Полный текст (1 417 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
بعينه فحينئذ يطيع المكلف بالعزم ويعصي على الترك بخلاف المهمل فإنه لا يفيد شيئا أصلا.
وفرق أيضا عبد الجبار بين امتناع تأخير بيان التخصيص وجواز تأخير بيان النسخ أن تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل شخص من الأشخاص المندرجة تحت العام أنه مراد منه أو لا بخلاف تأخير بيان النسخ فإن العمل بالمنسوخ قبل ورود البيان لا يشك فيه.
وأجاب بأن جواز تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل واحد منهم على سبيل البدل لا على الجمع لأن التخصيص إخراج البعض , وجواز تأخير البيان في النسخ يوجب الشك في جميع الأشخاص فكان جواز تأخير بيان التخصيص أجدر.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن جواز تأخير النسخ يوجب ذلك إذ لا يلزم أن كل نسخ يكون بالنسبة إلى الكل بل قد يكون بعضا على البدل فكان الاحتجاج والجواب فاسدا.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود. لنا: أنه أقرب من تأخير العدم.
وأيضا فإن فاطمة سمعت: (يوصيكم) ولم تسمع: " نحن معاشر الأنبياء " وسمعوا: (اقتلوا المشركين) ولم يسمع الأكثر " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد حين
ش - المانعون من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز تأخير اسماع المخصص الموجود. والمختار جوازه لوجهين:
стр. 982
أحدهما: أن المخصص الموجود وقت الخطاب أقرب من مخصص لم يوجد فيه لإمكان سماعه قبل سماع العام بأن يسمع الشارع غير ذلك المكلف قبل اسماعه فيعرف منه أو بعد سماع العام بالاستكشاف بخلاف مخصص لم يوجد وإذا كان أقرب جاز تأخيره لأن جواز الأبعد يقتضي جواز الأقرب.
الثاني: أنه واقع والوقوع دليل الجواز وذلك لأن فاطمة ﵂ سمعت: (يوصيكم الله في أولدكم) ولم تسمع " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وهو مخصص للآية.
وسمعت الصحابة ﵃ قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) ولم يسمع أكثرهم الحديث المخصص للمجوس وهو قوله ﵇: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد زمان.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة , للقطع بأنه لا يلزم منه محال. ولعل فيه مصلحة
قالوا: (بلغ ما أنزل إليك).
стр. 983
أجيب بعد كونه للوجوب والفور أنه للقرآن.
ش - وكذلك المانعون من ذلك اختلفوا في جواز تأخير الرسول ﷺ تبليغ الحكم الذي أوحي إليه وقت الحاجة.
والمختار جوازه واحتج عليه بأنا نقطع أن فرض ذلك لا يستلزم محالا لأنه ليس بمستحيل لذاته ولا لغيره لأن الأصل عدمه وكل ما كان كذلك فهو جائز.
وأيضا يجوز أن يكون في التأخير مصلحة لا نعلمها ويؤخر الرسول ﷺ لذلك.
واحتج المانعون بقوله تعالى: (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) وهو يقتضي وجوب التبليغ على الفور.
وأجاب بأنا لا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب والفور. ولئن سلم ذلك فلا نسلم أن المراد به الأحكام بل القرآن.
وفيه نظر لأن في تبليغ القرآن تبليغ الأحكام إلا إذا خص بما ليس فيه حكم ولا دليل عليه.
واعلم أن الشارحين قالوا في هذه المسألة والتي قبلها إن المراد بقوله والمختار هو مختار المصنف. وفيه نظر لأنه لم يكن من مانعي جواز التأخير والمسألتان من فروع ذلك.
ص - مسألة: المختار على التجويز جواز بعض دون بعض.
لنا: أن المشركين بين فيه الذمي , ثم العبد , ثم المرأة بتدريج.
стр. 984
وآية الميراث " بين ﷺ والقاتل والكافر " بتدرج.
قالوا: يوهم الوجوب في الباقي وهو تجهيل.
قلنا: إذا جاز إبهام الجميع فبعضه أولى.
ش - القائلون بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير بعض البيانات عنه دون بعض آخر ومختار المصنف الجواز ودليله الوقوع فإن قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) عام فبين النبي ﷺ إخراج الذمي ثم العبد
стр. 985
ثم المرأة على التدريج.
وإن آية الميراث وهو قوله - تعالى -: (يوصيكم الله) عامة ثم بين ﷺ إخراج نفسه بقوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " الحديث ثم إخراج القاتل ثم الكافر بتدريج.
وقال المانعون جواز ذلك يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي وهو تجهيل للمكلف. وأجاب بأن العام بدون ذكر المخصص يوهم وجوب استعمال اللفظ في الجميع وهو جائز وإذا جاز إبهام الجميع فإبهام البعض أولى.
وفيه نظر لأن صورة النزاع تشتمل على إبهام التجهيل بعد زوال إيهام التجهيل المشترك بينهما وبين الصورة التي استدل بها وبه تبطل الدلالة فتأمل.
ص - مسألة: يمنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا.
والأكثر: يكفي بحث يغلب انتفاؤه.
القاضي: لا بد من القطع من انتفائه وكذلك كل دليل مع معارضه.
لنا: لو اشترط لبطل العمل بالأكثر.
قالوا: ما كثر البحث فيه , تفيد العادة القطع وإلا فبحث المجتهد يفيده لأنه لو أريد لا طلع عليه.
ومنعا. وأسند بأنه قد يجد ما يرجع به.
стр. 986
ش - ادعي إجماع الأصوليين على امتناع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص لعدم حصول الظن بوجوب العمل قبله فإن اعتقاد إمكان وجود المخصص مانع عن حصوله.
стр. 987
واختلفوا في كيفية البحث فقال الأكثر يكفي البحث بحيث يغلب على الظن انتفاء المخصص وكذا البحث عن معارض كل دليل.
وقال القاضي: لا بد من البحث الموجب للقطع بانتفاء المخصص والمعارض.
واحتج للأكثر بأنه لو شرط القطع لبطل العمل بأكثر العمومات المعمول بها لأن الاستقراء دل على أن أكثرها ما لا يقطع العقل بانتفاء مخصصه بل غايته عدم الوجدان بعد البحث وذلك لا يفيد القطع بعدمه.
وكذلك بحث المجتهد يفيد لأنه لو أريد بالعموم الخصوص لاطلع عليه حين البحث لاستحالة أن لا ينصب الله عليه دليلا وأن لا يبلغ إلى المكلف وإلا لكان نصب الدليل عبثا.
ولقائل أن يقول سلمنا أن ذلك ممكن لكن لا يلزم أن يكون شرطا وإلا لزم المحذور المذكور.
وأجاب بأنا لا نسلم أن كثرة بحث العلماء أو بحث المجتهد يفيد القطع وأشار إلى ذلك بقوله: ومنعا. وسند المنع أن المجتهد قد يجد من المخصصات ما يرجع به
стр. 988
عن الحكم ولو أفاد ذلك القطع لما رجع.
الظاهر والمؤول
ص - الظاهر والمؤول. الظاهر: الواضح. وفي الاصطلاح: ما دل دلالة ظنية إما بالوضع كالأسد أو بالعرف كالغائط. والتأويل من آل يؤول أي رجع.
وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح. وإن أردت الصحيح زدت: بدليل يصيره راجحا. الغزالي: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر.
ويرد أن الاحتمال ليس بتأويل شرط. وعلى عكسه التأويل المقطوع به. وقد يكون قريبا فيترجح بأدنى مرجح وقد يكون بعيدا فيحتاج للأقوى وقد يكون متعذرا فيرد.
ش - لما فرغ من بيان البيان والمبين شرع في مباحث الظاهر والمؤول.
والظاهر في اللغة: الواضح.
وفي اصطلاح الأصوليين: ما دل دلالة ظنية إما بالوضع كالأسد أو بالعرف كالغائط. فقوله: ما دل. كالجنس يشمل المحدود وغيره. وخرج بقوله: دلالة. النص لقطعية دلالته والمجمل لأن دلالته ليست بظنية فإن المراد بها الراجحة ودلالة المجمل ليست كذلك , والمؤول لأن دلالته كذلك بل هي موهومة. وقوله إما بالوضع أو العرف. احتراز عن اللفظ الدال على المفهوم المجازي عند وجود القرينة لأن
стр. 989
دلالته عليه وإن كانت أرجح بالنسبة إلى دلالته على المفهوم الحقيقي لكنه ليس بظاهر لأنها ليست بوضعية ولا عرفية.
والتأويل في اللغة: هو الترجيح من آل يؤول إذا رجع.
وفي اصطلاح الأصوليين: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح.
وخرج بقوله الظاهر حمل النص على معناه وحمل المشترك عل ذلك تأويل.
وقوله المحتمل احتراز عن حمل الظاهر على معناه الراجح. وهذا التعريف يشمل التأويل الصحيح والفاسد ومن أراد تعريف التأويل الصحيح زاد على ما ذكر لفظ:
بدليل يصيره راجحا. فقوله: بدليل أعم من كونه قطعيا أو غيره احترازا عن التأويل بغير ذلك فإنه لا يسمى صحيحا. وقوله: يصيره راجحا - أي يصير الطرف المرجوح راجحا على مدلوله الظاهر احتراز عما لا يصيره راجحا فإنه لا يسمى صحيحا.
وعرفه الغزالي: بأنه احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر.
وأورد عليه أن الاحتمال شرط التأويل لا نفسه. ويرد أيضا على عكسه التأويل المقطوع به لأنه لم يصر بالدليل أغلب على الظن من الظاهر بل كان قطعيا.
ولما كان الظاهر أكثر استعمالا من الظهور والتأويل من المؤول تعرض المصنف لتفسير الظاهر دون الظهور وفي التأويل بالعكس.
والتأويل على ثلاثة أقسام: قريب: وهو ما يترجح فيه الطرف المرجوح بالأدنى دلالة كقوله - تعالى -: (إذا قمتم) أي أردتم القيام إلى " الصلاة ".
стр. 990
وبعيد: وهو ما يحتاج إلى دليل قوي. ومتعذر لبعده فيرد.
وهذه قسمة يعسر التمييز بين أقسامها لأن القريب والبعيد إضافيان والأذهان متفاوتة والتعصب فيها جاز.
ص - فمن البعيدة تأويل " الحنفية " قوله ﷺ : " لابن غيلان " وقد أسلم على عشر أمسك أربعا وفارق سائر هن أي ابتدئ النكاح أو أمسك الأوائل فإنه يبعد أن يخاطب بمثله متجدد في الإسلام من غير بيان. ومع أنه لم ينقل تجديد قط.
وأما تأويلهم قوله ﷺ : لفيروز الديلمي وقد أسلم على أختين " أمسك أيتهما شئت " فأبعد , لقوله: "أيتهما ".
ش - أورد المصنف للبعيد أمثلة بعضها قريب وبعضها أقرب والمصنف استبعدها عصبية على الحنفية ولوقوف ذهنه قال: فمن البعيدة تأويل الحنفية إلى آخره.
وصورة المسألة أن الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة أسلمن معه أولا وهن كتابيات سواء كان العقد عليهن جملة أو مرتبا فإن له أن يختار من غير تجديد نكاحهن وتندفع الباقيات عند مالك والشافعي - رحمهما الله - لقوله ﵇: " لابن غيلان " وقد أسلم على عشرة نسوة: " أمسك " أربعا "
стр. 991
وفارق سائرهن " فإنه أمر بالإمساك وهو ظاهر في استدامة النكاح. وقوله أربعا غير متعين فلهذا للزواج أن يختار أي أربع شاء.
وقال أبو حنيفة إن وقع نكاحهن معا بطل الجميع وإن وقع مرتبا بطل ما بعد الأربع قياسا على المسلم , وأول الحديث بالنسبة إلى الضرورة الأولى بأن المراد بالإمساك ابتداء نكاحهن فكان معنى قوله: " أمسك أربعا " ابتدئ نكاحهن. وقوله: " وفارق سائر هن " أي لا تنكحهن. وبالنسبة إلى الضرورة الثانية فإنه أمر الزوج باختيار الأوائل أي أربعا من أوائلهن.
وذكر المصنف لبعد هذا التأويل وجهين:
أحدهما: أنه تبعد عادة أن يخاطب متجدد في الإسلام بمثل هذا الخطاب من غير بيان شرائط النكاح مع مساس الحاجة إلى معرفتها لقرب عهده بالإسلام.
الثاني: أنه لم ينقل أنه جدد النكاح ولو كان معناه تجديد النكاح لكان الظاهر من حال المأمور امتثال ما أمره به ﷺ .
ولقائل أن يقول الأخذ بالظاهر متروك بالإجماع لأنه لو كان بعضهن من المحارم لا يجوز أن يختارهن بالإجماع فلا بد من تأويل وحمله على حال المسلم أقرب التأويلات بالقياس والجامع بينهما التزام أحكام الإسلام , وعدم نقل التجديد ممنوع لكنه لم يشتهر لأنه ليس تعم به البلوى وكذا تجدد عهده بالإسلام غير مفيد لجواز أن تكون الحادثة بعد اشتهار شرائط النكاح وأحوالها بينهم.
ومثل هذا ما قال الحنفية فيمن أسلم على أختين في إبطال نكاحهما إن كانا معاً
стр. 992
وبطلان الثاني إن ترتبا. وأولوا حديث فيروز الديلمي وهو قوله ﵇ له حين أسلم على أختين " أمسك أيتهما شئت " بالتأويلين المذكورين.
قال المصنف فأبعد لقوله: " أيتهما " وإنما كان هذا أبعد لأن المنافي للتأويل المذكور في الأول هو الأمر الخارج عن اللفظ وهو شهادة الحال قد انضم إلى ذلك مانع آخر لفظا وهو قوله ﵇: " أيتهما شئت " فإنه بتقدير وقوع النكاح مرتبا تعين الأول للاختيار ولفظ أيتهما شئت يأباه.
ولقائل أن يقول: متروك الظاهر لأنه لو كانت إحداهما أختا نسبية أو رضاعية أو مجوسية بطل الخيار بالإجماع فيجعل حاله كحال المسلمين وأن العمل بواحدة لا بعينها غير ممكن فلا بد من التعيين وتعيين الأولى دافع وتعيين الثانية رافع والدفع أسهل فكان أولى.
ص - ومنها قولهم في (فإطعام ستين مسكينا) أي: فإطعام طعام ستين مسكينا لأن المقصود دفع الحاجة , وحاجة ستين كحاجة واحد في ستين يوما فجعل المعدوم مذكورا والمذكور عدما مع إمكان قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن.
стр. 993
ش - قال علماؤنا الحنفية ﵏ لا فرق في الكفارة بين إطعام ستين مسكينا وبين إطعام مسكين واحد ستين يوما لأن المقصود دفع حاجة المسكين ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما كدفع حاجة ستين مكسنا يوما , وأولوا قوله - تعالى -: (فإطعام ستين مسكينا) بإطعام طعام ستين مسكنيا واستبعد المصنف هذا أيضا بأنهم جعلوا المعدوم الذي هو طعام مذكورا ليكون مفعولا لإطعام وجعلوا المذكور الذي هو ستين مسكينا عدما حيث لم يجعلوه مفعولا مع إمكان قصد الشارع العدد لفضل الجماعة وتزكيتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن وهو لا يحصل بالواحد.
ولقائل أن يقول إنه من باب حذف مضاف وهو غير عزيز في الكلام فحمله على البعد بعد عن الإنصاف.
وقوله: مع إمكان قصده ليس بشيء لأن شرعته لستر الذنب والجماعة لا مدخل لها في ذلك. فإن اعتبرت كثرة الخلة صح المدعى.
وكذلك تزكيتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء لا مدخل لهما في كفار الذنب والكفارة ما شرعت إلا لذلك فذكر ذلك في هذا المقام مجرد " وغلط " في غير محله على أن الحنفية لا يحتاجون إلى هذا التأويل فإن الحذاق المتفننين عملوا في ذلك بدلالة النص كما عرف في موضعه.
ص - ومنها قولهم: " في أربعين شاة شاة " أي: قيمة شاة بما تقدم وهو أبعد إذ يلزم أن لا تجب الشاة. وكل معنى إذا استنبط من حكمه أبطله باطل.
ش - وقالوا أيضا إن المقصود من وجوب الشاة دفع حاجة الفقير وهي كما
стр. 994
تندفع بالشاة تندفع بقيمتها فقوله ﵇: " في أربعين شاة شاة " معناه شاة.
وأشارة إلى بعده بما تقدم أنه جعل المعدوم موجودا وجعله أبعد بما تقدم لأن تقدير المضاف هناك لا يبطل ما دل عليه الظاهر إذ لا منافاة بين إيجاب إطعام طعام ستين مسكينا وبين إيجاب إطعام ستين مسكينا بخلاف تقدير قيمة شاة فإنه إذا كان الواجب قيمة شاة كانت الشاة غير واجبة وذكر قاعدة بأن كل معنى مستنبط من حكم يعني كل فرع إذا استنبط من أصل ذلك الحكم أي الأصل كان باطلا لأن بطلان الأصل يوجب بطلان الفرع.
ولقائل أن يقول لا حاجة للحنفية إلى هذا التأويل لأنهم يجوزون القيمة بنص آخر وهو قوله - تعالى -: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) , وبدلالة هذا الحديث أيضا على أنه لا يمكن الإجراء على ظاهره لأن أربعين لا يمكن أن تكون ظرفا لشاة فلا بد من تأويل وقيمتها أقرب إليها لأن القيمة تقوم مقام العين.
وقوله: إذ يلزم أن لا تجب الشاة - فاسد لأنه تخصيص باللقب وهو لا يدل على النفي.
стр. 995
ص - ومنها حمل: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل " على الصغيرة والأمة والمكاتبة.
وباطل أي يؤول غالبا لاعتراض الولي , لأنها مالكة لبعضها فكان كبيع سلعة.
واعتراض الأولياء لدفع نقيصة " إن كانت ": فأبطل ظهور قصد التعميم بتمهيد أصل مع ظهور " أي " مؤكدة بـ " ما " وتكرير لفظ البطلان. وحمله على نادر بعيد كاللغز مع إمكان قصده لمنع استقلالها فيما يليق بمحاسن العادات.
ش - عبارات الحرائر البالغة معتبرة في النكاح عندنا خلافا للجماعة قالوا قوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل " بظاهره يدل على أنها غير معتبرة فيه أصلا.
قال وأوله الحنفية بتأويلين:
أحدهما: حمل المرأة على الأمة والمكاتبة والصغيرة مع إجراء قوله: باطل
стр. 996
على ظاهره.
والثاني: حمل قوله باطل على أنه يؤول إلى البطلان غالبا لاعتراض وليها إذا تزوجت بغير كفو أو نقصت مهر مثلها مع إجراء قوله: " أيما امرأة " على ظاهر عمومه وذلك لأن المرأة مالكة لبعضها حتى كان المعتبر رضاها فكان نكاحها بغير إذن وليها كبيع سلعة لها.
قوله: واعترض الأولياء: جواب عما يقال لو ملكت بضعها لم يكن للولي عليها بالاعتراض سبيل.
وتقريره الاعتراض إنما هو لدفع نقيصة تتعلق بالأولياء إن وقعت من حيث التزوج بغير كفو أو بنقصان مهر مثلها فإنهم يتعيرون بذلك.
وقوله: فأبطل - بيان وجه بعد التأويل فإنه أبطل ما هو الظاهر من اللفظ وهو قصد التعميم المستفاد من تمهيد أصل وهو وضع الألفاظ العامة مع ظهور كلمة أي مؤكدة بما للمبالغة في العموم فإن كلمة " ما " زيدت لتأكيد الاستغراق.
وأيضا تكرير الباطل دليل على أن المراد هو الباطل لا ما يؤول إلى البطلان.
وقوله: وحمله - معطوف على قوله: فأبطل - أي أبطل. وحمل هذا المؤول الحديث على نادر بعيد كاللغز لخفائه مع إمكان قصد النبي ﷺ منع استقلال المرأة بالغة حرة أو غيرها فيما يليق بمحاسن العادات.
ولقائل أن يقول: الحنفية لا يحتاجون إلى تأويل هذا الحديث لأن الراوي إذا عمل بخلاف روايته بعدها كان ذلك أمارة زيفه.
وهذا الحديث روته عائشة ﵂ ثم إنها زوجت بنت أخيها
стр. 997
عبد الرحمن وهو غائب بالشام فدل ذلك على ظهور مانع عن العمل به إذ لا يظن بها المخالفة للحديث بدونه لا يقال غيرها أيضا رواه فيعمل بروايته لأن ظهور المانع في حقها مانع مطلقا لعدم اختصاص الموانع براو دون غيره.
غاية ما في الباب أن غيرها لم يطلع عليه فإن عمل به كان مقصرا في الطلب.
ولم أر في كتب الحنفية شيئا من هذه التأويلات فإن اتفق ذلك مع بعضهم يحمل على أنه أراد بها فسخ مجلس المناظرة.
ثم لا نسلم أن منع استقلال الحرة البالغة بأمر نكاحها أمر مقصود لأن النكاح ما يثبت بالشبهات فكيف يجوز عدم استقلالها فيه مع جواز استقلالها في المعاوضات المالية المشتملة على أبواب الربا مع تدارك ما يتوهم في النكاح من تضييع حق الأولياء لجواز الاعتراض.
ص - ومنها حملهم: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من اليلي " على القضاء والنذر لما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية النهار فجعلوه كاللغز.
فإن صح المانع من الظهور فليطلب أقرب تأويل.
ش - ذهب أبو حنيفة إلى أن صوم رمضان يجوز بنية نهارية إلى أن ينتصف
стр. 998
النهار وخالفه غيره مستدلا بقوله: " لا صيام " لمن يبت " فإن عمومه يتناول جميع أنواعه.
ونقل عن الحنفية أنهم حملوه على القضاء لأنه ثبت عندهم صحة الصوم بنية من النهار إذا لم يكن قضاء ونذرا. وحكم ببعد هذا التأويل لأن قوله ﵇: " لا صيام " نكرة في سياق النفي فيكون ظاهرا " في " العموم , وصوم النذر والقضاء نادر بالنسبة إلى الصوم الأصلي المكلف فيه في أصل الشرع فيكون حمل اللفظ على القضاء والنذر كاللغز لبعده عن الفهم.
قوله: وإن صح - جواب عما يقال المانع من حمل اللفظ على الظاهر متحقق فكان التأويل المذكور صحيحا , وتقريره إن صح ذلك فليطلب أقرب تأويل لا ما هو كاللغز.
ولقائل أن يقول دل الاستقراء على أن هذا أقرب تأويل لأن الصوم إما واجب أو غيره والأول إما بإيجاب الشرع كصوم الفرض وقضائه وقضاء المنذور المعين أو بإيجاب العبد كالمنذور.
وقوله - تعالى -: (ثم أتموا الصيام إلى اليل) دل على تأخير النية في الفرض.
стр. 999
وقوله ﷺ بعدما سأل الغداء ولم يوجد " إني إذا لصائم " دل على تأخيرها في النفل فلم يبق إلا القضاء والنذر والدلالة المذكورة تصير المرجوح راجحا في تركه إبطالها بالكلية فكان ترجيحا قريبا.
وقوله: كاللغز لبعده عن الفهم إما يريد به الفهم في الجهلة أو فهم الفقهاء والأول مسلم ولكن ليس بملتزم في التأويلات فهم العوام والجهال , والثاني ممنوع فإنه قد وقع في استنباطات المجتهدين ما هو أدق من ذلك.
ص - ومنها: حملهم (ولذي القربى) على الفقراء منهم لأن المقصود سد الخلة ولا خلة مع الغنى فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب الاستحقاق مع الغنى.
وعد بعضهم حمل مالك: (إنما الصدقات) إلى آخرها على بيان المصرف من ذلك وليس منه لأن سياق الآية قبلها من الرد على لمزهم في المعطين ورضاهم في إعطائهم وسخطهم في منعهم يدل عليه.
ش - أي ومن التأويلات البعيدة للحنفية حمل قوله - تعالى -: (ولذي القربى) في قوله: (واعلموا أنا غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى ...) على الفقراء منهم لأن المقصود من دفع الخمس إليهم سد خلتهم
стр. 1000
ولا خلة مع الغنى فحكموا بحرمان الأغنياء منهم. وأما بعده فلأنهم عطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب لاستحقاقهم وإن كان مع الغنى لأن الإضافة باللام تشعر بغلبة القرابة للاستحقاق.
ولقائل أن يقول الطعن بتعطيل العموم هاهنا طعن باطل لما ثبت أن الخلفاء الراشدين ﵃ أدخلوا يتامى ذوي القربى في يتامى المسلمين وأدخلوا مساكينهم في مساكينهم وأبناء السبيل منهم في أبناء السبيل للمسلمين ولم يعطوا أغنياءهم شيئا فالطعن به طعن على الصحابة نعوذ بالله من ذلك.
وقوله: مع ظهور أن القرابة سبب - ليس بشيء لأن بيان النبي ﷺ أن المراد به قرابة النصرة بقوله: " إنهم لن يزالوا معي في الجاهلية والإسلام " دليل تصييره راجحا على الظاهر فالطعن به باطل.
وقد حمل مالك قوله - تعالى -: (إنما الصدقت للفقراء والمسكين ...) إلى آخرها على بيان المصرف لا المستحقين وجوز إعطاء الزكاة من الأصناف. فعد بعضهم ذلك من التأويلات البعيدة لأن إضافة الصدقات إلى الأصناف المذكورة وعطف بعضها على بعض بواو التشريك يوجب الاستيعاب فالحمل على بيان المصرف عدول عن ظاهر اللفظ بلا قرينة صارفة فيكون بعيدا.
قال المصنف: وليس سياق الآية التي قبلها تدل على ما ذكره مالك لأن قبل هذه الآية قوله - تعالى -: (ومنهم من يلمزك في الصدقت فإن أعطوا منها رضوا وإن لم.
стр. 1001
يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله رغبون).
وذلك يشتمل على الرد على لمزهم الرسول في الصدقات وعلى رضاهم في إعطائهم وسخطهم في منعهم , ولما رد عليهم ذكر مصارف الصدقات ليبين أنه ﷺ أوصل الحق إلى مستحقيه.
والحق ما قاله علماؤنا إنه حمل على بيان المصرف لأن الصدقات عبادة ولا يستحقها غير الله.
ص - المفهوم: الدلالة منطوق , وهو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق.
والمفهوم بخلافه , أي لا في محل النطق.
والأول صريح , وهو ما وضع اللفظ له.
وغير الصريح , بخلافه , وهو: مما يلزم عنه.
فإن قصد وتوقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه فدلالة اقتضاء.
مثل: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (واسأل القرية) وأعتق عبدك عني على ألف , لاستدعاه تقدم الملك لتوقف العتق عليه.
وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن لتعليله كان بعيدا فتنبيه وإيماء كما سيأتي. وإن لم يقصد فدلالة إشارة مثل: " النساء ناقصات عقل ودين. قيل وما نقصان دينهن؟ قال تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي " فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر , ولكنه لزم من أن المبالغة تقتضي ذكر ذلك.
وكذلك: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) مع: (وفصاله في عامين) وكذلك: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ..) يلزم منه جواز الإصباح جنبا. ومثله: (فالآن
стр. 1002
باشروهن) إلى (حتى يتبين لكم ...).
ش - لما فرغ من بيان التأويل شرع في بيان أقسام الدلالة. فقال الدلالة منطوق أي المدلول منطوق بدليل تذكير الخبر.
وقوله: وهو ما دل عليه اللفظ لأن ما يدل عليه اللفظ مدلول لا دلالة ومن هذا يعلم أن المراد بقوله المفهوم لا مقابل المنطوق.
وقسمها إلى منطوق ومفهوم وعرف المنطوق بقوله: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم بخلافه أي لا في محل النطق.
ومعنى محل النطق أن يدل عليه اللفظ فيما نطق به لا في غير ما نطق به.
وفي كلامه تعسف سنشير إليه.
مثال المنطوق: تحريم التأفيف من قوله: (فلا تقل لهما أف).
ومقال المفهوم: تحريم الضرب منه فإنه يدل عليه لكن لا في محل النطق بل في غير ما نطق به.
وقسم المنطوق إلى صريح وهو: ما وضع اللفظ له.
وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اقتضاء , وتنبيه , وإشارة , وذلك لأنه أي غير
стр. 1003
الصريح لا يخلو إما أن يقصده المتكلم أو لا فإن قصده فإما أن يتوقف عليه صدق المتكلم أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه أو لا. فإن توقف يسمى دلالة اللفظ عليه اقتضاء وإن لم يتوقف أحد هذه الثلاثة عليه أي على ما يلزم عما وضع اللفظ له واقترن الملفوظ به بحكم لو لم يكن ذلك الحكم لتعليل الملفوظ به كان الاتيان به بعيدا من الشارع فتنبه وإيماء على ما سيأتي وإن لم يقصده المتكلم لكن يحصل بالتبعية فدلالة اللفظ عليه إشارة.
وفي كلامه نظر لعدم استقامة الأقسام فإنه لم يذكر ما إذا لم يقترن الملفوظ به بحكم إلى آخره.
مثال ما توقف صدق المتكلم عليه قوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " فإن المعنى الذي وضع له لفظ الخطأ لازمه حكم الخطأ مقصود منه وتوقف صدقه عليه.
ومثال ما توقف عليه الصحة العقلية قوله - تعالى -: (وسئل القرية) فإن المعنى الذي وضع له لفظ القرية لازمه وهو الأهل مقصود وصحته العقلية موقوفة
стр. 1004
عليه لأن السؤال عن القرية وهي الحيطان ونحوها غير صحيح عقلا.
ومثال ما توقف عليه الصحة الشرعية: أعتق عبدك عني بألف درهم.
فإن المعنى الذي وضع له لفظ أعتق عني لازمه وهو التمليك مقصود وتوقف عليه الصحة الشرعية.
وأما مثال التنبيه والإيماء فسيأتي في القياس.
وأما مثال الإشارة فكقوله ﷺ : " ناقصات عقل ودين " قيل: وما نقصان دينهن؟ قال تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي ... " فليس المقصود من هذا القول بيان أكثر الحيض وأقل الطهر ولكنه لزم منه أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما , وأقل الطهر كذلك لأن ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن ولو كان
стр. 1005
الحيض يزيد على خمسة عشرة " يوما ذكره ".
وكذلك قوله - تعالى -: (وحمله وفصله ثلثون شهرا) مع قوله: (وفصله في عامين) يدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر , وإن لم يكن مقصودا من اللفظ ظاهرا.
وكذلك قوله - تعالى -: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) يلزم منه جواز الإصباح جنبا.
وكذلك قوله - تعالى -: (فالئن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) يدل على جواز الإصباح جنبا لأنه يدل على جواز امتداد المباشرة إلى طلوع الفجر وحينئذ يلزم ما ذكرناه.
واعلم أني أذكر لك هاهنا حكاية ينبني عليها حل هذا الموضوع ويظهر سوء تركيب المصنف الذي حاز قصبات السبق في مضمار فرسان علماء النحو وهي أن الشيخ الإمام شيخ شيوخ الإسلام بالديار المصرية الشيخ علاء الدين القونوي ﵀ كان يستشكل أن يكون غير الصريح قسما من المنطوق ومنشأ وهمه سوء تركيب المصنف فإنه قال: والأول صريح: وهو ما وضع اللفظ له. وغير الصريح بخلافه. فإن مراده لو كان بيان أنه قسم لقال: والأول صريح وهو ما وضع اللفظ له وغير صريح وهو بخلافه. فلما قال: وغير الصريح بخلافه دل على أنه قسم آخر غير منطوق وعلى هذا تنقسم دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام: منطوق: وهو الصريح. ومفهوم: وهو خلاف المنطوق. وغير صريح وهو أيضا خلاف كل واحد منهما , ولا تفرقة بين أقسام غير الصريح وهو الاقتضاء والتنبيه والإشارة وبين المفهوم وهو الضرب من التأفيف في أن دلالة اللفظ على ذلك دلالة على خارج عما وضع له فجعل
стр. 1006
الأقسام الثلاثة قسماً للمنطوق والمفهوم قسما تحكم صرف.
فلما قدم الديار شيخنا وإمامنا العلامة النحرير البحر الزاخر بأمواج التقرير والتحرير شمس الدين الأصبهاني الذي لن تضئ الشمس شمسا مثله استكتبه شيخ الشيوخ المشار إليه رسالة في كشف غامض هذا الموضع فكتب شيخنا رسالة أشار فيها إلى مواضع زلله.
منها أن قوله: والأول صريح منكر يشير إلى أن له قسما آخر إذ لو أراد حصر المنطوق في الصريح لكان التركيب الصحيح: والأول الصريح وذلك ظاهر لا يخفى على أحد وإنما جاء بغير الصريح معرفا وإن كان معطوفا على صريح لمعنيين:
أحدهما: الاختصار بترك المبتدأ فإنه كان يحتاج أن يقول: وغير صريح وهو بخلافه. فاقتصر على لفظ واحد.
والثاني: أن قوله: صريح في قوة الصريح معرفا بواسطة تعرفه وهو قوله: ما وضع اللفظ له. فإنه إذا عرف صار في المعنى معرفة فكأنه قال: والأول الصريح وغير الصريح ويكون قوله: - بخلافه - حالا.
وذلك كله سوء تركيب وإيجاز مخل.
ولما كان في الرسالة بعض تطويل وكان شيخ الشيوخ رجلا متضلعا بعلوم تمكن من المنع في بعض مقدماتها , فكتب شيخنا وإمامنا رسالة أخرى لم يتمكن " أحدا " أن يتكلم فيها يثبت سبقه. وهي هذه:
قال صاحب المختصر: الدلالة منطوق إلى آخره.
كلام صاحب المختصر يدل على أنه جعل الاقتضاء والتنبيه والإشارة من قبيل المنطوق وذلك لأنه قال: الدلالة منطوق: وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم بخلافه. وقد حصر الدلالة في المنطوق والمفهوم ولا واسطة بينهما
стр. 1007
" لأن " المفهوم جعله خلاف المنطوق ولا واسطة بين الشيء وخلافه فلا واسطة بين المنطوق والمفهوم ز الأقسام الثلاثة ليست من قبيل المفهوم عند صاحب المختصر قطعا فتعين أن تكون من قبيل المنطوق.
وأيضا قال: المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق. ولا واسطة بين ما دل عليه اللفظ في محل النطق وبين ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وحينئذ يلزم قطعا أن تكون الأقسام الثلاثة من قبيل المنطوق. وذلك لأن الأقسام الثلاثة لا تخلوا إما أن تكون مما دل عليه اللفظ في محل النطق أو تكون مما يدل عليه اللفظ لا في محل النطق لضرورة الحصر. ولا يجوز أن تكون ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وإلا لكان مفهوما لأن كل ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق فهو مفهوم. لكن الأقسام الثلاثة ليست بمفهوم قطعا عنده.
فلا تكون الأقسام الثلاثة مما دل عليه اللفظ لا في محل النطق فتعين أن تكون مما دل عليه اللفظ في محل النطق إذ لا واسطة بينهما وإذا كانت الأقسام الثلاثة مما دل عليه اللفظ في محل النطق تكون من قبيل المنطوق لأنا نركب قياسا هكذا: الأقسام الثلاثة مما دل عليه اللفظ في محل النطق , وكل ما دل عليه اللفظ في محل النطق فهو منطوق فالأقسام الثلاثة منطوق. أما الصغرى فلما بينا وأما الكبرى فلأن ما دل عليه اللفظ في محل النطق جعله صاحب المختصر معرفا للمنطوق والمعرف مساو للمعرف في الصدق.
فيكون ما دل عليه اللفظ في محل النطق مساويا للمنطوق وأحد المتساويين صادق على كل ما صدق عليه الآخر فإذن ثبت أن الأقسام الثلاثة من قبيل المنطوق عنده وحينئذ يلزم أن يكون المنطوق أعم من الصريح لأن كل صريح منطوق , فهو ظاهر , وليس كل منطوق بصريح.
فإن الأقسام الثلاثة منطوق وليست بصريح ضرورة كونها من أقسام غير الصريح.
стр. 1008
وإذا كان المنطوق أعم من الصريح يكون منقسما إلى صريح وغير الصريح وكل واحد منهما قسما له وقسيما للآخر , ضرورة كونهما أخصين تحت أعم.
والمنطوق إما مدلول مطابقي أو مدلول تضمني أو مدلول التزامي عنده وذلك لأنه جعل المنطوق على قسمين صريح وغير صريح ز جعل الصريح ما وضع له اللفظ وكل ما وضع له اللفظ مدلول مطابقي وجعل غير الصريح ما لزم عا وضع اللفظ له , وما لزم عما وضع اللفظ له مدلول تضمني أو مدلول التزامي لأنه إما داخل فيما وضع اللفظ له أو خارج عنه. والأول مدلول تضمني والثاني التزامي. فغير الصريحح إما مدلول تضمني وإما مدلول التزامي فالمنطوق إما مدلول مطابقي وإما مدلول تضمني وإما مدلول التزامي ولا يستبعد جعل الأقسام الثلاثة من قبيل المنطوق وجعل المفهوم بخلافه وذلك لأن الأقسام فهمها من اللفظ أقرب من المفهوم والذي يدل على ذلك دليل إني ودليل لمي أما الدليل الأني فلأنهم جعلوا الأقسام الثلاثة متقدمة على المفهوم عند التعارض. وأما الدليل اللمي فلأن الأقسام الثلاثة مما دل عليه اللفظ في محل النطق والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق ولا شك أن ما دل عليه اللفظ في محل النطق أقرب فهما من اللفظ مما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وهذا هو المقتضي لتقديم الأقسام الثلاثة على المفهوم.
فإن قيل: ما معنى قولهم الأقسام الثلاثة مما دل عليه اللفظ في محل النطق والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.
стр. 1009
أجيب بأن معنى قولهم ما دل عليه اللفظ في محل النطق أن المدلول يدل عليه اللفظ فيما نطق به لا في غير ما نطق به. فالمفهوم دل عليه اللفظ لا فيما نطق به بل فيما سكت عنه.
مثلا قول القائل: أعتق عبدك عني على ألف. يدل على ملكية العبد الذي نطق به.
وقوله: " في سائمة الغنم زكاة " يدل على عدم وجوب الزكاة لكن لا فيما نطق به وهو سائمة الغنم بل في غير ما نطق به وهو العلوفة المسكوت عنها.
وقوله - تعالى -: (فلا تقل لهما أف) يدل على حرمة الضرب فالحرمة المفهومة بطريق الموافقة ليست في محل النطق الذي هو الأف بل في محل مسكوت عنه وهو الضرب وعلى هذا تقريره في سائر الأقسام انتهت.
وقد نقلتها بعينها تبركا بميامن ألفاظه المباركة برد الله مضجعه.
ص - ثم المفهوم مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. فالأول أن يكون المسكوت موافقا في الحكم ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب. كتحريم الضرب من قوله: (فلا تقل لهما أف) وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله: (فمن يعمل) وكتأدية ما دون القنطار من: (يؤده إليك) وعدم الآخر من: (لا يؤده إليك).
وهو تنبيه بالأدنى فلذلك كان في غيره أولى. ويعرف بمعرفة المعنى وأنه أشد مناسبة في المسكوت ومن ثم قال قوم هو قياس جلي.
لنا: القطع بذلك لغة قبل شرع القياس.
وأيضا فأصل هذا قد يندرج في الفرع مثل: لا تعطه ذرة.
قالوا: لولا المعنى لما حكم. وأجيب بأنه شرطه لغة. ومن ثم قال به النافي للقياس.
стр. 1010
ويكون قطعياً كالأمثلة. وظنيا كقوله الشافعي في كفارة العمد واليمين الغموس.
ش - المفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة وإلى مفهوم مخالفة فالأول أي: مفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه موافقا للمنطوق به في الحكم ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب أي: معنى الخطاب وذلك كتحريم الضرب من قوله - تعالى -: (فلا تقل لهما أف) فإن حكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافق لحكم المفهوم منه في محل النطق وكفهم الجزاء بما فوق المثقال من قوله - تعالى -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) وكفهم تأدية ما دون القنطار من قوله - تعالى -: (ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) والقنطار ألف ومائتا أوقية , عن معاذ بن جبل: " وقيل مائة وعشرون رطلا " وقيل: ملء مسك الثور ذهبا.
وكفهم عدم تأدية ما فوق الدينار من قوله - تعالى -: (ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك).
والمثال الثالث من قبيل التنبيه بالأعلى على الأدنى. وباقي الأمثلة من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى فكذلك أي: فلأجل أن دلالة الملفوظ على المفهوم هو
стр. 1011
التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بالعكس كان الحكم في غير الملفوظ أولى منه فيه.
ويعرف الحكم في غير محل النطق بمعرفة المقصود من الحكم في محل النطق وأن ذلك المعنى أشد مناسبة للحكم في محل السكوت ومن ثم أي: ومن أجل توقف معرفة الحكم في محل السكوت على معرفة المعنى في محل النطق وكونه أشد مناسبة للحكم في محل السكوت قال قوم هو قياس جلي وليس كذلك.
والمصنف احتج على أنه ليس بقياس بوجهين:
أحدهما: أنا نقطع بفهم المعنى في محل السكوت لغة قبل شرع القياس فلا يكون قياسا.
الثاني: أنه لو كان قياسا لم يندرج أصل هذا تحت الفرع لأن في القياس عكسه ولكنه مندرج أحيانا كما إذا قلت: لا تعطه ذرة فإنه يفهم منه منع إعطاء ما فوقها وهي مندرجة فيه.
وقال القائلون بكونه قياسا: لولا المعنى المشترك بين المفهوم والمنطوق لما ثبت حكم المفهوم وهو المعنى بالقياس.
وأجاب المصنف بأن وجوده شرط لدلالة الملفوظ على حكم المفهوم لغة والقياس ليس كذلك لأنه دال على حكم الفرع عقلا ومن أجل أنه ليس بقياس قال به
стр. 1012
النافي للقياس.
ثم إنه ينقسم إلى قطعي وظني. والقطعي: هو ما لا ينكر كالأمثلة المذكورة. والظني بخلافه , كقول الشافعي في كفارة قتل العمد فإن الله - تعالى - أوجب الكفارة في قتل الخطأ بقوله: (ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة) وذلك يدل على وجوبها في " العمد " لأنه أولى بالمؤاخذة لكنه يجوز أن لا يكون المعنى المقصود في محل النطق المؤاخذة بل يكون تكفير ذنبه وحينئذ لا تجب لأن العمد فوق الخطأ ولا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثم أدنى أن تكون رافعة للإثم الأعلى.
وكذلك قوله في كفارة يمين الغموس وهي الحلف على أمر ماض على خلاف ما يعلمه فإن الكفارة وجبت في اليمين المنعقدة وهو ألحق العمد بها نظرا إلى أنه أولى بالكفارة من غيره.
ولقائل أن يقول إن الكفارة دائرة بين معنى العبادة والعقوبة لتأديها بالصوم ووقوعها زاجرة وكل ما هو كذلك يجب أن يكون سببه أمرا دائرا بين الحظر والإباحة لئلا يلزم إضافة العبادة إلى المحظور أو العقوبة إلى المباح والقتل العمد واليمين الغموس ليس فيهما جهة إباحة فلا يصلحان سببا للكفارة فكان إيجابها فيهما وهما
стр. 1013
لا ظناً.
ص - مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفا ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام. مفهوم الصفة , ومفهوم الشرط , مثل: (وإن كن أولات) والغاية مثل: (حتى تنكح ..) والعدد الخاص مثل: (ثمانين جلدة). وشرطه أن لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت فيكون موافقة. ولا خرج مخرج الأغلب مثل: (اللاتي في حجوركم) (فإن خفتم ...) " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها. ولا لسؤال , ولا حادثة , ولا تقدير جهالة أو خوف أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر.
ش - مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب وهو عشرة أقسام ذكر المصنف أقواها وهي أربعة:
مفهوم الصفة ويكون باقتران اللفظ العام بصفة خاصة , كما في قوله ﵊: " ... " و " سائمة الغنم زكاة ".
стр. 1014
ومفهوم الشرط: وهو يكون عند تقييد الحكم بشرط كما في قوله - تعالى -: (وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن).
ومفهوم الغاية وهو يكون عندما يكون الحكم مؤقتا بما يدل على الانتهاء كما في قوله - تعالى -: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
ومفهوم العدد الخاص وهو يكون عند تعلق الحكم بمقدار بلفظ الأعداد كما في قوله - تعالى -: (فاجلدوهم ثمنين جلدة).
ثم إن له شروطا:
أن لا تظهر أولوية ولا مساواة لغير محل النطق لأنه لو ظهر بالنسبة إلى محله كان مفهوم موافقة.
стр. 1015
وأن لا يكون المنطوق خرج مخرج الأغلب كما في قوله - تعالى -: (وربئبكم التي في حجوركم) فإن الغالب من حال الربائب كونها في حجور أزواج الأمهات. فذكر المصنف لغلبته " لا لنفي التحريم غيرها ".
وكما في قوله - تعالى -: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فإن تقييد جواز الخلع بالشقاق لكون الخلع عنده غالبا.
وكقوله ﵊: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ... " الحديث فإن الأغلب أن المرأة لا تنكح نفسها إلا عند عدم إذن وليها بالنكاح ومنعها عنه فلا يدل على نفي البطلان عند إذن الولي.
وأن لا يكون واردا لحادثة حديث كما إذا مر بشاة ميمونة فقال: " دباغها طهورها ".
وأن لا يكون لتقدير جهالة المخاطب بأن لا يعلم وجوب زكاة السائمة ويعلم وجوب زكاة العلوفة فيقول فقال النبي ﷺ : " في سائمة الغنم زكاة " فإن التخصيص حينئذ لا يكون لنفي الحكم عما عداها.
стр. 1016
وأن لا يكون لدفع خوف مثل " ماذا " قيل لخائف عن ترك الصلاة المفروضة في أول الوقت جاز ترك الصلاة في أول الوقت.
أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر فإنه إذا تحقق الباعث عليه لا يكون مفهوم المخالفة حجة.
ولقائل أن يقول: مآله الرد إلى الجهالة لعدم ضابطة وعلى تقدير ثبوتها يكون حجيته مغمورة عبر حجيتها ولا يزال النزاع في كل صورة أن فيها ما يقتضي التخصيص بالذكر فإن الطلبة المستعدين قلما يعجزون عن شيء من ذلك فكيف يجعل مثل حجة.
ص - فأما مفهوم الصفة فقال به الشافعي وأحمد والأشعري والإمام وكثير. ونفاه أبو حنيفة والقاضي والغزالي والمعتزلة. والبصري إن كان للبيان كالسائمة أو للتعليم كالتحالف أو كان ما عدا الصفة داخلا تحتها كالحكم بالشاهدين.
المثبتون: قال أبو عبيد في " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عقوبته وعرضه.
وفي " مطل الغني ظلم " مثله.
وقيل له في قوله: " خير له من أن يمتلئ شعرا " المراد الهجاء أو هجاء الرسول فقال لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليله كذلك. فالزم من تقدير الصفة المفهوم وقال به الشافعي وهما عالمان بلغة العرب فالظاهر فهمهما ذلك لغة.
قالوا: بنيا على اجتهادهما. أجيب بأن اللغة تثبت بقول الأئمة من أهل اللغة ولا يقدح فيها التجويز , عورض بمذهب الأخفش. وأجيب بأنه لم يثبت كذلك. ولو
стр. 1017
سلم فمن ذكرناه أرجح. ولو سلم فالمثبت أولى.
ش - فأما مفهوم الصفة فقد اختلف فيه الأئمة فذهب الشافعي وأحمد وأبو الحسن الأشعري وإمام الحرمين وكثير من المتكلمين إلى أن تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات يدل على نفي ذلك الحكم عما عداها.
كقوله ﷺ : " في سائمة الغنم زكاة " فإن تعليق وجوبها بصفة " الصوم " يدل على نفي وجوبها عما ليست فيه.
وذهب أبو حنيفة وحجة الإسلام الغزالي والقاضي أبو بكر إلى أنه لا يدل على ذلك.
وفصل أبو عبد الله البصري. قال إن ورد الخطاب للبيان كقوله ﷺ : " في سائمة الغنم زكاة " أو للتعليم مثل قوله ﷺ : " إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا ... " أو كان ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة كالحكم بالشاهدين فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين فإنه يدل على نفي ما عداه.
احتج المثبتون بأن بعض أهل اللغة كأبي عبيد فهم من قوله ﷺ : " لي
стр. 1018
الواجد يحل عقوبته وعرضه ". وقال إنه يدل على أن لي غير الواجد لا يحل ذلك.
واللي هو المطل , والواجد الغني , والعقوبة الحبس , وإحلال العرض المطالبة. وكذلك فهم من قوله ﵇: " مطل الغني ظلم ". وقال فيه مثل ما قال في الحديث المتقدم.
وقيل له في قوله ﵇: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا " أن المراد بالشعر الهجاء أو هجاء الرسول ﵇. فقال أبو عبيد: لو كان المراد بالشعر الهجاء لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليل الهجاء كذلك فألزم أبو عبيد من تقدير الصفة نفي الحكم عما عداها.
وإنما قال المصنف من تقدير الصفة لأنه لم يوجد هاهنا اسم عام مقيد بصفة ظاهرا كما في الغنم. لكن لما قيل لأبي عبيد إن المراد بالشعر الهجاء قدر الامتلاء صفة للهجاء حتى كأنه قيل الهجاء الذي يمتلئ به الجوف.
والشافعي أيضا قال مفهوم. وهما عالمان بلغة العرب.
والظاهر أنهما فهما المفهوم لغة لا اجتهادا فيكون حجة.
وقال النافون بنى الشافعي وأبو عبيد المفهوم على اجتهادهما لأنهما كانا من أهله وإن كانا من أئمة اللغة فجاز أن يكون قولهما بذلك مستندا إلى الاجتهاد فلا يكون حجة.
стр. 1019
وأجاب بأن اللغة تثبت بقول أئمة اللغة وكون الناقل من أهل الاجتهاد لا يقدح في ذلك لأن احتمال الاجتهاد مرجوح ونقل اللغة راجح والمرجوح لا يقدح في الراجح.
وفيه نظر لأن جهة النقل إنما تكون راجحة إذا كانت جهة كون الناقل لغويا أقوى من جهة كونه مجتهدا وهو ممنوع. سلمناه لكن إنما يكون حجة أن لو كان ذلك لغة العرب كلهم وهو ممنوع فإن لغة بعض العرب ليست بحجة على غيره.
وعورض بمذهب الأخفش فإنه نقل عنه أن تعليق الحكم على إحدى صفتي الذات لا يدل على نفي ما عداها.
وأجاب بأن هذا لا يصلح أن يكون معارضا لما ذكرنا لأن هذا المذهب لم يثبت عن الأخفش كما ثبت خلافه عن الشافعي وأبي عبيد ولو سلم ثبوت هذا المذهب عن الأخفش كثبوت مذهبهما لكن من ذكرناه وهو الشافعي وأبو عبيد أرجح لأنهما أفضل.
وفيه نظر لأن الأفضلية إن كانت من حيث النقل ممنوع وإن كان من حيث العلم والاجتهاد فلا يفيد. ولو سلم عدم رجحانهما فالدليل الذي ذكرناه راجح على الذي ذكرتم لأن دليلنا مثبت ودليلكم ناف والمثبت أولى.
وفيه نظر لأن الصحيح من مذهبنا أن المثبت والنافي يتعارضان.
ص - وأيضا لو لم يدل على المخالفة لم يكن لتخصيص محل النطق بالذكر فائدة وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع. فالشارع أجدر واعترض: لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة.
стр. 1020
وأجيب بأنه يعلم بالاستقراء إذا لم تكن للفظ فائدة سوى واحدة تعينت.
وأيضا: ثبتت دلالة التنبيه بالاستبعاد اتفاقا فهذا أولى واعترض بمفهوم اللقب.
وأجيب بأنه لو سقط لاختل الكلام.
فلا مقتضى للمفهوم فيه.
واعترض بأن فائدته تقوية الدلالة حتى لا يتوهم تخصيص.
وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به.
وإن سلم في بعضها خرج فإن الفرض أن لا شيء يقتضي تخصيصه سوى المخالفة.
واعترض بأن فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس فيه.
وأجيب بأنه بتقدير المساواة يخرج وإلا اندرج.
ش - واحتج المثبتون بحجة أخرى تقريرها لو لم يدل مفهوم الصفة على نفي ما عداها لم يكن لتخصيص نحل النطق بالذكر فائدة. وبين الملازمة بأن الفرض أن ما يوجب التخصيص من الأمور المتقدمة مدوم؟ والأصل عدم غيره.
وفيه نظر أما أولا: فلأنا لا نسلم ذلك لجواز أن يكون فائدته بيان محل الحكم لا النفي عما عداه فإنه باق على عدمه الأصلي.
وأما ثانيا: فلأنه لو كان الأصل عدم غيره لزم انتفاء نفي ما عداه على تقدير فرض وجوده وهو باطل لا محالة وذلك لأن ذلك الغير هو بيان محل الحكم ولو فرضناه معدوما لانتفى ما دل عليه اللفظ في محل النطق وهو يستلزم انتفاء نفي ما عداه لتفرعه عليه. وبين المصنف بطلان التالي بقوله: " وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع فالشارع أجدر.
واعترض بأربعة أوجه:
следующие страницы →