأنواع المندرجة تحته.
والبسائط؛ أي الماهيات التي لا جزء لها، كالوحدة والنقطة، بالعكس، أي تكون نوعا بالمعنى الثاني، لكونها مقولة في جواب ما هو، على المتفقة الحقيقة التي هي أفرادها. ولا تكون نوعا بالمعنى الأول؛ لعدم أندراجها تحت جنس. وإلا لم يكن بسائط.
ص- و العرضي بخلافه. وهو لازم وعارض.
فاللازم: مالا يتصور مفارقته. وهو لازم للماهية بعد فهمها، كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة.
ولازم في الوجود خاصة، كالحدوث للجسم والظل له.
والعارض بخلافه وقد لا يزول، كسواد الغراب والزنجي. وقد يزول، كصفرة الذهب.
ش- لما فرغ (١٤/أ) من الذاتي بين العرضي وهو: ما يمكن فهم الذات قبل
стр. 73
فهمه وهو ينقسم إلى لازم وعارض؛ لأنه أن لم يمكن مفارقته فهو لازم، وأن أمكن فهو عارض.
واللازم قسمان: لازم للماهية بعد فهمها، أي يلزم فهمه بعد فهم الماهية من حيث هي كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة، فإن فهم الفردية والزوجية يلزم بعد فهم ماهية الثلاثة والأربعة.
وقوله: "بعد فهمها" يخرج به ما هو لازم الماهية في الوجود، فإنه لا يلزم فهمه بعد فهمها.
ولازم في الوجود، يعني ما يلزم الماهية في الوجود، ولا يلزم فهمه بعد فهمه. وكالظل فإنه لازم لماهية الجسم في الوجود، لا في الفهم ومثل بمثالين إشارة إلى أنه يجوز أن يكون لازما باعتبار شرط كالأول.
وأن يكون لازما باعتباره كالثاني، فأن الظل لازم لماهية الجسم في الوجود بشرط أن يكون كثيفا مقابلا للمضيء وأن لم يعتبر ذلك كان عرضيا مفارقا، وجاز أن يكون العرضي لازما باعتبار ومفارقا بدونه، والعارض ما يمكن مفارقته عن الشيء وأن لم يفارقه دائما؛ لأن دوام الثبوت لا ينافي إمكان السلب.
والعرضي المفارق (قد لا) يزول عرض بعد وجود المعروض كسواد الغراب أو مع وجوده كسواد الزنجي، وقد يزول كصفرة الذهب.
стр. 74
صورة الحد
ص- وصورة الحد: الجنس الأقرب ثم الفصل.
ش- يريد الحد الحقيقي وأن لم يكن ملتزما في هذا الفن كما أشير إليه من قبل ولما علم أن لكل مركب مادة وصورة، أشار إلى أجزاء الحد الذى هو مركب، ولما كان الصورة مستلزمة للمادة من غير عكس ذكر الصورة، وجعل اللام في قوله: "وصورة الحد" للعهد، والمعهود الحد الحقيقي، وهو ملبس؛ لأن المتقدم أقسام الحد كلها فلم يتعين الحقيقي إلا بالعناية وهو مخل بمعنى العهد والمعنى صورة الحد الحقيقي الجنس الأقرب إلى وضعه ثم الفصل؛ لأنه لو يوضع كذلك لم يحصل للحد صورة وجدانية مطابقة للحدود.
ص- وخلل ذلك: نقص، وخلل المادة: خطأ ونقص.
فالخطأ: كجعل الموجود والواحد جنسا. وكجعل العرضي الخاص بنوع فصلا فلا ينعكس، وترك بعض الفصول فلا يطرد.
وكتعريفه بنفسه، مثل: الحركة. عرض نقله، والإنسان حيوان بشر.
وكجعل النوع والجزء جنسا. مثل: الشر: ظلم الناس، والعشرة خمسة وخمسة.
стр. 75
ش- أي الخلل الواقع في صورة الحد بأن يوضع الفصل أولا، نقص لما ذكرنا، وليس بخطأ؛ لأنه يفيد تمييز المحدود عن غيره تمييزا ذاتيا وهو المقصود. وأما الخلل الواقع في مادته فخطأ ونقص فأن كان من كان من جهة المعنى فهو الأول، وأن كان من جهة اللفظ فهو الثاني، والأول على أنواع منها: أن يجعل العرض (١٤/ب) العام جنسا فيقال: الإنسان موجود ناطق، أو واحد.
ومنها: أن يجعل العرض الخاص فصلا، فيقال: الإنسان هو الحيوان الكاتب فلا ينعكس الحد حينئذ؛ لوجود المحدود بدونه.
ومنها: أن يترك بعض الفصول، فيقال في حد الإنسان: حيوان ناطق، ويترك قوله: كاتب، عند من يرى اشتراك الناطق بين الإنسان والملائكة فلا يطرد لوجود الحد حينئذ بدون المحدود في الملائكة.
ومنها: تعريف الشيء بنفسه، مثل الحركة: عرض نقله، والإنسان: حيوان بشر فإن تعريف الإنسان مشتمل على البشر، وتعريف الحركة مشتمل على النقلة، وهما نفس الإنسان والحركة. ومثل بمثالين للجوهر والعرض.
следующие страницы →