Полный текст (658 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد.
وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة.
وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب.
وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه ((أنه علمه الإقامة فرادى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، وقد كان الأذان بمكة في أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان رسول الله ﷺ إلى أن استولى البصريون على
стр. 142
الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة.
وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر الإقامة.
وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان أبي بكر.
стр. 143
وقد رووا أيضاً عن سويد بن غفلة أيضاً أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وسويد أيضاً لم يدرك أذان بلال.
وقد نقلنا عن أنس أن بلالاً بماذا أمر.
ونقل أيضاً سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله ﷺ وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما في الصحيح، فهذا أيضاً يوجب ضعفاً في الراوية.
واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام.
وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال وسعد القرظ.
стр. 144
وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي ﵁ كانت مرة مرة.
وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: ((أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة)) وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة.
وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد.
وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة.
وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة.
стр. 145
روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد.
وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن الحسن البصري كذلك.
وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا إليه عن أحد من الأئمة إلا عن سفيان وابن المبارك.
وقد ورد في الخبر: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وهو معنا في هذه المسألة. وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: ((أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان)).
والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي سفيان.
стр. 146
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: ((والدليل على المنقول عن إبراهيم هكذا، أنا روينا عن إبراهيم النخعي ما يوافق مذهبنا)).
روى إسحاق عن جرير عن مغيرة بن إبراهيم قال: لم يكونوا يرون بأساً إذا انتهى المؤذن إلى قوله: ((حى على الصلاة، حى على الفلاح)) أن يقولها مرة مرة في الإقامة وكانوا يقولونها في الأذان مرتين مرتين. قال الحاكم: ول كان عند إبراهيم سنة صحيحة في تثنية الإقامة لم يرخص في إفرادها، كما لو يرخص في الأذان، فإذا جمعنا بين الروايتين عن إبراهيم ظهر أن نقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها.
وأما الذي نقلوا عن مجاهد فلا يعرف أصلاً، وقد بسطنا القول في هذه المسألة زيادة بسط لأنها شعار المذهب.
وأما تعلقهم بالزيادة في ترجيح الأخبار فقد بينا أنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح، ثم ينعكس عليهم في الترجيح، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 147
(مسألة)
إذا اشتبهت القبلة على إنسان فصلى على جهة بالتحري ثم تبين أنه أخطأ القبلة فإنه يلزمه الإعادة على أحد القولين .
وعندهم: لا يلزمه، وهو القول الثاني، واختيار المزني.
لنا:
إن الأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد الاشتباه قائم بدليل أنه قد كان مأموراً بالتوجه إلى الكعبة ولم يوجد إلا الاشتباه، واشتباه الكعبة لا يوجب سقوط الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لأن الاشتباه إلى الارتفاع، ولأنه يتصور إصابة الكعبة مع الاشتباه فلم يسقط الأمر بالتوجه إليها.
стр. 148
يبينه أنه أذا اشتبه الثوب الطاهر في ثوبين: نجس وطاهر، واشتبه الماء الطاهر في أواني بعضها طاهر وبعضها نجس، فإنه لا يسقط وجوب الصلاة في الثوب الطاهر والتوضئ بالماء الطاهر، كذلك في مسألتنا، وإذا ثبت أن الأمر السابق قائم كلف التوجه إلى الكعبة فإذا ظهر الخطأ فقد تبين أنه أخطأ ما كلف إصابته فيجب عليه أن يعيد الصلاة ليأتي بالصلاة على وفق المأمور، فإن كان الوقت قائماً أدى وإن كان فائتاً قضى، ونظيره إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر له النص بخلاف ما حكم فإنه ينقض حكمه لما بينا من المعنى، كذلك هاهنا، وكذلك إذا صلى في يوم غيم بغالب الظن، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فإنه يلزمه الإعادة، كذلك هاهنا، ولا فرق بينهما عند التأمل.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قالوا: (نزلت هذه الآية في شأن الصلاة حالة الاشتباه بدليل ما روى عن عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلينا بالتحري فلما أصبحنا علمنا أنا أخطأنا القبلة فسألنا رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية)).
стр. 149
قالوا: وآية استقبال الكعبة لا ترد هذا، لأن هذا الآية نزلت حال الاشتباه، وتلك الآية نزلت في حالة العلم، وهذا لأن حقيقة شرط الصلاة استقبال وجه الله بنص الكتاب لأنه قام إلى تعظيمه وعبادته كما يكون في الشاهد إلا أن أفعال العباد لم تشرع إلا على سبيل يكون العبد مبتلى بأدائه بضرب اختيار طاعة الله تعالى على خلاف هواه وفي استقبال وجه الله تعالى على الحقيقة لا يتصور معنى الابتلاء، لأن الله تعالى لا جهة له فلا يتوجه العبد شطراً إلا وثم وجه الله كما قاله الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فأقيمت الكعبة مقام الحقيقة ليتحقق الابتلاء بقصد تلك الجهة، ولما اشتبهت أمر بجهة هي عنده جهة الكعبة ليتحقق معنى الابتلاء بطلبها فإذا فعل تم شرط/ صحة الفعل عبادة ولم يتبين الخطأ من بعد، لأن المراد وجه الله وقد أصاب وما أخطأه)، وخرج على هذا فصل الحاكم إذا اجتهد ثم ظهر له النص، لأن الأصل هو النص في الحادثة إذا وجد وقد أخطأه وهاهنا الأصل وجه الله وقد أصابه على ما بينا.
وكذلك سائر المسائل، هذا استدلال أبي زيد في الأسرار بالآية قال: (والمعنى أن التكليف من الله تعالى مبنى على وسع العبد أو دونه وليس في وسع الغائب عن الكعبة إصابة عينها فإن النجوم تدل على الجهة دون العين فسقط إصابة العين بالإجماع، فكذلك إصابة جهة الكعبة تسقط إلى جهة الكعبة في ظنه وتحريه إذا تغيمت السماء) وفقدت
стр. 150
الدلائل، لأنه ليس في وسعه إصابة الجهة حقيقة، وبقى الأمر بالصلاة إلى جهة هي جهة الكعبة وقد فعل وأدى الصلاة إلى ما كلف وفعلها على الشرط الذي أمر فلا يجب عليه إعادتها بحال.
وربما يعبرون عن هذه فيقولون: إن الغائب عن الكعبة لا يعرفها إلا بالدليل وقد خفيت الدلائل ولم يبق إلا فراسة القلب وشهادته فإذا صلى على ذلك وتوجه إلى جهة شهد قلبه أن الكعبة في تلك الجهة فقد أتى ما أمر.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه غير مأمور بالصلاة إلى الكعبة حقيقة أنه لو تحرى ومال رأيه إلى جهة ثم ترك الجهة وصلى إلى جهة أخرى وتبين أنه أصاب الكعبة لا تجوز صلاته لأنه خالف القبلة، ولو كانت قبلته الكعبة لجازت صلاته، كما نقول لو تحرى في الثوب، أو الماء في موضع الجواز عندنا وترك تحريه وصلى في الثوب الآخر أو توضأ بالماء الآخر ثم تبين أنه قد أصاب من الثوب الطاهر أو الطاهر من الماء فإنه تجوز صلاته. ثم قالوا: مسألة الثوب والماء، الدليل الموصل إلى نجاسة الثوب والماء قائم في حال الاستعمال، لأنه إما أن يعلم بخبر مخبر أو أثر يراه أو كان في وسعه تحصيل ذلك العلم بالطريق الذي ثبت له العلم بعد ذلك ومتى حصله يبقى معه، فإنه متى علم بنجاسة الثوب ونجاسة الماء يبقى معه ذلك العلم فلما لم يحصل ذلك كان لتقصير وتفريط من جهته فلم يكن معذوراً إلا أنه لا يأثم لأنه لا يلحقه الحرج في تحصيله وإن كان في وسعه، فمن حيث إنه يلحقه الحرج في تحصيله لا يأثم وتحريه الصلاة إذا بقى الاشتباه، ومن حيث إنه يمكنه تحصيله لم يسقط الخطاب باستعمال ماء طاهر والصلاة في ثوب طاهر.
وأما في مسألتنا فأكثر ما في الباب أن يتعلم علم النجوم ويعرف الدلائل إلا أن هذه الدلائل لا تبقى معه حال الاشتباه، فلم يبق دليل سوى
стр. 151
التحري والتحري لا يوصله إلى جهة الكعبة حقيقة فثبت سقوطها وبقى عليه ما في وسعه.
قالوا: وكذلك إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر النص، لأنه مقصر في طلب النص، لأنه لو طلبه على وجهه لأصابه فلم يكن معذوراً.
فإن قلتم: هو مقصر هاهنا أيضاً، لأنه كان في وسعه أن لا يسافر.
نقول: السفر مباح له، وربما يجب في مواضع فلا يعد مقصراً بالسفر وليس كما لو تبين أنه صلى قبل دخول الوقت، لأنها مل تجب عليه بعد، لأنها تجب بدخول الوقت وأداء الواجب قبل الوجوب لا يتصور. وأما هاهنا فالصلاة واجبة، وإنما الكلام في شرط الأداء وهو أصابه، وقد أصاب ما كلف على ما سبق.
قالوا: وأما أصل الطلب إنما يوجب، لأن الطلب مطمع للوصول وإن كان غير موصل حقيقة فوجب لهذا يبينه أنه لما وجب الطلب لرجاء أن يصب قام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة في حق جواز الصلاة وسقط عنه إصابة الكعبة حقيقة العجز.
وهذا كالغازي افترض عليه الرمي إلى الكافر لرجاء إصابة الكافر وإذا رمى ولم يصب نال من الثواب ما لو أصاب، لأن الإصابة متعذرة عليه فقام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة. ويلزمون على قولنا أنه ظهر بعد ذلك. كما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، فإنه لا يلزمه إعادة شيء منها، وإن تيقن الخطأ في ثلاث صلوات منها، ويلزمون أيضاً إذا تيامن أو تياسر ثم ظهر ذلك فإنه لا يلزمه الإعادة كذلك إذا استدبر.
стр. 152
الجواب:
قد دللنا أنه مأمور/ بالتوجه إلى الكعبة عند الاشتباه، ودللنا عليه بدلائل معتمدة، ووجوب الطلب دليل قوي أيضاً، لأن الواجب بالتحري طلب الكعبة ووجوب طلبها دليل بقاء الأمر بالتوجه إليها.
فأما تعلقهم بالآية فهي نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به راحلته هكذا رواه ابن عمر.
وخبرهم رواه أبو الربيع السمان وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهم متروكون ضعفاء.
стр. 153
وقد روى الدارقطني هذا الخبر برواية جابر بن عبد الله بأسانيد حسنة.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أن خبر ابن عمر في الباب أحسن وأقوى في الإسناد من خبر عامر بن ربيعة وجابر فيكون الأخذ به أولى.
وأما الذي قالوا: إن ((الواجب استقبال الله تعالى)).
قلنا: هذا شيء مخترع مردود على قائله. وإذا زعموا أنه لا جهة له كيف يتصور استقباله، وإنما الواجب هـ التوجه إلى الكعبة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإنما وقع لهم هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقد بينا أنه ورد لا في موضع الخلاف، وعلى أن المراد من قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ رضا الله أو عبارة عن القبول، وبه نقول في الموضع الذي حملنا عليه الآية.
وأما المعنى الذي تعلقوا به فهو مبني على حرف واحد وهو أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان ما ليس في وسعه، وليس في وسعه إصابة الكعبة حقيقة فسقط الأمر بالتوجه إليها.
قلنا: نحن لا نكلفه ما ليس في وسعه فإنا وإن بقينا الأمر الأول عليه، فإنما نكلفه بذلك الأمر بما يطيقه وما هو في وسعه، فإنا نقول: عليك طلب الكعبة لتصور الوصول ثم وإن وصلت بهذا الطلب فقد حصل المقصود، وإن
стр. 154
لم تصل وظهر لك يقين الخطأ فعليك أن تعيد الصلاة إلى جهة الكعبة فيبقى واجب الأمر الأول عليه على هذا الوجه وهو في وسعه قطعاً، ونظيره المسائل التي أوردناها، ونختار منها: مسألة اجتهاد الحاكم، فإنها نظير هذه المسألة من غير ارتياب فإن عليه طلب النص ولم يسقط بخفائه، ولكنه وجب عليه الحكم باجتهاده، مع اعتقاد أنه إذا وجد النص بخلافه نقض الحكم وحكم بما يوافقه، ولم يصير وجوب الحكم بالنص عليه حال الاشتباه تكليفاً إياه ما ليس في وسعه كذلك هاهنا.
وعذرهم عن هذه المسألة ومسألة الثوب والماء أنه مقصر، ليس بشيء. لأن المسألة مصورة فيما إذا لم يقصر وطلب بغاية الجهد ولم يجد ولهذا لم يأثم. وقولهم: ((إنما لم يأثم للحرج)).
قلنا: فأسقطوا عنه أصل الأمر للحرج، وكذلك مسألة الصلاة قبل الوقت لازمة أيضاً، وقولهم: ((إنه صلى هناك قبل الوجوب)).
قلنا: وهاهنا بلا شرط الجواز وقد عدت هذه المسألة من المشكلات. وقد اتضح بما بيناه غاية الوضوح ولم يبق إشكال أصلاً.
وأما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فقد منع، وعلى أن الصلاة التي أخطأ فيها القبلة غير متعينة له فلم يجب عليه الإعادة مثل ما لو قضى في حادثة بأحكام وعلم أن فيها نصاً يوافق بعضها ويخالف البقية، ولا يدري أيها يوافق فإنه لا ينقض شيئاً من الأحكام.
وأما مسألة ظهور التيامن والتياسر، لأن هناك ما ظهر يقين الخطأ، لأن القبلة عين الكعبة ولا يصيبها إلا بالاجتهاد، وقد فعل ما فعل بالاجتهاد بالاجتهاد فلو أمرنا بالإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وفي مسألتنا تبين يقين الخطأ حتى نقول: لو تبين نفس الخطأ في تلك المسألة نقول يجب عليه الإعادة. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 155
(مسألة)
إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه عندنا.
وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني.
والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه.
ألا ترى أنه لو لم يكن صلى وجب عليه، ولأنه وقت الوجوب فإذا أدركه الوجوب بالغاً فقد أدرك الوجوب بالغاً فقد أدرك وقت الوجوب فأفاد الوجوب، وإذا ثبت وجود سبب الوجوب فلو سقط بالمفعول في أول الوقت، وقد بينا أنه نفل، والنفل لا يسقط به الواجب. وأما دليل صحة مذهب الشافعي رحمة الله عليه فقد قال بعض أصحابنا: إن فرض الوقت يجب على الصغير
стр. 156
وجوب مثله بدليل ورود الأمر/ به والضرب عليه عند الامتناع، وبدليل الأمر بالوضوء وهو واجب وإذا وجب عليه وقد فعله فلا يجب ثانياً.
وهذا ليس بشيء لأن البلوغ شرط التكليف في العبادات البدنية بالإجماع بنص النبي ﵇، ولأن حد الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا لا يوجد في حق الصغير.
وإن قلتم: إن هذا في البالغ، فهو ساقط، لأن حد الشيء لا يختلف لشخص وشخص.
وقول القائل: ((يجب عليه وجوب مثله))، كلام لا يفهم، والواجب واحد في جميع المواضع وعلى جميع الأشخاص.
وأما الأمرية والضرب فهو للتأديب والتمرين بفعله ليتخلق ويعاد ذلك وينشأ عليه.
وأما الوضوء فلا نقول إنه واجب لكنه نفل بشرط لنفل.
ومن أصحابنا من قال: إن المؤدي وظيفة الوقت، لأنه طهر، ولهذا يؤم بنية الطهر ولو لم ينو يقال له: أعد، ووظيفة الوقت لا يثنى كما في حق البالغ.
يبينه أن تثنية وظيفة الوقت يؤدي إلى الحرج، والحرج مدفوع ولهذا لهذا لا ندعى الوجوب ونسلم أن المفعول نفل، ولكن نقول: هو وظيفة الوقت مع النفلية، وهذا أمثل من الأول.
وهم يقولون: ليس بوظيفة الوقت حقيقة، ولكن في صورة وظيفة الوقت أمر به للاعتياد والتخلق، لأن وظيفة الوقت في الحقيقة هو الفرض ولا فرض عليه.
стр. 157
الجواب:
إن منع كونه وظيفة الوقت لا يمكن، لأنها صلاة مأمور بها في وقت محدود معلوم لا يتوجه الأمر بها إلا بالوقت وينتهي بانتهاء الوقت، وهذا معنى قولنا: ((وظيفة الوقت)). وأما صفة النفل والفرض من وراء ذلك.
والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت.
وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى.
وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن وقت الصلاة بل كان زماناً من الأزمنة مثل سائر الأزمنة.
فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعاً في حقه بظهور عمله وفائدته.
فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع الأداء وترتيبه في ثاني الحال.
قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع.
стр. 158
والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان شرعاً ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب لجميع عمره بفعله. لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة. والله أعلم.
* * *
стр. 159
(مسألة)
القراءة واجبة في جميع الركعات عندنا.
وعندهم: تجب في ركعتين منها.
لنا:
حديث الأعرابي أن النبي ﵇ علمه الصلاة والقراءة ثم قال: ((وكذلك أفعل في كل ركعة))، والأمر على الوجوب.
стр. 160
فإن قالوا: إن قوله: ((افعل)) ينصرف إلى الفعل دون القول.
قلنا: بل ينصرف إلى الكل. ألا ترى أنه ينصرف إلى التكبيرات والتسبيحات وإن كان من المقول لا من المفعول، وهذا لأن الذكر فعل الإنسان فهو كفعل سائر الجوارح، ولأن الثالثة والرابعة ركعة من الصلاة فتجب فيها القراءة الأولى والثانية، وهذا قياس جلي شبهاً.
ويمكن أن يقال من حيث المعنى: إن القيام متردد بين العادة والعبادة فوجبت القراءة لتمييز العبادة عن العادة، وهذا المعنى موجود في جميع الركعات.
ألا ترى أن الركوع والسجود لما كان متميزاً عن العادة بذاته لم تجب فيها التسبيحات، والقعود لما تردد بين العادة والعبادة كلف ووجب التشهد/ المميز فيه ويقال أيضاً: إن الثانية تكرار الأولى، والثالثة تكرار الثانية فيجب فعله على رسم الأولى والثانية لهما وإلا لم يكن.
وأما حجتهم:
نقلوا عن علي، وابن مسعود ﵄ أنهما قالا في المصلي: إنه بالخيار في الركعتين الأخراوين إن شاء قرأ وإن شاء سبح)).
стр. 161
ولأن القراءة في الأخراوين ذكر يخافت فيه جميع الأحوال فلم يكن واحدا ً، دليله التسبيحات، وهذا لأن الصلاة في الأصل ركعتان على ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر))، وإذا كانت كذلك فالركعتان أصل والباقي من ركعة في المغرب واثنتين في الصلوات ذوات الأربعة زيادة، وقد ثبتت على الخفة في الشرع ولهذا لا تقرأ السورة ولا يجهر بالقراءة فيها. ومن الخفة ألا تجب القراءة بل تسن.
وأيضاً فإنه لما لم تكن الركعتان الأخراوان أصلاً بل كان زيادة لم يتحقق فيهما التكرار الذي احتججتم به، لأن الأصل لا يكرر بما ليس بأصل.
قالوا: وأما الذي قلتم بأن القراءة مميزة بين العادة والعبادة فليس بصحيح، لأنه لو كان هذا المعنى يفيد الوجوب لوجب التشهد في القعود الأول، وبإجماع هو غير واجب.
الجواب:
أما التعلق بالمخافتة فضعيف، لأن القراءة تخفيها في الظهر والعصر في جميع الأحوال وهي واجبة، وعلى عكس هذا فإن الإمام يجهر بالتكبيرات الفواصل بين الأركان وهي غير واجبة، وهذا لأن الجهر والمخافتة إتباع محض، ولا يهتدي إليهما قياس بحال.
وأما قولهم: ((إن الأصل ركعتان)).
стр. 162
قلنا: لا بل كل الواجب أصل، يبينه أنه وجب في كل واحد من الركعتين الأخراوين من الفعل ما وجب في الأوليين، دل أنهما أصل مثل الأوليين. والخبر الذي رووه عن عائشة فليس في دليل، لأنه يجوز أن يجب من بعد ويصير أصلاً مثل الأول كالشرائع التي وجبت شيئاً فشيئاً صارت كلها أصولاً وأركاناً.
فإن تعلقوا بالسقوط في السفر فليس بشيء، لأن الركعة الثالثة في صلاة المغرب لا تسقط وليست بأصل على ما زعموا، ولأن عندنا ما سقط ولكن القصر رخصة كما أن الإفطار رخصة.
وأما قولهم: ((إنه وجبت الركعتان الأخروان على طريق الخفة)).
قلنا: ليس لهم على هذا دليل سوى حذف السورة منهما، وهذا ممنوع على أحد القولين فإنه يشرع قراءة السورة فيهما كما يشرع في الركعتين الأوليين، وعلى أنه لا يدل شرع الخفة من هذا الوجه على سقوط أصل القراءة، فإنه قد شرع في الركعة الثانية في الصبح على أصلهم نوع خفة حتى إنه لا يطول فيها ما يطول في الأولى، ومع ذلك يجب القراءة فيها مثل ما يجب في الأولى.
وأما الذين تكلموا به على فصل التمييز بين العادة والعبادة من إلزام فصل التشهد الأول.
قلنا: وجب التشهد في الجملة، فإنه إن لم يجب الأول فقد وجب الثاني وعلى إنه خرج عن هذا الأصل بالنص الوارد في إسقاط وجوبه على ما عرف.
стр. 163
وأما تعلقهم بأثر علي وابن مسعود.
فقد قيل: إن الراوي عن علي هو الحارث الأعور، وقد زعم الشعبي أنه كان كذاباً، وعلى أن قول الصحابي الواحد والاثنين لا يقدم على القياس عندنا. اللهم إلا أن ينتشر في الصحابة ولا يظهر له مخالف فينزل منزلة الإجماع، وعلى أن التعلق بالظاهر من أفعال النبي ﵇ أولى، وقد قرأ النبي ﵇ في الركعات الأربع وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والله أعلم.
* * *
стр. 164
(مسألة)
قراءة الفاتحة ركن في الصلاة عندنا.
وعندهم: الركن أصل القراءة، فأما قراءة الفاتحة سنة.
وزعم أبو زيد أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة وليس بركن، وجعل الفرق بين الركن والواجب أن ركن الصلاة ما يفسد بتركه الصلاة والواجب لا تفسد بتركه الصلاة.
لنا:
حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن
стр. 165
النبي ﵇ قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
وفي رواية: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)).
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج)).
стр. 166
وروى شعبة/ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ فأخذ بيدي وقال: ((اقرأ في نفسك يا فارسي)).
وقد روى هذا الحديث جماعة سوى عبادة وأبي هريرة، منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين. وروى عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: ((أمرني النبي ﷺ أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)).
وروى ((أنه أعطاه نعليه)) ليكون علامة له، والاعتماد على السنة ولا مدخل للقياس في هذه المسألة.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.
وبقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه﴾، فالتقييد بفاتحة الكتاب زيادة على كتاب الله وهو يجري مجرى النسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، وكذلك الصلاة ثابتة بكتاب الله تعالى، وهي عبارة عن أركانها فلا يجوز إثبات ركن فيها إلا بالطريق الذي ثبت أصله. قال: والعدل من القول هو القول بين الكتاب والسنة فنأمره بالعمل ونوجبه ولا نفسد الصلاة بتركها، فعلى هذا راعينا حق كتاب الله تعالى الثابت باليقين، ولم نلحق به زيادة، وراعينا
стр. 167
خبر الواحد بأن عملنا به، والأصل في خبر الواحد أنه يوجب العمل دون العلم).
قال: (ويجوز أن يكون الشيء واجباً ولا يكون ركناً كالسعي عندنا واجب وليس بركن للحج، وصدقة الفطر واجبة وليست بركن من أركان الإسلام.
وكذلك العمرة على أصلكم، وكذلك الطواف محدثاً ومنكوساً وعرياناً وهذا لأن الأمر بالطواف ورد من غير قيد فالتقييد ثبت بالسنة فلا نزيد لأنه نسخ بل نثبته تكميلاً وتحسيناً.
ولا تلزم القعدة الأخيرة، لأن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنها ليست بواجبة، ولأنه قد ثبت بالأخبار المتواترة أن النبي ﵇ لم يسلم إلا بعد القعدة، والأمر بالصلاة في كتاب الله مجمل فيكون فعله ﷺ بياناً لما لم يبينه الكتاب بخلاف القراءة، لأن الآية ظاهرة مستغنية عن بيان رسول الله ولأن فعله يكون زيادة على كتاب الله تعالى وأنها نسخ وليس ببيان فيحمل فعله على بيان الكمال لأن الآية الكمال لأن الآية لم تتعرض له).
قالوا: (ولأن فريضة الصلاة في الأصل متعلقة بالفعل دون القول فيكون فعل رسول اله بياناً للفعل ولا يصير بياناً للقول، لأن القول فرض زائد ثبت بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ وهو ظاهر لا بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الذي هو مجمل) وهذا استدلال أبي زيد في المسألة ذكره في الأسرار.
стр. 168
وقد تعلق بعضهم: بنوع آخر من الاستدلال وهو أن الفاتحة مدنية وقد كان الجواز ثابتاً بالإجماع قبل نزول الفاتحة بلا فاتحة ولا يرفع هذا الحكم إلا بدليل مجمع عليه.
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن لا يحفظ إلا بالقراءة وحفظه واجب وأن لا يهجر شيء منه ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فلو عينا الفاتحة للركن وأوجبناها لصار الباقي مهجوراً غير محفوظ فوجب أن يجعل ركن القراءة غير متعين لتأتي القراءة على جميع القرآن).
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن له أحكام مخصوصة نحو جواز الصلاة بقرأته وحرمة القراءة على الحائض والجنب وحرمة مس المصحف إلا طاهراً وحرمة القراءة حيث لا يسمع في مجامع الناس ووجوب الاستماع حيث يقرأ في الصلاة والخطبة ومواضعه إبانة لشرفه ثم لا يختص شيء من القرآن بشيء من هذه الأحكام حتى لا يصير الباقي مفضولاً فيصير مهجوراً، فكذلك في هذا بل أولى، لأن إبانة الشرف في هذا أكثر).
قالوا: (وأما أخباركم وردت زائدة على كتاب الله تعالى فلا تقبل، أو تحمل على الزيادة سنة، أو يقال: ثبتت هذه الزيادة عملاً لا علماً فيلزمه القراءة وتجوز الصلاة بدونه)، وقد رووا عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب)).
стр. 169
ورووا عن النبي ﵇ قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، ومعتمدهم التعلق بالآية، وقد أيدوا ذلك بحدث الأعرابي وهو ما روى عن النبي ﵇ أنه قال له: ((ثم أقرأ ما تيسير معك من القرآن)).
الجواب:
أما التعلق بالآية، قلنا: ليس فيها أكثر من الأمر بقراءة ما يتسر وما تيسر يختلف، لأنه قد تتيسر السورة الطويلة وقد لا تتيسر السورة القصيرة فصارت الآية مجملة من هذا الوجه. وصارت الأخبار التي رويناها بياناً لها.
وأما قولهم: ((إن إيجاب الفاتحة زيادة في الكتاب)).
قلنا: قد تثبت الزيادة على الأصلين، لأن عندنا تجب الفاتحة، وعندكم يسن قرأتها حتى لو تركها يجب عليه سجود السهو، وإنما تثبت الزيادة عندكم بالسنة فكذلك الوجوب، وعلى أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب وغيره أن مثل هذا لا يعد نسخاً ولا يجوز اعتقاد النسخ فيه أصلاً، ومن اعتقد النسخ في أمثال هذا فلم يعرف معنى النسخ.
стр. 170
وأما قول أبي زيد: ((إن قراءة الفاتحة واجبة وليست بركن حتى لا تفسد الصلاة بتركها)).
قلنا: إذا سلمت أنها واجبة لزمت قراءتها في الصلاة، وإذا لزمت صارت منها كأصل القراءة فيكون تركها مفسداً لها.
وهذا لأن علامة الواجب في الصلاة فسادها بتركه.
وأما الذي قالوا: إن قراءة الفاتحة لم تكن واجبة فبقى الأمر على ما كان من قبل، ولأن الفرائض كانت على عهد رسول الله ﷺ على التعيين، وقد كانت القراءة واجبة من قبل من غير تعيين سورة من القرآن ثم ورد الشرع بتعيين سورة الفاتحة فوجب الصلاة على هذا المعنى.
وأما قولهم: ((إن تعين الفاتحة يؤدي إلى أن يصير باقي القرآن مهجوراً))، فهذا محال لأنه إن كان إيجاب قرأة الفاتحة يؤدي إلى هذا فاستنان قراءتها أيضاً يؤدي إلى هذا، وهذا لأنا وإن أوجبنا قراءة الفاتحة فيشرع معها قراءة غيرها من السورة فلا يؤدي إلى ما قالوه.
وأما قولهم: ((إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة)).
قلنا: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة.
وقد قال أصحابنا: إن قراءة القرآن لما وجب في الصلاة وجب أن يتعين الفاتحة لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه أشرف السور لأنها السبع المثاني.
стр. 171
ولأنها تصلح عوضاً عن جميع السور ولا يصلح جميع السور عوضاً عنها، ولأنه تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة ما على قدرها من الآيات، وذلك مثل التمجيد والثناء للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد، وإذا صارت هذه السورة أشرف السور وحالة الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات.
وأما الخبران اللذان تعلقوا بهما فلا يثبت واحد منهما.
أما الأول فرواه أبو علي جعفر بن ميمون قال يحيي: ليس بثقة.
والخبر الثاني: رواه طريف بن شهاب السعدي، قال أحمد: لا يكتب حديثه. فلا يعارض ما ذكرنا. والله أعلم.
* * *
стр. 172
(مسألة)
((بسم الله الرحمن الرحيم)) آية من الفاتحة عندنا ويجهر بها في الصلاة .
وعندهم: ليست بآية من الفاتحة يخفيها عند القراءة.
وقال أبو بكر الرازي من أصحابهم: إنها مفردة أنزلت للفصل بين
стр. 173
السورتين. والمعتمد من الدليل لنا: أن التسمية مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، والصحابة ما أثبتوا في المصاحف إلا القرآن، وكان مقصودهم بذلك صيانته عن الزيادة والنقصان.
ولهذا كرهوا التفاسير، وقالوا: جردوا القرآن، وإذا كانت التسمية مثبتة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، دل أنهم إنما أثبتوها في مواضعها لأنها من القرآن في موضعها المثبتة فصارت مثبتة كسائر آيات القرآن.
يبينه أنه إذا لم تكن من القرآن في موضعها المثبتة فيه يؤدي إلى أن يكونوا خلطوا القرآن بغير القرآن، وهذا لا يجوز.
ويمكن أن يقال: إن ما بين الدفتين قرآن بإجماع الصحابة.
وقد اشتملت الدفتان على التسمية في مواضعها.
دل أنها من القرن في مواضعها وهذا هو المعتمد من الدليل.
وقد تعلق الأصحاب بحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي ﵇ عند الفاتحة آية آية للأعرابي، وعد/ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها)).
стр. 174
وبحديث ابن أبي بريدة عن أبيه أن النبي ﵇ قال: ((لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري)) قال: ثم خرج وأخرج إحدى رجليه من المسجد فقلت في نفسي: لعله نسى فالتفت إلي وقال: ((بم تفتتح القراءة في الصلاة))؟ فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: ((هي هي)). والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: يقول الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)). والاستدلال من وجهين:
стр. 175
أنه صلى الله عليه لم يذكر التسمية ولو كانت آية منها لم يتركها بل كان ينبغي أن يبتدئ بها.
الثاني: أنه قال ((بيني وبين عبدي نصفين))، وإنما يكون نصفين إذا قلنا إن التسمية ليست بآية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بإجماع الأمة، والذي لله ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ... إلى قوله ..... ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ...﴾.
والذي للعهد ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إلى آخر السورة.
فأما إذا عددنا التسمية آية منها كان الذي لله أربع آيات ونصف، والذي للعبد ثلاث ونصف فلم يستقم قوله: ((بيني وبين عبدي نصفين)).
стр. 176
وتعلقوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقرأة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة ﴿بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة.
стр. 177
وتعلقوا أيضاً بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته إلا بمثل هذا الطريق، فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله.
قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر.
فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به.
قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه.
وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافاً ظاهراً وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع.
الجواب:
أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي والإجماع على وجهين:
إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحاً.
وإجماع استدلالي مثل ما بينا.
فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره ((الحجر)) فإنه من البيت بدليل لا يوجب العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: ((إنه لو كان من القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم))، فإنا نقول: هو من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً ونظيره ما بينا.
стр. 178
وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) فهو من القرآن عملاً لا علماً.
وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني الجهر بالتسمية عن النبي ﵇ برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية.
وقال .... عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي ﷺ ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ وجماعة من التابعين.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء جهر
стр. 179
وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم.
ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيداً عن النبي ﵇ فلم يسمع، ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويحتمل أن يكون ذلك اسماً للسورة، وقد كان افتتحها بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال للسائل: ((ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ)).
وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري.
وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من بعد فاكتفي به عن الأول.
وأما قوله: ((نصفين)).
قلنا: يجوز أن يكون معنى ((نصفين)) أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، كقول الشاعر:
стр. 180
إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب. والله تعالى أعلم.
* * *
следующие страницы →