← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لا يكون تبديلا من تلقاء نفسه بل بالوحي. وفيه نظر لأنه حينئذ لا يبقى لقوله: (من تلقاء نفسي) فائدة إذ لا وجود له على ذلك التقدير. ص - الجمهور: إن الإجماع لا ينسخ. لنا: لو نسخ بنص قاطع أو بإجماع قاطع كان الأول خطأ وهو باطل. ولو نسخ بغيرهما فأبعد للعلم بتقديم القاطع. قالوا: لو أجمعت الأمة على قولين فإجماع على أنها اجتهادية فلو اتفق على أحدهما كان نسخا. قلنا: لا نسخ بعد تسليم جوازه وقد تقدمت. ش - الإجماع القطعي لا ينسخ عند الجمهور خلافا لبعض الأصوليين. حجة الجمهور أن الإجماع القطعي لو نسخ لنسخ بنص قاطع أو إجماع قاطع أو بغيرهما والأول يستلزم خطأ المنسوخ لمعارضته القاطع وهو باطل. وفيه نظر لأن بالإجماع الثاني لا يلزم أن يكون الأول خطأ إذ ليس الثاني ثابتا بطريق التبين بل كان الأول صحيحا في وقت لما رأى أهله في حكمه من المصلحة ثم تغيرت في وقت آخر فأجمعوا على خلافه وليس في ذلك ما يدل على خطأ الأول. والثاني أعني نسخه بغيرهما فأبعد لأن غير النص القاطع والإجماع القاطع ظني وقد علم أن القاطع يقدم على غيره. قال شيخي العلامة: وإنما قيدنا الإجماع بالقطعي لأن قوله للعلم بتقديم القاطع يدل على أن المراد ذلك.

стр. 1087

واحتج المجوزون بأن الأمة لو أجمعت على قولين فهو إجماع على كون المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بأيها كان فلو أجمعوا بعد ذلك على أحدهما كان نسخا للأول ولا يجوز الأخذ إلا بما اتفقوا عليه. وأجاب بما معناه لا نسلم وقوع انعقاد الإجماع الثاني على أحد القولين لما تقدم من الخلاف , ولو سلم فلا نسخ للإجماع الأول لأنه مشروط بعدم الثاني وإذا وقع انتفى شرط الأول فانتفى الأول لانتفاء شرطه لا لكونه منسوخا. ولو قيل في الجواب الإجماع الثاني ظني لكونه مختلفا فيه فلا ينسخ الأول إن كان قطعيا وإن لم يكن خرج من محل النزاع لأن الكلام فيه لما ذكرنا من التقييد صح أيضا. ص - مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ به لأنه إن كان عن نص فالنص الناسخ وإن كان عن غير نص والأول قطعي فالإجماع خطأ أو ظني فقد زال شرط العمل به وهو رجحانه. قالوا: قال ابن عباس لعثمان: كيف تحجب الأم بالأخوين وقد قال الله - تعالى -: (فإن كان له إخوة) والأخوان ليسا إخوة. فقال: حجبها قومك يا غلام. قلنا: إنما يكون نسخا بثبوت المفهوم قطعا وأن الأخوين ليسا إخوة قطعا فيجب تقدير النص وإلا كان الإجماع خطأ. ش - الإجماع لا يكون ناسخا عند الجمهور خلافا لعيسى بن أبان وبع المعتزلة. واحتج الجمهور بأن الإجماع إن كان عن نص كان هو الناسخ لا الإجماع وإن

стр. 1088

كان عن غيره فعن قياس بالضرورة وحينئذ لا يخلو من أن يكون الحكم المنسوخ به قطعيا أو ظنيا فإن كان الأول كان الإجماع خطأ لأنه لا ينعقد على خلاف القطعي والخطأ لا يكون ناسخا وإن كان الثاني فلا يكون منسوخا بل يكون منفيا بانتفاء شرط العمل به وهو الرجحان على معارضه الذي هو سند الإجماع فإنه ليس براجح عليه وإلا لزم أن يكون الإجماع خطأ وما يكون منفيا بانتفاء شرطه لا بالناسخ لا يكون منسوخا. واحتج المجوزون بأن عثمان ﵁ لما حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين وقال له ابن عباس كيف تحجب الأم بالأخوين وقد قال الله - تعالى -: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) والأخوان ليسا بإخوة. قال حجبها قومك يا غلام. وذلك دليل على أن الإجماع يكون ناسخا. وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون معنى قوله: حجبها قومك - أنهم يطلقون التثنية على الجمع. وأجاب بأن حجب " الإمام " عن الثلث إنما يكون ناسخا إذا ثبت قطعا أن المفهوم حجة حتى يلزم بطريق المفهوم أنه إذا لم يكن له إخوة فلا يكون لأمه السدس , وثبت أن الأخوين ليسا بإخوة قطعا. وليس كذلك فإن كل واحد منهما مختلف فيه ولو سلم بثبوتهما قطعا وجب تقدير نص دال على حجب الأم عن الثلث وإلا لكان الإجماع خطأ لكونه مخالفا للقطعي وحينئذ يكون الناسخ ذلك النص لا الإجماع. ص - مسألة: المختار أن القياس المظنون لا يكون ناسخا ولا منسوخا. أما الأول فلأن ما قبله إن كان قطعيا لم ينسخ بالمظنون وإن كان ظنياً تبين زوال

стр. 1089

شرط العمل به وهو رجحانه لأنه ثبت مقيدا , كان المصيب واحدا أو لا. وأما الثاني فلأن ما بعده قطعيا أو ظنيا تبين زوال شرط العمل به. وأما المقطوع فينسخ بالمقطوع في حياته , وأما بعده فتبين أنه كان منسوخا. قالوا صح التخصيص فيصح. قلنا منقوض بالإجماع والعقل وخبر الواحد. ش - القياس المقطوع ما يكون حكم أصله والعلة ووجودها في الفرع قطعيا والمظنون ما لا يكون كذلك بأن يكون بعض ذلك أو كله ظنيا. ومختار المصنف أن القياس المظنون لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً.

стр. 1090

أما الأول: وهو أن القياس المظنون لا يكون ناسخا فلأن ما قبله أي الذي يفرض كونه منسوخا به إن كان قطعيا لا ينسخ بالمظنون وهو ظاهر. وإن كان ظنيا تبين بالقياس المظنون زوال شرط العمل به وهو رجحانه على معارضه سواء كان المصيب واحدا أو لا وإذا زال العمل به لم يثبت العمل وما لم يثبت لا ينسخ. وأما الثاني: وهو أنه لا يكون منسوخا فلأن ما بعد القياس المظنون قطعيا كان أو ظنيا تبين زوال شرط العمل بالقياس المظنون إلى آخره ما ذكرنا في الأول. وأما القياس المقطوع فينسخ بدليل قطعي في حياة النبي ﷺ لأن حكم هذا القياس كحكم النص القاطع فكما جاز نسخ القاطع بالقاطع جاز نسخ القياس القطعي بالقاطع. وفيه تشكيك فإن شرط العمل بالقاطع وهو رجحانه إذ ذاك منتف فلا يكون نسخا كالمظنون. وأما بعد الرسول ﵇ فلو عمل مجتهد بالقياس القطعي لعدم اطلاعه على ناسخه ثم اطلع على الناسخ تبين أنه كان منسوخا في عهد الرسول. ومن قال بأن القياس المظنون يجوز أن يكون ناسخا فاشبه على التخصيص بالقياس المظنون لأن النسخ بيان كالتخصيص. وأجاب بأن هذا الدليل منقوض بالإجماع والعقل وخبر الواحد فإن التخصيص بكل منها جائز دون النسخ. ص - مسألة: المختار: يجوز نسخ أصل الفحوى دونه. وامتناع نسخ الفحوى دون أصله. ومنهم من جوزهما. ومنهم من منعهما. لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب. وبقاء تحريمه يستلزم تحريم الضرب. وإلا لم يكن معلوما منه. المجوز: دلالتان فجاز رفع كل منهما. قلنا: إذا لم يكن استلزام.

стр. 1091

المانع: الفحوى تابع فيرتفع بارتفاع متبوعه. قلنا: تابع للدلالة لا للحكم , والدلالة باقية. ش - اختلفوا في جواز نسخ الأصل كالتأفيف مثلا والفحوى على ثلاثة مذاهب: الأول: وهو المختار أنه يجوز نسخ أصل الفحوى بدون الفحوى ويمتنع نسخ الفحوى بدون أصله. والثاني: أنه يجوز نسخ كل منهما بدون الآخر. والثالث: أنه يمتنع نسخ كل منهما بدون الآخر. حجة المختار أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب فيجوز نسخ تحريم التأفيف الذي هو الأصل مع بقاء تحريم الضرب الذي هو الفحوى وأما بقاء تحريم التأفيف فإنه يستلزم تحريم الضرب لأن بقاء تحريم التأفيف لو لم يكن مستلزما لتحريم الضرب لم يعلم تحريمه من تحريم التأفيف وليس كذلك وإذا كان بقاء تحريم التأفيف مستلزما لتحريم الضرب امتنع نسخ تحريمه الذي هو الفحوى بدون نسخ تحريم التأفيف الذي هو الأصل. وقال من جوز نسخ كل منهما بدون الآخر إنهما دلالتان يعني أن دلالة اللفظ

стр. 1092

على تحريم التأفيف غير دلالته على تحريم الضرب فإن أولهما بالمنطوق والثانية بالمفهوم وحينئذ جاز رفع كل واحد منهما بدون الآخر. وأجاب بوجود المانع وهو الاستلزام فإن رفع حكم هو لازم بدون رفع حكم هو ملزوم لا يجوز لامتناع بقاء الملزوم بدون اللازم. واحتج القائل بامتناع نسخ كل من الأصل والفحوى بدون الآخر بأن الفحوى تابع للأصل والتابع لا يوجد بدون المتبوع فإذا ارتفع الأصل ارتفع التابع. ولم يتعرض للجانب الآخر بظهور الاستلزام على مر. وأجاب بأن الفحوى تابع لدلالة اللفظ لا للحكم وهي باقية إلا أنه لا يجوز العمل بمقتضاها بدليل خاص بالأصل فتبقى الفحوى لبقاء متبوعه الذي هو الدلالة. ص - مسألة: المختار أن نسخ حكم أصل القياس لا يبقى معه حكم الفرع. لنا: خرجت العلة عن الاعتبار فلا فرع. قالوا: الفرع تابع للدلالة لا للحكم كالفحوى. قلنا: يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة فيزول الحكم مطلقا لانتفاء الحكمة. قالوا: حكمتم بالقياس على انتفاء الحكم بغير علة. قلنا: حكمنا بانتفاء الحكم لانتفاء علته. ش - إذا نسخ حكم أصل القياس نسخ حكم الفرع أيضا هو المختار عند المصنف. خلافا للحنفية.

стр. 1093

حجة المختار أن حكم الأصل هو الموجب لاعتبار العلة فيه فإذا ارتفع خرجت العلة عن الاعتبار فلا يتحقق الفرع لئلا يلزم وجود المعلول بدون العلة. وفيه نظر لأنا لا نسلم أن حكم الأصل هو الموجب لاعتبار العلة بل العلة هي الموجبة لحكم الأصل ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن تبقى لحكم الفرع. واحتج للحنفية بوجهين: أحدهما: أن حكم الفرع تابع لدلالة حكم الأصل على علة الأصل لا لحكم الأصل كالفحوى فإنه تابع لدلالة المنطوق لا لحكمه ولا يلزم من انتفاء حكم الأصل انتفاء دلالته على علة الأصل فلا يلزم من انتفاء حكم الأصل انتفاء حكم الفرع. وأجاب بأنه يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة فيزول الحكم مطلقا لانتفاء الحكمة. وفيه نظر لأن المراد بالحكمة إن كان العلة فلا نسلم أن زوال الحكم يستلزم زوالها. سلمناه لكن لا نسلم زوال دلالته عليها وبها يتم المطلوب وإن كان غيرها فلا نسلم زوال الحكم مطلقا فإنه يلزم بقاء العلة بلا معلول وهو غير جائز. الثاني: أنكم حكمتم بانتفاء حكم الفرع بالقياس على انتفاء حكم الأصل بغير علة والقياس بدونها غير معتبر. وأجاب بأنا ما حكمنا بانتفاء حكم الفرع قياسا على انتفاء حكم الأصل بل حكمنا بانتفاء حكم الفرع لانتفاء علته. وفيه نظر لأنه ينافي ما ذكر في الجواب الأول أن زوال الحكم يستلزم زوال الحكمة المعتبرة فيزول الحكم مطلقا لانتفاء حكمته فإن أراد بالحكمة العلة فزيفه قد تقدم. ص - مسألة: المختار أن الناسخ قبل تبليغه ﷺ لا يثبت حكمه. لنا: لو ثبت لأدى إلى وجوب وتحريم للقطع بأنه لو ترك الأول أثم.

стр. 1094

وأيضا فإنه لو عمل بالثاني عصى اتفاقا. وأيضا يلزم قبل تبليغ جبريل وهو اتفاق. قالوا: حكم فلا يعتبر علم المكلف. قلنا: لا بد من اعتبار التمكن. وهو منتف. ش - الناسخ قبل أن يبلغ المكلف لا يثبت حكمه كما إذا ورد الأمر باستقبال بيت المقدس ثم ورد الناسخ وهو الأمر باستقبال الكعبة في المدينة لا يثبت الحكم في حق أهل اليمن حتى يبلغهم هو المختار عند المصنف. واحتج بأنه لو ثبت حكمه قبل تبليغه كان الشيء الواحد واجبا حراما في حالة واحدة وهو محال وذلك لأنا نقطع بأن المكلف لو ترك الواجب الأول قبل تبليغ الناسخ أثم لكونه واجبا والفرض ثبوت حكم الناسخ فكان حراما في حال كونه واجباً.

стр. 1095

ولأنه لو عمل المكلف قبل تبليغ الناسخ إليه بالثاني عصى بالاتفاق ولو كان حكم الناسخ ثابتا قبل تبليغه لم يكن كذلك. وفيه نظر لأنا لا نسلم أنه إذا ترك أثم فإن الإثم إنما يكون بترك ما أمر الشرع به وذلك لم يبق أمر الشارع به في الواقع. ولا نسلم أنه إذا عمل بالثاني عصى لأنه إنما يكون عاصيا إذا فعل " غير شرعيته الشرع " والفرض عدم علمه بذلك فكان فعله غير محظور فأنى يعصي. واحتج أيضا بأنه لو ثبت حكمه قبل ذلك لثبت قبل تبليغ جبريل ﵇ إلى الرسول ﵇ إذ لا فرق بين الصورتين وليس كذلك بالاتفاق. ولقائل أن يقول الفرق بين فإن الحكم ما لم ينزل على النبي ﷺ لم يلزمه ولا أمته ولا يسمى شرع محمد إلا باعتبار المآل بخلاف ما إذا نزل فإنه إذا لزمه ولم يختص به لزم الأمة لأنه ﵇ أصلهم هذا هو التحقيق المعتبر وإلا لزم أن يكون المكلف ممتمثلا عاصيا مثابا معاقبا بالنسبة إلى خطاب يرد بعد زمان وينسخ ولم يعلم به ونزل الأول أو أتى بالثاني. واحتج القائلون بثبوت حكمه قبل التبليغ بأن الناسخ حكم متجدد وكل ما هو كذلك لا يتوقف ثبوته على علم المكلف كسائر الأحكام المتجددة. وأجاب بأن التمكن من الامتثال لا بد منه وهو منتف لأنه لا يكون إلا بالعلم والفرض عدمه. ص - مسألة: العبادات المستقلة ليست نسخا وعن بعضهم صلاة سادسة نسخ وأما زيادة جزء مشترط أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة. فالشافعية والحنابلة ليس بنسخ. والحنفية نسخ. وقيل: الثالث نسخ.

стр. 1096

عبد الجبار: إن غيرته حتى صار وجوده كالعدم شرعا كزيادة ركعة في الفجر وكعشرين على القذف , وكتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ. وقال الغزالي: إن اتحدت كركعة في الفجر فنسخ بخلاف عشرين في القذف. والمختار: إن رفعت حكما شرعيا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ لأنه حقيقته وما خالفه ليس بنسخ. فلو قال: " في السائمة الزكاة " ثم قال في " المعلوفة الزكاة " فلا نسخ فإن تحقق أن المفهوم مراد فنسخ وإلا فلا. ولو زيد ركعة في الصبح فنسخ لتحريم الزيادة ثم وجوبها والتغريب على الحد كذلك. فإن قيل: منفي بحكم الأصل قلنا: " هنا " لو لم يثبت تحريمه. فلو خير في المسح بعد وجوب الغسل فنسخ للتخيير بعد الوجوب ولو قال: (واستشهدوا شهيدين) ثم ثبت الحكم بالنص بشاهد ويمين فليس بنسخ إذ لا رفع لشيء. ولو ثبت مفهومه ومفهوم (فإن لم يكونا رجلين) إذ ليس فيه منع الحكم بغيره. ولو زيد في الوضوء اشتراط غسل عضو فليس بنسخ لأنه إنما حصل وجوب مباح الأصل. قالوا: كانت مجزئة ثم صارت غير مجزئة. قلنا: معنى مجزئة امتثال الأمر بفعلها ولم يرتفع وارتفع عدم توقفها على شرط آخر وذلك مستند إلى حكم الأصل. وكذلك لو زيد في الصلاة ما لم يكن محرما. ش - الجمهور على أن زيادة عبادة مستقلة ليس بنسخ وعن بعض الأصوليين

стр. 1097

أن زيادة صلاة سادسة أي زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخ. والمنسوخ قوله - تعالى -: (حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى) لأنها تجعل ما كان وسطى غيرها. وهو باطل لأن النسخ إنما يكون في الأحكام الشرعية وكون الشيء وسطى ليس كذلك. وأما زيادة جزء مشترط كزيادة ركعة في صلاة أو زيادة شرط كصفة الإيمان في رقبة الكفارة أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة كما إذا قيل: " في السائمة زكاة " ثم قال: " في المعلوفة زكاة ". فذهبت الشافعية والحنابلة إلى أنها ليست بنسخ. وذهبت الحنفية إلى أنه نسخ.

стр. 1098

وقيل: الثالث يعني الزيادة التي ترفع مفهوم المخالفة نسخ فقط. وقال عبد الجبار: إن غيرت الزيادة المزيد عليه تغييرا شديدا بحيث لو فعل به بعدها على حد ما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه فإنه يكون نسخا نحو زيادة ركعة على ركعتي الفجر وكزيادة عشرين على الثمانين في حد القذف. ورد بأنه بعد زيادة عشرين لو أتى بالثمانين لم يكن وجودها كالعدم وإنما يلزم أن يضم إليه عشرون. وكزيادة تخيير في ثالث بعد التخيير في اثنين كما لو خير أولا بين الإعتاق والصيام ثم خير بينهما وبين الإطعام. وإن لم تغير الزيادة المزيد عليه تغييرا شديدا إلى ذلك الحد لم تكن الزيادة نسخا كزيادة التغريب على الحد. وقال الغزالي إن اتحدت الزيادة مع المزيد عليه بحيث يرتفع التعدد بينهما كزيادة ركعة في الفجر فنسخ وإلا فلا كزيادة عشرين في القذف. واختار المصنف أن الزيادة إن رفعت بدليل شرعي حكما شرعيا بعد ثبوته فنسخ لأن النسخ حقيقة في رفع حكم شرعي بدليل شرعي وما خالفه بأن لا تكون الزيادة حكما شرعيا أو تكون ولكن ترفع لا بدليل شرعي لا تكون نسخا. وفرع على هذا فروعا منها: أن الشارع لو قال: في السائمة زكاة ثم قال: في العلوفة. وكان المفهوم من الأول مرادا كان نسخا لأن الثاني دليل شرعي وقد رفع حكما شرعيا وهو عدم وجوب الزكاة المفهوم من قوله في السائمة الزكاة. وإن لم يكن المفهوم مرادا لا يكون نسخا لأن المنطوق وإن كان دليلا شرعيا إلا أنه لم يرفع حكما شرعيا لأن عدم وجوب الزكاة في العلوفة إذا لم يكن مراد الشارع بطريق المفهوم كان ثابتا بالأصل وذلك لا يكون نسخاً.

стр. 1099

ومنها لو زيدت ركعة في الصبح " كان نسخا كتحريم " الزيادة لأن الزيادة على الركعتين قبلها كانت حراما والحرمة حكم شرعي رفعت بدليل شرعي. ومنها زيادة التغريب على الحد فإنها ناسخة لأنه قبل وجوبه كان حراما ووجوبه رفع حرمته. فإن قيل: رفع تحريم الزيادة ليس لنسخ لأن تحريمها ثابت بالأصل فهو مبقي عليه وهو ليس بنسخ. أجيب بأن الثابت به عدم وجوب الزيادة فأما تحريمها فشرعي لأنه لما كان مبطلا للإتيان بالمأمور به كان حراما. ومنها لو خير المكلف في المسح على الخفين وغسل الرجلين بعد وجوب غسلهما على التعيين كان نسخا لأن التخيير حكم شرعي وقد رفع وجوب الغسل وهو أيضا حكم شرعي. ومنها لو قال الشارع: (واستشهدوا شهيدين). ثم ثبت الحكم بشاهد ويمين لم يكن نسخا لأن مقتضى الآية أن شهادة الشاهدين حجة وثبوت الحكم بشاهد ويمين لم يرفع من ذلك شيئا ولو ثبت مفهوم قوله: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ومفهوم قوله: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) لا يكون الحكم بشاهد ويمين نسخا لأن مفهوم القولين انحصار الاستشهاد في المذكور لا انحصار الحكم في المذكورين فمفهوم الإثنين لم يمنع الحكم بغير شاهدين وبغير رجل

стр. 1100

وامرأتين فلا يكون نسخا. ومنها لو زيد في الوضوء اشتراط غسل عضو لم يكن نسخا لأنه إنما حصل بالزيادة وجوب فعل مباح الأصل ومثل ذلك لا يكون نسخا. القائلون بأن زيادة اشتراط غسل عضو يكون نسخا قالوا قبل الزيادة كانت الطهارة بدونها مجزئة وبعد الزيادة لم تكن مجزئة فارتفع بالزيادة الإجزاء وهو حكم شرعي فيكون نسخا. وأجاب بأن معنى كون الطهارة مجزئة امتثال الأمر بفعلها ولم يرتفع ذلك بالزيادة وإنما ارتفع بالزيادة عدم توقف الطهارة على شرط آخر وهو ليس بحكم شرعي لاستناده إلى حكم الأصل فلا يكون نسخا. وكذلك لو زيد في الصلاة ما ليس بمحرم فيها لم يكن نسخا لأن رفعه يكون رفعا لما ثبت بالأصل ولكن يجب حمل قوله ما ليس بمحرم على ما يجوز فيها من غير أن يرد سمع وإلا لزم أن لا يكون وجوب ما هو مستحب في الصلاة أو مكروه فيها نسخا وليس كذلك لأن وجوب ما هو مستحب فيها يكون رافعا لحكم شرعي وهو الاستحباب فيكون نسخا. ص - مسألة: إذا نقص جزء العبادة أو شرطها فنسخ " لجزء الشرط " لا للعبادة وقيل: نسخ للعبادة. عبد الجبار: إن كان جزءا لا شرطا. قالوا: ثبت تحريمها بغير طهارة وبغير الركعتين ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما. قلنا: الفرض لم يتجدد وجوب. ش - إذا نقص من العبادة ما تتوقف صحتها عليه من جزء أو شرط كما إذا نقصت ركعة من الأربع أو وجوب الطهارة فإنهما قد نسخا بالاتفاق.

стр. 1101

وأما نسخ تلك العبادة فقد اختلفوا فيه. والمختار عند المصنف أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة. وقيل: هو نسخ. وقال عبد الجبار: نقصان الجزء نسخ دون نقص الشرط. واحتج للمختار بأن نقصانهما لو كان نسخا لوجوب العبادة لافتقرت في وجوبها بعد النقصان إلى دليل ثان وليس كذلك بالاتفاق وذلك لأن وجوب العبادة الذي كان ثابتا قبل نقصانهما قد ارتفع بنقصانهما لأن الفرض أن النقصان نسخ للوجوب فوجوبها بعده لا بد له من دليل آخر. واحتج من قال: إن نقصانهما نسخ لها بأن تحريم العبادة بغير جزء أو شرط كان ثابتا قبل نقصانهما شرعا ثم ثبت بعده جوازها أو وجوبها بدونهما فارتفع التحريم المذكور بالنقصان فكان نسخاً للتحريم.

стр. 1102

وفيه نظر لأن تحريم الشيء بانتفاء جزئه أو عند انتفاء شرطه عقلي فرفعه لا يكون نسخا. وأجاب بأنه لا كلام في نسخ التحريم المذكور بل النزاع في نسخ وجوب العبادة بعد النقصان ولم يتحقق لأن تحققه يوجب تجدد الوجوب والفرض عدمه لعدم احتياجها إليه بالإجماع. ولقائل أن يقول الصلاة الثلاثية غير الرباعية والصلاة بغير طهارة غيرها بطهارة فلم لا يجوز أن يكون الدليل الذي نسخ الجزء أو الشرط دليلا على وجوب الصلاة الثلاثية والصلاة بغير طهارة. ص - مسألة: المختار جواز نسخ وجوب معرفته وتحريم الكفر وغيره خلافا للمعتزلة وهي فرع التحسين والتقبيح. والمختار جواز نسخ جميع التكاليف خلافا للغزالي. لنا: أحكام كغيرها. قالوا: لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ. وأجيب: بأنه يعلمها وينقطع التكليف بهما وبغيرهما. ش - ذهبت الأشاعرة إلى جواز نسخ وجوب معرفة الله وتحريم الكفر وغيره من الظلم والقبائح العقلية. ونفاه المعتزلة. وهذه المسألة فرع مسألة التحسين والتقبيح العقليين فمن قال بهما منع نسخ

стр. 1103

هذه الأمور لأنها عقلية وهي لا تنسخ. ومن لم يقل بهما جوزه لقوله - تعالى -: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) وقوله: (ويفعل الله ما يشاء). وفيه نظر للقطع بأن لا يشاء الله نسخ وجوب معرفته كما أنا نقطع أنه لا يشاء محو ذاته وصفاته. ولأن الاتفاق على أن الأمور الغير شرعية لا يجوز نسخها. واختلفوا أيضا في نسخ جميع التكاليف فقال الغزالي: لا يجوز. واختار المصنف جوازه.

стр. 1104

واحتج بأن جميع التكاليف أحكام فكما جاز نسخ بعضها جاز نسخ جميعها. وفيه نظر لما تقرر في العقل أن زوال الحكمة يستلزم عبث ما هي حكمته وحكمة اتخاذ الجن والإنس العبادة لقوله - تعالى -: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فلو جاز نسخ العبادات كان الاتخاذ عبثا وهو محال , قال الله - تعالى -: (أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا) الآية. واحتج الغزالي بأن المنسوخ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ وهو الله - تعالى - وذلك تكليف فلا يكون جميع التكاليف منسوخا. وأجاب المصنف بأن المكلف يعلم النسخ والناسخ وينقطع التكليف بهما وبغيرهما بعد معرفتهما. وهذا غلط لأن المكلف يعلمهما قبل النسخ أو بعده لا سبيل إلى الأول لأنه لا نسخ ولا ناسخ قبل النسخ فتعين الثاني وهو تكليف لا ينتسخ بالناسخ قبله وهو واضح ولا بعده وإلا تسلسل وهو محال وما كفى المصنف اعتقاده حتى سعى في إبطال صريح الحق. والله أعلم. القياس ص - القياس: التقدير والمساواة. وفي الاصطلاح: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. ويلزم المصوبة زيادة: في نظر المجتهد , لأنه صحيح , وإن تبين الغلط والرجوع. بخلاف المخطئة. وإن أريد الفاسد معه - قيل: تشبيه. وأورد قياس الدلالة فإنه لا يذكر فيه علة. وأجيب بإما بأنه غير مراد , وإما بأنه يتضمن المساواة لها وأورد قياس العكس مثل: لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر. عكسه: الصلاة لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر.

стр. 1105

وأجيب بالأول. أو بأن المقصود مساواة الاعتكاف بغير نذر في اشتراط الصوم له بالنذر بمعنى لا فارق أو بالسبر وذكرت الصلاة لبيان الإلغاء. أو قياس الصوم بالنذر على الصلاة بالنذر. ش - لما فرغ من المباحث المتعلقة بالكتاب والسنة والإجماع شرع في القياس فعرفه: وهو في اللغة التقدير والمساواة. يقال: قس النعل بالنعل. واستعمل في الشرع بعلى تلويحا إلى معنى البناء. وفي اصطلاح الأصوليين: هو مساواة فرع لأصل في علة الحكم. والمراد بالفرع صورة أريد إلحاقها بمثلها في حكم " الاتحاد " العلة نوعا وبالأصل الصورة الملحق بها فتسميتها بذلك باعتبار ما يؤول إليه فإنهما يصيران

стр. 1106

أصلا وفرعا بعد القياس فلا يلزم دور. وهذا تعريف للقياس الصحيح في نفس الأمر ولم يتناول ما هو صحيح في نظر المجتهد وليس بمطابق للواقع فيلزم المصوبة أن يزيدوا: في نظر المجتهد , ليتناوله لأنه صحيح عندهم وإن تبين الغلط بتوهم ما ليس بعلة في نفس الأمر علة والرجوع عن الحكم بخلاف المخطئة فإنه لا تلزمهم هذه الزيادة لأن هذا التعريف تعريف للقياس الصحيح. والقسم الثاني عندهم غير صحيح. ولو أريد تعريف القياس على وجه يشمل الفاسد أيضا قيل: تشبيه فرع بأصل في علة الحكم. وأورد عليه قياس الدلالة: وهو مساواة فرع لأصل في وصف جامع لا يكون علة للحكم في نفس الأمر ولا في نظر المجتهد بل يكون مساويا لها دالا عليها مثل الجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدة المطربة لأن الرائحة ليست بعلة بل العلة الشدة المطربة والرائحة دالة عليها فإنه خارج عن التعريف المذكور للقياس لأنه لم يذكر فيه علة الحكم مع أنه قياس فلا ينعكس الحد. وفيه نظر لأنا لا نسلم دلالتها عليها لأن الرائحة قد توجد بدونها كما قال:

стр. 1107

يقولون لي انكه شربت مدامة ... فقلت لهم لا بل أكلت سفرجلان ويعلم ذلك في الفقه في باب حد الخمر. وأجاب بوجهين: أحدهما: أن المراد غير قياس الدلالة فكأنه يقول القياس في هذا الاصطلاح غير قياس الدلالة. والثاني: إنه قياس وليس بخارج عن التعريف لأن المساواة في الوصف الجامع الدال على العلة يتضمن المساواة في العلة. وأورد أيضا على عكسه قياس العكس: وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لتحقق نقيض علة حكم الأصل في الفرع. كقول الحنفية لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب أيضا بغيره كالصلاة فإنها لما لم تجب في الاعتكاف بالنذر لم تجب بغيره. فالفرع هو الصيام والأصل هو الصلاة والحكم في الأصل عدم الوجوب في الواقع وفي الفرع الوجوب فيه والعلة في الفرع الوجوب بالنذر لأنه علة العلم بالوجوب في الواقع وفي الأصل عدم الوجوب بالنذر فإنه قياس ولا يصدق عليه الحد إذ لا مساواة بين الأصل والفرع في العلة ولا في الحكم. وأجاب بثلاثة أوجه: الأول: هو أن قياس العكس غير مراد من هذا التعريف وهو المذكور أولا في جواب الإيراد الأول. والثاني: أن المقصود ههنا مساواة الاعتكاف بغير نذر في اشتراط الصوم للاعتكاف المنذور في ذلك إما بمعنى أنه لا فارق بين الاعتكاف المنذور وغير

стр. 1108

المنذور في اشتراط الصوم فإن الاختلاف بالنذر وعدمه لا مدخل له في اشتراط الصوم وعدمه كما في الصلاة وإما بالسبر بأن يقال الموجب لاشتراط الصوم إما الاعتكاف أو الاعتكاف بالنذر ولا سبيل إلى الثاني لأن النذر لو كان له أثر في الاشتراط لأثر في اشتراط الصلاة لكن لا أثر له في ذلك بالاتفاق فتعين أن يكون الموجب لاشتراط الصوم هو الاعتكاف فقط فيكون ذكر الصلاة لبيان كون النذر لا مدخل له في ذلك وعلى هذا يكون الاعتكاف المنذور أصلا وغير المنذور فرعا والحكم وجوب الاشتراط فيهما والعلة الاعتكاف فيصدق حد القياس عليه وينعكس. الثالث: أن المقصود قياس الصوم بالنذر على الصلاة بالنذر بأن يقال على تقدير أن لا يشترط الصوم في الاعتكاف لم يشترط فيه بالنذر كالصلاة فإنها لما لم تكن شرطا في الاعتكاف لم تصر شرطا فيه بالنذر أي بنذر الاعتكاف فالصلاة أصل والصوم فرع والحكم عدم الصيرورة شرطا بالنذر والعلة كونهما عبادتين فيصدق حد القياس عليه وينعكس. ص - وقولهم: بذل الجهد في استخراج الحق. وقولهم: الدليل الموصل إلى الحق. وقولهم العلم عن نظر. مردود بالنص والإجماع. وبأن البذل حال " القياس " , والعلم ثمرة القياس. وأبو هاشم: حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه , ويحتاج بجامع. وقول القاضي: حمل معلوم على معلوم في إثبات " حكم " لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما. حسن إلا أن حمل ثمرته. وإثبات الحكم فيهما معا ليس به. وبجامع كاف. وقولهم: ثبوت حكم الرفع , فرع القياس , فتعريفه به دور. أجيب بأن المحدود القياس الذهني وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي ليس فرعا له.

стр. 1109

ش - لما ذكر ما هو عنده مرضي من حد القياس ذكر حدودا ذكرها المتقدمون وزيفها. الأول: قولهم: القياس بذل الجهد في استخراج الحق. وزيفه بأن البذل حال القائس والقياس هو المساواة المذكورة فلا يصدق أحدهما على الآخر فيصدق الحد بدون المحدود فلا يطرد. وفيه نظر لأنه على هذا التقدير لا نسلم أن القياس هو المساواة بل هو مصدر ولا شك حينئذ في كونه حالا قائمة بالقائس فيصدق أحدهما على الآخر. والثاني: قولهم هو الدليل الموصل إلى الحق. وزيفه بأنه مردود لصدقه على النص والإجماع لأن كل واحد منهما دليل موصل إلى الحق فلا يطرد. والثالث: قولهم: العلم عن نظر. وزيفه بأن العلم ثمرة القياس والقياس سببه وهو غير المسبب فيصدق الحد بدون المحدود فلا يطرد. والرابع: ما قاله أبو هاشم: بأنه حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه. وزيفه بأنه يحتاج إلى ذكر الجامع لأن حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه بغير جامع لا يكون قياسا. والخامس: ما قال القاضي: وهو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما. واستحسنه: وهو منقوض بزيد قائم مثلا فإنه يصدق عليه حمل معلوم على

стр. 1110

معلوم في إثبات حكم وهو كونهما جزئي جملة أو صفة حكم وهي كونهما مسندا ومسندا إليه بجامع بينهما وهو الإسناد. وزيفه المصنف: بقوله: إن الحمل ثمرة القياس وهو كما تقدم. وبأن قوله: في إثبات حكم لهما يشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس وهو باطل لأن القياس فرع على ثبوت الحكم في الأصل فلو ثبت الحكم في الأصل بالقياس لزم الدور. وبأن قوله بجامع كاف فلا يحتاج إلى قوله: من إثبات حكم أو صفة نفيهما - لأنها أقسام الجامع والمعتبر في التعريف نفس الجامع لا أقسامه. وقد أورد بعض المتأخرين بأنه أخذ في تعريف القياس القياس ثبوت حكم الفرع وثبوت حكم الفرع فرع القياس فيتوقف معرفته على معرفة القياس فتعريف القياس به دور. وأجاب عنه بأن هذا تعريف للقياس الذهني ولا يتوقف معرفة ثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي على القياس الذهني لأن ثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي لا يكون فرعا للقياس الذهني بل هما متضايفان ص - وأركانه: الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع. الأصل: الأكثر: محل الحكم المشبه به. وقيل: دليله. وقيل: حكمه. والفرع: المحل المشبه. وقيل: حكمه. والأصل: ما ينبني عليه غيره. فلا بعد في الجميع ولذلك كان الجامع فرعا للأصل , أصلا للفرع. ومن شرط حكم الأصل أن يكون حكما شرعيا. وأن لا يكون منسوخا لزوال اعتبار الجامع. وأن يكون غير فرع خلافا للحنابلة والبصري.

стр. 1111

لنا: إن اتحدت فذكر الوسط ضائع. كالشافعية في السفرجل مطعوم فيكون ربويا كالتفاح , ثم يقيس التفاح على البر. وإن لم تتحد فسد , لأن الأولى لم يثبت اعتبارها , والثانية ليست في الفرع كقوله في الجذام عيب يفسح به البيع فيفسخ به النكاح كالقرن والرتق. ثم يقيس القرن على الجب بفوات الاستمتاع. فإن كان فرعا خالفه المستدل: كقول الحنفي في الصوم بنية النفل: أتى بما أمر به كفريضة الحج. ففاسد , لأنه متضمن اعترافه بالخطأ في الأصل. ومنها أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس كشهادة خزيمة , وأعداد الركعات , ومقادير الحدود والكفارات. ومنها ما لا نظير له كان له معنى ظاهر كترخص المسافر , أو غير ظاهر كالقسامة. ومنها أن لا يكون ذا قياس مركب وهو أن يستغني بموافقة الخصم في الأصل أو منعه وجودها في الأصل. فالأول مركب الأصل. ومثل: عبد , فلا يقتل به الحر , كالمكاتب. فيقول الحنفي: العلة جهالة المستحق من السيد والورثة فإن صحت بطل الإلحاق. وإن بطلت منع حكم الأصل. فما ينفك عن عدم العلة في الرفع أو " منع الأصل. فلو سلم أنها العلة " وأنها موجودة أو أثبت أنها موجودة انتهض الدليل عليه لاعترافه كما لو كان مجتهدا. وكذلك لو أثبت الأصل بنص ثم أثبت العلة بطريقها على الأصح لأنه لو لم

стр. 1112

يقبل لم يقبل مقدمة تقبل المنع. ومنها أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع. ش - هذا شروع في بيان أركانه وهي أربعة: الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع , لأن ركن الشيء ما يقوم بد ذلك الشيء وقيام القياس بهذه الأمور. وأكثر الفقهاء على أن الأصل هو الحكم المشبه به. مثلا إذا قيس الذرة على البر في حرمة التفاضل فالبر هو الأصل. وقيل: هو دليل حكم فالنص أو الإجماع الدال على حرمة التفاضل في البر هو الأصل وهو مذهب المتكلمين. وقيل: هو حكم المحل المشبه به فحرمة التفاضل هو الأصل ذكره فخر الدين الرازي في المحصول. والفرع هو المحل المشبه وهو الذرة في مثالنا. وقيل: الفرع حكم المحل المشبه. والأصل: ما يبتنى عليه غيره. ولا بعد في الجميع لأن الأصل يصدق على كل منهما ولذلك أي ولأجل أن الأصل ما يبتنى عليه غيره كان الجامع فرعا للأصل لأنه يبتنى على الأصل لأنه عرف به. ويكون أصلا للفرع لأن الفرع ينبني عليه. ومن شروط حكم الأصل أن يكون حكم الأصل شرعيا لأن المقصود من

стр. 1113

القياس الشرعي هو إثبات الحكم الشرعي فلو لم يكن حكم الأصل شرعيا لم يكن الحكم المتعدي إلى الفرع شرعيا فلا يحصل المقصود من القياس الشرعي. و أن لا يكون حكم الأصل منسوخا لأن الحكم إنما يتعدى من الأصل إلى الفرع بناء على اعتبار الجامع فإذا كان حكم الأصل منسوخا زال اعتبار الجامع فلم يتعد الحكم إلى الفرع. و أن لا يكون حكم الأصل فرعا على حكم آخر خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري. واحتج المصنف على ذلك بأنه إن اتحدت العلتان أعني العلة الجامعة بين الفرع الأخير والمقيس عليه والعلة الجامعة بين المقيس عليه وأصله فذكر الوسط ضائع لأنه حينئذ يقاس الفرع الأخير على الأصل الأول وذلك كما تقول الشافعية في السفرجل

стр. 1114

إنه مطعوم فيكون ربويا كالتفاح ثم يقيس التفاح على البر لأنه مطعوم فإن ذكر التفاح الذي هو الوسط ضائع لإمكان أن يقاس السفرجل على البر ابتداء , وإن لم تتحد العلتان فسد القياس لأن الأولى يعني العلة الجامعة بين الفرع الأخير والمقيس عليه لم يثبت اعتبارها لأنها ليست بموجودة في أصل المقيس عليه " مع أن " الحكم ثابت فيه. والثانية أي العلة الجامعة بين المقيس عليه وأصله ليست بموجودة في الفرع الأخير كقول الشافعي: الجدام عيب يفسخ به البيع فيفسخ به النكاح كالرتق والقرن فإن كل واحد منهما عيب يفسخ به البيع فيفسخ به النكاح. ثم يقيس القرن على الجب بجامع فوات الاستمتاع والعلة الأولى التي هي كونه عيبا يفسخ به البيع لم يثبت اعتبارها لأنها ليست بثابتة في الجب الذي هو أصل المقيس عليه والعلة الثانية التي هي فوات الاستمتاع غير موجودة في الفرع الأخير

стр. 1115

الذي هو الجذام هذا إذا كان حكم الأصل فرعا يوافقه المستدل أما إذا لم يكن ففاسد لتضمنه اعتراف المستدل بخطئه في الأصل لأن القياس إنما يتحقق إذا ثبت الحكم في الأصل فالمستدل إن لم يعرف بثبوت الحكم فيه لم يتمكن من القياس وإن اعترف يلزم الاعتراف بالخطأ في الأصل لأن المستدل يخالفه. مثال ذلك: قول الحنفي في وقوع الصوم بنية النفل عن الفرع إنه أتى بما أمر به فيصح قياسا على فريضة الحج بنية النفل من لم يحج يقع عن فريضة الحج فإن الحنفي لا يقول بوقوع الحج عن فريضة الحج إذا أتى به بنية النفل. واعلم أن مثل هذا يصير إليه بعض أصحابنا ويسميه قياسا إلزاميا لأن الخصم يقول بأن الحج يتأتى بنية النفل فيقول الحنفي أنت تقول بذلك فإن كان ذلك صحيحا وجب عليك أن تقول بصحة هذا أيضا للجامع وهو الإتيان بالمأمور به لكنك تقول بصحة ذلك فيكون هذا صحيحا لكنك لا تقول بهذا فلم يكن ذلك صحيحا. والحق أن مثل هذا إن كان في حيز الاستدلال لم يعتبر لعدم اعتراف المستدل به وإن كان في حيز الدفع فربما يكون مغتفرا في الجدل. و أن لا يكون معدولا به عن القياس أي لا يكون على خلاف قاعدة مستقرة في الشرع.

стр. 1116

ولا يكون مما لا تعقل حكمته كقبول شهادة خزيمة وحده والحكم به فإنه على خلاف ما استقر في الشرع من أمر الشهادة ولم تعقل حكمته. وكأعداد الركعات ومقادير الحدود والكفارات فإنه وإن لم تكن على خلاف قاعدة مستقرة في الشرع لكنها لا تعقل حكمتها. و أن لا يكون حكم الأصل عديم النظير وهو ما لم يوجد ما يساويه في العلة سواء كان له معنى ظاهر كالرخص التي للمسافر فإن لها معنى ظاهرا وهو دفع المشقة أو لم يكن له معنى ظاهر كخمسين يميناً في القسامة.

стр. 1117

و أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب وهو أن يستغني المستدل عن إثبات الحكم في الأصل بدليل بسبب موافقة خصمه في حكم الأصل مع منع ما جعله علة له وإبداء علة أخرى له أو مع منع الخصم وجود العلة في الأصل والأول يسمى مركب الأصل لأن الأصل أي الجامع وصفان يصلح كل منهما أن يكون علة وذلك مثل قول الشافعي ﵀ فيما إذا قتل الحر عبدا: المقتول عبد فلا يقتل الحر به قياسا على ما إذا قتل الحر مكاتبا لكونهما رقيقين. فإن الشافعي يستغني عن إثبات عدم وجوب القصاص على الحر في صورة المكاتب بدليل لأن أبا حنيفة يوافقه لكن يمنع ما جعل الشافعي علة لعدم وجوب القصاص لأن العلة عند أبي حنيفة ليست الرق بل جهالة المستحق من السيد والورثة إذ لم يعلم أيهما هو المستحق فإذا قال الحنفي العلة عندي في صورة المكاتب جهالة المستحق فإن صحت علتها بطل القياس لأن العلة في الفرع غير موجودة وإن بطلت منع حكم الأصل فيقول لا نسلم أنه لا يقتل بالمكاتب لأن حكم الأصل لم يثبت بنص أو إجماع بل ثبت بناء على علية الجهالة فإذا بطل الموجب للحكم لم يثبت الحكم فيبطل القياس فلا ينفك القياس عن عدم العلة في الفرع أو منع حكم الأصل.

стр. 1118

والثاني: يسمى مركب الوصف مثل قول الشافعي في تعليق الطلاق بالنكاح مثل إن تزوجت زينب فهي طالق , هذا تعليق الطلاق فلا يصح قبل النكاح قياسا على ما إذا قال: زينب التي أتزوجها طالق فإنه لا يقع الطلاق بالاتفاق , لكن أبا حنيفة يقول علة الوقوع هو التعليق وهو ليس بموجود في الأصل فإن صح ذلك بطل إلحاق الفرع به لعدم وجود العلة فيه وإن لم يصح منع حكم الأصل فإنه حينئذ يكون الطلاق واقعا في الأصل لوجود العلة فما ينفك هذا القياس عن عدم العلة في الأصل أو منع حكم الأصل. ثم لا فرق في هذا بين أن يكون الخصم مقلدا أو مجتهدا فإنه إن كان مقلدا وسلم علية ما جعل المستدل علة في مركب الأصل وسلم وجود العلة في الأصل مركب الوصف أو أثبت المستدل أن العلة موجودة في الأصل انتهض دليل المستدل لاعتراف الخصم بعلية وصف المستدل في الأول " وبوجود " العلة في أصل الثاني كما لو كان الخصم مجتهدا. وأما إن كان مجتهدا وأثبت المستدل حكم الأصل بنص ثم أثبت العلة بما هو طريق إثباتها فينتهض دليله على الخصم على الأصح لأنه لو لم يقبل الخصم الدليل بعد إثبات حكم الأصل بنص وإثبات العلة بطريقها لزم أن لا يقبل الخصم مقدمة تقبل المنع. وإن أثبتها المستدل بالدليل بعد منع الخصم إياها فيلزم أن لا يقبل إلا البديهات وإنما قيدنا الخصم بكونه مجتهدا لأن ذلك لا يجري بالنسبة إلى المقلد لجواز أن يكون اعتتقاده أن إمامه يدفع ما تمسك به المستدل. و أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع فإن جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا ليس أولى من العكس حينئذ وذلك أن تقول: الأرز ربوي كالبر ثم يستدل على إثبات جريان الربا في البر بقوله ﵇: " لا تبيعوا الطعام

стр. 1119

بالطعام " فإن هذا الدليل شامل لحكم الأرز. شروط علة الأصل ص - ومن شروط على الأصل أن تكون بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم. لأنها إذا كانت مجردة أمارة هي مستنبطة من حكم الأصل كان دورا. ومنها أن تكون وصفا ضابطا لحكمه لا حكمة مجردة لخفائها أو لعدم انضباطها ولو أمكن اعتبارها جاز على الأصح. ومنها أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي. لنا: لو كان عدما لكان مناسبا أو مظنته. وتقرير الثانية أن العدم المطلق باطل والمخصص بأمر إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل , وإن كان منشأ مفسدة فمانع. وعدم المانع ليس علة. وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه لأنه إن كان ظاهرا تعين بنفسه وإن كان خفيا فنقيضه خفي ولا يصلح الخفي مظنة الخفي وإن لم يكن فوجوده كعدمه. وأيضا لم يسمع أحد يقول: العلة كذا أو عدم كذا. واستدل بأن لا علة عدم. فنقيضه وجود. وفيه مصادرة. وقد تقدم مثله. قالوا: صح تعليل الضرب بانتفاء الامتثال. قلنا: بالكف. وأن لا يكون العدم جزءا منها. قالوا: انتفاء معارضة المعجزة جزء من المعرف لها وكذلك الدوران وجزؤه عدم.

стр. 1120

قلنا: شرط لا جزء. وأن لا تكوم المتعدية المحل ولا جزءا منه لامتناع الإلحاق بخلاف القاصرة. ش - لما فرغ من شروط الحكم في الأصل شرع في شروط علة الأصل وهي متعددة: الأول: أن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث بأن تكون مشتملة على حكمة تصلح أن تكون مقصودة للشارع من شرع حكم الأصل كالاسكار في حرمة الخمر فإنه مشتمل على حفظ العقل لأن الحرمة تؤدي إليه وهو مقصود الشارع. كذا قيل: وفيه نظر لأن الإسكار مشتمل على إزالة العقل لا على حفظه وكون الحرمة مؤدية إليه غير معتبر لأن تصور الباعث على الشيء سابق وكون الشيء مؤديا

стр. 1121

إلى شيء يستلزم تقدمه في التصور وما ذاك إلا دور. وإنما شرط ذلك لأنها إذا كانت مجرد أمارة لزم الدور لأن العلة فرع حكم الأصل لكونها مستنبطة منه وإذا كانت مجرد أمارة لا يكون لها فائدة سوى تعريف الحكم فيكون الحكم متفرعا عليها ويدور. وفيه نظر لأن بعض الأصوليين ذهبوا إلى أن الحكم في الأصل والفرع ثابت بالعلة وحينئذ لا تكون العلة مستنبطة من حكم الأصل ولأن جهة التوقف مختلفة فإن توقف العلة على حكم الأصل لمي وتوقف الحكم على العلة إذا لم تكن باعثة أني ولا دور مع الاختلاف. والثاني: أن تكون علة الأصل وصفا ضابطا لحكمة قيل: وهي الغاية

стр. 1122

للحكم كالقدر مع الجنس في الربويات لأن ذلك وصف ضابط لحكمة هي دفع التفاضل بين المتجانسين مراعاة للتعادل فيما ليس فيه جهة التفاضل. وأما الحكمة المجردة فلا تقع علة لخفائها وعدم انضباطها حتى لو أمكن اعتبارها لانضباطها وعدم خفائها جاز التعليل بها على الأصح لأنها هي العلة الغائية فتعليل الحكمة بها أولى من التعليل بالوصف , " والفرق بين الشرطين غير محقق يـ ". والثالث: أنه لا تكون علة الأصل عدما في الحكم الثبوتي خلافا لبعض الأصوليين. واحتج عليه بوجهين: أحدهما: أنه لو كان الوصف الجامع في الحكم الثبوتي عدما لكان مناسباً أو

стр. 1123

مظنة مناسب لأن الوصف الجامع لا بد وأن يكون باعثا لما تقدم والباعث منحصر في المناسب والمظنة على ما سيجيء. والمناسب هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل عقلا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. ومظنة المناسب هو ما يلازم الوصف المذكور إذا لم يكن ظاهرا والتالي باطل وإليه أشار بقوله: وتقرير الثانية - لأن العدم إما أن يكون مطلقا أو مضافا إلى أمر والأول باطل لأن العدم المطلق لا يختص ببعض الأحكام الثبوتية دون بعض , والثاني كذلك لأن وجود الأمر الذي اختص العدم به إما أن يكون منشأ مصلحة لذلك الحكم الثبوتي أو لا والثاني إما أن يكون منشأ مفسدة له أو لا والثاني إما أن يكون منافيا لوجود المناسب لذلك الحكم الثبوتي أو لا فهذه أربعة أقسام لا سبيل إلى واحد منها. أما الأول: فلأن عدمه حينئذ لا يكون مناسبا للحكم الثبوتي ولا مظنة مناسب لاستلزام عدمه فوات تلك المصلحة. وأما الثاني: فلأنه حينئذ يكون وجود ذلك الأمر مانعا من تحقق الحكم فعدمه عدم المانع وهو ليس بعلة بالاتفاق. وأما الثالث: فلأن عدم ذلك الأمر المنافي للمناسب لا يصلح أن يكون مظنة للمناسب الذي هو نقيض ذلك الأمر المنافي لأن نقيضه وهو المناسب إن كان ظاهرا تعين أن يكون علة بنفسه من غير احتياج إلى المظنة وإن كان خفيا فنقيضه أي الأمر المنافي له أيضا خفي فعدم ذلك الأمر المنافي للمناسب أيضا خفي والخفي لا يصلح أن يكون مظنة للخفي. وأما الرابع: فوجوده كعدمه وإذا تساويا لا يكون عدمه مناسبا ولا مظنة. الثاني: أنه لم يسمع عن أحد من المجتهدين يقول: العلة كذا أو عدم كذا والعادة تقضي بأنه لو جاز ذلك لقاله أحد. واستدل على هذا المطلوب بأن العلية موجودة لأن نقيضها وهو ألا علية عدمي

стр. 1124

وإذا كان أحد النقيضين عدميا كان الآخر وجوديا وإذا كانت العلية موجودة لم يكن العدم علة وإلا لا تصف المعدوم بالوجودي وهو محال. قال المصنف: وفيه مصادرة وذلك لأن عدمية اللاعلية متوقفة على وجودية العلية لأن عدمية صورة السلب تتوقف على وجودية ما دخل عليه السلب فلو توقف وجودية العلية على عدمية اللاعلية لزم الدور. وقد تقدم مثل ذلك في مسألة الحسن والقبح حيث قيل الحسن وجودي لأنه نقيض اللاحسن. وقال القائلون بأن العدم يجوز أن يكون علة للثبوتي: صح تعليل الضرب الذي هو وجودي بانتفاء الامتثال الذي هو عدمي فإذا أمر عبده بفعل ولم يمتثل فضربه السيد صح أن يقال إنما ضربه لأنه لم يمتثل أمره. وأجاب المصنف بأن الضرب معلل بكف النفس عن الامتثال لا بانتفاء الامتثال والكف أمر ثبوتي. وهذا الجواب من قبيل الاستغناء بالمناسب عن المظنة. والرابع: أن لا يكون العدم جزءا من علة الأصل لما تقدم من الدليل وجوزه بعض الأصوليين. واحتج بأن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من معزف المعجزة لأن الفعل الخارق للعادة يتوقف في كونها معجزة على انتفاء المعارضة وهو عدمي وكون الفعل

стр. 1125

معجزة ثبوتي فقد صار العدم جزء علة الثبوتي. وبأن الدوران علة لعلية المدار للدائر وعليه المدار أمر ثبوتي وجزء الدوران وهو العكس عدم فيجوز أن يكون جزء علة الثبوتي عدما. وأجاب عن الصورتين بأن العدم فيهما شرط لا جزء. ولقائل أن يقول المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة فدعوى أن عدم المعارضة شرط دعوى مجردة. والدوران هو ترتب الشيء على ما له صلوح العلية وجودا وعدما فكون العدم شرطا كذلك. وإن زعم بأن التعريف يتم بقوله: مقرون بالتحدي وبقوله ما له صلوح العلية وجودا وما عدا ذلك شرط فهو مع ضعفه للالتباس نزاع لفظي ولا جدوى له. والخامس: أن لا تكون العلة المتعدية محل الحكم ولا جزءا منه لأنها يمتنع أن تتحقق في الفرع وهي محل الأصل أو جزؤه فيمتنع إلحاق الفرع بالأصل بخلاف العلة القاصرة فإنها تجوز أن تكون المحل أو جزأه الخاص , مثل حرمت البر لكونه بر حب لم يكن الإلحاق مقصودا , والمراد بالجزء الخاص لأن التعليل بالجزء المشترك جائز لإمكان وجوده في الفرع.
следующие страницы →