Полный текст (658 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء.
وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جداً، ولو استهلك المال قبل التمكن من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن.
وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما في الوديعة.
الجواب:
أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى. ومسألة البيع ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم.
ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضاً.
وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟
وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس كما زعموا.
стр. 317
يبينه: أنه قال ﵇: ((في خمس من الإبل شاة))، والشاة لا تكون جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد.
وقولهم: ((إن الواجب فعل الإخراج)).
قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في سائر الواجبات.
وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية.
وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل.
وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق.
وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة من المودع.
وقولهم: ((لم توجد الجناية على نفس الحق)).
قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤدياً متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤدياً على الحد الذي لو سلمها قبل المنع.
والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة
стр. 318
الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم.
وأما طريقتهم الثانية قولهم: ((وجبت الزكاة بصفة اليسر)).
قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه.
وقولهم: ((وجب أن يبقى على وصف ما وجب)).
قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى. وهذا لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب بكونه قليلاً من كثير فائتاً بل هو على ما كان.
الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضاً، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال.
وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه مع تصوره منه محسوساً، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير مستبعد، لأنه يكون واجباً من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى الكلام فليتأمل فيه.
وأما قولهم: ((إن قدر الزكاة أمانة)).
قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أميناً عليه، وهذا لا يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه. وقد قام الدليل عليه على ما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 319
(مسألة)
المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف له الحول عندنا.
وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله.
لنا:
ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)).
ورواه أيضاً عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في
стр. 320
جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضاً أن المستفاد يستأنف له الحول.
قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري وأهل الكوفة.
فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني.
قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر.
وأما الكلام من حيث القياس:
نقول: المستفاد مال مملوك أصلاً بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: إذا كان من غير جنس النصاب.
ودليل قولنا: ((أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب))، لأنه مملوك بسبب مثل السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعاً له، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له بحال.
стр. 321
يدل عليه: أن تبع الشيء ما يكون قيامه به بوجه ما، ومن ملك خمساً من الإبل ثم ملك خمساً من الإبل فلا قيام للثاني بالأول بوجه ما، فكيف يتصور إثبات تبعية له؟ فدل أنه أصل بنفسه مثل الأول، والحول شرط الزكاة فما لم يوجد لم يجب، ولم يوجد فقات الوجوب مثل ما إذا لم يوجد في النصاب الذي عنده، فإنه يفوت الوجوب كذلك ههنا.
والحرف الوجيز لنا: هو فوات الحول في المستفاد حساً، وعدم قيام الدليل على كون الحول المنعقد للأصل حولاً له، لأنه لو كان هو التبعية، وقد ذكرنا أنه لا تبعية، وإذا ثبت فوات الحول لم يجز إيجاب الزكاة بلا حول.
وأما حجتهم:
قالوا: مستفاد من جنس النصاب في حول لم يزك/ أصله فيضم إليه ويزكى بحوله.
دليله: الأولاد والأرباح.
وأما الفقه لهم: قالوا: أجمعنا على أن الضم في الحول مشروع في الجملة بدليل الأولاد والأرباح، ولابد له من علة وأصح علة له الجنسية حكماً وحقيقة.
أما الحكم فلأن الأولاد والأرباح يضم إلى النصاب في حكم الحول فليس هو بعلة التفرع والتولد، لأن التولد إن كان علة فهذا علة إسراء الحكم من الأصل إلى الفرع، ولو كان يوجب إسراء حكم الحول الذي هو شرط الوجوب لكان يوجب إسراء حقيقة الوجوب إذا حدثت الأولاد بعد حول الحول، وحين لا يكون علة الإسراء حقيقة الوجوب بعد الحول فلأن لا تكون علة إسراء شرط الوجوب أولى، ولأن الأولاد تأخذ محلية الزكاة بعد الانفصال وزالت التبعية بعد الانفصال بل صارت أصولاً مثل أصولها، ولأن الأولاد تغير حكم الأصل من الواجب فإنه ربما ينتقل الواجب من سن إلى سن بحدوث
стр. 322
الأولاد والتولد توجب أخذ الأولاد حكم الأصول، فأما أن يوجب تغيير حكم الأصل فلا.
فدل أنه لا يجوز أن يكون الضم معلولة بعلة التفرغ والتولد، فدل أنه بعلة الجنسية وقد وجدت في مسألتنا فثبت الضم.
وأما من حيث الحقيقة فلأن الجنس إذا اتحد صار الجميع في حكم الشيء الواحد لاتفاق الكل في المعنى، وإذا صار الجميع كالشيء الواحد يجوز أن يجعل كأنه ملك الكل في وقت واحد فيكون بعضه مضموماً إلى البعض ضرورة.
وقد قالوا: إن المستفاد تبع النصاب الذي عنده في الحكم، بدليل أن المالك لنصاب واحد لو أخرج زكاة أنصبة يجوز فصار النصاب الذي عنده سبباً لملك المستفاد فصح التعجيل بهذا الوجه.
ولأن المستفاد زيادة على الأصل، والزيادة على أصل تبع الأصل وهو في المعنى نظير شجرة تنمو وعبد يكبر وغيره هذا من الأمثلة، وإذا صار له تبعاً له من هذا الوجه وجب الضم مثل ما يجب الضم في الأولاد والأرباح لما كانت أتباعاً لما عنده. فهذا معتمدهم وأحسن التمسك كلامهم بالأولاد على ما سبق تقريره.
وقد قال بعضهم: إن الحول صار ساقط العبرة في المستفاد لأجل الحرج وهذا لأن وجوه الفوائد كثيرة، وإذا كثرت وجوه الفوائد كثرت الفوائد، فيشق حفظ الحول لكل فائدة، ويلحق المالك إذا أوجبناه عليه حرج شديد فسقط عنه بعلة الحرج وهو مثل الأولاد والأرباح لا يعتبر حول جديد لكل ربح ولكل ولد، لأنه يكثر في العادة فتكليف المالك حفظ الحول لكل فائدة يؤدي إلى حرج شديد فسقط لعلة الحرج كذلك ههنا.
قالوا: وأما ثمن السائمة الزكاة وصورته إذا كان عنده نصاب من السائمة ونصاب من الدراهم فسبق مضى حول السائمة وأدى زكاتها ثم إنه باعها بنصاب
стр. 323
من الدراهم أو دونه لا يضم إلى حول الدراهم التي عنده لأنا احترزنا عن هذا في العبارة بقولنا: ((لم يزك أصله)).
وأما من حيث المعنى ..
قالوا: الجنسية علة الضم على ما ذكرنا، وقد وجدت في هذه المسألة إلا أنا لم نضم لأنه قام دليل مانع من الضم وهو تحريم الثني في الصدقة والضم يؤدي إلى الثني في الصدقة.
وقد قال النبي ﵇: ((لا ثنا في الصدقة))، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الثني لأن الزكاة حق المال، والثمن بدل عن مبدل قد أدى زكاته والمالية في البدل والمبدل واحد، ولهذا لا ينقطع حول التجارة بالمبادلة فإذا أوجبنا الضم في هذه الصورة التي ذكرتم وزكيناه عند حول النصاب الذي عند بثني الصدقة فلأجل هذا امتنع الضم، ويجوز أن يمتنع عمل العلة بمانع من العمل، هذا من جملة ذلك، وليس كما لو أدى صدقة الفطر عن عبده ثم باعه حيث يضم ثمنه إلى النصاب الذي عنده، لأن صدقة الفطر ليس بحق المال إنما هو حق الرقبة، بدليل وجوبها في رقبة الحر.
وإنما ملك المال شرط الوجوب فلم يؤد الضم إلى الثني في الزكاة، وليس كما لو أدى عشر الزرع ثم باع الزرع بدراهم حيث يضمها إلى ما عنده من النصاب، لأن العشر ليس بحق الزرع، إنما هو حق الأرض النامية مثل الخراج على ما نذكر من بعد فلم يؤد الضم إلى الثني في
стр. 324
الصدقة بخلاف ما نحن فيه على ما سبق بيانه، وقد احتج بعضهم بفصل القدرة.
وقالوا: المستفاد يضم إلى ما عنده في القدر فيضم إلى ما عنده في الحول/ بل الحول أولى بالضم، لأن القدر أصل والحول وصف فإذا ضم المستفاد إلى ما عنده فيما هو الأصل فلأن يضم في الوصف أولى.
وبيان الضم في القدر عدم اعتبار القدر في المستفاد لا تفسير له سوى هذا وذلك إذا كان عنده مائتا درهم فملك زيادة عليها لم يعتبر النصاب فيها أصلاً.
أما عندكم يجب في الزيادة بحساب ما سبق قل أو كثر.
وعندنا يجب إذا ملك أربعين درهماً، ولم يعتبر ملك المائتين، وكذلك من عنده ثلاثون من البقر ثم ملك عشرة وحال عليها الحول يجب فيها ربع مسنة.
وكذلك قلتم من كان عنده خمس وثلاثون من الإبل ثم ملك بعيراً وحال عليه الحول يجب عليه جزء من ستة وثلاثين جزء من بنت لبون وأمثال هذا يكثر وأصل الإيجاب في هذه المواضع ليس إلا باعتبار الضم في القدر.
قال أبو زيد في آخر المسألة:
(ووجه آخر عن الاستدلال بالنص الحديث المشهور في باب الزكاة في حديث ابن عمر وعمرو بن حزم: ((ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة
стр. 325
الصدقة فإذا كانت خمساً ففيها شاة ثم ليس في الزيادة شيء حتى يكون عشراً فإذا كانت عشراً ففيها شاتان ...)) إلى آخره.
ونحن نعلم قطعاً أن الزيادة خمساً على خمس لا يكون كما حال الحول على الأصل ولا تقع جملة فلما أوجب الشرع شاتين بوجود الحول علم أن الضم واجب وكذلك بنت مخاض بزيادة خمس بعد العشرين).
الجواب:
أما التحرير فليس في صورته دليل على الحكم، لأن الخلاف في مستفاد بهذه الصورة وقع فلابد من بيان المعنى.
وأما قولهم: ((إن الجنسية علة الضم)).
قلنا: التعليل بالجنسية فاسد، لأن الضم في الحول إثبات تبعية المستفاد للنصاب الذي عنده، لأنه إذا لم يكن تبعاً لم يتصور القول بالضم، لأنه لا يكون ضم المستفاد إلى النصاب أولى من ضمه إلى المستفاد، فدل أن القول بالضم مبني على إثبات التبعية ولا دليل على التبعية، لأن المجانسة لا تدل على التبعية، ويجوز أن يوجد أصلان من جنس واحد والدنيا ملاآء من هذا.
وإنما حد التبع ما ذكرناه، وهو أن يكون قيامه به بوجه، ولا يوجد هذا في مسألتنا على ما سبق.
ويخرج فصل الأولاد على هذا، لأن قيامها كان بالأمهات والآن صار أصلاً بذواتها فيجوز أن يقال إنها أتباع، وكذلك الأرباح والذي ذكر من الكلام على علة التفرع فلا يسمع لا ادعينا التبعية محسوساً وعيناً فبل الانفصال.
وقولهم: إنها صارت أصولاً)).
стр. 326
قلنا: انفصلت على التبعية إلى أن صارت أصولاً بعد تمام الانفصال وإنما لم يسر الوجوب بعد الحول، لأن الوجوب يكون في الذمة فيكف يسرى معنى الذمة في الأولاد؟
وأما تغير حكم النصاب كان لأن الأولاد قد صارت أصولاً بعد الانفصال، والحروف أنها انفصلت حين انفصلت إتباعاً فسرى إليها حكم الحول المنعقد على الأصول ولما صارت أصولاً بعد الانفصال جاز تغير حكمها على ما نص عليه الشارع هذا تمشية مع جواب الأصحاب، وقد استدل الأصحاب على تصحيح علة التفرع بمسألة نصوا عليها في الجامع الكبير وهي أنه إذا كان عنده نصابان مختلفان في الحول من جنس واحد فاستفاد مالاً يضم إلى أقربهما إلى الحول، ولو كان من ربح أحدهما أو نتاجه يضم إلى أصله وإن كان أبعدهما من الحول بعلة التفرع، ولهم على هذا عذر ذكرته في التعليق، والجواب سهل.
ويمكن أن يجاب بجواب أولى من هذا، وهو أن اعتبار الحول في الأولاد سقط بالحرج، لأن الأولاد يكثر حصولها، وتتفاوت أوقاتها وأزمانها تفاوتاً فاحشاً، وإذا أوجبنا اعتبار حول كل ولد يحصل من زمان الحصول وكذا كل ربح يحصل من زمان التجارة، وزمان الحصول مع كثرة البياعات واشتغال التجار بها في جميع أوقاتهم، وكثرة الأولاد لكثرة السوائم أدى إلى حرج في نهاية العظم فقسط لاعتبار هذا الحرج.
وهذا لا يوجد في الفوائد من وجوه الإرث والهبات والشراء وغير ذلك لأنه لا يكثر، واستفاد صاحب السائمة زيادة على السائمة بهذه الوجوه يندر ويقل فلا يؤدي على الحرج، وإن ادعوا وجود الحرج على ما ذكروا يكون مجرد دعوى زيادة بلا برهان وهذا الجواب أولى من الأول، وعليه الاعتماد.
стр. 327
وأما سائر ما قالوه في إثبات التبعية فليس بشيء، ومسالة التعجيل على أصولهم، وقولهم: ((إن الزيادة على أصل يكون وصفاً له ويكون كشجرة تطول، وصغير يكبر)).
فهوس، ومن ملك/ خمساً من الإبل ثم بعد شهرين يملك خمساً من الإبل، كيف تكون الخمسة الثانية وصفاً للخمسة الأولى؟
وأما قولهم: ((إن الكل في المعنى واحد)).
قلنا: ولا يجوز أن يكون الغرض والمطلوب من شيئين معنى واحدا ولا يكون أحدهما تبعاً للآخر، أليس في المرأتين والهدين، والجاريتين والدابتين يتفق الغرض في كل شيئين من هذه الأشياء ومع ذلك لا يكون أحدهما تبعاً للآخر؟
وأما تعلقهم بضم القدر فهو مندفع بجدال جيد قريب المأخذ سهل المتناول، وذلك لأن الواجب في الصورة التي قالوها يبتني على قدر المستفاد حتى وجب فيه بقدره، ولم يجب بقدر الأصل، فكذلك الواجب في مسألتنا وجب أن يبتنى على حول المستفاد حتى يجب فيه بحوله ولا يجب بحول الأصل.
يبينه: أن القدر الذي عنده لم يجعل كأن المستفاد مشتمل عليه بالحول المنعقد على ما عنده وجب أن يجعل كأنه حائل على المستفاد.
ثم الجواب معنى:
إن المال قد كثر بالمستفاد فإذا كثر قدراً يكثر الواجب ثم يكون الواجب في الأصل بقدره وفي الزيادة بقدرها.
стр. 328
فإن قالوا: ((لم لا يعتبر وجود قدر كأصل في المستفاد يعني النصاب)).
قلنا: أما في الدراهم والدنانير سقط بالنص فإن النبي ﵇ قال: ((وفيما زاد فبحسابه)).
وأما السوائم فلأن النصاب المعهود اعتبر في السوائم ليصير غنياً بالغنى الشرعي ويصير محلاً لوجوب الزكاة عليه ثم توجب الزكاة عليه إذا كما نصاب بالزيادة مثل الصورتين اللتين قالوهما في أمثال ذلك.
لأن إخلأهما عن الواجب لا يمكن وقد كمل بها نصاب شرعاً غير أنا أوجبنا بقدرها، ولم يثبت الضم الذي ظنوه، ولم يوجب في الزيادة إذا لم يكمل بها النصاب، لأنها في الشرع وقص، والوقص حقيقة ما خلا من الوجوب الزائدة، فهذا وجه الجواب معنى.
وقد أعيا كثيراً من الفحول فليتمسك به وليقارع عليه.
وقد أورد بعضهم على الضم قدراً فصل الجمعة، ولست أرى الاعتماد عليها لوجوه ذكرتها في التعليق.
وأما الخبر الذي تعلقوا به فالخبر صحيح.
ووجه تعلقهم في هذه المسألة ضعيف، لأن الخبر وارد لبيان مقادير الواجبات في مقادر النصب على الإطلاق من غير تعرض لمحال التفاصيل، فإذا جاءت التفاصيل فيطلب الدليل من موضع آخر وقد ذكرنا. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 329
(مسألة)
صغار الغنم تجب فيها الزكاة عندنا.
وعندهم: لا تجب.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا:
إن الزكاة على التوقيف ولم يرد التوقيف فيها إلا بذكر عدد من جنس مخصوص مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، وثلاثين من البقر، ثم ورد بناء الواجب عليه، واسم الجنس يشتمل على الصغار والكبار والعدد المسمى يؤخذ في الكل فوجب إثبات الواجب على كل حال.
يبينه: أن السن صفة مثل صفة المرض والصحة والهزال والسمن ثم رأينا أن هذه الصفات غير معتبرة بل إذا وجد العدد المذكور من الجنس المذكور وجبت الزكاة على أي صفة كان الجنس، كذلك صفة السن تلحق بسائر الصفات، ولا ينظر إلى أي سن كان الجنس الموجود.
стр. 330
وقد استدل الأصحاب بالكبار والصغار والمختلط بعضها ببعض فإنه تجب فيها الزكاة بالإجماع، وقالوا: كل نوعين يجب الزكاة فيهما عند اختلاط أحدهما بالآخر يجب في كل واحد منهما على الانفراد وتمام العدد منه.
دليله: الضاينة والمعز والجواميس والبقر.
وأما حجتهم:
قالوا: نقصان السن نقص يمنع وجوب السن المنصوص عليه فيمنع وجوب الزكاة أصلاً.
دليله: نقصان العدد.
يبينه: أن الفرض تارة يتغير بالسن وتارة يتغير بالعدد بدليل فرائص الإبل والبقر لما كان النقصان من حيث العدد مانعاً من وجوب الزكاة في الجملة فيكون النقصان من حيث السن كذلك أيضاً.
ومعتمدهم: هو أن الزكاة على التوقيف وقد ورد التوقيف بوجوبه على ترتيب مخصوص، ومعنى هذا أن في الإبل يبتدؤن بالغنم ثم تجب بنت مخاض ثم ينتقل من بنت المخاض إلى بنت اللبون ثم إلى الحقة ثم إلى الجذعة على ما عرف.
وأما البقر فيجب التبيع ثم المسنة ثم تستقر الأوقاص على عدد
стр. 331
معلوم، والواجب على ......... سن معلوم ففي كل موضع أمكن الإيجاب على هذا الوجه أوجبنا وإلا لم نوجب أصلاً، لأن الأصل عدم الوجوب.
يدل عليه: أن عندكم يجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيل ثم بعد/ ذلك لا يجب حتى يبلغ العدد ستاً وثلاثين فيجب حينئذ فصيلان ثم بعد ذلك إلى مائة وعشرين فتجب ثلاث من الفصلان.
فنقول: الشرع ورد بزيادة واجب على واجب إذا وجد زيادة نصاب على نصاب ونعني بذلك وجوب بنت لبون وحقة وجذعة عند وجود ستة وثلاثين، وستة وأربعين، وإحدى وستين، ففي الفصلان زيادة النصاب لا عمل لها في زيادة الواجب حتى إنه يجب في ستة وثلاثين من الفصلان مثل ما يجب في خمس وعشرين، وكذلك في ستة وأربعين وإحدى وستين، فنقول: كل ما لا تعمل زيادة النصاب فيه في زيادة الواجب لا يعمل النصاب فيه في أصل الواجب، وإن شئت استدللت عكساً فقلت: لو كان أصل النصاب يؤثر في أصل الواجب لكان زيادة النصاب يؤثر في زيادة الواجب كالكبار، وعلى العكس منه كل جنس لا زكاة فيه.
وقالوا: وخرج على ما قلنا المرضى والهزال، وخرج أيضاً إذا اجتمع الصغار مع الكبار فإن في هذه الصورة إنما يجب في الكبار على الترتيب الوارد من غير تغيير بخلاف مسألتنا.
стр. 332
الجواب:
إن قولهم: ((هذا النقصان يمنع وجوب السن المنصوص عليه))، فقد منع بعضهم على الإطلاق هذا وقال: يجب في الصغار ما يجب في الكبار وهو قول زفر من أصحابهم وهو القول الأول لأبي حنيفة رحمة الله عليه وإن كان قد رجع عنه.
ثم وإن سلمنا أنه لا يجب في الصغار ما يجب في الكبار فنقول: إنما كان كذلك لأنا إن أوجبنا ما أوجبنا في الكبار أدى إلى ضرر عظيم بأرباب الأموال وإجحاف بهم، والشرع ورد بإيجاب الزكاة على نظر يشتمل من الجانبين فلا يجوز تركه في أحد الجانبين، والحمل عليه بالكلية فعلى هذا نقول: وجد سبب الوجوب بوجود العدد من الجنس المخصوص فلا يمكن الإسقاط لما بينا من الدليل.
وحرفنا فيه: وهو أن الشرع ذكر العدد والجنس ولم يتعرض للوصف فالتعرض له في أصل الإيجاب اعتراض على الشرع، ثم قام دليل آخر وهو منع الشرع من الإجحاف بأرباب الأموال بدليل أنه أمر بالوسط، ونهى عن أخذ كرائم أموال الناس فقام الدليل على أصل الوجوب فقلناه به واعتقدناه، وقام الدليل على المنع من الإجحاف بأرباب الأموال يمكننا أن نوجب الأسنان المنصوص عليها فأوجبنا فيها من جنسها فعملنا بالدليل في الطرفين، فعملنا بالدليل القائم على أصل الوجوب، وعملنا بالدليل المانع من الإيجاب على وجه يضر بأرباب الأموال، والعمل بالدليل بقدر الممكن واجب فعلى هذا نوجب في السخال سخلة ولا نغير هنالك في الفرض إلا بالعدد فلم تغير إلا بالعدد.
стр. 333
وأما في الإبل والبقر فيعتبر قدر الإمكان فنوجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيلاً لقرب قيمته من بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين فصيلاً يقرب قيمته من بنت لبون، وكذلك في ستة وثلاثين، وفي ستة وأربعين أو يعتبر أربعاً متقارباً في القيمة للفصلان التي توجبها في هذه المواضع.
وعلى أنا إن قلنا إنه يجب شيء واحد في خمس وعشرين، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين على معنى أنه يجب في الكل فصيل فصيل، فلأنه لا يمكن إيجاب غير ذلك، ولو أمكن لفعلنا.
وأما إخلا المال من أصل الواجب مع كونه على الوصف الذي بينا فمحال. فهذا هو الجواب عن معتمدهم وهو جواب حسن جيد خارج على المذاهب فليعتمد عليه.
وأما تعلقهم بنقصان العدد، فليس بشيء، لأنه دخل الجواب عنه فيما قلناه، ويمكن التعلق في الجواب الذي ذكرناه عن معتمدهم بالمرضى والهرمي، فإنه يجب واحد منهما، ولا يجب الوسط المعهود، لأن في إيجاب الوسط المعهود إجحافاً وإضراراً برب المال فأوجب الواحد من النصاب وإن لم يكن وسط بل كان من رذال المال، وكان المعنى أن الكل رذال فلم يمكن إخلاؤه من الواجب مع وجود النصاب المعروف، ولم يمكن إيجاب الوسط المعهود لتضمنه الإجحاف برب المال، فعملنا بالدليل بقدر الممكن، وهو العمل بأصل الإيجاب والرضا بالواحد من الموجود، كذلك ههنا، والله أعلم.
* * *
стр. 334
(مسألة)
الخلطة الصحيحة بشرائطها مؤثرة في الزكاة عندنا.
وبيان التأثير أن الخليطين يصدقان ماليهما صدقة المال الواحد للمالك الواحد وإن كان نصب كل واحد من الخليطين ناقصاً عن النصاب وذلك بعد أن صحت الخلطة واتصل بها شرائطها ........ المعهودة في الشرع على ما عرف في المذهب.
وعنده: لا تأثير للخلطة أصلاً، وحكم كل واحد من الخليطين عند الاختلاط مثل حكمة عند الانفراد بلا فرقان، حتى لو كان/ ملك كل واحد منهما قاصراً على النصاب لم يجب شيء أصلاً، وإن كان ملك
стр. 335
أحدهما قاصراً والآخر كاملاً يعتبر حالهما بحاليهما عند الانفراد فيعمل على ذلك.
لنا:
حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية)).
الاستدلال: أن الاجتماع والتفرق حقيقة في المكان مجاز في غيره يقال: جمع كذا وكذا إذا قارب بينهما مكاناً، وفرق بين كذا وكذا إذا باعد بينهما مكاناً.
وإذا ثبت أنه حقيقة في المكان فقد نهى ﷺ عن التفريق بين المجتمع في المكان مخافة الصدقة، وذلك لا يكون إلا على أصلنا حيث نقول: إن المجتمع في المكان تجب فيه الزكاة وإذا تفرق سقطت فيكون النهى منصرفاً إلى المالكين مخافة أخذ الساعي على الصدقة.
стр. 336
وأما قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) فهو محمول على المتفرق عنه في المكان أيضاً، وقد ورد النهي عن جميعه فيكون النهي عن جميعه منصرفاً إلى الساعي، وكذا نقول: إذا كان متفرقاً في المكان لا يجمع ليأخذ، ويجوز أن يكون قوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) منصرفاً إلى الساعي أيضاً، وذلك في ثمانين من الغنم بين رجلين في مكان واحد لا يفرق ليأخذ من كل واحد شاة ثم قال صلي الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)).
وهذا أيضاً دليل على تأثير الخلطة أخذاً على معنى أن للساعي أن يأخذ الواجب من المال الذي بين الخليطين، ويجعل الجميع بمنزلة الواحد ثم يثبت منهما التراجع على ما يوجبه أصل ملك كل واحد منهما، هذا بيان تأثير الخلطة أخذاً، والأول دل على تأثير الخلطة وجوباً وسقوطاً.
وقد روى الأصحاب في آخر الخبر زيادة وهو أنهم رووا أن النبي ﵇ قال: ((والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى)).
ولئن ثبت هذا فهو لبيان شرائط الخلطة، وعندكم الخلطة وشرائطها ساقط لغو، وليس لهم للخبر تأويل متضح يستقيم على أصولهم غير أن بعض أصحابهم قال: المراد من التفريق والاجتماع هو في الملك لا في المكان.
стр. 337
وقالوا: وعندنا المجتمع في المكان لا يفرق، والمتفرق في الملك لا يجمع وليس هذا التأويل بشيء لأنه ترك الحقيقة على ما سبق.
ولأن تفريق المجتمع ملكاًن وجمع المتفرق ملكاً من الساعي وصاحب الزكاة لا يتصور، اللهم إلا بالبيع أو الشراء، وهذا لا ينهي عنه المالك ولا يتصور من الساعي.
فإن قالوا: لا يفرق مكاناً بين المجتمع ملكاً ولا يجمع مكاناً بين المتفرق ملكاً فقد عادوا إلى ما ذكرناه من التفرق والاجتماع في المكان، وإذا حمل عليه بعض الخبر لابد أن يحمل عليه جميع الخبر فصار التعلق بالخبر في هذه المسألة في نهاية الوضوح.
وإن ذكروا خبراً من المنع من إيجاب الزكاة فيما دون النصاب فهو محمول على حال الانفراد وبه نقول.
وإنما الكلام في حكم الخلطة وقد ورد فيه لفظ خاص من صاحب الشرع يدل على تأثيرها على ما سبق.
وأما الكلام من حيث المعنى:
فالكلام فيه عسر جداً، والذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن السائمة بين الخليطين سائمة واحدة وقد بلغت عدد النصاب، والمالكان من أهل الوجوب عليهما فصارت كما لو كانت لمالك واحد.
وإنما قلنا: ((إن السائمة واحدة))، لأن السائمة إنما صارت سائمة بمعاني من المراح والمرعي والمسرح والبئر والفحل والراعي وغير ذلك، فإذا اجتمعت هذه المعاني صارت السائمة مجتمعة وجعلت كسائمة واحدة لمالك واحد.
يدل عليه: أن الشرع لم يعتبر إلا بلوغ السائمة عدداً معلوماً فإذا وجد
стр. 338
ذلك العدد، ووجد وصف السوم فقد تم السبب فلم ينظر إلى اتحاد الملك أو تعدده.
يبينه: أن القياس الكلي أن الواجب إذا تعلق بعدد يتعلق أبعاض ذلك الواجب بأبعاض ذلك العدد، ونعني بهذا أنه إذا وجب في أربعين شاة واحدة منها يتعلق بعشرين نصف شاة إلا أن الشرع لم يوجب عند التفرد يملك نصف النصاب نظراً لأرباب الأموال، فإن السائمة إذا قل عددها كثرت مؤنتها وقل رفقها فيكون في إيجاب الزكاة فيها إضراراً وإجحاف برب المال فسقط الواجب بنوع نظر، فإذا بلغ العدد المسمى في النصاب وإن كان لجماعة واتفقت الخلط بشرائطها خفت المؤنة خفة بينة وكثر الرفق فزال المعنى الذي كنا نعتبره في إسقاط الواجب فقلنا بالوجوب ورجعنا إلى الأصل الكلي، الذي قدمناه، ولم ننظر إلى اتحاد المالك أو تعدده، لأنه ليس في اتحاده أو في تعدده معنى يؤثر/ في الوجوب أو السقوط فهذا المعنى الذي قلناه نهاية ما يمكن التعلق به من حيث المعنى وهو وجه حسن يمكن تمشيته فليعتمد عليه.
وأما حجتهم:
قالوا: ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب فلا تجب عليه الزكاة.
دليله: إذا كان منفرداً، وهذا لأن كمال النصاب جزء ابتداء الوجوب فلا يتصور وجوب قبل ملكه نصاباً كاملاً.
يبينه: أنه ولو وجب الزكاة قبل تمام ملك النصاب سقط اعتبار النصاب، وحين اتفقنا على اعتبار النصاب دلنا ذلك أن الملك قبل تمامه بمنزلة العدم.
قالوا: وأما قولكم: ((إن المؤنة قد خفت بالخلطة)).
قال: ((خفة المؤونة بناء على وجود النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب
стр. 339
لا تعتبر خفة المؤنة، فإن الواجب بالشرع عرف، والشرع اعتبر عدد النصاب ووصف السوم فما لم يوجد كل واحد منهما لا يوجد الوجوب.
وحرفهم أنهم يقولون: نحن لا ننكر أن الخلطة تفيد خفة المؤنة من وجه لكن زيادة خفة المؤنة بالخلطة كأصل خفة المؤنة بالسوم، ثم أصل خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل، كذلك زيادة خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل.
وقالوا أيضاً: إنكم جعلتم خفة المؤنة سبباً لنقصان الواجب فإنكم قلتم: لو ملك رجلان ثمانين من الغنم وحصلت بينهما خلطة تجب عليهما شاة واحدة، ولو لم تكن هذه الخلطة لوجبت على كل واحد منهما شاة كاملة.
قالوا: وأما تعلق مشايخكم من جواز أخذ الساعي حقه من عرض الغنم وإن كان قد وجب على أحدهما ولم يجب على الآخر.
وذلك في صورة ستين من الغنم بين رجلين لأحدهما أربعون وللأخر عشرون، وإنما جوزنا ذلك، لأن الساعي يلحقه الحرج في طلب القسمة بينهما ثم بناء الأخذ عليه فلأجل دفع الحرج أطلقنا له الأخذ من عرض الغنم ثم يثب بينهما التراجع عند قسمة المأخوذ على النصبين.
وربما يقولون: أطلقنا الأخذ لأجل النص وهو قوله ﵇: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية)).
وهذا مطلق الأخذ مثبت للتراجع.
وأما أبو زيد فقد قال في هذه المسألة: ((إن كل واحد منهما فقير فلا تجب عليه الزكاة، والدليل على الفقر حل الصدقة، وزعم أن الفقير
стр. 340
لا يكون محل وجوب زكاة بحال، والغنى لا يكون محل حل الزكاة بحال، وهذه طريقة يأتي شرحها في مسألة زكاة المديون.
الجواب:
أما قولهم: ((إن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب)).
قلنا: ولم قلت لا تجب الزكاة إذا كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فإن تعلق بحال الانفراد فقد ذكرنا أن سقوط الزكاة في حال الانفراد كان على جهة النظر لرب المال ولدفع الضرر عنه، وهذا المعنى معدوم في حال الاختلاط، وإن تعلق بالمعنى وقال: لما كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فهو فقير فلا تجب عليه الزكاة، فهذه طريقة يأتي الجواب عنها في مسألة المديون، وعلى الفور تبطل بابن السبيل فإنه فقير بدليل حل الصدقة له ومع ذلك تجب عليه الصدقة، ثم نقول: ملك كل واحد من الشريكين وإن كان قاصراً عن النصاب لكن النصاب في نفسه كامل، والسائمة واحدة، والعبرة بوجوب نصاب كامل من السائمة سواء أكان لواحد أو لاثنين.
يبينه: أنه لما كانت السائمة واحدة بإجماع شرائط الخلطة واتحادها وجب الإعراض عن اتحاد المالك وتعدده لمعنيين:
أحدهما: فلأن الشرع لم يعتبر إلا وجود السائمة بعدد معلوم وقد وجد فما وراء ذلك فهو ساقط العبرة.
وأما الثانية: فلأنه ليس في تعدد المالك معنى يمنع الوجوب سوى النظر له وحين صارت السائمة واحدة، واتحدت شرائطه الخلطة، وخفة المؤنة على ما سبق وجب النظر لجانب الفقراء، ومن النظر لهذا الجانب هو الإعراض عن اقتران المالكين لاعتبار اتحاد السائمة وجعلها كأنها لمالك واحد.
стр. 341
وقولهم: ((إن خفة المؤنة بعد وجود نصاب كامل في نفسه)).
قلنا: قد ذكرنا أن اعتبار نصاب كامل عند الانفراد كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى عند الخلطة.
وقولهم: ((إن أصل خفة المؤنة بالسوم لم يعتبر إلا في نصاب كامل)).
قلنا: قد كثرت المؤنة في تلك الصورة لاحتياج كل واحد إلى مسرح ومراح وبئر وراع وغير ذلك على الانفراد، وهذه الأشياء لابد فيها من تحمل مؤن بخلاف حال الخلطة فإنه يوجد الاكتفاء بواحد من هذه الأشياء فتخف المؤنة)).
وقولهم: ((إن عندكم خفة المؤنة عملت في الإسقاط لا في الإيجاب)).
قلنا: قد صارت السائمة واحدة وجعل كأنها لمالك واحد، ثم إذا ثبت هذا فحينئذ يكون حكمها ما يكون/ حكمها حال الانفراد فيجب في موضع الوجوب ويسقط في موضع السقوط. والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 342
(مسألة)
تجب الزكاة في مال الصبيان والمجانين عندنا.
وعندهم: لا تجب.
إن الزكاة حق الفقير يجب بسبب ملك المال، وملك الصبي والمجنون مثل ملك البالغ فتجب عليه، كما تجب على البالغ.
يبينه: أن السبب إذا تحقق للواجب، وكانت الذمة محتملة لوجوبه لم يمتنع الوجوب بحال فقد تحقق في مسألتنا، وهو ملك المال على ما سبق.
وذمة الصبي محتملة للوجوب بدليل الغرامات والنفقة، وسائر مؤن المال تجب عليه كما تجب على البالغ، فأشبه الصبي البالغ في هذا الباب ولم يقع بينهما الفرق بوجه ما، فإذا وجب على أحدهما وجب على الآخر.
والدليل على أن الزكاة حق الفقراء قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
стр. 343
لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولا كلمة أبلغ من هذا في إثبات حق الفقراء، وهو مثل قول القائل: ((ثلث مالي بعد موتي للفقراء)).
وقال تعالى: ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ولأن الواجب هو التمليك، والحق في التمليكات لمن يقع له الملك.
دليله: سائر التمليكات.
يبينه: أن التمليك من الله تعالى لا يتصور، لأن الأشياء لله تعالى قبل التمليك وبعد التمليك على وجه واحد، وأيضاً فإن التمليك هو نقل الملك الذي للعبد في شيء إلى غيره، والملك الذي يكون للعبد لا يكون العبد من أهله بحال، وقد وجب التمليك في مسألتنا، وهو نقل الملك الذي للعبد، فإذا لم يتصور أن يكون من الله تعالى علمنا قطعاً أنه حق العباد وهم الفقراء.
يدل عليه: أن الأملاك ثابتة للعباد لنفع العباد، والنفع للفقراء في الصدقات فيكون الحق لهم، والله تعالى يجل عن الانتفاع بشيء أو التضرر بشيء، فإذا وجب المال الذي يتطلب به النفع كان حقاً لمن له النفع، فهذه كلمات في نهاية الوضوح، وتبين أن الزكاة حق الفقراء فصارت مؤنة مالية وجبت بملك المال ومؤن المال يتبع وجوبها المال كسائر المؤن، وأحسن ما يتعلق به العشر وصدقة الفطر، فإنهما لما كانا من المؤن المالية تبعاً المال، فسواء وجد ذلك للبالغ أو للصبي أو المجنون اتصل به الوجوب، كذلك ههنا.
стр. 344
وقد تعلق الأصحاب بالعشر وصدقة الفطر ابتداء، وقاسوا الزكاة عليهما بطرديات ذكروها، ووجه التعلق بهما بطريق التحقيق هو ما قدمنا.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة محضة فلا تجب على الصبي والمجنون.
دليله: الصلاة والصوم والحج، وهذا لأن الصبي ليس من أهل وجوب العبادات عليه، والشيء لا يجب إلا على أهله، والدليل على أنه ليس بأهل لوجوب العبادة عليه، أن العبادة ابتلاء من الله تعالى لعبده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه، ولا يتصور ابتلاء العبد إلا في فعل العبد، فأما الذي لا فعل للعبد فيه فلا يتصور ابتلاءه به، لأن الابتلاء اختبار وامتحان، والإنسان يمتحن بما فعله، ولا يمتحن بما يفعله غيره.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: ابتلاء الصبي بالعبادة لا يجوز، لأنه إن ابتلى بفعله ففعله غير معتبر، وإن ابتلى بفعل الولي فلا يجوز أن يبتلى الإنسان بفعل غيره، اللهم إلا أن يكون ذلك الغير يفعله بأمره فيقوم فعله مقام فعله لأمره إياه، فأما إذا كان فعله الغير عليه قهراً وجبراً فلا يتصور ابتلاؤه وامتحانه بذلك.
قالوا: وعلى هذا خرج البالغ إذا أمر غيره بأداء الزكاة عنه، لأنه إن كان يؤدى عنه بأمره تحقق معنى الابتلاء والامتحان، وقد حد بعضهم العبادة فقال: هو فعل يفعله العبد على وجه التعظيم لمعبوده باختياره وإرادته ويشتمل الأجرية على ابتلائه وامتحانه. ثم استدلوا على أن الزكاة
стр. 345
عبادة محضة بقوله ﵇: ((بني الإسلام على خمس ...))، وذكر فيه ((الزكاة)).
وبالحديث الثاني: وهو سؤال جبريل صلوات الله عليه النبي ﵇: ((ما الإسلام؟ فقال: أنتشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة ....)) الخبر.
وإذا كان الإسلام عبادة محضة كان ما يبتني عليه عبادة محضة).
وقال أيضاً لما فسر الإسلام بالأوامر التي اشتملت على الزكاة وغيرها فالمفسر والمفسر به يكون كله عبادة.
يبينه: أنه لما كانت هذه الأشياء تفسير الإسلام، أو ما بنى عليه الإسلام يكون مشروعاً لما شرع له الإسلام، وإنما شرع ليكون حقاً لله تعالى على الخلوص، كذلك هذه الأشياء تكون كذلك.
قالوا: ولأن النعمة/ نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، والشكر لله تعالى فيهما واجب فوجبت الصلاة لتكون شكراً لنعمة البدن، ووجبت الزكاة لتكون شكر نعمة المال، وشكر المنعم حق المنعم فإذا كان أحدهما لله تعالى بوصف العبادة فكذلك الآخر، وأيضاً فإنه يتحقق معنى الابتلاء في كل واحد منهما.
أما الابتلاء في الصلاة والصوم بتعب البدن، والابتلاء في الزكاة
стр. 346
بنقصان المال، وكل واحد منهما بخلاف هوى النفس فحينئذ يظهر من يطيع ربه ممن يعصيه.
قالوا: وإنما افتراق الصلاة والزكاة بجواز أحدهما بالنائب وعدم جواز الآخر، فإنما كان كذلك، لأن الابتلاء في الصلاة والصوم لا يكون بفعل غيره، لأنه يتعب البدن ولا يتعب بدنه ببدن غيره.
وأما الابتلاء في الزكاة يوجد بفعل غيره، لأنه بنقصان المال ونقصان المال بفعله وفعل غيره واحد إلا أنه مع هذا لابد من فعل منه حتى لو أدى زكاته بغيره أمره لا يجوز بخلاف الديون والغرامات، وإذا لم يكن بد من فعل تحقق معنى العبادة فيه.
وقولكم: ((إن الواجب حق الفقراء)).
لا يصح، لأن الفقر لا يكون علة في استحقاق حق على الغير إنما النعمة من قبل الله تعالى تكون سبباً في إيجاب الشكر على العبد، ولأنه لو كانت الزكاة حق الفقراء لكانت حقاً خالصاً لهم ولم يكن فيه معنى العبادة أصلاً.
وقد سلمتم أن فيها معنى العبادة حتى لا يجوز أداؤها إلا بأمر من قبله ليوجد معنى العبادة بوجود فعله.
وقولهم: ((إن الواجب هو التمليك، والتملك حق المتملك)).
قال: (الواجب هو الإخراج إلى الله تعالى وهو يتولى قبض الزكاة بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
стр. 347
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض حق المستقرض واقع في قبضه وملكه وملك المستقرض.
وقال ﵇: ((إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير)).
فثبت بهذه الدلائل أن الزكاة حق الله تعالى وهو القابض لها بواسطة يد الفقير فكأن الفقير يأخذ لله تعالى ثم يقبض منه لنفسه صلة أو عوضاً عن الرزق الموعود، ونظيره ما لو قال: ((اقض بوديعتي التي لي عندك ما على لفلان من الدين)) فإنه يصير صاحب الدين قابضاً له أولاً ثم يصير قابضاً منه لنفسه، وكذلك لو قال: ((اقض بما لي عليك من الدين ما لفلان على من الدين)).
قالوا: وقولكم: ((إن التمليك من الله لا يتصور)).
قلنا: يتصور، فإن إخراج الملك إلى الله تعالى متصور بدليل الوقف والعتق.
وأما فصل النفع التي قلتم، فنحن حققنا نفع العبد بالوجه الذي قلنا إلا أنه بواسطة قام الدليل على إثباتها.
قالوا: ((وأما صدقة الفطر والعشر)).
стр. 348
أما صدقة الفطر فعندنا لا تجب على الصبي إنما تجب على الولي بسببه وهو مما يجب على الغير بسبب الغير.
أما ههنا لو وجبت الزكاة وجبت على الصبي، لأنها لا تجب على الغير بسبب الغير، ولأن الوجوب بسبب الملك، والملك للصبي فيكون الوجوب على الصبي، وصدقة الفطر تجب إذا كان يمون رأساً عن ولاية وقد وجد هذا المعنى في حق الابن الصغير، كما يوجد في حق السيد مع العبد.
فإن قلتم: إن صدقة الفطر تجب على الصبي بدليل أنه يخرج عن ماله.
قلنا: يخرج من مال نفسه على قول محمد وزفر، ولا يخرج من مال الصبي بحال، ولو أخرج ضمن، وهو القياس، وإن سلمنا استحساناً، فإنما أخرج من ماله، لأنه وجب بسببه.
وقد قال بعضهم:
إن صدقة الفطر ليست بعبادة محضة، لأنها تشبه النفقات بدليل وجوبها على الغير بسبب الغير فيجب على الصبي لا على وجه العبادة بل على أنها مؤنة ويصير معنى العبادة تبعاً ووجوب تبعية في معنى العبادة لا يمنع وجوبها على الصبي، لأنه في الجملة من أهل العبادة بخلاف
стр. 349
الكافر، إلا أنها لما وجبت على جهة المؤنة وصار معنى العبادة تبعاً جاز أن يؤدي بولاية تثبت جبراً لا باختيار من عليه.
وأما الزكاة عبادة محضة على ما سبق فلم يمكن إيجابها على الصبي لتأدى عنه بولاية لا على وجه الاختيار.
وأما العشر فليس أيضاً عبادة محضة بل مؤنة الأرض مثل الخراج على ما سيأتي من بعد هذا إلا أن الخراج ليس فيه معنى العبادة، وأما العشر ففيه معنى العبادة فافترقا حتى يجب الخراج على الكافر ولا يجب العشر إلا على المسلم، وإذا وجب على أنه مؤنة الأرض فيجب على الصبي كما تجب سائر المؤن.
قالوا: ولهذا أوجبنا العشر والخراج في أرض المكاتب والأرض الموقوفة.
وهذا لأن الأراضي لا تكون محفوظة على ملاكها إلا بحفظ الإمام وحمايته فكأن الله تعالى جعلها للعبادة كمؤنة أوجبها عليهم للمقاتلة تارة وللفقراء تارة لتصير محفوظة بالإمام على صاحبها وتسلم له منافعها ولم يمكن إيجابها على طريق التعبد المحض ابتلاء واختياراً، وأما سائر الأموال فمحفوظة بأيدي أربابها/ فلا يحتاج إلى مؤنة يلتزمها ليحفظها الإمام عليه فكان إيجاب الزكاة محض تعبد على وصف الابتلاء كما سبق بيانه فلم يستقم إيجابها على الصبي على ما ذكرنا.
الجواب:
أما قولهم: ((الزكاة عبادة محضة)).
стр. 350
يقال لهم أولاً بطريق الجدل: لم لا يجوز إيجاب العبادة المحضة على الصبي؟ فإن تمسكوا بالصوم والصلاة فسنجيب عنه، وإن تعلقوا بقولهم: ((إن العبادة لا تحقق من الإنسان إلا بفعل يوجد منه)).
قلنا: نعم، ولكن يجوز أن يقام فعل غيره مقام فعله فيها ويجعل كأنه الفاعل لها. ألا ترى أنه لو أمر البالغ غيره بأداء الزكاة جاز وقام فعل النائب مقام فعله، وليس لهم على هذا إلا قولهم إن الاستنابة هناك كان باختيار من العبد.
لذلك نقول: العباد في فعل الشيء لا في الأمر به، ولكن قام فعل النائب مقام فعله فتحقق معنى العبادة، كذلك ههنا يقوم فعل الولي مقام فعل الصبي فيتحقق معنى العبادة، وهذا لأن المقصود من الأمر في كل موضع نفس وجود المأمور به، والمأمور به إخراج مال عن مال من عليه فإذا أطلقنا إخراج الزكاة من ماله سواء أكان بأمره أو بأمر الشرع أفاد الأمر، وإذا أفاد الأمر صح ونفذ. وأما الابتلاء لحكمة الأمر وصحة الأمر لا يكون به بل بإمكان المأمور فحسب، فإذا أمكن المأمور صح الأمر، فهذا جواب من حيث المجادلة في نهاية الحسن.
وأما الجواب من حيث الفقه بالمنع على ما سبق:
وحقيقته أن الزكاة حق الفقراء، ومعنى العبادة تبع مثل العشر وصدقة الفطر على ما سلموا، وإنما جعلنا حق الفقراء الزكاة حق الفقراء وأثبتنا فيها معنى العبادة بحسب قيام الدليل، لأن الدليل قد قام بكونها حقاً للفقراء على ما سبق، وقام الدليل أيضاً بثبوت معنى العبادة فيها، لأنها لما وجبت ابتداء، وقد اشتملت على شكر نعمة المال وفعلها بطلب التقرب إلى الله تعالى وتحصل رضاه كانت قربة، والعبادات قرب فتضمنت معنى العبادة من هذا الوجه ونظيره العشر.
стр. 351
وأما دلائلهم على أنها عباده محضة:
أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لهاً، لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقاً للآدمي يكون بدليل يقوم عليه.
وأما قولهم: ((إن الزكاة شكر نعمة المال)).
قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق.
وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها شكر نعمة بل بدليل آخر:
وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال.
أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقاً لله تعالى على الخلوص.
يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقاً للعبد بدليل العشر وصدقة الفطر، دل على انقطاع المشابهة.
وكذلك الحج خارج على هذا.
وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية.
وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان
стр. 352
ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدناً في الصلاة والصوم ولم يؤثر في المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضاً على ما ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدناً بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، والمعتمد ما سبق.
وأما قولهم: ((لا سبب ليجب الحق على الفقراء)).
قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن المواصلة ديناً سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سبباً لإيجاب الصلات. وأما ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: ((إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير)).
فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم الفقير يملكه من قبل الله تعالى بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف.
وأما قولهم: ((إنه إخراج إلى الله تعالى)).
قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنًى سوى هذا،
стр. 353
وقد بيَّنا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه.
وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهراً وجبراً على الصبي والمجنون. فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا. وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة تبعاً فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق. والله أعلم.
وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر:
فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس وقال: ((ألا من ولى يتيماً وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)).
стр. 354
وذكره أبو عيسى في جامعه قال:
(عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قال: ((وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 355
(مسألة)
الدين لا يمنع وجوب الزكاة على الأصح من قولي الشافعي ﵁ .
وعندهم: يمنع.
لنا:
إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه.
دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا.
следующие страницы →