← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17882

الاصطلام - ط المنار

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (658 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يبينه أن القتل أن وجب بالخبر فيكون وجوبه على أنه واجب الكفر، ولا يستقيم إيجاب واجب الكفر بلا كفر. وقال بعضهم في وجه الاستدلال بالخبر: إن تعطيل الخبر لا سبيل إليه ولابد من العمل به من وجه، وقد اتفقنا نحن وأنتم على أنه لا يكفر فلم يبق إلا التشبيه بالكفر في إلزام خاصيته فيكون في التقدير: من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر- أي ضاهى الكفار وأشبههم في المضاهاة في التزام عقوبة الكفر لا في نفس الكفر، وعلى هذا لا نقول إن الواجب عقوبة الكفر لكنه عقوبة ترك الصلاة لكنه عقوبة مثل عقوبة الكفر، وهذا كلام لا بأس به، وإن تضمن ترك ظاهر الخبر، وما يدل عليه من حديث النص. وقد تعلق المخالفون من حيث السنة بقوله ﵇: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ....)) الخبر. وقالوا: ولم يوجد من تارك الصلاة واحد من الثلاث فلم يقتل، ونحن نقول: قد وجد ترك الإيمان من وجه، فإن الصلاة إيمان بنص الكتاب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وقد أجمع أهل التفسير أن المراد به الصلاة فعلى هذا وجد ترك

стр. 282

الإيمان بترك الصلاة، وعلى أن الحصر بالعدد الثلاث لا يمنع إلحاق رابع/ بها عند قيام الدليل عليه، وقد كانت الواجبات في زمن النبي ﵇ بعرض الزيادة والنقصان، وليس في الخبر الذي رووه دليل على منع وجوب القتل بترك الصلاة. وقد أوجبوا القتل على الردأ في قطع الطريق ولم يوجد منه واحد من الثلاث ويباح دم القاصد إلى مال الغير ونفسه إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل ولم يوجد منه أيضاً واحد من الثلاث. ونعتمد في المسألة على نوع من الاستدلال فنقول الشرع قسمان: أمر، ونهى، والخلاف داخل في كل واحد من القسمين إلا أن في قسم الأمر يكون الخلاف بالترك، وفي قسم النهى يكون الخلاف بالفعل، والعقوبات المشروعة في الجنايات زواجر عن الجنايات فكلما كانت الجناية أغلظ تكون العقوبة أبلغ، وإذا كانت الجناية أخف فتكون العقوبة أخف، وقد وجد في الجناية في أحد قسمي الشرع وهو النهي ما يعاقب عليه بالقتل وهو الزنا وسفك الدم، فوجب أن توجد في القسم الآخر ما تكون الجناية بالخلاف فيه موجباً لعقوبة القتل وليس ذلك إلا ترك الصلاة. وهذا لأن الجناية المتناهية موجبة للعقوبة المتناهية، والزنا وسفك الدم جناية متناهية، لأنه لا جناية فوقهما في قسم ارتكاب النهي إلا الكفر، كذلك إذا ترك الصلاة فقد وجد جناية متناهية، لأنه لا جناية فوق ترك الصلاة في هذا القسم، وهو ترك الأمر فإذا تناهت الجناية تناهت العقوبة، والعقوبة المتناهية بالقتل المعدم للحياة أصلاً فجرى وجوبه في الطرفين ليستحق الشرع على التعديل والتسوية ولا يحكم بتناقض واختلاف، وتصير المعاني المؤثرة في الأحكام مطردة مستمرة، ثم الدليل على تناهي الجناية بترك الصلاة، أن الصلاة امتازت من بين سائر العبادات بنوع شرف وخطر لا يوجد لغيرها.

стр. 283

ويمكن أن يقال بغلبة اشتباه أصل الإيمان عليه، الدليل على امتيازه بهذا الحظر والحرمة الاسم الشرعي والمعنى، أما الاسم فهو أن الله تعالى سماها إيماناً ولم يرد هذا الاسم لشيء من العبادات سواها، ولأن النبي ﵇ سماها عماد الدين، وعماد الشيء ما يكون بقاؤه به ولم يوجد هذا لغيرها. وقال أيضاً ﷺ : ((نهيت عن قتل المصلين))، كما قال ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)). ومن جهة المعنى: لأنها وظيفة دارة على درور الليل والنهار وكرورها مثل الإيمان وظيفة مستمرة على دوام الليل والنهار وقرارهما، ولأنه لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال مثل الإيمان سواء بخلاف الزكاة والحج والصوم على أحد القولين، وأيضاً لا يسقط بعذر عجز ومشقة بعد إن أمكن الإتيان به بوجه ما كالإيمان سواء فثبت ما قدمنا، وتأصل الأصل واستمر واستقر. وأما حجتهم: تعلقوا بسائر العبادات. وقالوا: عبادة من فروع الإيمان فتركها لا يوجب القتل كسائرها. والجواب: ما سبق. وقد قال أبو زيد: ترك الصلاة محض كف عن الفعل فلم يكن معصية بنفسه، وإنما كان معصية بغيره، وهو أنه ترك مأموراً به وما صار معصية بمعنى في غيره لم يوجب العقوبة، وهو مثل تناول مال الغير لما لم يكن معصية لعينه، وإنما صار معصية لتعلق حق الغير بالمحل لم يكن

стр. 284

موجباً للعقوبة وهذا ليس بشيء، لأن الكف من الفعل معصية بنفسه إذا اتصل الأمر بالفعل المكفوف عنه كالكف عن الفعل طاعة بنفسه إذا اتصل الأمر به وذلك في الصوم. وهذا لأن هذه جناية من حيث ترك الأمر والجناية من حيث ترك الأمر لا يتصور إلا على هذا الوجه وهو الكف عن الفعل المأمور به وإنما صار جناية من حيث الأمر لا من حيث نفس الكف كالفعل من الزنا والقتل صار جناية من حيث النهى، لا من حيث نفس الفعل فمتى تناهى الأمر في المبالغة تناهت الجناية عند الترك، كما إذا تناهى النهي في المبالغة تناهت الجناية عند الفعل. وقد قيل: إنه لا يتصور جناية لمعنى راجع إلى نفس الفعل، لأنه لو كانت الجناية لنفس الفعل لم يتصور إباحته بحال، والشرعيات قد أبيح فيها أجناس المنهيات مثل: قَتَلَ وقُتلَ، ووَطءَ وَوُطِء، وأَخذَ وأخذ، ولو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور ورود الإباحة في نفسه بحال، فثبت أن المعتبر وجود الجناية من حيث ارتكاب النهي أو ترك الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 285

(مسألة) يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات ويجوز أيضاً للزوج أن [يغسل] امرأته إذا ماتت . وعندهم: يجوز في الأول، ولا يجوز في الثاني. لنا: إن علياً ﵇ غسل فاطمة ﵂ حين توفيت.

стр. 286

وهذا بحضرة من الصحابة وعلمهم، ولم ينكر عليه أحد فصار إجماعاً منهم. قالوا: ويجوز أن يكون معنى قوله: ((غسلها)) أي أعان على غسلها وعلى أن فاطمة ﵂ كانت زوجة لعلي ﵁ في الدنيا والآخرة. فإنما غسلها لبقاء الزوجية، وهذا لا يوجد في غيرهما. قالوا: وعلى أنه روى أن فاطمة ﵍ اغتسلت ثم تمددت وتوفيت واكتفوا بغسلها ذلك كرامة لها، وكانت معرفتها بوقت فواتها واكتفائها بغسلها بإخبار النبي ﷺ . الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف. أما الأول فنقول: إن المروى أنه غسلها، والإعانة على الغسل لا تكون غسلاً. وأما الثاني: قلنا: نحن نقطع بانقطاع الزوجية بالموت، لأن الزوجية من أحكام الدنيا. فأما القول ببقاء عقد النكاح بعد الموت والانتقال إلى

стр. 287

الآخرة فمقال محال، والآخرة لا تكون دار الأنكحة، وما عهد في الجنة والنار تزويج ولا بقاء تزويج. وأما الثالث: فهو من نقل الروافض ..... فلا نعرف ذلك، وإنما نهاية الرواية أن النبي ﵇ قال لها: ((أنت أول أهلي لحاقاً بي)). فأما ما يقال أنه أخبرها بوقت وفاتها وأمرها بالاغتسال قبل الموت والاكتفاء بذلك فلا يعرف، وما رأينا تعجيل غسل الميت قبل الموت وهذا لأن الواجب غسل الميت فلابد من وجوده في ميت وهذا الأثر معتمد. وأما المعنى: نقول الغسل حق الميت ولابد من قائم به، ثم الزوج إذا مات قامت المرأة بغسله قضاء لحقه، فكذلك إذا ماتت المرأة يقوم الزوج بغسلها قضاء لحقها لأن حق النكاح ثابت من الجانبين، فإذا بقى هذا الحق عليها له بعد موته فليبق لها عليه بعد موتها. ونقول في التحرير: حق ثبت لأحد الزوجين قبل صاحبه فثبت للآخر قبله. دليله سائر الحقوق ونعين الوطء في القياس عليه، والتعليل للمس غسلاً. ونقول أيضاً: المفاقهة أن الميت محل اللمس حلاً وحرمة. ألا ترى أنه يحل للرجل غسل الرجل ولمسه، ولا يحل للمرأة، وكذلك المرأة مع المرأة، وإذا كان محل الحل والحرمة في حق اللمس عمل عقد النكاح في إباحته وعمل التجانب في تحريمه كاللمس والوطء في حال الحياة، وهذا لأن النكاح عامل في إثبات كل حل يقبل الثبوت كالتجانب عامل في كل حرمة تقبل الإثبات.

стр. 288

وأما حجتهم: قالوا: حل اللمس مستفاد بالنكاح فيزول بزواله، دليله حل الوطء. يبينه: أن حل الغسل لابد فيه من سبب ولا سبب هاهنا لأن السبب كان هو النكاح وقد ارتفع، وصار كالعدم، وإنما قلنا ذلك لأن النكاح إنما بقى في محل النكاح والميت ليس بمحل النكاح لأنه جماد. ولأنه أدنى من البهيمة فيستحيل أن يكون محلاً للنكاح، لأن النكاح ملك فلا يبقى الملك إلا في محل الحياة كملك اليمين، ولا يتصور بقاؤه في الميت. ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها وأربع سواها، ولو أن النكاح ارتفع لم يحل لأنه يصير جامعاً بين أختين نكاحاً أو بين خمس نسوة نكاحاً. قالوا: وتصور فيما لو ماتت المرأة وتزوج هو بأختها في الحال، ثم إنه غسلها يجوز عندكم، وهو يؤدي إلى الجمع بين الأختين استحلالاً في اللمس، وليس كما لو مات الزوج، لأن النكاح هناك قائم لقيام العدة وهذا لأن العدة حق النكاح، وإن أشكل هذا في عدة الطلاق فلا إشكال في عدة الوفاة، لأنه تجب سواء وجد الماء أو لم يوجد. والنكاح مجموع حقوق: فإذا بقى حق له حكم ببقاء النكاح في ذلك الحق. وأما موته فلا يمنع بقاء النكاح من هذا الوجه، لأنه مالك، والمالك يجوز أن يبقى له الملك بعد موته، بدليل ما لو كان على إنسان دين ومات تبقى تركته على ملكه لحقه، ولأنا نجعل ملكه لوارثه على طريق الخلافة، وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة (وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة) إبقاء الملك للميت من وجه وهذا يستقيم في ملك اليمين لأنه يقبل الخلافة فيه.

стр. 289

وأما ملك النكاح لا يقبل الخلافة فبقى للزوج وظهر عمله فيما يمكن إظهار عمله إلا أنه يبقى ما بقيت العدة، فإذا ذهبت العدة وحكم بانقطاع فراش النسب، وحلت للأزواج لم يتصور بقاء النكاح. قالوا: وأما قولهم إن الميت محل الحل والحرمة في اللمس، فليس كذلك، وقد خرج بالموت عن محلية مثل هذه الأشياء، وإنما حل الغسل لضرورة ولولا الضرورة لم يحل والنكاح عقد استحلال فإذا لم يكن الميت محلاً للحل بحال لم يتصورها بقاء النكاح المعقود للحل. الجواب: إن قولهم: ((إن النكاح ارتفع بموتها)). قلنا: وقد ارتفع بموته فكما ينافي محلية النكاح منكوحاً ينافي محلية النكاح ناكحاً ولا يتصور، ولا يعقل ميت ناكح فلم يعقل أيضاً بقاء النكاح له بعد موته. وأما العدة فتعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح سبق عقده مثل الشهادة تعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح عقده. فإن قالوا: أبحنا الغسل لنفس العدة، وهي علقة عظيمة، ولأنها وجبت بالنكاح السابق ولم توجد هذه العلقة إذا ماتت. قلنا: إذا طلقها ثلاثاً في المرض وماتت عقيبه وهي في العدة لا يطلق لها الغسل والعدة موجودة. يبينه أن العدة عندهم حق النكاح سواء كانت واجبة من طلاق أو وفاة والتمسك بجانب الزوج في نهاية القوة. وأما المعنى الذي بيناه فهو صحيح أيضاً يمكن الاعتماد عليه.

стр. 290

وقولهم: ((إنه ليس بمحل الحل)). قلنا: قد بينا المحلية. وقولهم: ((إنه جاز للضرورة)). قلنا: شرع الغسل لا يقال له ضرورة إنما يقال: بقاء حل لإقامة شرع، وبقاء الحل لإقامة الشرع لا يسمى ضرورة مثل الحل في حال النكاح لا يقال ضرورة لأجل الوطء، وعلى هذا نقول: إن النكاح إما أن يحكم ببقائه حكماً في هذا الحكم الخاص بدليل قام عليه، أو يقال أن النكاح قد ارتفع ولكن عمل في إثبات هذا الحكم بعد الموت لأنه لا يوجد إلا بعد الموت كما عمل في إثبات الإرث بعد الموت، لأنه لا يوجد إلا بعد الموت وهذا كلام معتمد فليعمل به، والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 291

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجزء الثاني ويشمل: باب الزكاة والصوم والحج الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله

стр. 292

/

стр. 293

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله .. نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد .. فهذا هو الجزء الثاني من كتاب ((الاصطلام)) لأبي المظفر السمعاني وهو يشتمل على كتاب الزكاة والصوم والحج، وقد سبق أن حققت الجزء الأول منه ولاقى إقبالاً كبيراً من المهتمين بهذا الفن ألا وهو فقه الأحكام. وبهذا الجزء تم ربع العبادات، ويتلوه- إن شاء الله- الربع الثاني من الكتاب وهو ربع المعاملات ويبدأ بكتاب البيوع، وسنحاول إخراجه في أقرب وقت نظراً لرغبة الإخوان في الاطلاع عليه والاستفادة منه، أعان الله على إكماله بمنه وكرمه، ورحم الله علماءنا الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم الذي لا يوجد مثله عند أمة من الأمم. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه .. والحمد لله أولاً وآخراً. المحقق د. نايف بن نافع العمري * * *

стр. 294

كتاب الزكاة

стр. 295

(مسألة) إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقر الواجب على الحقاق وبنات اللبون، واستقرت النصب على الخمسينات والأربعينات . وهذا مذهب أكثر أهل العلم، غير أن الشافعي ﵁ قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة تجب ثلاث بنات لبون ثم الأمر من بعد على ما بينا.

стр. 296

وعندهم: يستأنف الواجب بعد المائة والعشرين وتجب الأغنام وبنت المخاض. لنا: الأخبار الثابتة برواية أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق ﵁، وبرواية الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﵇ ذكر في كتاب الصدقة الذي كتبه: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل

стр. 297

خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون))، والكتاب يشتمل على أشياء كثيرة من باب الزكاة ذكره أبو داود وغيره، غير أن الاستدلال في هذه المسألة بهذ القدر وكان ﷺ ختم عليه وقرنه بقراب سيفه. وعمل بذلك بعده أبو بكر وعمر ﵄.

стр. 298

وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر قرأ الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لأبي بكر في الصدقات وفيه: (فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون)). ولا يتجه لهم تأويل لهذه الأخبار أصلاً. وقد تكلفوا أشياء بعيدة أعرضنا عنها لبعدها، فإن صوروا في موضع يجب في كل خمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون وذلك في مائة وتسعين. قالوا: وقد قلنا بهذا الخبر في هذا الموضع. يقال لهم: أنتم لا تقولون بهذا الخبر بحال، لأن عندكم لا تجب الحقة في الخمسين بحال، ولا بنت اللبون في الأربعين، فإنكم تقولون إن الحقة في ستة وأربعين وبنت لبون في ست وثلاثين على حسب ما كان في الابتداء، فقد تركوا القول بهذه الأخبار جملة من غير دليل. وأما هم تعلقوا من جهة الخبر بما روى أنه كان في صحيفة عمرو بن حزم الذي كتبها له رسول الله ﷺ في فرائض الزكاة: ((وما زاد في الإبل على

стр. 299

مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فما فضل بعد ذلك يعاد إلى أول فريضة الإبل فما كان/ أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس شاة)). ورووا بطريق عاصم بن ضمرة عن علي ﵇: أنه قال ((إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة)). وعن ابن مسعود كذلك، وهذا لا يقال قياساً، دل أنهما قالا ذلك عن النبي ﵇. والجواب: أما الخبر الأول فقد رواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن صحيفة عند أبي بكر.

стр. 300

ابن عبد الله بن عمرو بن حزم فيكون مرسلاً، والمرسل ليس بحجة. وعلى أن فيه ما يؤيد مذهبنا لأنه قال: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون)). وأما حديث عاصم بن ضمرة، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت حديث عاصم ابن ضمرة عن علي ﵁. وقد روى عن علي ﵁ مثل ما ذهبنا إليه. وعلى الجملة .. لا يثبت ذكر الغنم وبنت المخاض بعد المائة والعشرين عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الصحيح ما رويناه فلا يعدل عنه.

стр. 301

وإن التفتنا إلى المعنى بعد أن لا حاجة إليه، فهو أيضاً يؤيد ما قلنا. وذلك لأن الأصل الموصل في الشرع أن الواجب في كل جنس من جنسه، لأن الواجب جزء من النصاب، لأن الزكاة واجبة للمواساة مع الفقراء بجزء من النصاب على مال نام، والجزء من الشيء جنسه، وهم يعترفون بهذا الأصل فلا يحتاج إلى كثير دليل، إلا أنه عدل عن هذا الأصل عند قلة الإبل لأنها لا تحتمل المواساة من جنسها، فإذا كثرت احتملت فعدنا إلى الأصل. فإن قالوا: ((لم لا ينتظر إلى أن تبلغ حداً يحتمل الوجوب من جنسه مثل البقر))؟ قلنا: لأن الخمس من الإبل مال كثير القيمة كثير المنفعة قليل المؤونة فلم يستجز الشرع إخلاء مثل هذا عن حق الفقراء، وعلى أن هذا الذي قالوا اعتراض على الشرع، وعلينا أن نتلقى الشرع بالقبول ثم نطلب له معنى يخرج ذلك الشرع عليه، وقد فعلنا. وأما البقر .. فقد كان غالب أموال العرب الإبل، وقد كانت الزكاة طهرة لمالهم فلم يرض بإخلائه عن الواجب بعد أن يبلغ الحد الذي قلناه من كثرة المنفعة والقيمة وقلة المؤنة، وأما البقر فقد كان قليلاً فيهم، فإبقاؤها على الأصل المعهود وهو ترك الإيجاب حتى يحتمل الواجب من جنسه هذا في الأغنام. وأما سقوط بنت مخاض فهو يخرج على أصل آخر: وذلك لأن ما بعد المائة والعشرين حال تقرير النصب والواجبات وما قبل المائة والعشرين قد كان حال اضطرابها واختلافها، فمن الواجب أن يكون الاستقرار على النمط الأعدل، والنمط الأعدل في الأوقاص طرح

стр. 302

وقص الأربع، والأربعة عشر أعلى الذي ورد، الأغنام، وبنت المخاض والجذعة وبنتي اللبون والحقتين قبل المائة والعشرين، وتقرير الوقص على التسع لأنها الوسطى، وطريقة العدل في الوسط، وطرح ما يخرج عنه من الجانبين، كذلك في الواجبات اخترنا النمط الأعدل الأوسط وهو تقرير الواجب على الحقاق وبنات اللبون، وطرحنا ما خرج عنها من الجذعة وبنت المخاض ليكون ذلك لزوماً لجادة العدل، والطريقة الوسطى بين طرفي الترقي والنزول الذي أحدهما يؤدي إلى نوع إجحاف بأرباب الأموال والآخر يؤدي إلى ترك نظر الفقراء، ونزل القرآن على هذا واستمر عليه الشرع. وأما الذي ذهبوا إليه من إيجاب الغنم والعود إليها مع كثرة الإبل وتقرير وجوب بنت المخاض مع خروجه عن النمط الأوسط ومع طرح قرينته من الجانب الآخر وهو الجذعة فلم يدل عليه نص ولا اهتدى إليه قياس، فكان متروكاً مطروحاً غير مأخوذ به بحال. وفي المسألة وراء هذه إلزامات كثيرة عليهم في إبطال الاستئناف على مذهبهم: · من التزامهم القول بالموالاة بين الوقصين، وهذا لا يجوز في الشرع. ·

стр. 303

ومن عدولهم من بنت المخاض إلى الحقة في الخمسين الثالثة من غير إيحاب بنت لبون في الوسط. · ومن ألزم جعل نصاب الحقة ثلاثين إذا قالوا بالاستئناف بعد المائة والعشرين وأوجبوا في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وقد أعرضنا عن شرح هذا كله، لأن فيما قلناه غنية عن الكل، هذا كلامنا. وأما حجتهم من حيث المعنى: فقد قال مشايخهم: إن إيجاب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين يؤدي إلى مخالفة الرسول أو مخالفة الأصول وواحد منهما لا يجوز. أما مخالفة الرسول إذا أوجبتم في كل أربعين وثلث، ومخالفة الأصول إذا أوجبتم في كل أربعين وذلك لأن الواحدة/ لم تجعلوا لها قسطاً من الواجب وغيرتم بها الواجب، وما لا يأخذ قسطاً من الواجب لا يغير الواجب هذا هو الأصل المعهود في الشرع، وقد خالفتم. قالوا: وليس كما لو ماتت المرأة عن أبوين وأخوين حيث يغير الأخوان فريضة الأم، ولا يرثان، لأنهما بمحل الميراث، وإنما حجبا في هذه الصورة بالأب، وههنا ليست الواحدة بمحل الوجوب بحال، فنظير هذا في مسألة الميراث أن يكون الأخوان عبدين أو كافرين، وقالوا أيضاً: في إيجاب ثلاث بنات لبون إسقاط الحقتين، وقد أوجبنا بدليل مقطوع به فلا يسقط بخبر الواحد. واستدلوا في تصحيح مذهبهم، والحكم بعود الغنم وبنت المخاض، أن الحقاق وبنت اللبون ينبني وجوبها على الغنم وبنت المخاض في قضية

стр. 304

وجوبها، وربما يقولون: الغنم وبنت المخاض أصل في واجبات الإبل فلابد من عودها، وقولهم: ((إن الغنم ليس من جنس الإبل)). بلى، ولكن لما وجبت وبنى عليها سائر ما أوجب صار أصلاً، وخرج على هذا الجذعة، لأنها غير مبنية على الحقاق وبنات اللبون فلا يقتضي وجوب الحقاق وبنات اللبون وجوبها. وأما الحقاق وبنات اللبون يبتنى وجوبها على الغنم وبنت المخاض فلابد من عودها إذا عادت. قالوا: وأما قولكم: ((إن ما بعد المائة والعشرين زمان الاستقرار)). قلنا: بلى، وقد استقر الواجب على الحقة وبنت اللبون، ولكن بشرط أن يعود ما هو الأصل مثل المسنة استقر عليها الواجب بشرط عود التبعية. الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف. أما الأول فنحن نختار أنه يجب في كل أربعين وثلث أو يوجب في كل مائة وإحدى وعشرين من غير تعرض للتقسيم، وهذا بالخبر الذي رويناه في هذا نصاً. ومثاله: إيجاب الحقتين في إحدى وتسعين في الابتداء، ويكون هذا إيجاب كل حقه في خمس وأربعين ونصف إلا أنه بالخبر، أو يوجب مطلقاً من غير تعرض للتقسيم، ويمكن أن يقال: قد وجد نصاب ثلاث بنات لبون إلا أن فيه أنه انتهاء وقص فلا يمكن إيجابها من غير وجود زيادة، فإذا

стр. 305

وجدت بزيادة ظهر الآن وجوب بنات لبون لوجود نصابها والترقي من انتهاء الوقص إلى زيادة، وهذا الكلام إذا قلنا إن الواجب في كل أربعين، والزيادة ليس لها عمل إلا في التغير فحسب. وأما الكلام الثاني الذي قالوه .. قلنا: نعم، وجبت الحقتان في المائة والعشرين بدليل مقطوع به ولكن حين زادت واحدة فات محل وجوب الحقتين وانقطع الإجماع فصلح التعرض لما يدل عليه الخبر الواحد فنوجب ما أوجبه، ولهذا لم يجز الاجتهاد لإيجاب شيء آخر في المائة والعشرين، وصح الاجتهاد لإيجاب ثلاث بنات لبون عند وجود الزيادة. وأما الكلام الثالث .. وهو الذي قالوا: إن وجوب الحقاق وبنات اللبون يبتنى على وجوب الغنم وبنت المخاض. قلنا: إن زعمتم أن المراد بالإبتناء أنها وجبت بعد وجوبهما فهذا مسلم. وإن زعمتم أن معناه أن ذلك يصير أصلاً وهذا يصير فرعاً له فلا نسلم. والدليل عليه: أن في الخمسين الثانية للمائة الأولى قد عادت الحقة وثلاث بنات لبون، لم تعد الغنم ولا بنت المخاض، ولو صار ذلك أصلاً وهذا فرع له لم يجز إلا أن يعود الأصل ثم يعود الفرع، وعلى أنا قد دللنا أن وجوب الغنم ضرورة والضرورة تلزم موضعها. وأما بنت المخاض فقد بينا أنها خارجة عن النمط الأعدل والطريقة الوسطى مثل الجذعة فلم يستقم عودها، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 306

(مسألة) الزكاة تتعلق بالنصاب والوقص عندنا، وهو قول محمد بن الحسن من أصحابهم. وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه وأبي يوسف تتعلق بالنصاب دون الوقص، وهو قول الشافعي ﵁. لنا: إنه قد ثبت أن النبي ﵇ قال: ((في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين)).

стр. 307

وقوله: ((إلى الحد الواجب))، دل أنه متعلق بالنصاب والوقص، ولأن جميع المال محل للواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه، وليس تعليق الواجب ببعض المال أولى من البعض فتعلق بالكل الواجب، وهذا كما لو سرق مالاً بقدر نصب كثيرة فإنه يتعلقا القطع بالكل للمعنى الذي بينا كذلك ههننا، وكذلك إذا أوضح جميع رأسه فإنه يتعلق الأرش بجميع الموضحة، لأنه ليس إيجابه في البعض أولى من إيجابه في البعض فتعلق الواجب بالكل. والحرف لنا: أن تقدير النصاب/ لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه مثل النصاب في السرقة، والقدر الذي ينطلق عليه اسم الموضحة فإنه لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه، وهذا لأن المال إذا كان محل الواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه فلا يمكن إخلاؤه من الوجوب. وأما حجتهم: قالوا: الزيادة لها حكم نفسها بدليل أنها إذا بلغت قدراً معلوماً تعلق بها واجب جديد فتخلو من الواجب حتى تبلغ ذلك المقدار، وهذا كالنصاب الأول فإنه لا يتعلق به شيء حتى يبلغ الحد المعلوم، وبهذا فارق السرقة ومسألة الموضحة، لأن الزيادة ليس لها حكم نفسها بدليل أنها لو زادت زيادة كثيرة لا يتعلق بها واجب آخر بحال آخر بحال فكانت الزيادة بمنزلة الأصل في تعلق الواجب بالكل.

стр. 308

قالوا: ولأن الزيادة لو هلكت لم يسقط شيء من الواجب، وصوروا إذا هلك قبل التمكن من الأداء ليكون في محل الإجماع فلو كان تعلق بها شيء من الواجب لسقط من الزكاة بقدر الهالك، كما لو هلك النصاب. الجواب: أما قولهم: ((إن الزيادة لها حكم نفسها)). قلنا: ليس لهذا معنى سوى أنه إذا بلغ حداً معلوماً يتعلق به واجب آخر وهذا أولاً تدخل عليه الزيادة على إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فإنه لا يتعلق بهذه الزيادة واجب آخر، لأنه عندهم يستأنف الحكم بعده ومع ذلك لم يتعلق الواجب الأول بهذه الزيادة على أصلهم. فإن قالوا: يتعلق، فقد التزموا المناقضة. فإن قالوا: يتعلق واجب آخر إذا بلغت الإبل مائة وخمسين فإنه تجب حقة ثالثة في الخمسين الثالثة. فقلنا: فإذا لا استئناف، وقد قلتم بالاستئناف، وعلى أن هذا إن استقام فيما بعد المائة فلا يستقيم في التسع الزائدة من إحدى وتسعين إلى تمام المائة فإنه لا يتعلق بها واجب آخر بحال، ومع هذا لا يتعلق بها الواجب الأول، ثم نقول: للزيادة حكم نفسها إذا بلغت قدراً معلوماً. والكلام فيما إذا لم تبلغ ذلك القدر فهو وما زاد عليه واحدة والجميع بمنزلة شيء واحد ومال واحد، وقد بينا أنه ليس تعليق الزكاة ببعض المال أولى من بعض فتعلق بالكل، ثم إذا بلغت الزيادة نصاباً آخر حينئذ يتعلق به واجب آخر.

стр. 309

فإن قالوا: إذا كان تعلق به الواجب الأول كيف يتعلق به واجب ثان؟ قلنا: هذا غلط، لأنه إن كانت الزيادة بعد حؤول الحول فالواجب الأول لا يسرى إليها، وإن كانت الزيادة قبل حؤول الحول فعندنا لا يضم النصاب بل يعتبر لها حول جديد من وقت الاستفادة فلم يتصور اشتغال الزيادة بالواجب ثم خلوها عن الواجب، واستقام ما قلنا إن الزيادة لها حكم نفسها إذا بلغت قدراً يتعلق بها واجب آخر، فأما إذا لم تبلغ من قبل فلا. وأما قولهم: ((ينبغي أن ينتظر)). قلنا: لا معنى للانتظار وقد وجدنا مال الزكاة وقد ملكه من هو من أهل الزكاة. وأما في الابتداء فلأنه لم تبلغ نصاباً والزكاة لا تجب فيما دون النصاب وههنا قد بلغ نصاباً وقد زاد، وقد ذكرنا وجه تعلق الواجب بالكل. وأما قولهم: ((إذا هلكت الزيادة قبل التمكن من أداء الزكاة)). قلنا: قد قال بعض أصحابنا: إنه يسقط من الواجب بقدره وإن سلمنا أنه لا يسقط فلأن الزيادة جعلت وقاية لما هو الأصل فانصرف الهلاك إليها حكماً، وصار النصاب بمنزلة القائم جميعه من غير أن يهلك منه شيء. وهذا مثل ما لو هلك بعض مال القراض وقد ظهر فيه الربح فإنه ينصرف الهلاك إلى الربح، وجعل الربح وقاية لرأس المال، وصار رأس المال كأنه لم يهلك منه شيء كذلك ههنا. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 310

(مسألة) إذا هلك مال الزكاة بعد حؤول الحول ووجود التمكن من أداءها لم تسقط الزكاة عمن عليه بهلاكه عندنا. وعندهم: تسقط. لنا: إن المال سبب الوجوب لأداء فعل الوجوب فإذا حصل الوجوب واستقر فقد عمل السبب عمله، والسبب إذا تم عمله فبعد ذلك شرط وجوده لغو لا معنى له كسائر الأسباب إذا تمت، وأقواها صدقة الفطر فإنها لم تسقط عنها بهلاك المال لما بينا. وهذا لأن الوجوب محله الذمة فإذا وجب الشيء فقد حصل في محله الذي له فاستغنى عن تعلقه بمحل آخر، لأن الذمم مستقلة تحمل الواجبات مستغنية في وجوبها عن ضم محل آخر إليها بل لا يتصور الوجوب إلا في الذمة فإن معنى الوجوب في الذمة تكليف المكلف فعلاً على صفة مخصوصة فيقال وجب عليه كذا، وكلف/ كذا، ثم إنما يكون أداؤه بآلة:

стр. 311

فإما أن تكون الآلة هو البدن مثل العبادات البدنية، وإما المال مثل اللوازم المالية، فإن كان بدنياً فلا التفات فيه إلى المال، وإن كان مالياً فلا يتعين له مال دون مال، لأن جميع الأموال في تصور الأداء به واحد فلا معنى لتعين محل واحد له، اللهم إلا أن يكون التعيين لمعنى لغرض مطلوب يطلبه الشرع من توثقه مؤدية إلى اختصاص باستيفاء وخلاص من مزاحمة لولاها لم يحصل به ذلك مثل الرهن فتعين له ذلك المال من وجه لا من وجه على ما عرف في كتاب الرهن. وإذا لم يتعين له محل فهلاك مال بعينه لا يوجب سقوطه بل يؤمر بالتوصل إلى الأداء بمال آخر، فإن وجد ولم يفعل لم يعذره الشرع، فإن لم يجد عذره الشرع رحمةً وتخفيفاً لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فأما تعلق الوجوب بأعيان الأموال فلا مطمع لأحد في تحقيقه وتصويره، ولئن قاله قائل فهو مجازف مباهت ولا كلام مع مثل هذا. واستدل الأصحاب في أن الوجوب لا يلاقي المال أنه لو أدى الزكاة من مال آخر يجوز ولو تعلق بالعين لم يجز، ولتعين هذا المال له على التحتم واللزوم، وما ذكرناه من القاعدة مستغنية عن هذا الحكم، وسنذكر كلامهم عليه. وقد سلك كثير من مشايخنا طريقة أخرى وهي: أنه بالتأخير بعد التمكن آثم جان متعد فيضمن إذا هلك، كما لو منعه من الساعي ثم يهلك، والدليل على أنه جان وجوب إخراج الزكاة على الفور،

стр. 312

لأنها وظائف موظفة على السنين لدفع حوائج تتجدد للفقراء على مرور الأوقات والأزمان عليهم فإطلاق التأخير ليؤديها من عليه متى اختاره لا يجوز، لأن الحوائج إذا تعجلت والوظائف إذا تأخرت بطلت الإغراض ويموت المحاويج، وما أوجب لسد الحاجة فلا يوجب على وجه لا ينسد به الحاجة. يبينه: أنه إذا جاز التأخير، والمنايا طوارق على الرجال، والنوائب على الأموال غوادي وروائح، وكل واحد منهم مسقط للزكاة لم يبق للوجوب أثر. فدل على أن الوجوب على الفور، وأنه جان متعد بالتأخير فيلحقه وبال جنايته ليبقى الحق عليه وإن هلك محل أدائه ليؤديه من محل آخر، ويجعل المال في حقه كالقائم فيلزمه الغرامة، مثل ما لو استهلك المال، وهذه طريقة جيدة يمكن تمشيتها، غير أن الاعتماد على الطريقة الأولى، والتحقيق فيها، وسنذكر كلامهم على الطريقة الثانية، ووجه الجواب عنه. وأما حجتهم: قالوا: الواجب جزء من المال فإذا هلك المال فلم يبق محل ليجب جزء منه فسقط الواجب لفوات المحل. وربما يقولون: حق تعلق بعين المال فيسقط بهلاكه. دليله: العبد الجاني إذا هلك، والدليل على أن الواجب جزء من المال النصوص من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿فِى أَمْوَالِهِمْ

стр. 313

حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ونظائر ذلك، وكذلك: ((في خمس من الإبل شاة))، ((وفي أربعين من الغنم شاة)). وكلمة ((في)) دليل على المحلية وأن الواجب جزء منه. واستدل أبو زيد على هذا الأصل بمسائل منها: أنه لو باع المالك مال الزكاة لا يجوز، وأراد به مذهبنا. قال: ((ولو تصدق بجميع النصاب على فقير نفلاً سقطت عنه الزكاة، ولو لم يتعلق بالمحل لم يسقط، ولأن تقدير الواجب بالعشر أو ربع العشر دليل على أن الواجب جزء منه)). قال: ((والواجب عليه فعل في المحل بالإخراج، وشبه هذا بمن قال لغيره: ادفع وديعتي إلى فلان، فلم يدفع حتى هلك سقط الأمر منه، وكذلك المودع إذا قبل الحوالة ليقضي دين المودع من الوديعة فهلكت الوديعة بطلت الحوالة)). وأمثال هذا ليس له كلام معنوي يدل على هذا الأصل الذي يدعيه بعد زعمه تدقيق النظر وإكثار الرواية، وادعى بعضهم على صحة هذا الأصل من أصل الشافعي أن الزكاة عنده تمنع الزكاة، مع قوله: ((إن الدين لا يمنع الزكاة))، وليس ذلك إلا لأن الواجب جزء من المال.

стр. 314

قالوا: وأما إذا أدى الزكاة من موضع آخر إنما جاز لأصل ذكره في مسألة القيم. وحرفهم في هذا أنه إنما جاز ذلك بطريق أن حق الله في إخراج جزء من المال المعين، وحق الفقير في المال المطلق فملك أن يؤدي عين المستحق كأنه أداه برضا صاحب الحق وهو الله تعالى، ووجود رضاه بأمره يصرفه إلى الفقير الذي حقه في المال مطلق. قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان بالتأخير حتى هلك المال فقد قال بعضهم: لا جناية أصلاً. قال أبو زيد: لم يوجد منه من التعدي ما صلح علة لضمان لعين لأنه لا جناية على نفس الحق، لأن وقت الأداء قائم، ولئن عد جانباً على نفس الحق يكون بالتفويت ولا تفويت، لأنه وإن أخر مدة طويلة ثم أدى يكون مؤدياً وهو مثل تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره. قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان على محل الحق، لأن الجناية عليه تكون بالإتلاف أو الغصب الذي عندنا حده إزالة اليد ولم يوجد، لأن العين قائمة ولا يد لأحد حتى تزال وسلم الإثم إلا أنه قال: مجرد الإثم لا يدل على الضمان كالممسك وغيره. وقالوا: والأصح أنه وإن طالبه الساعي بإخراج الزكاة فامتنع حتى هلك لا ضمان.

стр. 315

وأما إذا استهلك المال فقد جنى على محل الحق بالإتلاف فضمن وصار كالمولى إذا قتل العبد الجاني يضمن، بخلاف ما لو هلك بنفسه. قالوا: وأما صدقة الفطر فالواجب ليس بجزء من المال بل هو واجب في ذمته بسبب رقبته ورقبته شخص يلي عليه على صفة مخصوصة. وأما ملك المال عندنا إنما اعتبر ليصير غنياً فيكون أهلاً لوجوب الصدقة عليه ونظير هلاك المال في الزكاة هلاك الرقبة في صدقة الفطر. قالوا: وأما الحج فخارج على ما قدمنا، لأن الفوات يتحقق بتأخيره عن وقته فصار جانياً عليه بالتأخير، وأما إدراكه في السنة الثانية فهو على التوهم على ما يذكرونه في كتاب الحج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذه الطريقة إذا انتهت إلى هذا الوضع. وقد ذكروا في الأمالي طريقة أخرى: وهو أن وجوب الزكاة كان بصفة فلا يبقى إلا على ذلك الوصف حتى لا يبقى غير ما وجب، والوصف المشار إليه وصف اليسر، وهذا لأن المكنة غير كافية لأنه يملك عشرة وعشرين توجد المكنة من إخراج خمسة دراهم لكن لا على سبيل اليسر، فإذا بلغ نصاباً تيسر، وصفة اليسر إنما تبقى ببقاء المال، فإذا هلك المال فات اليسر، لأن صفة اليسر بإخراجه من المال النامي ليكون النماء في مقابلة ما يخرجه فتيسر عليه فإذا هلك وألزمناه الأداء من كيسه كان غرامة وزال الوصف الذي ذكرناه. قال: وليس كما لو كان عنده مائتا درهم وحال عليها الحول وهلكت مائة حيث يبقى على ردهمان ونصف، لأن إخراج هذا القدر من مائة درهم مثل إخراج خمسة من مائتين وكلاهما بوصف اليسر إلا أن اعتبار ملك المائتين في الابتداء شرط ليصير أهل وجوب الصدقة عليه ثم تلك الأهلية تعتبر

стр. 316

عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء. وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جداً، ولو استهلك المال قبل التمكن من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن. وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما في الوديعة. الجواب: أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى. ومسألة البيع ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم. ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضاً. وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟ وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس كما زعموا.

стр. 317

يبينه: أنه قال ﵇: ((في خمس من الإبل شاة))، والشاة لا تكون جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد. وقولهم: ((إن الواجب فعل الإخراج)). قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في سائر الواجبات. وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية. وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل. وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق. وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة من المودع. وقولهم: ((لم توجد الجناية على نفس الحق)). قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤدياً متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤدياً على الحد الذي لو سلمها قبل المنع. والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة

стр. 318

الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم. وأما طريقتهم الثانية قولهم: ((وجبت الزكاة بصفة اليسر)). قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه. وقولهم: ((وجب أن يبقى على وصف ما وجب)). قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى. وهذا لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب بكونه قليلاً من كثير فائتاً بل هو على ما كان. الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضاً، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال. وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه مع تصوره منه محسوساً، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير مستبعد، لأنه يكون واجباً من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى الكلام فليتأمل فيه. وأما قولهم: ((إن قدر الزكاة أمانة)). قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أميناً عليه، وهذا لا يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه. وقد قام الدليل عليه على ما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 319

(مسألة) المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف له الحول عندنا. وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله. لنا: ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)). ورواه أيضاً عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في

стр. 320

جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضاً أن المستفاد يستأنف له الحول. قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري وأهل الكوفة. فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني. قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر. وأما الكلام من حيث القياس: نقول: المستفاد مال مملوك أصلاً بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: إذا كان من غير جنس النصاب. ودليل قولنا: ((أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب))، لأنه مملوك بسبب مثل السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعاً له، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له بحال.
следующие страницы →