Полный текст (658 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وتعلقوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقرأة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة ﴿بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة.
стр. 177
وتعلقوا أيضاً بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته إلا بمثل هذا الطريق، فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله.
قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر.
فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به.
قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه.
وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافاً ظاهراً وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع.
الجواب:
أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي والإجماع على وجهين:
إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحاً.
وإجماع استدلالي مثل ما بينا.
فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره ((الحجر)) فإنه من البيت بدليل لا يوجب العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: ((إنه لو كان من القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم))، فإنا نقول: هو من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً ونظيره ما بينا.
стр. 178
وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) فهو من القرآن عملاً لا علماً.
وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني الجهر بالتسمية عن النبي ﵇ برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية.
وقال .... عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي ﷺ ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ وجماعة من التابعين.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء جهر
стр. 179
وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم.
ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيداً عن النبي ﵇ فلم يسمع، ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويحتمل أن يكون ذلك اسماً للسورة، وقد كان افتتحها بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال للسائل: ((ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ)).
وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري.
وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من بعد فاكتفي به عن الأول.
وأما قوله: ((نصفين)).
قلنا: يجوز أن يكون معنى ((نصفين)) أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، كقول الشاعر:
стр. 180
إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 181
(مسألة)
تجب القراءة على المؤتم سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها ، وهذا أصح قولي الشافعي ﵁.
والقول الثاني: أنه تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك، وابن المبارك وأحمد إلا أن أحمد لا يفسد الصلاة بترك القراءة خلف الإمام بحال، وإنما يأمر بالقراءة استحباباً.
стр. 182
وعند أبي حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال.
لنا:
قوله ﵇ في رواية عبادة بن الصامت: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)). ولا فصل بين الخبرين أن يكون منفرداً، أو خلف إمام يقتدي به.
فإن قالوا: قد روى في بعض الأخبار ((من صلى صلاة لم يقرأ بأم الكتاب فلم يصل إلا أن يكون وراء إمام))، رواه جابر عن النبي ﵇.
فيكون خبر عبادة محمولاً على حال الانفراد بدليل هذا الحديث ثم يكون معنى قوله: ((لا صلاة)) أي لم يصل يعني صلاة كاملة.
قلنا: الذي رويتم صحيح عن جابر نفسه رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر. فأما عن النبي ﵇ فلا يصح، وقيل: رفعه يحيى بن سلام، ولا تقوم بروايته حجة لضعفه وقلة تثبته.
стр. 183
وظاهر العموم لا يخص عندنا بقول صحابي واحد.
وقد نتعلق من جهة الخصوص بما روى محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن ربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها)) أورده أبو عيسى على هذا الوجه قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة وأنس، وابن قتادة، وعبد الله بن
стр. 184
عمر ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام)).
وروى الدارقطني هذا الخبر في سننه من وجوه. وقال: رواته ثقات.
وروى عن عبادة بإسناده قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: ((هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة))؟ قال بعضنا: إنا لنصنع ذلك. وفي رواية: ((قلنا: أجل يا رسول الله)) قال: ((وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا تقرؤا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)).
وفي رواية: ((ولا يقرأ أحد منكم إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)). ويدل عليه حديث أبي السائب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج))، قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة أني أكون أحياناً وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، يا فارسي فإني سمعت رسول الله
стр. 185
- ﷺ يقول: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ...)) ... الخبر إلى آخره.
وأما الكلام من حيث المعنى فظاهر، لأن القراءة ركن الصلاة وركن الصلاة لا يسقط بالاقتداء، دليله سائر الأركان وهذا لأنه إذا وجبت القراءة على المصلى فلا يجوز أن تسقط عنه إلا بمعنى مؤثر في الإسقاط، ولم يوجد إلا الاقتداء بالإمام والاقتداء تأثيره في وجوب التأسي والمتابعة فأما لا تأثير له في سقوط ركن عن المقتدى بالاقتداء، يبينه أن الاقتداء قد يوجب على المقتدى ما لم يكن واجباً عليه فكيف يسقط عنه ما هو واجب عليه.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والأمر على الوجوب فوجب الإنصات والاستماع إذا جهر الإمام، ووجب الإنصات إذا لم يجهر، وقد أيدوا هذا أيضاً بما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي ﵇ قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ....).
стр. 186
وقال فيه: ((وإذا قرأ فانصتوا)).
قالوا: روى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن النبي ﵇ انصرف في صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ أحد منكم معي آنفاً))؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال: ((إني أقول مالي أنازع القرآن))، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ )).
стр. 187
وتعلقوا أيضاً بما رووا عن عبد الله بن شداد عن جابر أن النبي ﵇ قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
وفي رواية عن جابر قال: صلى بنا رسول الله وخلفه رجل يقرأ فنهاه رجل من أصحاب النبي ﵇ فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ فبلغ رسول الله ﷺ فقال: ((من صلى إمام فإن قراءته له قراءة)).
قالوا: ورواه أيضاً سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﵇.
قالوا: ولا يجوز أن يحمل على أن معناه: فإن قراءة الإمام للإمام قراءة، لأن هذا تعطيل للخبر وليس بتأويل، ومثل هذا التأويل لا يقوله فقيه.
ولأن هذا على مثال قول القائل: من دخل الدار خلف ابني فأعطه كذا، ينصرف إلى الداخل لا إلى الابن.
стр. 188
ورووا بطريق عمران بن حصين قال: ((كان النبي ﵇ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: ((من ذا الذي يحالجني))؟ ونهاهم عن القراءة خلف الإمام.
ورووا عن الشعبي أن النبي ﵇ قال: ((لا قراءة خلف الإمام)).
وعن علي ﵁ قال: قال رجل للنبي ﵇: أقرأ خلف الإمام أو أنصت قال: ((أنصت فإنه يكفيك)).
وروى عون عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: ((يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر)).
وروى عن علي ﵁ أنه قال: ((من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة)).
стр. 189
وفي رواية: ((إنما يقرأ خلف الإمام من ليس على الفطرة)).
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)).
وأما تعلقهم بالمعنى: من صح اقتداؤه بالإمام سقطت القراءة عنه دليله المسبوق بركعة.
قالوا: ولا معنى في سقوط القراءة عن المسبوق سوى الإتباع والاقتداء فإنه لا يجوز أن يكون المعنى مجرد إثبات الركعة حتى لا تفوته، لأن هذا المعنى موجود إذا أدركه بعد الركوع، ولأنه لا فوت في الحقيقة فإنه يقضي ومع القضاء لا يتحقق الفوت. ولأن النبي ﵇ أمر القاصد إلى الصلاة بالمشي ومنعه من السعي وإن كان فيه خوف الفوت، ولا يجوز أن يكون المعنى سقوط القيام لأنه غير ساقط، ولابد من وجود قيام عنه بعد التكبير وإن قل وإنما يسقط مد القيام لسقوط القراءة.
وأما في مسألتنا فالمؤتم وإن سقط عنه القراءة لكن وجب عليه القيام بحكم المتابعة. وفي المسبوق لا قراءة عليه ولا متابعة فسقط عنه مد القيام، وأما القيام فقد أتى به، وأما القراءة سقطت لأجل صحة الاقتداء ولا يعرف معنى سوى هذا. فإن طلبتهم كثيراً في الاقتداء، والمتابعة توجب سقوط القراءة فوجب ذلك (أن القراءة وجبت لمعنى العمل، وقد روى عن الحسن البصري قال: أنزل الله القرآن ليعمل به الناس فاتخذ الناس
стр. 190
قراءته عملاً وإذا كان وجوب القراءة للعمل فالعمل التدبر والتفكر) وذلك يكون بالاستماع لقراءة الإمام.
فأما بقراءة الجميع على التغالب لا يحصل هذا المقصود للأمر بالاستماع وقام الاستماع خلف الإمام مقام القراءة إذا كان منفرداً فصار سقوط القراءة إلى خلف يقوم مقامه في المعنى/ وسقوط الفرض إلى فرض مثله في المعنى غير مستنكر في الشرع وبل قد ورد الشرع على هذا المعنى في مواضع كثيرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذا مستقيم عند جهر الإمام، فأما عند الإسرار فلا يستقيم، لأن الأصل هو الجهر المسمع للقوم، ولأن الله تعالى أمر بالقراءة بين الجهر والإخفاء بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، إن لا يجهر الجهر الشديد ولا يخافت اخفات من لا يسمع القوم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، بين الجهر الشديد والإخفاء، فثبت أن الأصل كان هو الجهر المسمع للقوم إلا أن الله تعالى أمر نبيه ﵇ بالإسرار في الظهر والعصر لعارض أذى المشركين، فإنهم كانوا يجتمعون ويؤذون النبي ﵇ في الظهر والعصر.
ويحاكون صلاته وقراءته ويصفقون ويصفرون فأمره الله تعالى بالإسرار لذلك ثم بقى كذلك، وإن زال المعنى الذي أمر به لأجله، ومثل هذا يكثر أن يرد الشرع بمعنى ثم يزول ذلك المعنى ويبقى المشروع كالرمل والسعي في الحج وما أشبه ذلك.
وتعلقوا أيضاً بالسورة، وقالوا: إحدى صورتي القيام فتسقط بمتابعة الإمام كالسورة المضمومة إلى الفاتحة.
стр. 191
الجواب:
أما تعلقهم بالآية ...
قلنا: وردت الآية في الخطبة في الجمعة ونحن نقول بذلك في خطبة الجمعة.
قالوا: روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نزلت الآية في القراءة خلف الإمام، وذكروا ذلك أيضاً عن مجاهد.
قلنا: ما ذكروه عن أبي هريرة رواه الأوزاعي عن عبد الله بن عامر وهو ضعيف. وكذلك الإسناد عن مجاهد ضعيف أيضاً.
وعلى أن عندنا يقرأ في سكتات الإمام، وعند قراءته يسمع وينصت.
وقد روى محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عطاء عن أي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه)).
стр. 192
فإن قالوا: إذا لم يسكت الإمام.
قلنا: يقرأ ويكره للإمام أن لا يسكت، وإن لم يسكت فالوبال عليه لا على المأموم. وعلى هذا الجواب يخرج ما تعلقوا به من قوله ﵇: ((وإذا قرأ فانصتوا)). وعلى أن الأصح من ذلك الخبر أنه خال عن هذه اللقطة، وإنما وردت هذه اللفظة الزائدة في بعض الروايات، وعلى ذلك فنحن قائلون به.
وأما خبر ابن أكيمة الليثي فهو حجة مالك وأحمد في أنه يقرأ إذا أسر الإمام ولا يقرأ إذا جهر وهو أحد قولي الشافعي، وليس بحجة لهم.
وعلى أنه قد قيل إن ذلك اللفظ وهو قوله: ((فانتهى الناس)) من قول الزهري، وليس بقول أبي هريرة فيكون مرسلاً.
стр. 193
وقد ورد في بعض الروايات قال الزهري: فانتهى الناس.
وأما حديث جابر، فالصحيح أنه مرسل، رواه الأئمة مثل سفيان الثوري، وابن عيينة وشعبة، وشريك، وإسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي ﵇.
وعبد الله بن شداد من التابعين، ولم يسنده غير أبي حنيفة رحمة الله عليه والحسن بن عمارة، قالوا: وهما ضعيفان في الحديث فعند التفرد عن سائر الإثبات لا تقوم الحجة بروايتهما، وهذا قول أئمة الحديث.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب علل الحديث: ((أجمع أهل العلم أن كل من أسند هذا الحديث فقد أخطأ)).
стр. 194
وأما روايته عن سالم عن أبيه هذا الخبر فرواه ممد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف متروك.
وأما حديث عمران بن حصين فلم يرووه على ما نقلوا غير الحجاج بن أرطأة وهو لا يحتج بروايته.
وأما حديث الشعبي فمرسل، وأما حديث علي ﵁ فمداره على غسان بن الربيع وهو ضعيف)).
وأما حديث ابن عباس فرواه عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهل عن عون عن ابن عباس، وعاصم بن عبد العزيز من جملة الضعفاء أيضاً، ولا تقوم بروايته حجة.
وأما حديث علي بعينه فقد قال الدارقطني: إن إسناده لا يصح.
وحديث زيد بن ثابت لا يعرف. هذه أوجه العلل في أخبارهم.
стр. 195
وأما المعنى الذي تعلقوا به:
أما فصل المسبوق فقد قال بعض أصحابنا: إنه ثبت بالنص غير معقول المعنى ثم الجواب المعتمد أن سقوط القراءة لسقوط القيام، وهذا لأن القيام لا يراد لعينه وإنما يراد للقراءة، وإذا سقط القيام سقطت القراءة.
وقولهم ((إنه لم/ يسقط)).
قلنا: دليل السقوط هو أن الرجل مسبوق بالقيام، فلو جعلنا القيام عليه واجباً وألزمناه الإتيان به لصار آتياً بما سبق به قبل فراغ الإمام من صلاته، وهذا لا يجوز بل هو مبطل للصلاة فعرفنا قطعاً بهذا الدليل أن القيام عنه ساقط، وأما الذي يأتي به من القيام فهو لقيام تحريمه.
واعتذر أبو زيد عما قلناه، وقال: الراكع بمنزلة القائم لأنه بنصفه الأسفل قائم وإنما هو مائل بنصفه الأعلى، وإذا كان بمنزلة القائم فيكون قيام المسبوق مشاركة له في فعل القيام، ولا يكون فعلاً لما سبق له.
وهذا هوس، لأن الراكع ليس بقائم حقيقة، لأن القيام عبارة عن هيئة مخصوصة، لا ينطلق هذا الاسم إلا على تلك الهيئة، ولئن جاز أن يقال: إن الراكع نصفه قائم جاز أن يقال: القائم نصفه راكع، ومن دخل في أمثال هذا فقد جنى على عقله وعدل عن طريقة الفقهاء إلى طريق المهوسين الهازلين.
فإن قالوا: فلم يسقط القيام؟
قلنا: لا يلزمنا بيانه، وعلى أنه يمكن أن يقال: إنما يسقط بعلة العجز، فإنه لما أمر بالمتابعة فقد عجز عن القيام فصار كما لو عجز بالمرض.
وأما المعنى من قولهم: ((إن القرآن إنما أنزل للعمل به، فهو كلام صحيح في أصله، وليس بشيء في هذه المسألة، لأن الاستماع والتدبر وإن
стр. 196
أمر به فهو سنة وأدب من آداب الشرع، والقراءة ركن، بدليل أنه لو قرأ بغير تدبر جازت صلاته، ولو سكت غير مستمع تجوز صلاته عندكم، ولو ترك القراءة أصلاً بطلت صلاته، وإذا كان الاستماع من سنن القراءة وآدابها، فلا يجوز أن يقام مقام أصل القراءة.
والدليل على أن الاستماع ليس بأصل أن الشرع ورد بالإسرار تارة وبالجهر أخرى فلا يتصور الاستماع مع الإسرار، وبهذا يفارق الخطبة، فإن الاستماع هناك لما كان أصلاً لم يرد الشرع فيها إلا بالجهر، وهذا لأن الصلاة بأركانها كلها مؤداه لله تعالى، وليس بخطاب لأحد من الخلق حتى يشرع استماعهم على صف الوجوب. نعم هو أدب وسنة في حال الجهر تعظيماً للقرآن، وإذا كان مؤداه لله تعالى من المصلى فلا خلل فيها سواء اتصل به الاستماع أو لم يتصل، بخلاف الخطبة فإنها خطاب للناس وعظة لهم، فإذا لم يوجد الاستماع اختل أمر الخطبة فثبت بمجموع هذا الكلام، أن الاستماع لا يجوز أن يكون خلفاً عن القراءة بحال، والقراءة ركن فإسقاطها بالإتباع والاقتداء إلى غير خلف لها في معناها لا يجوز. وقولهم ((أن الجهر هو الأصل)).
قلنا: لا بل لو قلب وقيل أن الإسرار هو الأصل كان صحيحاً بل الأصح أن القراءة أصل أمر بها بوصفي الإسرار والإخفاء لتختلف تارات القارئ، ويشتمل وصف العبادة كما تختلف أحوال المصلى من انتقالاته من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قعود، ويشمل وصف العبادة جميعها، فأما أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر مأموراً بعارض فليس عليه دليل.
ألا ترى أن الإسرار قد ورد به الشرع في صلاة المغرب والعشاء الآخرة فيما زاد على الركعتين، فدل أنه ليس الأمر على ما زعم.
стр. 197
وخرج على ما قلناه فصل السورة، لأنها سنة. وقد بينا أن الاستماع سنة، فيجوز أن يسقط بسنة على سنة مثلها.
أما القراءة ركن والاستماع سنة فلا يجوز أن يسقط ركن إلى خلف هو سنة.
والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 198
مسألة
قراءة القرآن بالفارسية لا يجوز وغيرها من اللغات عندنا.
وهو قول أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه بدون صاحبيه يجوز، وعلى مذهبه اختلافات لأصحابهم مذكورة في كتبهم.
لنا:
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ والقرآن اسم للمنزل بلغة العرب بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
стр. 199
وقال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فغير العربي لا يكون قرآناً. يبينه أن القرآن ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد ﵇ فتلوناه بألسنتنا وكتبناه في مصاحفنا وحفظناه في صدورنا.
ونحن نعلم قطعاً أن الفارسية ليست مما أنزل على محمد ﷺ ولا هو المتلو على الألسن ولا المكتوب في المصاحف فلا يكون قرآنا ولأنه إذا قرئ بالفارسية فقد أخل/ بنظم القرآن، والقرآن قرآن بنظمه ومعناه.
وهذا لأنه كلام امتاز عن كلام الخلق بالإعجاز، والإعجاز في نظمه، لأنه نظم خارج عن أقسام كلام العرب، فإذا اختل النظم ذهب الإعجاز، وإذا ذهب الإعجاز لم يكن قرآناً.
يدل عليه (إن القرآن نزل حجة على النبوة وعلماً للهدى، والهدى بمعناه والحجة بنظمه، ثم الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم). يبينه أن حفظ القرآن واجب بنظمه ومعناه ليكون حجة النبوة، وحجة الأحكام محفوظة في أيدي الناس، والحفظ يكون بالقراءة، ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فعرفنا أن جوازها متعلق بعين ما أنزل الله ليحصل الحفظ المطلوب من الناس على ما أنزل.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ولم يكن فيها بالعربية.
стр. 200
وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي بالقرآن وإنما ينذرون بلغاتهم، فدل أنه لا يصير شيئاً آخر باختلاف اللغة، وعن ابن مسعود- ﵁ أنه لقن رجلاً ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ وكان يقول: طعام اليتيم، فقال: قل طعام الفاجر.
وعن أنس أنه قرأ: ((وحططنا عنك وزرك)) مكانه قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾.
قال: ولأن العبرة بالمعنى فإنه هو المقصود، وقد أدى المعنى وإن كان بلغة أخرى.
وأما الإعجاز فهو اختصار المعنى، والإخبار عن الغيوب فهذا لا يذهب وإن قرئ بلغة أخرى.
الجواب:
أما الآيات التي تعلقوا بها فليس فيها دليل لهم، بل هو دليل عليهم، لأنه كان في زبر الأولين ولم يكن قرآناً، فإن زبر الأولين والصحف الأولى ليست بقرآن، ولو قرأ ذلك في صلاته لا تجوز صلاته، وإذا كان على هذا الوجه فيجوز أن يكون معنى الآية: ذكر الرسول أو يكون المراد معنى القرآن لا نفس القرآن. وأما الذي نقلوا عن ابن مسعود فيحتمل أنه إنما قال ذلك تنبيهاً له على المعنى فإذا تنبه على المعنى كان لسانه بذلك أطلق.
стр. 201
وأما المروي عن أنس فهو من القراءات الشواذ، وقد كانوا يقرؤون الشواذ على أنه من المنزل، ولكن انقطع النقل الآن، واتفق الأمة على مصحف الإمام وهو مصحف عثمان ﵁ وترك ما سواه فلم يجز قراءة غيره لأجل الإجماع.
وأما الذي قالوا: ((إن العبرة بالمعنى)).
قلنا: قد بينا أن القرآن بنظمه ومعناه جميعاً فلا يجوز الإخلال بواحد منهما.
وقولهم ((إن الإعجاز في اختصار المعنى)).
قلنا: الاختصار وغير الاختصار قد وجد في القرآن، وليس ذلك من الإعجاز وإنما الإعجاز في نظمه على ما سبق.
وأما الإخبار عن الغيوب فإن ذلك في بعض السور وما من سورة من القرآن إلا وهي معجزة، فلم يكن الإعجاز على العموم إلا في النظم.
فإن قالوا: (إن القراءة في الصلاة للثناء على الله تعالى ليس للمحاجة مع الكفار والثناء يتأدى بالمعنى)).
(قلنا: القراءة في الصلاة ليست للثناء على الله تعالى، فإنه يقرأ بما ليس فيه ثناء، وإنما الثناء سنة في الصلوات كلها، ولكن القراءة ركن. فدل أنه إنما يقرأ القرآن ليكون محفوظاً، كما أنزل حجة على النبوة، والأحكام جميعاً على ما سبق، ولأنه لو نظم معناه شعراً ثم قرأ به فسدت صلاته. لأنه نظمه من كلام الناس لا من كلام الله وهذا فصل معتمد. والله أعلم.
стр. 202
مسألة
يسن رفع اليد عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع عندنا.
وعندهم: لا يسن إلا عند الافتتاح.
لنا:
حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع، وإذا رفع رأسه (من الركوع) فعل مثل ذلك وكان لا يرفع من السجدتين)).
стр. 203
وروى هذه السنة عن النبي ﵇ قريب من ثلاثين نفساً من الصحابة منهم: عمر وعلي ﵄، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سيد، وأبو حميد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو قتادة، وأبو موسى الأشعري، وعمر الليثي.
وعن علي بن المديني قال: حديث ابن عمر مثل هذه الإسطوانة- يعني في الثبوت. وقد قال بهذه السنة ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، من التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وقال بها الأئمة: الأوزاعي، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 204
وقد اختلف فيه عن مالك، وابن عيينة إلا أن أصح الروايتين عنهما ما قدمناه. نقله ابن وهب وغيره عن مالك.
وقد اتفق على هذه السنة أهل الحجاز، وقيل: إن أهل مكة أخذوا رفع اليدين في المواطن الثلاثة عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء، وأخذه عطاء عن عبد الله بن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذ أبو بكر عن النبي ﷺ .
أما حجتهم:
تعلقوا بحديث سفيان عن عاصم بن كليب الجرمي عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.
стр. 205
قالوا: ورواه حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ صلى فرفع يديه في التكبير الأولى ثم لم يعد)).
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: ((لا ترفع الأيدي
стр. 206
إلا في سبعة مواطن))، وذكر منها حال الافتتاح، ولم يذكر ما سوى ذلك من أحوال الصلاة.
وتعلقوا أيضاً بالحديث المعروف أن النبي ﵇ رأي أصحابه وقد رفعوا أيديهم فقال: ((ما بالكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة)).
قالوا: وراوى خبركم ابن عمر. وقال مجاهد: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة فلم يكن يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ونقلوا عنه أنه قال: رفع اليدين بدعة.
قالوا: ولأن رفع اليدين مجرد حركة بلا عنى، وأما في حال الافتتاح سلم للنص.
стр. 207
الجواب:
أما حديث ابن مسعود فقد روى سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ﵇ لم يرفع إلا في أول مرة.
وقيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة.
ولأنه يحتمل أنه خفى عن ابن مسعود هذه السنة كما خفى عليه الأخذ بالركبة في حال الركوع، وقد كان يطبق حتى توفاه الله.
أما حديث البراء بن عازب فقوله: ((ثم لم يعد)) غير ثابت وقد كان يزيد بن أبي زياد روى بالحجاز من غير هذه الزيادة ثم روى بالكوفة مع هذه الزيادة، فيحتمل ((أنه لقن فتلقن، وقد كان اختلط في آخر عمره)).
стр. 208
وأما حديث مقسم فهو عن ابن عباس نفسه، والرواية: ((برفع الأيدي)) وليس فيه نفي الرفع في غير المواضع السبعة.
وأما الذي رووا عن قوله ﵇: ((ما بالكم رافعي أيديكم ....)). فقد ذكر مسلم في صحيحه هذا الخبر، وذكر أنهم كانوا يرفعون أيديهم في التشهد ويشيرون بالسلام فقال النبي ﵇ ما قال.
والذي نقلوا عن ابن عمر فقد ثبت عن ابن عمر ما قدمناه.
وروى زيد بن واقد عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه في الصلاة حصبه- أي رماه بالحصباء.
стр. 209
وقولهم: ((إنه قال ((بدعة)) أثر موضوع. وكيف وقد روى عنه ما قدمنا ثم يخالفه ويسميه بدعة مع شدة تمسكه بسنة رسول الله ﷺ حتى قال بعض الصحابة: ما أحد منا فتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة غير عمر، وابن عمر منه)).
وأما قولهم: ((حركة بلا معنى)).
قلنا: الاعتراض على السنة بمثل هذا الكلام باطل، وعلى أنه زينة الصلاة وقد ورد هذا في بعض الآثار. والله أعلم.
* * *
стр. 210
مسألة
إذا تكلم في صلاته ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً لم تبطل صلاته عندنا.
وعندهم تبطل صلاته.
لنا: ما رواه مالك عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﵇ صلى إحدى صلاتي العشى أو الظهر أو العصر
стр. 211
فسلم على اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي ﵇: ((أصدق ذو اليدين))؟ قالوا: نعم، فعاد وأتم صلاته ثم سجد سجدتي السهو. والخبر نص.
قالوا: كان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة، وقيل:/ إن القوم تكلموا عامدين ومع ذلك لم يعيدوا الصلاة.
قلنا: هذا حمل الحديث على النسخ بلا دليل، ولأن أبا هريرة متأخر
стр. 212
الإسلام فإنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وقد كان الكلام حرم قبل هذا بزمان مدريد.
وأما قوله: ((إن القوم قد تكلموا عامدين ولم يأمرهم بإعادة الصلاة)).
قلنا: قد كان الكلام واجباً عليهم بخطاب النبي ﵇، وإذا وجب الكلام لا تبطل به الصلاة.
وأما الكلام من حيث المعنى فنقول:
الكلام محظور الصلاة فعمله في إبطال الصلاة من حيث ارتكاب الحظر وفي حال النسيان زال الحظر فزال عمله كما لو أكل ناسياً في الصوم.
وإنما قلنا: إنه محظور الصلاة، لأن الصلاة مجموع أفعال يؤديها مثل الحج سواء وليس ترك الكلام من أفعال الصلاة إلا أن الشرع حظر عليه الكلام. لأن الصلاة عبادة وقيام في موضع المناجاة وإقبال على الله تعالى بالكلية، فكان من قضيتها ترك الكلام لتحقيق الإقبال على الله بالكلية، واحترام موضع النجوى، وتعظيم المعبود مثل الحج فإنه مهاجرة إلى الله تعالى وزيارة لبيته فاقتضى تحريم ما يشبه من أحوال المرفهين المتنعمين مثل لبس المخيط والتطيب والتجمل ليكون أشبه بالمهاجرين إلى الله تعالى، وإذا ثبت أن الكلام محظور الصلاة، وليس تركه فعلاً يؤدي به الصلاة فمتى زالت الحظرية زال عمله.
أما حجتهم:
قالوا: ترك الكلام شرط صحة الصلاة، وشروط الصلاة لا تسقط بالنسيان كالطهارة، واستقبال القبلة وسائر الشرائط.
стр. 213
يدل عليه أن أصل الصلاة لا يسقط بالنسيان فكذلك شروطها.
والدليل على أنه شرط الصلاة أن النبي ﵇ قال لمعاوية بن الحكم السلمي: ((إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). وإخراج ما لا يصلح في الصلاة يكون شرط الصلاة، كالتطهير من الحدث.
يبينه أنه إذا كان لا يصلح في الصلاة بالنص يكون منافياً للصلاة لعينه فمتى وجد سواء كان عامداً أو ناسياً تبطل به الصلاة بمنزلة الحدث سواء.
قالوا: وأما الأكل ناسياً في الصوم فإنما لم يبطل به الصوم بالنص فهو حكم ثبت بالنص غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره، ولأنه لو أكل ناسياً في الصلاة تبطل به الصلاة، كذلك الكلام، لأن كل واحد منهما فعل غير صالح في الصلاة.
قالوا: وليس يدخل على ما قلنا إذا سلم في الصلاة ناسياً، لأن جنسه مشروع في الصلاة فلم يكن مبطلاً للصلاة بعينه بل بقصد الخروج، فإذا وجد لا في حين الخروج بطل قصده، ونفى مجرد السلام وهو بعينه غير قادح في الصلاة وأما الكلام فإنه مفسد للصلاة بعينه على ما سبق.
стр. 214
الجواب:
أما قولهم: ((إن إخلاء الصلاة من الكلام شرط الصلاة)).
قلنا: قد بينا أنه محظور الصلاة، ودللنا عليه.
أما الخبر فإنه قد أخبر من أنه لا يصلح في الصلاة، ويجوز أن يكون المعنى لا يصلح للحظرية.
يبينه أن جنس الكلام مشروع في الصلاة، ولو كان مبطلاً للصلاة لعينه لم يشرع جنسه كالحدث، فدل أنه مبطل للصلاة لمعنى ارتكاب المحظور، وهذا لا يوجد في حال النسيان، وخرج على هذا الحدث فإنه منافي للطهارة لعينه ثم إذا ارتفعت الطهارة فات شرط الصلاة فلم تجز الصلاة.
فإن قالوا: لا عمل للنسيان إلا في رفع الحرج ففيما وراءه يجعل بمنزلة العدم. قلنا: هذا دعوى بلا دليل بل عمل النسيان إزالة الحظر، فإذا زال الحظر كان الحكم على ما قدمنا، ويبطل هذا الكلام أيضاً بما لو أكل ناسياً في الصوم فإنه قد عمل النسيان فيما وراء رفع الإثم حين لم يبطل به الصوم.
وأما الذي قالوا: ((إنه بالنص غي معقول المعنى)).
قلنا: قد ذكرنا معنى صحيحاً يمكن التعويل عليه فلا يترك له.
وأما إذا أكل ناسياً في الصلاة فلا نسلمه بل نقول: إذا أكل ناسياً وإن كان في الصلاة لا تبطل صلاته كما لو تكلم، اللهم إلا أن يكثر الأكل حتى يخرج به عن هيئات المصلين، وكذلك إذا أكثر الكلام في مسألتنا فدل أنه يبطل الصلاة أيضاً، لما ذكرنا.
أما إذا سلم ناسياً فهو لازم، وعذره ضعيف، لأن السلام الذي يخرج به عن الصلاة هو ما كان خطاباً لقوم حاضرين، وهذا غير مشروع جنسه في الصلاة بحال.
وعلى أنا قد بينا أن مسألتنا قد شرع جنس الكلام في الصلاة، فتستوي الصورتان بلا فرق ... والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 215
مسألة
المرتد إذا عاد إلى الإسلام يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة عندنا في حال الردة.
وعندهم: لا يلزمه.
وكذلك ما كان عليه من واجبات لله تعالى، وفي ذمته قبل الردة فإذا ارتد ثم أسلم فهي عليه كما كانت.
وعندهم: تسقط كلها.
وعلى هذا الأصل إذا ارتد وقد حج أو صلى الظهر في أول الوقت ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه أن يحج ويصلي ثانياً.
следующие страницы →