Полный текст (1 417 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وأن لا يكون لدفع خوف مثل " ماذا " قيل لخائف عن ترك الصلاة المفروضة في أول الوقت جاز ترك الصلاة في أول الوقت.
أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر فإنه إذا تحقق الباعث عليه لا يكون مفهوم المخالفة حجة.
ولقائل أن يقول: مآله الرد إلى الجهالة لعدم ضابطة وعلى تقدير ثبوتها يكون حجيته مغمورة عبر حجيتها ولا يزال النزاع في كل صورة أن فيها ما يقتضي التخصيص بالذكر فإن الطلبة المستعدين قلما يعجزون عن شيء من ذلك فكيف يجعل مثل حجة.
ص - فأما مفهوم الصفة فقال به الشافعي وأحمد والأشعري والإمام وكثير. ونفاه أبو حنيفة والقاضي والغزالي والمعتزلة. والبصري إن كان للبيان كالسائمة أو للتعليم كالتحالف أو كان ما عدا الصفة داخلا تحتها كالحكم بالشاهدين.
المثبتون: قال أبو عبيد في " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عقوبته وعرضه.
وفي " مطل الغني ظلم " مثله.
وقيل له في قوله: " خير له من أن يمتلئ شعرا " المراد الهجاء أو هجاء الرسول فقال لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليله كذلك. فالزم من تقدير الصفة المفهوم وقال به الشافعي وهما عالمان بلغة العرب فالظاهر فهمهما ذلك لغة.
قالوا: بنيا على اجتهادهما. أجيب بأن اللغة تثبت بقول الأئمة من أهل اللغة ولا يقدح فيها التجويز , عورض بمذهب الأخفش. وأجيب بأنه لم يثبت كذلك. ولو
стр. 1017
سلم فمن ذكرناه أرجح. ولو سلم فالمثبت أولى.
ش - فأما مفهوم الصفة فقد اختلف فيه الأئمة فذهب الشافعي وأحمد وأبو الحسن الأشعري وإمام الحرمين وكثير من المتكلمين إلى أن تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات يدل على نفي ذلك الحكم عما عداها.
كقوله ﷺ : " في سائمة الغنم زكاة " فإن تعليق وجوبها بصفة " الصوم " يدل على نفي وجوبها عما ليست فيه.
وذهب أبو حنيفة وحجة الإسلام الغزالي والقاضي أبو بكر إلى أنه لا يدل على ذلك.
وفصل أبو عبد الله البصري. قال إن ورد الخطاب للبيان كقوله ﷺ : " في سائمة الغنم زكاة " أو للتعليم مثل قوله ﷺ : " إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا ... " أو كان ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة كالحكم بالشاهدين فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين فإنه يدل على نفي ما عداه.
احتج المثبتون بأن بعض أهل اللغة كأبي عبيد فهم من قوله ﷺ : " لي
стр. 1018
الواجد يحل عقوبته وعرضه ". وقال إنه يدل على أن لي غير الواجد لا يحل ذلك.
واللي هو المطل , والواجد الغني , والعقوبة الحبس , وإحلال العرض المطالبة. وكذلك فهم من قوله ﵇: " مطل الغني ظلم ". وقال فيه مثل ما قال في الحديث المتقدم.
وقيل له في قوله ﵇: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا " أن المراد بالشعر الهجاء أو هجاء الرسول ﵇. فقال أبو عبيد: لو كان المراد بالشعر الهجاء لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليل الهجاء كذلك فألزم أبو عبيد من تقدير الصفة نفي الحكم عما عداها.
وإنما قال المصنف من تقدير الصفة لأنه لم يوجد هاهنا اسم عام مقيد بصفة ظاهرا كما في الغنم. لكن لما قيل لأبي عبيد إن المراد بالشعر الهجاء قدر الامتلاء صفة للهجاء حتى كأنه قيل الهجاء الذي يمتلئ به الجوف.
والشافعي أيضا قال مفهوم. وهما عالمان بلغة العرب.
والظاهر أنهما فهما المفهوم لغة لا اجتهادا فيكون حجة.
وقال النافون بنى الشافعي وأبو عبيد المفهوم على اجتهادهما لأنهما كانا من أهله وإن كانا من أئمة اللغة فجاز أن يكون قولهما بذلك مستندا إلى الاجتهاد فلا يكون حجة.
стр. 1019
وأجاب بأن اللغة تثبت بقول أئمة اللغة وكون الناقل من أهل الاجتهاد لا يقدح في ذلك لأن احتمال الاجتهاد مرجوح ونقل اللغة راجح والمرجوح لا يقدح في الراجح.
وفيه نظر لأن جهة النقل إنما تكون راجحة إذا كانت جهة كون الناقل لغويا أقوى من جهة كونه مجتهدا وهو ممنوع. سلمناه لكن إنما يكون حجة أن لو كان ذلك لغة العرب كلهم وهو ممنوع فإن لغة بعض العرب ليست بحجة على غيره.
وعورض بمذهب الأخفش فإنه نقل عنه أن تعليق الحكم على إحدى صفتي الذات لا يدل على نفي ما عداها.
وأجاب بأن هذا لا يصلح أن يكون معارضا لما ذكرنا لأن هذا المذهب لم يثبت عن الأخفش كما ثبت خلافه عن الشافعي وأبي عبيد ولو سلم ثبوت هذا المذهب عن الأخفش كثبوت مذهبهما لكن من ذكرناه وهو الشافعي وأبو عبيد أرجح لأنهما أفضل.
وفيه نظر لأن الأفضلية إن كانت من حيث النقل ممنوع وإن كان من حيث العلم والاجتهاد فلا يفيد. ولو سلم عدم رجحانهما فالدليل الذي ذكرناه راجح على الذي ذكرتم لأن دليلنا مثبت ودليلكم ناف والمثبت أولى.
وفيه نظر لأن الصحيح من مذهبنا أن المثبت والنافي يتعارضان.
ص - وأيضا لو لم يدل على المخالفة لم يكن لتخصيص محل النطق بالذكر فائدة وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع. فالشارع أجدر واعترض: لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة.
стр. 1020
وأجيب بأنه يعلم بالاستقراء إذا لم تكن للفظ فائدة سوى واحدة تعينت.
وأيضا: ثبتت دلالة التنبيه بالاستبعاد اتفاقا فهذا أولى واعترض بمفهوم اللقب.
وأجيب بأنه لو سقط لاختل الكلام.
فلا مقتضى للمفهوم فيه.
واعترض بأن فائدته تقوية الدلالة حتى لا يتوهم تخصيص.
وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به.
وإن سلم في بعضها خرج فإن الفرض أن لا شيء يقتضي تخصيصه سوى المخالفة.
واعترض بأن فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس فيه.
وأجيب بأنه بتقدير المساواة يخرج وإلا اندرج.
ش - واحتج المثبتون بحجة أخرى تقريرها لو لم يدل مفهوم الصفة على نفي ما عداها لم يكن لتخصيص نحل النطق بالذكر فائدة. وبين الملازمة بأن الفرض أن ما يوجب التخصيص من الأمور المتقدمة مدوم؟ والأصل عدم غيره.
وفيه نظر أما أولا: فلأنا لا نسلم ذلك لجواز أن يكون فائدته بيان محل الحكم لا النفي عما عداه فإنه باق على عدمه الأصلي.
وأما ثانيا: فلأنه لو كان الأصل عدم غيره لزم انتفاء نفي ما عداه على تقدير فرض وجوده وهو باطل لا محالة وذلك لأن ذلك الغير هو بيان محل الحكم ولو فرضناه معدوما لانتفى ما دل عليه اللفظ في محل النطق وهو يستلزم انتفاء نفي ما عداه لتفرعه عليه. وبين المصنف بطلان التالي بقوله: " وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع فالشارع أجدر.
واعترض بأربعة أوجه:
стр. 1021
الأول: إن هذا الدليل يرجع إلى إثبات الوضع بالفائدة وليس بصحيح لأنه دور بل طريقه النقل.
وأجاب أولا: بأنا لا نسلم أن ذلك إثبات الوضع بالفائدة وإنما هو إثباته بالاستقراء فإنا نعلم به أن اللفظ إذا لم يكن له سوى فائدة واحدة تتعين مرادة من اللفظ.
وفيه نظر لأنه إن سلم بما فيه ففيما نحن فيه فائدة أخرى وهي بيان محل الحكم لا النفي عما عداه فإنه باق على عدمه الأصلي.
وثانيا: بأن دلالة المثبت ثبتت بالاستبعاد اتفاقا فإنا قد بينا في أقسام الصريح أنه إذا اقترن بالحكم معنى لو لم يكن لتعليله استبعد ذكره معه يكون ذلك المعنى علته فإثبات دلالة المفهوم حذرا عن لزوم الامتناع في كلام الشارع أولى.
وفيه نظر لأنه إثبات " اللفظ " الوضع بالدلالة وهو فاسد , ولأن الامتناع في كلامه إنما يلزم لو خلا عن الفائدة وبيان محل الحكم فائدة. ولأنه معارض بأن مفهوم المخالفة لو كان حجة لزم تحصيل الحاصل لأن العدم في غير الموصوف بها ثابت قبله فلو جعلناه للنفي لزم ذلك وهو محال.
الثاني: أن الدليل المذكور منتقض بمفهوم اللقب فإنه بعينه فيه قائم وهو مردود بالاتفاق.
وأجاب بالفرق بين مفهوم اللقب ومفهوم الصفة فإن فائدة تخصيص اللقب بالذكر حصول الكلام , لأنه لو سقط لاختل الكلام فلا يتحقق مقتضى المفهوم فيه لأن مقتضاه تعين الفائدة ولم تتعين لتحقق فائدة أخرى وهو حصول الكلام بخلاف مفهوم الصفة فإن حصول الكلام ليس فائدة تخصيصها بالذكر فإنها لو أسقطت لم يختل الكلام فلم يحق له فائدة غير النفي عما عداه.
وفيه نظر لأنه مبني على الفرق وقد تقدم الكلام عليه. ولأن عدم الاختلال عند
стр. 1022
إسقاط الصفة إما أن يكون قبل التكلم وليس الكلام فيه أو بعده فممنوع أو حالة التكلم وهو مخل بمقصود المتكلم لأن مقصودنا ثبات الحكم في ذلك النوع وإسقاطه مخل بذلك.
الثالث: أن يقال لا نسلم أنه لو لم يدل على النفي خلا عن الفائدة لم لا يجوز أن يكون فائدة ذكرها تقوية دلالة ما جعل الوصف وصفا له على أفراده المتصفة بتلك الصفة حتى لا يتوهم تخصيصها عما وصف بها.
وأجاب بأن هذه الفائدة فرع العموم , يعني أنها إنما تحصل إذا كان الاسم المقيد بالصفة عاما ولا قائل به أي بعمومه ثمة مثل هذا الاسم.
وفيه نظر لأنه مناقض لما ذكر في بيان مفهوم الصفة هو أن يكون اللفظ عاما اقترن به صفة خاصة.
قوله: ولئن سلم أي لو سلم العموم في بعض الصور خرج عن محل النزاع لأنه حينئذ يكون للتخصيص فائدة غير المخالفة والنزاع فيما لا شيء فيه يقتضي تخصيصه سوى المخالفة في الحكم
وفيه نظر مثل ذلك منتف لكون بيان المحل غير مفارق لما تقدم وهو فائدة التخصيص.
الرابع: أنا لا نسلم أنه لا فائدة للتخصيص سوى المخالفة في الحكم لم لا يجوز أن تكون الفائدة ثواب الاجتهاد بالقياس فيه فإن تخصيص الوصف يشعر بعليته فيجتهد المجتهد ويعدي الحكم إلى صورة أخرى فيحصل ثواب الاجتهاد مثل أن يرى أن الوصف في الغنم السائمة هو السوم فيجعله جامعا بينه وبين غيره من السوائم أو يعدي الحكم إليه بشروطه.
وأجاب بأنه إن ثبتت المساواة بين الفرع والأصل في الوصف يخرج عن محل النزاع إذ هو ما لا يكون غير المنطوق مساويا لمنطوق في علة الحكم. وإن لم تثبت المساواة بينهما فيه اندرج فيما لا فائدة له سوى المخالفة في الحكم لامتناع القياس.
ولقائل أن يقول هذا غلط فاحش لأن الاجتهاد ليس في حمل ما يخالفه في
стр. 1023
المفهوم " عليه بالقياس " حتى يكون موافقة وإنما هو في حمل ما يوافقه في تلك الصفة عليه فيكون بالنسبة إليه إما مفهوم موافقة أو مقيسا ولا بعد في أن يكون الشيء الواحد موافقا لشيء ومخالفا لآخر واعتبر ذلك في قوله في الغنم السائمة زكاة مثلا فإنه يجوز أن تكون فائدة الوصف حمل ما كان من السوائل عليه كالخيل مثلا فيكون بالنسبة إليه مفهوم موافقة وبالنسبة إلى الغنم المعلوفة مفهوم مخالفة وهذا واضح جدا.
ص - واستدل لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك إذ لا واسطة وليس للاشتراك باتفاق. وأجيب إن عنى السائمة فليس محل النزاع وإن عنى إيجاب الزكاة فيها فلا دلالة له على واحد منهما.
الإمام: لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره لأنه بمعناه. والثانية معلومة.
وهو مثل ما تقدم فإنه إن عنى لفظ السائمة فليس محل النزاع وإن عنى الحكم المتعلق بها فلا دلالة له على الحصر. ويجريان معا في اللقب , وهو باطل.
واستدل بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء نفرت الشافعية ولولا ذلك ما نفرت.
وأجيب بأن النفرة من تركهم على الاحتمال من التقديم أو لتوهم المعتقدين ذلك.
ش - واستدل بأن ذلك الوصف إن لم يفد الحصر لزم إفراد المنطوق وهي السائمة وإفراد المفهوم وهي المعلوفة في الحكم لأنه لا واسطة بين الحصر والاشتراك فإذا انتفى الأول ثبت الثاني واللازم باطل بالاتفاق.
وأجاب بأنه إن عنى السائمة يعني إن أراد أن السائمة مختصة بهذا الوصف وهو
стр. 1024
ما يكتفي بالرعي في أكثر الحول ولا يتناول العلوفة وهي التي تحتاج إلى أن تعلف عليها في نصف السنة أو أكثرها فليس ذلك محل النزاع وإن عنى إيجاب الزكاة أي حصر إيجابها في السائمة ونفيه عن المعلوفة فالملازمة ممنوعة.
قوله: إذ لا واسطة بين الحصر والاشتراك.
قلنا: ممنوع إذ النزاع في دلالة اللفظ على نفي ما عدا المذكور ولا يلزم من عدم الدلالة على النفي دلالته على الاشتراك لجواز أن لا يدل على شيء من ذلك.
ولقائل أن يقول هذا المنع إن كان من جهة المانعين فصحيح وإن كان من جهة المثبتين فغير صحيح لأنه إذا لم يدل على الحصر والاشتراك فإما أن لا يدل على شيء أصلا وهو باطل للزوم الإهمال , أو يدل عليه فتثبت فائدة غير الحصر والاشتراك وهو مذهب المانع وحجة على المثبت.
واستدل إمام الحرمين على أن تخصيص الوصف بالذكر يفيد الحصر بأنه لو لم يفده لم يفد اختصاص الحكم بالصنف المذكور دون غيره لأن معنى الاختصاص به دون غيره هو الحصر.
وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون المقدم والتالي شيئا واحدا ومعناه لو لم يفد الاختصاص لم يفد الاختصاص وهو باطل. وأما بيان بطلان التالي فقد أشار إليه المصنف بقوله: والثانية معلومة يعني أن فائدة اختصاص الحكم بالصنف المذكور دون غيره معلومة.
وفيه نظر لأنه مصادر.
وأجاب بأن هذا مثل ما تقدم يعني إن عنى حصر لفظ السائمة بهذا الصنف وعدم تناوله للمعلوفة فليس محل النزاع وإن عنى حصر الحكم المعلق بالسائمة أي اختصاصه بها ونفيه عما عداها فالملازمة ممنوعة.
وما قيل في بيانها إن معنى الاختصاص به دون غيره هو الحصر فاسد لما مر من اتحاد المقدم والتالي إذ ذاك.
стр. 1025
ونقض هذان الاستدلالان بمفهوم اللقب فإنهما يجريان معا فيه وهو باطل.
واستدل للمثبتين بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء نفرت الشافعية ولو لم يكن ذكر الوصف دالا على نفي الحكم عما عداه لما نفرت.
وأجاب بأن نفرتهم ليست من ذلك بل من تركهم على الاحتمال فإن تخصيص الحنفية بالذكر يوجب القطع بفضلهم وترك الشافعية يوجب الاحتمال وذلك يوجب النفرة , كما أن تقديم الشافعية يوجب النفرة إذ نفرة الشافعية لتوهم أن المعتقدين مفهوم الصفة يعتقدون أنهم ليسوا أئمة فضلاء.
وفيه نظر لأن نفي الفضيلة عنهم لا يجوز أن يكون لتخصيص الحنفية بالذكر وإلا لزم تحصيل الحاصل كما مر وإنما هو بناء على العدم الأصلي.
ص - واستدل أيضا بقوله - تعالى -: (إن تستغفر لهم سبعين مرة).
ش - وبيانه أنه لما نزل في أقارب الرسول ﷺ قال: " والله لأزيدن على سبعين ".
ففهم ﷺ أن ما زاد على السبعين بخلافه ولو لم يكن في ذكر الوصف دالاً على
стр. 1026
ذلك لما فهم الرسول ﷺ ذلك.
وفيه نظر لأن هذا مفهوم العدد وليس الكلام فيه.
وأجاب بمنع أنه ﵇ فهم ذلك لأن هذه الآية للمبالغة في عدم الغفران وإن كثر الاستغفار فتساوي السبعون وما فوقه , وإنما قال ذلك استمالة لقلوب الأحياء منهم لا غير أو لعل وقوع المغفرة بالزيادة على سبعين باق على أصله في الجواز فإن جواز وقوعها بالزيادة على سبعين قبل نزول الآية ثابت فلم يفهم الرسول ﵇ جواز وقوع المغفرة بما زاد على السبعين من التخصيص بالذكر.
ولقائل أن يقول فعلى هذا يجوز للمانعين أن يقولوا بالعدم في المعلوفة قبل ورود قوله ﵇: " في السائمة زكاة " كان ثابتا فلعله باق.
وهذا يهدم بناء كل ما تقدم من جانب المثبتين.
ص - واستدل بقول يعلى بن أمية لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا وقد قال - تعالى -: (فليس عليكم جناح) فقال عمر: تعجبت " ما " تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: " إنما هي صدقة تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
" منها " نفي القصر حال عدم الخوف وأقر ﷺ .
وأجيب: لجواز أنهما استصحبا وجوب الاتمام , فلا يتعين.
واستدل بأن فائدته أكثر فكان أولى تكثيرا للفائدة.
وإنما يلزم من جعل تكثير الفائدة يدل على الوضع.
وما قيل إنه دور لأن لازمه يتوقف على تكثير الفائدة وبالعكس فلزمهم في كل موضع.
وجوابه أن لازمه يتوقف على تعقل تكثير الفائدة عندها لا على حصول الفائدة.
стр. 1027
واستدل لو لم يكن مخالفا لم تكن السبع في قوله: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا " فطهره لأن تحصيل الحاصل محال.
وكذلك: " خمس رضعات يحرمن ".
ش - واستدل أيضا على ذلك بقول يعلى بن أمية لعمر ﵄: " ما لنا نقصر وقد أمنا ".
وقد قال - تعالى -: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم) فقال عمر ﵁: تعجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: " إنما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ففهم عمر ويعلى التخصيص بحال الخوف والنفي عما عداه وهما من أهل اللسان وتقرير النبي ﵇ على ذلك دليل على المطلوب.
وأجاب بأن " فهمهم ذلك وتعجبهم " يجوز أن يكون لأجل استصحابهما وجوب الإتمام حالة الأمن فلا يتعين أن يكون فهم وجوب الإتمام حال الأمن من التخصيص بالذكر.
стр. 1028
وفيه نظر لأن هذا من باب مفهوم الشرط وليس الكلام فيه. ولأن فيه تقوية للمانعين.
واستدل أيضا على ذلك بأن فائدته أكثر الدلالة الكلام حينئذ على الإثبات في محل النطق والنفي في غيره وما كان فائدته أكثر فهو أولى تكثيرا للفائدة.
وفيه نظر لأن فيه مصادرة.
قال المصنف: وهذا الدليل يلزم إن جعل تكثير الفائدة دالا على الوضع وهو ضعيف لأنه استدلال في اللغة وطريقها السماع.
وقيل: في هذا الدليل دور لأن دلالة اللفظ على المفهوم تتوقف على تكثير الفائدة لكونه علتها حينئذ وتكثير الدلالة تتوقف على دلالة اللفظ على المفهوم.
وأجاب بأنه لو صح لزمهم في كل موضع بأن يقال دلالة اللفظ على مدلوله تتوقف على الوضع والوضع يتوقف على الفائدة لأنه إنما وضع لها.
وفيه نظر لأن الفائدة تتوقف على تحقق الوضع والوضع يتوقف على تصورها غاية فاختلفت الجهة.
وبأن دلالته على تعقل تكثير الفائدة. وتقريره باختلاف بأن يقال دلالة اللفظ على المفهوم تتوقف على تعقل تكثير الفائدة عند الدلالة على حصوله وحصوله يتوقف على وجود الدلالة.
ويجوز أن يدفع الدور بأن التوقف توقف معية فلا دور.
واستدل أيضا بأن الحكم في غير محل النطق لو لم يكن مخالفا الحكم في محله لم تكن السبع في قوله ﷺ : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا مطهرة. ولم تكن الخمس في قوله ﵇: " خمس رضعات
стр. 1029
يحرمن" محرمة. والتالي باطل. وبيان الملازمة أن التخصيص إذا لم يدل على نفي الحكم عما عداه لحصل الطهارة بما دون السبع لعدم المخالفة , ولحصل التحريم بما دون الخمس كذلك وإذا حصل ذلك بما دون العددين لا يحصل بهما وإلا لزم تحصيل الحاصل ولم يجب المصنف عنه.
وأجاب بعض الشارحين بأنه لا يلزم من عدم المخالفة أن يكون ما دون العددين مطهرا ومحرما لجواز عدم دليل بدليل آخر.
وفيه نظر لأن الأصل عدم الدليل فلا بد من بيانه ولأنه من باب مفهوم العدد وليس الكلام فيه , ولأنه استدلال بالجزئيات المرتبة على القاعدة الكلية وإثبات القاعدة بالجزئيات الثانية منها دور.
وللمانعين قول كلي يظهر به بطلان قول المثبتين وهو أن التخصيص بالوصف يدل على إثبات الحكم في محل النطق بالاتفاق وإنما النزاع في النفي عما عداه وهما مفهومان متقابلان بالضرورة فدلالة الوصف عليهما إما أن يكون بطريق الحقيقة وهو باطل للاشتراك أو بطريق الحقيقة والمجاز وهو أيضا كذلك لما تقدم من بطلان الجمع بينهما بما لا مرد له.
ص - النافي: لو ثبت لثبت بدليل وهو عقلي ونقلي إلى آخره.
وأجيب بمنع اشتراط التواتر , والقطع بقبول الآحاد الأصمعي أو الخليل أو أبي عبيدة أو سيبويه.
قالوا: لو ثبت لثبت في الخبر.
وهو باطل لأن من قال في الشام الغنم السائمة لم يدل على خلافه قطعاً.
стр. 1030
وأجيب بالتزامه. وبأنه قياس. ولا يستقيمان.
والحق: الفرق بأن الخبر وإن دل على أن المسكوت عنه غير مخبر به فلا يلزم أن لا يكون حاصلا بخلاف الحكم إذ لا خارجي له. فيجري فيه ذلك.
قالوا: لو صح لما صح أد زكاة المعلوفة والسائمة كما لا يصح لا تقل له أف واضربه للتناقض ولعدم الفائدة.
وأجيب بأن الفائدة عدم تخصيصه ولا تناقض في الظواهر.
قالوا: لو كان لما ثبت خلافه للتعارض والأصل عدمه وقد ثبت في نحو: " لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ".
وأجيب بأن القاطع عارض الظاهر فلم يقو. وتجب مخالفة الأصل بالدليل.
ش - النافون تمسكوا بأربعة أوجه:
الأول: أنه لو ثبت ذلك فإما أن يثبت بدليل أو لا , والتالي باطل. والأول إما أن يكون بعقلي وهو معزول عن الإفادة " وفي " الدلالات الوضعية أو بنقلي وشرطه التواتر لأن اآحاد يفيد الظن وهو غير معتبر في إثبات اللغات , والتواتر غير متحقق وإلا لما وقع الخلاف.
وأجاب المصنف بمنع اشتراط التواتر فإن الآحاد مقبولة في اللغة كنقل الخليل والأصمعي.
стр. 1031
وأبي عبيدة وسيبويه.
وفيه نظر لأنه إنما يكون نقل الآحاد معتبرا إذا نقلوا أنه لغة كل العرب ولم يتفق ذلك وحينئذ يجوز أن يكون ذلك لغة بعضهم فلا يكون حجة إلا على من التزمه.
الثاني: أنه لو ثبت ذلك في الحكم لثبت في الخبر وهو باطل أما الملازمة فلتقيد كل من الكلامين بالوصف , والفرق تحكم وأما انتفاء التالي فلأن من قال في الشام الغنم السائمة لم يدل على خلافه لجواز أن تكون ثمة غنم معلوفة أيضا.
وأجيب بالتزام ذلك فلا يكون التالي ممنوعا وبمنع الملازمة فإنها تثبت بالقياس وهو غير معتبر في إثبات اللغة.
وزيف المصنف الجوابين:
أما الأول: فبأنه لم ينقل عن أحد من المثبتين الإلزام المذكور.
وأما الثاني: فبأنه ليس بقياس في اللغة لأن القياس كما تقدم عبارة عن إلحاق
стр. 1032
مسمى باسم لم يسمع الأول من أهل اللغة وسمي به الثاني لمعنى يستلزم الاسم وجودا وعدما ووجد في الأول ومعلوم أنه هنا ليس كذلك.
ثم قال والحق الفرق بين الحكم والخبر فإن الخبر وإن دل على أن المسكوت عنه لجواز حصوله بدون الخبر لأنه له خارج فيجوز أن يحصل ذلك الخارجي للمسكوت عنه بخلاف الحكم فإنه إذا دل على أن المسكوت عنه غير محكوم به لزم أن لا يكون حاصلا للمسكوت عنه إذ لا خارج للحكم فيجري فيه ما جرى في الخبر.
ولقائل أن يقول الجواب بالفرق غير مستقيم.
ومنها أن بعض المانعين مذهبهم بطلان الفرق فلا يلزمه. ومنها أن المسكوت عنه إذا جاز أن يحصل له ما تضمنه الخبر من الخارج كان أولى بالنفي لأن السبب يستلزم تصور الإيجاب أما إذا لم يجز أن يحصل للمسكوت عنه بعدم الخارج فهو معدوم فيه , والمعدوم لا ينفى. ومنها أن المسكوت عنه إذا جاز أن يحصل له ما تضمنه الخبر من الخارج فالمنطوق به كذلك فتخصيصه بالوصف تحصيل للحاصل.
الثالث: لو صح ذلك لما صح أد زكاة السائمة والمعلوفة. كما لا يصح لا تقل له أف , واضربه , لوجهين:
أحدهما: عدم الفائدة لذكر الوصفين فإن ذكر الغنم مغن عن ذكرهما.
والثاني: لأن التخصيص إن دل على النفي توارد على المعلوفة نفي وجوب الزكاة المفهوم وإيجابه المصرح به فكان في قوة تجب الزكاة في المعلوفة ولا تجب فيها وهو تناقض.
وفيه نظر فإن الصريح أقوى يترك به المفهوم.
وأجاب بأن الفائدة عدم تخصيص المعلوفة بالاجتهاد عن العموم ولا تناقض في الظاهر فإن دلالة التخصيص بالذكر على النفي ظاهر لا قطعي فيجوز أن يترك بقطعي.
وفيه نظر لجواز أن يكون المصرح به لفظا عاما وهو أيضا ظاهر عنده لا نص فلا يندفع على أن التناقض في الظاهر متحقق والمذكور دفع بحسب الحقيقة , ولو أبرز
стр. 1033
الكلام بلفظ الصريح كما ذكرنا اندفع الأول.
الرابع: لو كان كذلك لما ثبت خلافه أي لما ثبت الحكم فيما عداه لئلا يلزم التعارض الذي هو على خلاف الأصل ولكنه ثبت في قوله - تعالى -: (لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة) لأن أكل الربا حرام وإن لم يكن أضعافا مضاعفة.
وفيه نظر لأنه هو الوجه الثالث خلا أنه سماه تناقضا وها هنا تعارضا.
ويجوز أن يقال وحدة الزمان شرط في التناقض فإذا قال: أد زكاة السائمة والمعلوفة اتحد. فسماه تناقضا. بخلاف التعارض فإنه يقع باعتبار جهالة التاريخ وقد وجد ذلك بين الآيتين فسماه تعارضا.
وأجاب بأن قوله - تعالى -: (لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة) يقتضي إباحة الربا إذا لم يكن كذلك بحسب الظاهر لكن القاطع الذي هو قوله - تعالى -: (وحرم الربوا) عارضه فاندفع الظاهر فلم يقو المفهوم , والتعارض وإن كان خلاف الأصل يجب القول به إذا دل عليه دليل لوجوب مخالفته بالدليل.
وفيه نظر فإن التعارض هو تقابل الحجتين على السواء وإذا كان أحدهما قطعيا يتحقق التعارض بينهما فكان التزام وجوده فيما نحن فيه. وما بنى عليه من التزام جواز مخالفة الأصل لدليل قائم في علم المناظرة. ولأن دلالة القطعي ليس بمنحصر فيما وراء المخصوص بل هو عام فيه وفي غيره فيقع (أضعافا مضاعفة) غير مقيد وهو غير جائز.
ص - وأما مفهوم الشرط - فقال به بعض من لا يقول بالصفة.
القاضي وعبد الجبار والبصري على المنع.
القائل به ما تقدم.
وأيضا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
стр. 1034
وأجيب قد يكون سبباً. قلنا: أجدر إن قيل بالاتحاد. والأصل عدمه , إن قيل بالتعدد.
وورد: (إن أردن تحصنا).
وأجيب بالأغلب وبمعارضة الإجماع.
مفهوم الغاية: قال به بعض من لا يقول بالشرط كالقاضي وعبد الجبار.
القائل به ما تقدم.
وبأن معنى صوموا إلى أن تغيب الشمس آخره غيبوية الشمس فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخرا.
ش - اختلفوا في أن الحكم إذا علق على شرط هل ينتفي بانتفائه أو لا؟
القائلون بمفهوم الصفة وبعض منكريه قالوا: لانتفاء الحكم لانتفاء الشرط. ومنعه القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله " المصري ".
واحتج القائلون به بوجهين:
أحدهما: ما تقدم وهو أن أئمة اللغة فهموا ذلك ونقلوه واللغة تثبت بذلك.
وفيه نظر لأنه لم يتواتر والآحاد لا يفيد كونه لغة الجميع ولغة بعض غير ملزم كما تقدم.
стр. 1035
وأجيب عن هذا الدليل بأن ما وقع شرطا قد يكون سببا ولا يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب.
وأجاب المصنف عن هذا الجواب بأنه إن قيل باتحاد السبب فهو أجدر بأن ينتفي المسبب بانتفائه لأنه يكون موجبا لوجود المسبب إذ ذاك فيلزم من انتفائه انتفاءء المسبب قطعا. وإن قيل: " بتعد " السبب يمتنع التعدد لأن الأصل عدمه. فيلزم من انتفائه انتفاء المسبب ظاهرا.
ولقائل أن يقول تعدد السبب واقع كالبيع والهبة والصدقة والإرث للمالك فلا يصح منعه.
وأورد على مفهوم الشرط قوله - تعالى -: (ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا) فإن الإكراه على البغاء منتف وإن لم يردن تحصنا.
وأجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن وقوع الإكراه بحسب الأغلب عند إرادة التحصن فحينئذ يكون الموجب للتخصيص وقوعه بحسب الأغلب والكلام فيما إذا لم يوجد مخصص سوى المخالفة كما تقدم في مفهوم الصفة.
وفيه نظر لما تقدم أنه يفضي إلى الجهالة والجدال , ولأنه قول بوجود اللغو وهو لغو.
والثاني: أن الآية دلت بحسب الظاهر على انتفاء حرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصن والإجماع القاطع عارض الظاهر فاندفع لأن الظاهر يندفع بالقاطع فلم يتحقق بمفهوم الشرط.
ولقائل أن يقول الإجماع لم يكن حجة في عصر النبي ﷺ فيكون الإكراه على البغاء إذا لم يردن تحصنا حلالا بمقتضى الظاهر السالم عن المعارض القطعي
стр. 1036
وهو باطل قطعاً.
وكذلك اختلفوا في حكم قيد بغاية كقوله - تعالى -: (ثم أتموا الصيام إلى اليل) فذهب كل من قال بمفهوم الصفة إلى أنه يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية وبعض من لا يقول به أيضا كالقاضي وعبد الجبار.
واحتجوا بما تقدم أن أئمة اللغة فهموا ذلك ونقلوه إلى آخره.
وفيه نظر تقدم غير مرة.
وبأن قول القائل: صوموا إلى أن تغيب الشمس. معناه صوموا صوما آخره غيبوبة الشمس. فلو قدر وجوب بعد غيبوبة الشمس لم تكن الغيبوبة آخرا بل وسطا.
وفيه نظر لأن النافي " يقدر بعد " غيبوبة الشمس وجوبا بل يقول هو ساكت والساكت لا ينسب إليه قول فالنفي والإثبات يكون بخارج. ولأنه يرد عليه قوله - تعالى -: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فإنها داخلة. فإن أحيل على دليل خارجي عورض في الصوم بالعكس.
ص - وأما مفهوم اللقب , فقال به الدقاق وبعض الحنابلة. وقد تقدم.
وأيضا فإنه كان يلزم من محمد رسول , وزيد موجود , وأشباهه ظهور الكفر.
واستدل بأنه يلزم منه إبطال القياس لظهور الأصل في المخالفة.
وأجيب بأن القياس يستلزم التساوي في المتفق عليه فلا مفهوم فكيف به هنا.
стр. 1037
قالوا: لو قال لمن يخاصمه: ليست أمي بزانية ولا أختي - تبادر نسبة الزنا إلى أم خصمه وأخته ووجب الحد عند مالك وأحمد.
قلنا: من القرائن لا مما نحن فيه.
ش - وقد اختلفوا في مفهوم اللقب. فذهب الجمهور إلى أنه إذا علق حكم على اسم لا يدل على نفيه عما عداه وذلك كقوله ﵇: " الماء من الماء " أي الغسل من المني.
وذهب الدقاق وبعض الحنابلة إلى النفي عما عداه.
قال المصنف: وقد تقدم قبل يعني به الفرق المذكور بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب بأن فائدة تخصيص الاسم حصول الكلام فإنه لو أسقط الاسم لاختلال الكلام فلا يتحقق المقتضى للمفهوم فيه فإن المقتضي له هو انتفاء فائدة التخصيص بخلاف مفهوم الصفة فإنه لو أسقط الصفة لم يختل الكلام فيتحقق المقتضى للمفهوم وهو انتفاء فائدة التخصيص.
وفيه نظر لأن هذا لا يصح أن يكون دليلا للجمهور وهو ظاهر ولا جواباً
стр. 1038
لخصمهم لأنه لم يذكر لهم قياسا جامعا بين البابين ليدفعه بإبداء الفارق.
واحتج أيضا بأنه لو دل على النفي عما عداه لزم من قول القائل محمد رسول الله , وزيد موجود , ظهور الكفر والتالي باطل بالإجماع وذلك لأنه على ذلك التقدير لا يكون موسى وعيسى وغيرهما أنبياء وأن لا يكون الإله موجودا وهو يوجب الكفر بطريق الظهور لا القطع لأن دلالة المفهوم ليست بقطعية.
ولقائل أن يقول انتفاء الكفر بالدلائل القطعية على وجود الإله ونبوة الأنبياء والظاهر يترك بالقطعي.
واستدل بأنه لو دل على النفي عما عداه بطل القياس لأنه حينئذ يكون الأصل ظاهرا في مخالفة الفرع له في الحكم إذ النص أو الإجماع الدال على الحكم في الأصل دال على نفي الحكم عن الفرع بحسب الظاهر فلو عمل بالقياس لزم مخالفة ظاهر النص أو الإجماع وهو غير جائز لكن بطلان القياس باطل بالدلائل القاطعة فكذلك ما أفضى إلى بطلانه.
وفيه نظر لأنه إنما ينهض أن لو كان الأصل المقيس عليه في كل قياس اسما علما حتى يجري فيه مفهوم اللقب وليس كذلك.
ولأنه يجوز أن يقول الخصم دلالة اللقب ظاهر يجوز أن يترك بالأدلة القاطعة الدالة على ثبوت " القياس ".
وأجاب بأن القياس يستلزم التساوي في المقيس عليه فلا مفهوم فكيف به هاهنا؟
وقيل في تقريره بأن القياس في المتفق الذي هو مفهوم الصفة يستلزم التساوي بين الأصل والفرع في المعنى الموجب للحكم.
وشرط مفهوم المخالفة عدم مساواة المنطوق للمسكوت عنه في المعنى الموجب للحكم فلا مفهوم مع التساوي في المتفق عليه بل يحمل المسكوت عنه على
стр. 1039
المنطوق بالقياس فكيف بالقياس هاهنا أي في مفهوم اللقب الذي هو المختلف فيه لا يحمل المسكوت عنه على المنطوق إذا " وجد المنطوق المعنى " الموجب للحكم. وهو في الحقيقة منع الملازمة أي لا نسلم أن مفهوم اللقب لو كان ثابتا بطل القياس لأنه يستدعي اجتماع اللقب معه وهو لا يجتمع مع القياس لأن شرط القياس المساواة بين الأصل والفرع , وشرط مفهوم اللقب عدم المساواة بين المثبت والمنفي فهما متنافيان " لا يجتمعان " حتى يبطل القياس به ولكن إدخال مفهوم الصفة في البين وهو الذي سماه المتفق عليه على ما مر من تقريره ليس على ما ينبغي لجواز أن تقع المناظرة مع من لا يقول بمفهوم الصفة فيبقى ضائعا.
ولقائل أن يقول هذا الجواب في التحقيق مغالطة لا تجدي لأن غايته الدلالة على التنافي وعدم الاجتماع فجاز للخصم أن يقول لما كان كذلك فلو تحقق أحد المتنافيين وهو مفهوم اللقب لانتفى الآخر وهو القياس لأن تحقق أحد المتنافيين يستلزم انتفاء الآخر بالضرورة واللازم باطل لثبوت القياس بما مر فينتفي مفهوم اللقب.
وأما إلغاز المصنف في كلامه وإيجازه المخل فلا يخفى على أحد.
والمثبتون قالوا: لو قال رجل لمن يخاصمه ليست أمي بزانية ولا أختي تبادر الفهم إلى نسبة الزنا إلى أم خصمه وأخته ولهذا يجب الحد عليه عند مالك وأحمد فكان حقيقة في النفي وهاهنا نفي النفي.
стр. 1040
وأجاب بأن التبادر إلى الفهم إنما هو من القرائن وليس الكلام فيه.
ص - وأما الحصر ب " إنما ". فقيل: لا يفيد. وقيل: منطوق. وقيل: مفهوم.
الأول: إنما زيد قائم بمثل إن زيدا والزائد كالعدم.
الثاني: (إنما إلهكم) بمعنى ما إلهكم إلا الله وهو المدعى.
وأما مثل: (إنما الأعمال بالنيات) و (إنما الولاء لمن أعتق) فضعيف لأن العموم فيه لغيره. فلا يستقيم لغير المعتق ولاء ظاهرا.
ش - اختلف الناس في إفادة إنما الحصر. فنفاه بعض. وأثبته آخرون منطوقا وآخرون مفهوما.
واحتج أهل المذهب الأول بأن قولنا: إنما زيد قائم. في قوة إن زيدا قائم , وما زائدة , والزائد كالعدم.
وكما أن قولنا: إن زيدا قائم لا يفيد الحصر لا منطوقا ولا مفهوما كذلك إنما زيد قائم.
ورد بأن الدليل عين الدعوى.
وفيه نظر لأن الدعوى عدم إفادة الحصر والدليل زيادة ما وعدم الاعتداد بالزائد.
стр. 1041
واحتج الثاني بأن قوله - تعالى -: (إنما إلهكم الله) بمعنى ما إلهكم إلا الله , وكما أن ذلك يفيد الحصر بالمنطوق فكذلك هذا.
قال: وهو المدعى أي كون (إنما إلهكم الله) بمعنى ما إلهكم إلا الله هو المدعى لأن الحصر عبارة عنه.
وفيه نظر لأنا لا نسلم معنى (إنما إلهكم الله) ما إلهكم إلا الله بل معناه إن إلهكم الله , والحصر أفاده قوله: (الذي لا إله إلا هو).
قوله: وأما مثل: " إنما الأعمال بالنيات " إشارة إلى الجواب عما قيل لو كان لفظ إنما مفيدا للحصر لما صح عمل بلا نية ولا ثبت ولاء لغير المعتق لقوله ﵇: " إنما الأعمال بالنيات " و " إنما الولاء لمن أعتق " ولكن العمل قد يصح بدونها والولاء قد يكون لغير المعتق كوارثة العصبة وذلك بأن قال: فضعيف , لأن عموم صحة العمل بالنسبة وغيرها وكذا عموم الولاء للمعتق وغيره , إنما ثبت بغير هذا الحديث كالإجماع. والحديث بحسب الظاهر يدل على أنه لا يستقيم العمل بغيرها , ولا الولاء لغيره , لكن يجوز أن يعدل عن الظاهر بالقطعي.
وفيه نظر لأن دعوى الإجماع تحتاج إلى بينة , ولو ثبت فهو سكوتي للقطع بعدم تكلم الجميع فليس بقاطع ليترك به الظاهر.
ولم يتعرض للمذهب الثالث اعتمادا على ما ذكر من الأدلة والأجوبة فيما تقدم من المفهومات. ويجوز أن ينزل قوله: وأما مثل " إنما الأعمال بالنيات " على ذلك.
ص - وأما مفهوم الحصر فمثل صديقي زيد , والعالم زيد , ولا قرينة عهد.
فقيل: لا يفيد. وقيل: منطوق. وقيل: مفهوم.
الأول: لو أفاده لأفاد العكس لأنه فيهما لا يصلح للجنس ولا لمعهود معين لعدم القرينة , وهو دليلهم.
стр. 1042
وأيضاً لو كان لكان التقديم يغير مدلول الكلمة.
القائل به لو لم يفده لأخبر عن الأعم بالأخص , لتعذر الجنس والعهد فوجب جعله لمعهود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي.
قلنا: صحيح , واللام للمبالغة فأين الحصر.
ويلزمه زيد العالم بعين ما ذكر.
فإن زعم أنه يخبر بالأعم فغلط لأن شرطه التنكير.
فإن زعم أن اللام لزيد فغلط لوجوب استقلاله بالتعريف منقطعا عن زيد , كالموصول.
ش - اللفظ الكلي إذا عرف بالإضافة أو اللام وصدر مخبرا عنه وأخبر عنه بما يجوز أن يكون أحد جزئياته كقولنا: صديقي زيد , والعالم عمرو بغير قرينة تفيد العهد هل يفيد حصر ذلك الكلي في ذلك الجزئي أو لا؟ فيه خلاف.
قيل: لا يفيده. وقيل: يفيده منطوقا , وقيل: مفهوما.
احتج الأول بوجهين:
أحدهما: أنه لو أفد ذلك لأفاد عكسه وهو زيد صديقي , وعمرو العالم واللازم باطل بالاتفاق وبيان الملازمة بأن الدليل المفيد له فيه موجود في عكسه وهو أن
стр. 1043
المخبر عنه في قولنا صديقي زيد , والعالم عمرو لا يصلح أن يكون للجنس لعدم صدق كل صديقي زيد , وكل عالم عمرو , والفرض أنه لا عهد فتعين أن يكون المعهود ذهني مقيد بما يصيره مطابقا للمخبر به مساويا له. ويفيد الحصر وهو بعينه قائم في عكسه.
ولقائل أن يقول ليس معنى الحصر كون المخبر عنه الذهني مطابقا للمخبر به وإنما معناه إثبات الخبر للمخبر عنه ونفيه عما عداه في قصر الصفة على الموصوف وعكسه في قصر الموصوف على الصفة وذلك يفهم بالتقديم لأن تقديم الشيء بإزالته عن حيزه الطبيعي يقتضي الحصر والحاكم على ذلك الذوق السليم والطبع المستقيم وذلك أمر خطابي فطلب إثباته بوجه جدلي خلط في الكلام وخبط في المرام.
الثاني: أنه لو أفاد الحصر ولم يفده العكس لكان التقديم يغير مدلول الكلمة لأنه لم يكن بين الأصل والعكس فرق إلا بالتقديم , والتالي باطل لأن التقديم لا يغير مدلول الكلمة.
وفيه نظر لأن التقديم لا يغير مدلول الكلمة وإنما يغير خاصية التركيب والتراكيب لها خواص لازمة أو جارية مجرى اللازمة يعرفها علماء علم المعاني
стр. 1044
وإنكار ذلك جهل بعلم البلاغة نعم يجوز أن يقال إنها ليس من أبحاث هذا العلم لأنه جدل.
واحتج القائل بأن مثل العالم زيد يفيد الحصر بأنه لو لم يفده لزم الإخبار عن الأعم بالأخص وهو باطل وبيان الملازمة بتعذر كون اللام للجنس لعدم الصدق كل عالم زيد أو للعهد لعدم القرينة فتعين أن تكون للماهية وهي أعم من جزئياتها فيلزم الإخبار عن الأعم بالأخص وهو باطل فوجب جعله لمعهود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي في العلم ليندفع المحذور.
وأجاب بأن قولكم وجب لمعهود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي صحيح ولكن اللام حينئذ تكون للمبالغة فلم يلزم منه الحصر.
وفيه نظر لأن الحصر على نوعين حقيقي وادعائي وإذا كان اللام للمبالغة كان الحصر ادعائيا.
ثم قال المصنف ويلزم الخصم أن يكون زيد العالم مفيد للحصر بعين ما ذكر وكون اللام للمبالغة نص عليه سيبويه فإنه قال: اللام في زيد الرجل للمبالغة. وبيان أنه كامل في الرجولية.
стр. 1045
ولقائل أن يقول لا فرق بين الصورتين في إفادة الحصر الادعائي عند علماء المعاني والفرق بينهما تحكم.
ثم قال: وإن زعم الخصم أنه لا يتعذر أن تكون اللام للماهية في قولنا: زيد العالم إذ قد يخبر بالأعم عن الأخص بخلاف قولنا: العالم زيد فإنه ممتنع أن يخبر عن الأعم بالأخص فهو غلط لأن شرط الإخبار عن الأخص بالأعم تنكير الأعم فحينئذ يتعذر أن تكون اللام في قولنا: زيد العالم للماهية.
وفيه نظر لأن ذلك إما أن يكون مطلقا أو إذا لم يكن المراد المبالغة والأول ممنوع والثاني هو المطلوب.
ثم قال: فإن زعم أنه لا يتعذر أن تكون اللام في قولنا زيد العالم للعهد فإنه يجوز أن تكون لزيد بقرينة التقدم بخلاف قولنا: العالم زيد فإنه لا يجوز أن لا تكون اللام لزيد إذ لا قرينة فهو غلط أيضا لوجوب استقلال الخبر بالتعريف منقطعا عن زيد كالموصول فإنه يستقل بالتعريف وهذا الاستقلال يمنع كون اللام لزيد لتوقف تعريفه حينئذ على تقدم قرينة زيد.
ولقائل أن يقول اللام موضوعة للعهد لا بد لها في الإفادة من معهود فإن تقدمت في أول الكلام فمعهودها ذهني وإن تأخرت فمعهودها ما تقدم وهذا المعنى ينافي الاستقلال وفي هذا الموضع تحقيق لا بأس بتعرضه وهو أن معنى قولهم اللام موضوعة للعهد أنها موضوعة لتذكير السامع ما حضر في ذهنه من الحقيقة المجردة أو المخلوطة تمهيدا لما يرومه المتكلم من الحكم عليه وأعني " بالحقيقة " المجردة الماهية المخلوط معها تعين لا التي يصحبها التعين , والفرق بينهما بين.
فإن الأولى: هي التي عهد المخاطب تعينها في ذهنه.
والثانية: هي التي لا تنفك عن تعينات من غير أن يكون شيء منها ملحوظا معها
стр. 1046
كما أشار إليه العلامة صاحب المفتاح حيث قال: ثم إن الحقيقة لكونها من حيث هي هي لا متعدد لتحققها مع التعدد ولا متعددة لتحققها مع الوحدة وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما صالحة للتوحد والتكثير.
وأعني بالحقيقة المخلوطة ما يكون التعين معها مع شيء آخر يخرجها عن الكلية والأولى تسمى معهودا ذهنيا , والثانية خارجيا , وتحقيق ذلك أن الحقائق هي المحكوم عليها لا محالة ولا بد للحكم من معرفة المحكوم عليه لئلا يكون الحكم عبثا وقد وضع الحكيم لها عدة طرق , المضمر والعلم والإشارة والموصول والتعريف باللام والإضافة المعنوية إلى أحدهما , ومآل الكل العهد لأنك إذا قلت هو أو أنا أو غيرهما ولم يعلم السامع المرجع لعدم حضوره في ذهنه في الأول وكذلك وفقد بصره في الثاني وفي الإشارة وكذا إذا لم يعلم المسمى بالعلم والمشار إليه في الموصول واللام لم يحصل له فائدة أصلا وهو واضح جدا فلا بد من العهد فكل ما وضع للتعريف ليس إلا تذكيرا للسامع ما حضر في ذهنه من الحقيقة المجردة إن كان الحكم على الطبيعة أو المخلوطة إن كان على محتملاتها والأولى لا تحتاج إلى ضميمة , والثانية: لا تستغني عنها وهي كونها مذكورة فيما سبق حقيقة أو حكما وقد يكون الدال على المجردة علما دالا عليها وهو الذي سمي علم الجنس كما أن الدال على المخلوطة قد يكون كذلك وهو الذي يسمى العلم الخاص وأما بقية الطرق فكاللازم في المخلوطة لا تستغني عن ضميمة والمضاف إلى أحدهما حكمه حكم المضاف إليه. فتأمل هذا واحفظه فإنه داخل في التحقيق بمداخل.
ص - النسخ: الإزالة: نسخت الشمس الظل. والنقل: نسخت الكتاب ونسخت النحل. ومنه المناسخات. فقيل: مشترك. وقيل: للأول. وقيل: الثاني.
وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
стр. 1047
فيخرج المباح بحكم الأصل. والرفع بالنوم والغفلة. وبنحو صل إلى آخر الشهر.
ونعني بالحكم: ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن , فإن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن عند انتفائه قطعا. فلا يرد: الحكم قديما فلا يرتفع لأنا لم نعينه.
والقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب وهو المعني بالرفع ".
ش - لما فرغ من المباحث المشتركة بين الأدلة ذكر ما يتعلق بالكتاب والسنة وهو النسخ.
وقد استعمل في اللغة للإزالة يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.
وللنقل يقال: نسخت الكتاب أي نقلته. ونسخت النحل أي نقلته. ومنه المناسخات لانتقال الميراث من وارث إلى وارث.
ولما تعدد الاستعمال اختلف الناس فيه. فقيل: إنه مشترك لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة.
وقيل: مجاز في الأول. وقيل: في الثاني. وهما أولى من الاشتراك لما تقدم أن المجاز خير.
واختلفت عباراتهم في مفهومه الشرعي.
стр. 1048
فقيل: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. فرفع الحكم كالجنس , والشرعي أخرج المباح الأصلي لأنه ليس بحكم شرعي. وبدليل شرعي أخرج ما يرتفع بالنوم والغفلة فإن رفع وجوب الصلاة عن النائم والغافل بالنوم والغفلة لا بقوله ﵇: " رفع القلم عن ثلاث " الحديث يبين أن النوم رافع لا أن نفسه رافع. وقوله: متأخر - احتراز عن رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متصل كالتخصيص المتصل والاستثناء والغاية والشرط نحو: " اقتلوا المشركين " لا تقتلوا أهل الذمة.
وصوموا هذا الشهر لا العاشر. وصل إلى آخر اليوم. وصل إن كنت صحيحا.
ولما كان تعريف النسخ بالرفع يوهم الفساد لأن الحكم قديم والتعلق قديم.
قال: ويعني بالحكم ما يحصل على المكلف.
وبيانه ما حققه شيخي العلامة: أن الحكم يطلق تارة على الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير تعلقا علميا وحينئذ يكون قديما وأخرى على الخطاب المتعلق بذلك تعلقا خارجيا والحكم بهذا المعنى يحصل على الملكف بعد
стр. 1049
أن لم يكن لأن الحكم بهذا المعنى مشروط بالتعليق لم يكن عند انتفاء العقل قطعا وحينئذ لا يرد قولهم الحكم قديم والقديم لا يرفع فلا ينعكس الحد لصدق المحدود بدون الحد لأنا لم نعن بالحكم الحكم القديم الذي لا يرتفع بل نعني به الحكم الحادث الذي يمكن رفعه لأنا نقطع أنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى وجوبه لأنه ينتفي التعلق الخارجي الذي هو من مفهوم الوجوب وهي المعني بالرفع.
وقيل: وهذا التعريف غير منعكس لأنه دخل فيه البيان بالتخصيص المتأخر عن وقت الخطاب لأن التخصيص رفع عند المصنف.
ص - الإمام: اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول فيرد أن اللفظ دليل النسخ. ولا يطرد فإن لفظ العدل نسخ حكم كذا ليس بنسخ. ولا ينعكس , لأنه قد يكون بفعله ﷺ .
ثم حاصله: اللفظ الدال على النسخ لأنه فسر الشرط بانتفاء النسخ وانتفاء انتفائه حصوله.
وقال الغزالي: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.
وأورد الثلاثة الأول.
وأن قوله على وجه إلى آخر زيادة.
وقالت الفقهاء: النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده.
وأورده الثلاثة.
فإن فروا من الرفع لكون الحكم قديما والتعلق قديما فانتهاء أمر الوجوب ينافي بقاءه عليه وهو معنى الرفع , وإن فروا لأنه لا يرتفع تعلق بمستقبل لزمهم منع النسخ قبل الفعل كالمعتزلة.
وإن كان لأنه أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره فلا بد من زواله.
المعتزلة: اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه
стр. 1050
لولاه لكان ثابتاً. فيرد ما على الغزالي. والمقيد بالمرة بفعل.
ش- عرف إمام الحرمين النسخ بأنه اللفظ الدال على ظهور انتقاء شرط دوام حكم الأول. ويرد عليه أن اللفظ دليل النسخ لا نفسه، وأنه غير مطرد لأن العدل إذا قال نسخ حكم كذا يصدق عليه هذا الحد لأنه لفظ دال على ظهور انتفاء الحكم الأول لعدالته، وظهوره دال على انتفاء شرائط دوام الحكم الأول مع أن لفظ العدل ليس بنسخ بالاتفاق، وأنه غير منعكس لأن النسخ قد يكون بالفعل فيوجد المحدود بدون الحد وإن حاصل كلامه النسخ هو اللفظ الدال على النسخ، وهو تعريف الشيء بنفسه وذلك لأن الإمام فسر شرط دوام الحكم الأول بانتفاء النسخ فانتفاء شرط الدوام انتفاء انتفاء النسخ، وانتفاء انتفاء النسخ حصول النسخ.
وعرفه الغزالي: بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. فالخطاب الدال كالجنس، وإنما لم يقل النص ليشمل اللفظ والفحوى والمفهوم لجواز النسخ بجميع ذلك. وبقوله: على ارتفاع الحكم الثابت خرج الخطاب المقرر. وبقوله: الثابت بالخطاب المتقدم خرج الثبت بالأصل كالإباحة الأصلية. وقوله ك على وجه لولاه لكان ثابتا - احتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم المتقدم الذي له وقت محدد مثل:
لا تصوموا بعد غروب الشمس، بعد ما إذا قال: أتموا الصيام إلى الليل. فإنه ليس بنسخ وإن كان دالا على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم لكن لا على وجه لولاه لكان ثابتا.
وقوله: مع تراخيه - احتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم إذا كان متصلا به كالاستثناء والصفة والغاية والشرط فإنها بيان لا نسخ.
قال: ويرد عليه الثلاثة الأول.
стр. 1051
فإن الخطاب دليل النسخ لا نفسه، وأن لفظ العدل ليس بنسخ وأن النسخ قد يكون بفعل الرسول ﷺ .
ويرد أيضا أن قوله على وجه لولاه إلى آخره - مستدرك لا حاجة إليه.
وعرفه الفقهاء: بأنه النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده. أي زمان وروده، والمراد بالنص ما يقابل الإجماع والقياس.
قال وأورده عليه الثلاثة الواردة على الحدين الأولين يعني كون النص دليل النسخ لا نفسه، وعدم الاطراد بنص العدل، وعدم الانعكاس بالفعل.
قيل: والحق الاطراد لأن النص لا يطلق على لفظ العدل، وكذا الانعكاس لأن النص يتناول فعل الرسول ﷺ .
وزيف المصنف فرارهم عن إطلاق الرفع في تعريفه بالسبر والتقسيم فقال: إن فروا من الرفع لأن الحكم قديم والتعلق المعنوي كذالك والقديم لا يرفع فانتهاء أمد الوجوب ينافي بقاءه عليه وهو معنى الرفع يعني أن ذلك لم يجدهم لأنه راجع إلى معنى الرفع لأنا لا نعني من الرفع إلا عدم بقاء الحكم على المكلف وانتهاء أمد الوجوب ينافي بقاء الوجوب عليه فلا يبقى معه.
وإن فروا لأن النسخ ليس إلا لقطع تعلق الحكم بالمستقبل وذلك التعلق لا يرفع لأنه لم يوجد في المستقبل لزمهم منع نسخ الحكم قبل الفعل كما هو مذهب المعتزلة.
وإن فروا لأن تعلق الحكم بالمستقبل بظن دوامه واستمراره، والنسخ بيان أمد ذلك فهو أيضا راجع إلى الرفع لأنه لابد من زوال ذلك التعلق فإن بعد بيان الأمد لا يبقى ظن الاستمرار فهو بمعنى الرفع.
стр. 1052
ولقائل أن يقول: " القسمة حاصرة " ... لجواز أن يكون فرارهم لأن الرفع في الجواهر حقيقة وفي الأعراض مجاز والتعريف يحترز فيه عن المجاز أو لأنه يوهم البداء وهو جهل بخلاف البيان.
وعرفه المعتزلة: بأنه اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثبت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثبتا. وهو قريب من الغزالي.
فيرد عليه ما يرد على تعريفه، ويرد أيضا لخصومه الأمر المقيد بمرة إذا أورد بعده نص دال على زوال حكمه فإنه نسخ مع أنه لم يدل على زوال مثل الحكم الثابت بل على زوال ذلك.
ولهم أن يمنعوا أن ذلك نسخ.
ص - والإجماع على الجواز والوقوع. وخالفت اليهود في الجواز.
وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع.
لنا: القطع بالجواز وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات. وفي التوراة: أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه. وقد حرم ذلك باتفاق.
واستدل بإباحة السبت ثم تحريمه. وبجواز الختان، ثم إيجابه يوم الولادة عندهم. وبجواز الأختين ثم التحريم.
وأجيب بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ.
ش - أجمع المسلمون على جواز النسخ ووقوعه، وخالفت
стр. 1053
اليهود في الجواز وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع.
واعترض على إطلاق إجماع المسلمين مع مخالفة أبي مسلم.
وأجيب بأن المراد إجماع من قبله. أو بناء على أن مخالفة الواحد لا يخل بالإجماع. وأقول: وقوع النسخ في شريعة محمد ﷺ من ضروريات دينه فمنكره كافر فلم يتناوله لفظ المسلمين.
واحتج بالقطع بالجواز فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم من ذلك محال فكان جائزا.
وإن اعتبرت المصالح كما هو مذهب المعتزلة فأوضح لأنا نعلم بيقين المصالح تختلف باختلاف الأوقات وحينئذ لا نزاع في القطع بالجواز.
واستدل بإباحة السبت فإنها كانت ثابتة ثم نسخت بحرمة العمل فيه. وبأن
стр. 1054
الختان كان جائزا ثم صار واجبا يوم الولادة عندهم. وبأن الجمع بين الأختين كان جائزا ثم ثبت التحريم فكان النسخ واقعا.
وأجيب بأن هذه الصور يعني التي ذكرت فيه هذا الاستدلال كانت مباحة بدليل ورفع مباح الأصل ليس بنسخ.
ص - قالوا: لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر هذه شريعة مؤبدة. قلنا: مختلق. قيل من ابن الرواندي.
والقطع أنه لو كان عندهم صحيحا لقضت العادة بقوله له ﷺ .
قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة له فهو البداء وإلا فعبث.
وأجيب بعد اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال وضرره في آخره. فلم يتجدد ظهور ما لم يكن.
قالوا: إن كان مقيدا فليس بنسخ وإن دل على التأبيد لم يقبل للتناقض بأنه " مريد ليس بوريد " ولأنه يؤدي إلى تعذر الإخبار بتأبيد. وإلى نفي " الموثوق " بتأبيد حكم ما. وإلى جواز نسخ شريعتكم.
وأجيب بأن تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع النسخ كما لو كان معينا مثل: صم رمضان ثم ينسخ قبله. فهذا أجدر. وقوله: صم رمضان أبدا بالنص يوجب أن الجميع متعلق الوجوب ولا يلزم الاستمرار فلا تناقض كالموت وإنما الممتنع أن يخبر بأن الوجوب باق أبدا ثم ينسخ.
قالوا: لو جاز لكان قبل " وجوبه " أو بعده أو معه وارتفاعه قبل وجوده أو بعده باطل، ومعه أجدر لاستحالة النفي والإثبات.
قلنا: المراد أن التكليف الذي كان زال كالموت لا أن الفعل يرتفع.
стр. 1055
قالوا: إما أن يكون الباري - تعالى - علم استمراره أبدا فلا نسخ أو إلى وقت معين فليس بنسخ.
قلنا: إلى الوقت المعين الذي علم أنه ينسخه فيه وعلمه بارتفاعه بالنسخ لا يمنع النسخ.
وعلى الأصفهاني الإجماع على أن شريعتنا ناسخة لما يخالفها، ونسخ التوجه والوصية للأقربين بالمواريث وذلك كثير.
ش - تمسكت اليهود على عدم جواز النسخ بشبه خمس:
الأولى: لو نسخت شريعة موسى لبطل قوله المتواتر: هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والأرض " والملازمة وبطلان التالي ظاهران.
وأجاب بأن هذا مختلق أي مفترى. قيل: اختلقه ابن الرواندي ليعارض به دعوى رسالة الرسول ﷺ ولو كان موجودا لذكروه لرسول الله ﷺ إذ كانوا متقولين في الدفع فكيف سكتوا عن موجود مع شدة احتياجهم إليه.
الثانية: لو جاز لكان بداء أو عبثا وهما على الله محال قطعا وذلك لأنه إن كان
следующие страницы →