← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17882

الاصطلام - ط المنار

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (658 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الجواب: أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنساً وتعلقنا بالحكم والحقيقة. وأما قولهم: ((إنما خلقاً للثمنية فيكونا مالاً واحداً في المعنى)). قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنساً، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه إذا خلق شيئاً واحداً لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد في ذلك المعنى وصل إلى غيره. والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ...﴾. فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع كمال واحد، وليس كمال التجارة. ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس واحداً، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب الدراهم والدنانير من أعيانها. ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة حتى يكمل نصاباً من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوباً لو بلغت قيمته ألفاً كان نصاباً، وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها

стр. 387

نصاباً لم يكن نصاباً. فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين. قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلباً فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيداً كان له ذلك) بخلاف مسألتنا. والجواب: إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا. وأما قولهم: ((إن الواجب واحد وهو ربع العشر)). قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة. وأما قولهم: ((إن النصاب واحد)). فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم

стр. 388

بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب. وأما قولهم: ((إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة)). فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به السلعة فإن كان دراهماً تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا. والله أعلم. * * *

стр. 389

(مسألة) لا زكاة في حلي النساء على أحد قولي الشافعي ﵁ . وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم:

стр. 390

ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة. وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن مالك، وأمد، وإسحاق. وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها: ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن

стр. 391

يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار؟ قال: فخعلتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ فقالت: هما لله ورسوله)). وذكر أبو عيسى هذا الخبر في جامعه وقال: ((إن امرأتين أتتا النبي ﵇ في أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا، فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من النار؟ قالتا: لا/ قال: فأديا زكاته)).

стр. 392

وروى أبو داود أيضاً برواية عبد الله بن شداد عن عائشة قالت: ((دخل على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتها؟، قلت: لا، قال: هو حسبك من النار)). وروى الدارقطني بإسناده من عطاء عن أم سلمة: ((أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فسألت النبي ﵇ عن ذلك، فقلت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز.

стр. 393

وروى الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس قالت: ((أتيت رسول الله ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، قلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال)). وفي رواية أخرى عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﵇ قال: ((في الحلي الزكاة)). وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((قلت للنبي ﷺ إن لامرأتي حلياً من عشرين مثقالاً، قال: فأد زكاته نصف مثقال)). ونحن نقول: هذه الأخبار ضعيفة في الإسناد: فالخبر الأول: رواه عمرو بن شعيب، والحسين المعلم،

стр. 394

وابن ربيعة، والمثنى بن الصباح، والحجاج بن أرطأة، وهؤلاء كلهم ضعفاء في الرواية. والخبر الثاني: رواه محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد، قال الدارقطني: ((ومحمد بن عطاء هذا مجهول)). والخبر الثالث: رواه أبو حميد الحمصي عن عثمان بن سعيد

стр. 395

الحمصي عن محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان، وهذا إسناد مظلم، وأكثر الرواة ضعفاء مجاهيل. والخبر الرابع: رواه أبو بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحباب عن الشعبي، وأبو بكر الهذلي متروك لا يحتج بحديثه. والخبر الخامس: رواه صالح بن عمرو عن أبي حمزة ميمون عن الشعبي.

стр. 396

قال الدارقطني: أبو حمزة هذا ضعيف الحديث. والخبر السادس: رواه عن حماد: يحيى بن أبي أنيسة. قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة، متروك الإسناد، وهم، والصواب أنه مرسل موقوف. وإذا ضعفت الأخبار من هذا الوجه فنصير إلى المعنى فنقول: مال مصروف عن جهة النماء إلى ابتذال مباح فلم تجب فيه الزكاة. دليله: مال التجارة إذا جعلها للبذلة. وتحقيقه: أن نقول: فقد محل الزكاة فلا تجب فيه الزكاة. والدليل على أنه فقد محل الزكاة أن محل الزكاة هو المال النامي، لأنها واجبة بوصف اليسر، وعلى جهة المواساة ولا يتحقق هذا الوصف وهذه الجهة إلا أن يكون المال مالاً نامياً، ولهذا المعنى لا تجب الزكاة، فيما دون النصاب، ولهذا يشترط الحول، لأن المال إنما يكثر ببلوغه نصاباً، والنماء يطلب في المال الكثير، والحول مشروط لتحقيق النماء. وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: وصف النماء في الذهب والفضة بالتقلب والتصرف فإن هذه الجهة جهة منمية مثل التجارة في سائر الأموال، ولما اتخذ الحلي من الذهب والفضة

стр. 397

فقد فاتت هذه الجهة، لأنه جعله ليلبسه ويتحلى به ويتزين به مثل ثوب يجعله للبسه وللتجمل به عند الناس، وهذه جهة صحيحة مطلقة شرعاً مثل اللبس في الثياب فيفوت بها جهة النماء، لأن التقلب والتصرف لا يكون إلا بإخراجه عن يده، واللبس والتحلي لا يكون إلا بإمساكه في يده فحصلت مضادة ومنافاة بين الجهتين، ولم يتصور اجتماعهما، فإذا تحقق الثاني فات الأول قطعاً، وإذا فات سقطت الزكاة لفوات محلها على ما سبق فهذا الذي قلناه معتمد المسألة، وسنبين كلامهم عليه، والجواب عنه، ويمكن أن يقال في الابتداء أن الحلي مشغول بحاجته، والزكاة لا تجب إلا في المال الذي يفضل عن حاجته مثل ثياب اللبس والعبيد للخدمة، والدواب للركوب، وهذا الكلام يصلح تقريراً للأول والاعتماد على الأول. وأما حجتهم: قالوا: (الزكاة حكم شرعي يتعلق بالذهب والفضة فيتعلق با لحلي. دليله: الربا). ودليل تعلقها بالذهب والفضة أنها تجب بملك العين من غير شرط زائد، بدليل وجوبها في التبر والسبائك والدراهم المعدة للإنفاق. والحرف أن الزكاة تجب في الذهب والفضة كيف ملكها وعلى أي جهة أمسكها فصارت متعلقة بنفس الملك من غير اعتبار معنى زائد عليه، فثبت أنه حكم متعلق بعينها مثل الربا سواء. وقد قال بعضهم: إن الذهب والفضة مال التجارة بعينها لأنهما خلقا لذلك فبقيا مالين للتجارة ببقاء عينهما، والزكاة واجبة في مال التجارة.

стр. 398

والدليل على أنهما خلقا للتجارة أنههما خلقا للتقلب والتصرف والتوصل بهما إلى الفوائد المالية، وهذا هو التجارة. قالوا: وأما قولكم: ((إنه فاتت جهة النماء باتخاذ الحلي)). فليس كذلك، لأنهما لما خلقا للتجارة فلم يفت ذلك بفعل من العباد. وتحقيقه: أن الذهب والفضة صارا للتجارة بعينهما وعينهما باقي. وربما يقولون: صارا للتجارة لقبولهما جهة التقلب والتصرف، وهذا المعنى قائم/ بعد اتخاذ الحلي للتجارة، وهذا لأن التزين والتحلي بالذهب والفضة ليس بمضاد لجهة التجارة بالوجه الذي قدمنا. قالوا: وخرج على هذا عروض التجارة، لأنها صارت للتجارة بمعنى عارض وقد ترك العارض فخرجت عن جهة التجارة، أما ههنا إنما صار هذا المال مال التجارة لا مال بعارض بعينه وباتخاذ الحلي ما فاتت العين فبقى مالاً للتجارة. يبينه: أن نهاية ما في الباب أن الحلي يعد للإمساك فإذا لم يكن صار الذهب والفضة للتجارة بالإعداد للتقلب والتصرف، والإعداد للتقلب والتصرف لا يفوت بالإمساك. ألا ترى أنه لو لم يعده للتقلب والتصرف بل أعده للنفقة أو دفنه في موضع ليكون ذخيرة له وجبت الزكاة، بل صار للتجارة بمجرد وجود العين، فكذلك ههنا بالإعداد والإمساك للتحلي والتزين لا يخرج عن كونه مال التجارة وهذا فصل معتمد. قالوا: ولأن التحلي والتزين جهة دون جهة التقلب والتصرف لأن التقلب والتصرف بهما قيام المعاملات وبالمعاملات بقاء العالم. وأما التخلي والتزين فلا يتعلق به القوام إنما هو من فضول الحاجات،

стр. 399

فإذا ثبت أن هذه الجهة دون تلك الجهة، فالشيء لا يرتفع بما دونه كما لا ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد. قالوا: وبهذا فارق عروض التجارة إذا جعلها للبذلة والمهنة، لأنه جهة مثل جهة الأولى، لأن القوام متعلق بالجهتين فاستويا فجاز أن ترتفع الأولى بجهة مثلها، وعلى هذا خرجت الجواهر إذا اتجر فيها حيث تصير للتجارة، لأنها خلقت لجهة التزين، وإذا صرفها إلى جهة التجارة فقد صرفها إلى جهة فوقها فجاز أن ترتفع الأولى بها. وقد تعلق كثير منهم بالحلي إذا كانت للرجال، فإن الزكاة فيها واجبة بالاتفاق. قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذه الجهة محظورة على الرجال، لأن الصرف عن جهة النماء إذا حصل سقط الزكاة سواء أكان بجهة محظورة أو بجهة مباحة. ألا ترى أن السائمة من الإبل إذا علفها بعلف مغصوب سقطت زكاتها، وكذلك ثياب التجارة من الحرير إذا اتخذها الرجل للبسه سقطت زكوتها، وكذلك البقر السائمة إذا جعلها عوامل لنقل الخمر فإنه تسقط زكاتها. الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة تتعلق بعين الذهب والفضة)). قلنا: إن عنيتم أنها تعلقت بعينهما لا لمعنى، فلا نسلم، وإن عنيتم لمعنى فمسلم، وهذا كالسوائم تتعلق الزكاة بأعيانها لمعنى، كذلك ههنا. فإن قالوا: ((فأيش ذلك المعنى)). قلنا: وصف النماء وقد فات في مسألتنا على ما سبق.

стр. 400

وأما الربا يتعلق بعينها بنص الشارع وعينهما باقي. قالوا: ((إن عندكم علة الربا الثمنية وقد زالت باتخاذ الحلي)). قلنا: نحن نقول إن جريان الربا حكم متعلق بعين الذهب والفضة، وأما العلة بالثمنية لم يكن لأنه غير متعلق بعين الذهب والفضة بل لمنع إلحاق غير الذهب والفضة بالذهب والفضة. وقد قال بعض أصحابنا: إن العلة كونهما جوهري الأثمان وهذا المعنى باقي بعد الصنعة. ومنهم من قال: إن لم يبق حقيقة الثمنية بعد صنعة الحلي فقد بقيت شبهة الثمنية، والتحريم يثبت بشبهة الربا، وأما الزكاة لا تجب بشبهة النماء بل تجب بحقيقة النماء. وأما قولهم: ((إن وصف النماء أو صفة التجارة قائمة بعد صنعة الحلي)). قلنا: قد دللنا على الفوات ثم يتبين وجه ذلك على ما يمكن الاعتماد عليه فنقول: إن الله تعالى خلق الذهب والفضة لمنافع العباد فكل منفعة يجوز حصولها من الذهب والفضة، فهما مخلوقان لذلك، فعلى هذا خلق الله تعالى الذهب والفضة لمنفعة التقلب والتصرف، ولمنفعة التحلي والتزين وغير ذلك، إلا أن في الابتداء تعين جهة التقلب والتصرف ويجعل الذهب والفضة كأنهما خلقا لذلك، لأن هذه المنفعة أعم من منفعة التحلي والتزين. ألا ترى أنها تعم الرجال والنساء، ومنفعة التحلي والتزين تختص بالنساء، وإنما يجوز للرجال في الفضة على الخصوص في شيء معين من خاتم وما يشبهه، وهو شيء يسير لا يقع الالتفات إليه فتعين جهة التجارة بهذا الرجحان، إلا أنه مع ذلك يقبل أن يجعل للمنفعة الأخرى، ويصرف

стр. 401

إليها بعارض من صنعة مباحة مشروعة لذلك النوع من المنفعة على الخصوص، فإذا صرف وصنع انصراف عن تلك الجهة إلى هذه الجهة، وفات صفة النماء، وهي شرط وجوب الزكاة فسقطت لفقدان شرطها، وهذا كالثياب والدواب خلقت لمنافع فيها، وتعينت في الابتداء لجهة البذلة بنوع دليل ثم إذا صرفها عنها بفعل التجارة انصرف ووجبت الزكاة، فإذا عرفنا هذا الأصل فيخرج عليه ما ذكروا من المعنى، وما تعلقوا به من الأحكام. وأما قولهم: ((إن جهة التجارة/ تبقى بعد صنعة الحلي)). قلنا: جهة التجارة وجهة البذلة جهتان مختلفتان، والشرع قد علق بكل جهة حكماً يخالف الجهة الأخرى، ولا يجوز أن يحكم باجتماعهما، بل إذا ثبتت إحداهما انتفت الأخرى، كما لو جعل ثياب البذلة للتجارة. وقولهم: ((إنه تصور فيه التقلب والتصرف بعد اتخاذه حليا)). قلنا: هذا كمن يقول إن الثياب والدواب يتصور فيهما اللبس والركوب بعد جعلهما للتجارة، ثم ذلك الزعم باطل، كذلك ههنا، وعلى أنا بينا وجود ضدية ومنافاة بين الجنسين محسوساً ومشروعاً. وأما قولهم: ((إنه صار للتجارة بعينه من غير اعتبار معنى وراء العين)). قلنا: بلى، ولكن بنوع دليل مرجح لهذه الجهة على غيرها مع قبول العين جعلها مشروعاً ومحسوساً لجهة أخرى، فإذا جعل لتلك الجهة وصرف عن هذه الجهة صار لها، وفاتت هذه الجهة مثل الثياب والدواب. وأما قولهم: ((إن جهة التحلي والتزين دون جهة التجارة)).

стр. 402

قلنا: وجهة التجارة دون جهة اللبس والأكل والشرب في الدواب والثياب، لأن قوام الحياة يتعلق بعين هذه الأشياء. وأما التجارة فلا يتعلق قوام الحياة بها، إنما هي طريق التوصل إلى ما يتعلق به القوام فيكون دون الأول قطعاً، ومع ذلك ينصرف إليها بالصرف، وعلى أن جهة التحلي والتزين جهة مقصودة مطلوبة بدليل قوله تعالى: ﴿واَلْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِيِنَةً﴾. فقد أخبر أنه خلقهما لهذين وجعلهما بمنزلة واحدة، ولأنه تعالى خلق الجواهر سوى الفضة والذهب في الابتداء للتحلي والتزين وإن قبل الانصراف عنه على غيره مثل ما خلق الذهب والفضة في الابتداء للتجارة، وقبل الانصراف إلى غيره، فاستويا منفعة التجارة ومنفعة التزين من هذا الوجه، لأنه ما يفوته الإنسان باختياره لا يفرق بين أن يفوته إلى شيء مثله أو فوقه أو دونه مثل الاعتياض عن المالية في الأشياء يجوز أن ينقل إلى ما هو مثله أو فوقه أو دونه. أما المسائل التي تعلقوا بها فنقول: إذا عرف الأصل الذي ذكرنا سهل التخريج عليها، لأن جهة التجارة إنما تفوت وتزول بفعل محقق للصرف والإزالة، وذلك لا يوجد إلا بعد اتخاذه حلياً بالصنعة المعروفة، ولا يوجد هذا إلا بالسبك ولا بإعداده للنفقة، ونية الإنفاق لا يلتفت إليها، لأنه لم يكن للتجارة بالنية حتى تفوت بنية أخرى، وإنما كان ببقائه على أصل الخلقة من غير أن يوجد عارض صنعة مغيرة، وفي الذهب والفضة المضروبة إن وجد عارض صنعة، فإنما وجد عارض صنعة محققة لجهة التجارة لا عارض صنعة مغيرة مفوتة بخلاف صنعة الحلي على ما سبق.

стр. 403

وأما الحلي للرجال فالصرف لم يوجد لحظرية الصنعة فكأن الشرع لحظرية الصنعة جعل الصنعة كالمعدومة، وصار كأنها باقية على الجهة التي كانت عليها من قبل. وأما المسائل التي أوردوها على هذا العذر: ليس يلزم، لأن تلك الأفعال وإن كانت محظورة لكن تضمنت ترك جهة التجارة، أو جهة السوم، فلذلك سقطت الزكاة، وهذا الترك لا يوصف بالحظر والحرمة، وقد كانت جهة السوم والتجارة بفعله فتزول بتركه. وههنا أيضاً يمكن أن يقال إنه باتخاذ الحلي وإن كان محظوراً ترك جهة التجارة لكن لم تكن جهة التجارة بفعله حتى يزول بتركه، بل كان بنوع دليل قام عليه من الشرع فينصرف عنها بشرع مثله وقد صرفه عنها بشرع صحيح، وابتذال مشروع وصنعة مباحة مطلقة فانصرف وسقط الوجوب. والله أعلم. * * *

стр. 404

(مسألة) وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر في الخارج من الأراضي الخارجية عندنا. وعندهم: لا يجتمع الخراج والعشر. لنا: إن العشر واجب في الخارج فما يجب بسبب الأرض لا ينفيه، لأن الواجب في مال لا ينتفي بواجب في مال آخر. والدليل على أن العشر واجب في الخارج، أن الواجب عشر الخارج فيكون واجباً بملك الخارج وبسببه، مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشرة كان واجباً بملك الذهب والفضة وبسببهما، لأنه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، وأيضاً يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر واجب في الخارج. وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع

стр. 405

وصار الخراج بمنزلة كراء الحانوت، وصار زكاة العشر بمنزلة زكاة المال الذي يتجر فيه على الحانوت ثم هالك جاز اجتماع وجوبهما، كذلك في مسألتنا. وقد قال الأصحاب: حقان اختلفا سبباً ومحلاً ومصرفاً وصفة فاجتمع وجوبهما فالسبب قد ذكرنا، والمحل محلين: أحدهما دراهم في الذمة، والآخر عشر العين، وأما الصفة فلأن أحدهما عبادة، والآخر مؤنة، وأما المصرف فلأن/ أحدهما يصرف إلى أهل السهمان، والآخر إلى المقاتلة. وأما حجتهم: تعلقوا بحديث رووا عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﵇ قال: ((لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم)). وهو نص لأن الخراج وظيفة الأرض،

стр. 406

كذلك العشر بدليل أنه يقال: أرض عشرية وأرض خراجية، والإضافة المطلقة في الشرع دليل السببية. دليله: سائر المواضع فلما أضيف كل واحد من العشر والخراج إلى الأرض دل أنها سبب وجوبهما، ولأن الأرض مال نامي فلا يخلو عن واجب. دليله: سائر الأموال النامية. وأما الزرع ليست بمال النماء، لأن العروض والحبوب إنما يصير مال النماء بالتجارة، والحبوب في هذه المواضع ليست بمال التجارة. يبينه: أن النامي ما يراد بقاءه في ملكه، وطلب النماء منه، والأرض بهذا الوصف، فأما الزرع فلا يراد للبقاء، فإنه مطلوب في العادة من الأراضي للقوت، والتقوت جهة مثوبة لا جهة مبقية، فثبت أن العشر وظيفة الأرض مثل الخراج إلا أن الخراج دراهم في الذمة فإذا ملك الأرض وتمكن من زراعتها وجب. وأما العشر مقدر من الخراج فما لم يوجد الخارج لا يمكن إيجابه، ولهذا افترقا في هذه الصورة وهذا الافتراق لا يدل على اختلاف السبب، ألا ترى أن الأجر للأجير الواجد، والأجير المشترك في مقابلة العمل، وإن كان أحدهما لا يجب إلا بالعمل والأجر يجب بتسليم النفس وإن لم يوجد العمل، وأما اختلاف مصرفهما جاء من حيث أن أحدهما مشتمل على معنى العبادة وهو العشر، والأجر محض مؤنة فصرف العشر إلى أهل السهمان والخراج إلى المقاتلة، وهذا الاختلاف لا يمنع اتجاه السبب.

стр. 407

ولأن الدليل قد قام أن ملك الأرض صالح لإيجاب كل واحد منهما، أما العشر فدليل وجوبه ملك المال النامي، والأرض مال نامي، وأما الخراج فلأن الأرض قطعة من دار الإسلام لا يمكن حفظها إلا بحماية الإمام كما لا يمكن حفظ جميع دار الإسلام إلا بحمايته، والحماية تكون بجند ومقاتلة، ولابد لهم من رزق يعيشون به فوجب الخراج بوصف أنه مؤنة الأرض ووجب لمن يوجد منهم حماية الأرض، واستدلوا في أن العشر واجب بسبب الأرض لا بملك الخارج أنه لو اجتنى الثمار من المواضع التي لا تملك وبلغ نصاباً لا يجب فيه العشر مع وجود الثمر لعدم الأرض، وكذلك النخيل التي في داره المملوكة لا يجب العشر في ثمارها لعدم الأرض الخراجية أو العشرية. الجواب: أما الخبر فلم يثبت، ولئن ثبت لقلنا به. وقد قيل: رواه يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة، ويحيى بن عنبسة، متروك. وكيف يثبت هذا الخبر؟ وقد تفرد بإسقاط العشر بسبب الخراج أبو حنيفة رحمة الله عليه من بين أهل العلم، ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة سوى أصحابه الذين درجوا على قوله ونسجوا على منواله. ونقل ابن المنذر في كتاب ((الاختلاف)) عن جملة أهل العلم شرقاً وغرباً

стр. 408

إيجاب العشر من الخراج، وقال: وقد قالت طائفة قليلة عددها شاذ قولها بخروجه عن أقوال أهل العلم أنه لا عشر مع الخراج وذكر أصحاب الرأي، ونقل عن ابن المبارك أنه ذكر له قول أبي حنيفة ﵁ في هذه المسألة فقال: لا يترك كتاب الله وسنة رسوله بقول أبي حنيفة ﵁، فجاء مما ذكرنا أنه لو صح ذلك الخبر لم يخف على أهل العلم من الأئمة، ولو عرفوا ذلك لم يخالفوه، فدل أن الخبر موضوع لا يلتفت إليه. وأما المعنى: قولهم: ((إن العشر وظيفة الأرض)). لا نسلم، بل هو زكاة الخارج. وأما قولهم: ((إنه مضاف إلى الأرض)). قلنا: ويضاف إلى الزرع فيقال: عشر الزرع، ولعل هذه الإضافة أشهر وأظهر فتكون بالاعتبار أولى، ثم يجوز أن تكون الإضافة التي تعلقوا بها على طريق التوسع والمجاز. ومعنى قولهم: ((أرض عشرية)). أي أرض يجب العشر في الخارج منها. وأما قولهم: ((إن الأرض مال نامي)). قلنا: هذا غلط قبيح، لأن الزرع ليست بنماء الأرض، وإنما هي نماء البذر، ولهذا يكون لصاحب البذر لا لصاحب الأرض، ولأن نماء كل شيء

стр. 409

من جنسه فلا يتصور نماء الأرض بالزرع، نعم يحصل من الأرض قوة في نماء البذر، فأما أن يكون نماء الأرض فمطمع محال، وهذا كالحاضنة للولد تكون منها قوة في تربية الولد، وأما الولد فهو ولد أبيه وأمه. وأما قولهم: ((إن الزرع ليس بمال النماء)). قلنا: هو نفس النماء فيكون الإيجاب فيه أولى، وهذا كالسخال تجب فيها الزكاة بالإجماع، وإن لم يكن مالاً نامياً، وأما عذرهم عن فصل الذي ألزمناهم وهو إذا ملك الأرض ولم يزرع، وقد تمكن منه لا يجب العشر. وقولهم: ((إنه لا يمكن الإيجاب، لأن العشر مقدر بجزء من الخارج/ فلا يجب بدون الخارج)). قلنا: وجب أن يجب، ويقدر وجود الخارج، وهذا مثل ما قلتم إن المكري يجب العشر عليه وإن لم يجب بملك الخارج وقدر ملكه له، والحرف في هذا أنه يستحيل ملك المال النامي سبب صالح تام في وجوب الحق المسمى سواء وجد حقيقة النماء أو لم توجد بدليل السوائم وعروض التجارة. وأما الأخير الذي قالوه وهو: ((إذا اجتنى الثمار من الأراضي التي هي غير مملوكة)). قلنا: إنما وجب العشر في الخارج بعلة أنه نماء ملكه فإذا وجب في المال النامي فلأن يجب في نفس النماء أولى، وهذا لا يوجد فيما صوروه، لأن ذلك ليس بنماء ملكه، والمسألة الأخيرة ممنوعة. والله أعلم. * * *

стр. 410

(مسألة) نصيب العامل من الربح الحاصل في مال القراض لا تجب فيه الزكاة عندنا. وعندهم: تجب وهو أحد قولي الشافعي ﵁. والمسألة بناء على أن العامل هل يملك نصيبه بنفس ظهور الربح؟ عندنا: لا يملك ما لم يقسم، وعندهم يملك. لنا: إن المسمى للعامل عمالة فلا يملك قبل القبض، دليله: المسمى لعامل الصدقات، والأولى أن نقول: جعل على العمل فلا يملكه قبل تمام العمل. دليله: الجعل في الجعالات، والدليل على أنه جعل أن تصحيح العقد بوجه الإجازة لا يجوز، لأن العمل مجهول، والإجارة على العمل المجهول باطل، ولا يمكن تصحيحه بجهة الشركة، لأن اختلاف الجنس من الجانبين يمنع صحة الشركة. وقد اختلف الجنس من الجانبين في القراض، لأن في أحد الجانبين مال وفي الجانب الآخر عمل، ولا مجانسة بين المال والعمل، وإذا بطل هذان

стр. 411

الوجهان لم يبق للصحة وجه إلا جهة الجعالات، وحكم الجعالة أن لا يملك الجعل فيها إلا بتمام العمل، وتمام العمل بالقسمة وإيصال حق رب المال على الكمال إليه. ويستدل بمسألة على أصولهم قالوا: لو اشترى برأس المال عبدين وقيمة كل واحد بقدر رأس المال، فإن العامل لا يملك شيئاً من العبدين حتى لا تجب فيه الزكاة، ولا يعتق نصيبه إذا أعتق، فكذلك إذا كان العبد واحداً، لأن الصورتين في المعنى واحد. وأما حجتهم: قالوا: العامل أحد الشريكين في الربح فيملك نصيبه بنفس الظهور. دليله: رب المال (والدليل على أنهما شريكان، أنهما يملكان شرط واحد وهو قوله: ((على أن ما رزق الله تعالى فهو بينا نصفان)). ولأن الربع تفرع عن أصل مشترك بينهما، فيكون مشتركاً بينهما كالحاصل بين شريكي العنان وكالشريكين في الشجرة إذا أثمرت تكون الثمرة مشتركة بينهما، وإنما قلنا: ((إنه تفرع عن أصل مشترك بينهما))، لأن عقد المضاربة صحيح بالإجماع، وإنما صح على جهة ثبوت الشركة بين رأس المال والعمل، وتولد الربح منها جميعاً فإن رأس المال دراهم ولا يتولد منها ربح بدون التصرف، والتصرف نفسه كلام ولا يتولد منه ربح بدون مال، فإذا اجتمعا حصل الربح مثل المزارعة والمساقاة فإن الأرض بدون الزرع لا تنبت، والزرع بدون الأرض لا عمل له، فإذا اجتمعا

стр. 412

انعقدت الشركة بين منافع الأرض والعمل ثم يخرج الزرع على سبيل الشركة). قالوا: وأما العمالة والجعالة فباطلتان إذا كانتا بصنع من العباد (والعمالة عبارة عن كفاية ليفرغ لعمله، ومثل هذا لم نجده مشروعاً مفوضاً إلينا حتى نوجبها قصداً فيما نحتاج إليه من الأعمال بل هذا مما تولى الله إيجابها لعمل العامة، كما أوجب الكفاية للإمام الأكبر، والقاضي، والمفتي، وكل من فرغ نفسه لأمر من أمور الدين فقدر له كفاية من بيت مال المسلمين، فكانت معاملة بين الله تعالى وبين عبده، وما يصح من الله تعالى على عباده لا يشبه ما فوض إليها مما يوجبه بعضنا على بعض، فكان اعتبار القراض بما نوجبه نحن من إجارة أو شركة أولى) من اعتبارها بما يوجبه الله تعالى مما يتولاه بنفسه. قالوا: (وأما مسألة العبدين فإنما لم يملك العامل شيئاً منهما، لأن ملكه إنما يكون من الربح، ولا ربح في هذه الصورة فإن كل واحد من العبدين مشغول برأس المال وإنما كان كذلك، لأنه قد ثبت عندي أن العبيد لا تقسم جملة ويعتبر كل عبد كأنه ليس معه غيره، وإذا كان أمر العبد هكذا في القسمة، والفضل لا يحصل فضلاً إلا بعد إحراز رأس المال وتحصيله، والمقاسمة بينه وبين الربح، لكن على سبيل الترتيب، ومعنى الترتيب أنه يحصل رأس المال أولاً ثم الربح، وكل عبد وجب

стр. 413

اعتباره في هذا الحكم كأنه ليس معه غيره فلم يفضل شيء من العبد عن رأس المال، وهذا بخلاف العبد الواحد، لأنه قد فضل. وحرفهم في هذا أن رأس المال لا يعتبر/ شائعاً في العبدين بل في كل عبد على حدة، وإذا جعل هكذا لم يحصل فضل رأس المال). الجواب: إن كلامه مبني على أن القراض شركة، وقد بينا أن الشركة مع اختلاف الجنس في رأس المال لا تنعقد، وقد بينا هذا في كتاب ((الشركة)). وقلنا: إن الشركة لا تكون شركة إلا بالاختلاط، ولا يتصور الاختلاط بين المال والعمل. ونقول أيضاً: إن المال نماء المال بكل حال، ولا يتصور أن يكون العمل نماء، لما بينا أن نماء كل شيء ما يكون من جنسه فلا يتصور أن يكون المال نماء العمل، وإنما العمل شرط ظهور الربح، فأما أن يكون الربح متولداً من المال والعمل فكلام مستحيل، ولا يمكن تصحيحه بوجه ما، وإذا ثبت هذا لم يكن القراض عقد شركة إنما هو تسمية جعل للعامل فيستحق ما يستحقه عمالة أو جعالة. وأما قولهم: ((إن الجعالة باطلة فيما بين العباد)). قلنا: هي صحيحة بدليل أنه لو قال: ((من رد آبقى فله كذا)) يصح، وإذا رد استحق ولأنهم إذا سلموا أنه صح شرعاً فإذا عقد العقد على وفاق الشرع انعقد، ولأن مثل هذا العقد يحتاج إليه العباد وذلك بأن يكون العمل مجهولاً لا يمكن إعلامه، وإذا احتاج إليه العباد فلو لم يصح ذلك منهم أدى ذلك إلى الحرج العظيم فإذا صح سائر العقود لحاجة العباد، فكذلك هذا العقد يصح ويجوز لحاجة العباد أيضاً.

стр. 414

وأما مسألة العبدين ففي نهاية اللزوم، فإن الربح قد ظهر قطعاً، بدليل أن العامل له المطالبة بالقسمة، وهو بالبيع حتى لو أراد المالك أن يأخذ العبدين ويفوز بهما ولا يعطي العامل شيئاً ليس له ذلك، بل يجبر على التمكين من البيع وقسمة الربح، وكذلك إذا استهلك العبدين أو أعقتهما فإنه يضمن نصيب العامل. ويدل عليه: أنه لو مات العامل يورث نصيبه من العبدين، وأيضاً فإنه لا تجب زكاة العبدين على رب المال، فدلت هذه المسائل أن العبدين كالعبد الواحد، وأنه قد ظهر الربح فيهما، ومع ذلك لم يملكه العامل ولم تجب عليه زكاته دل أن المعنى ما بينا وبطل بهذه المسائل قوله: ((إنه يجعل كل واحد من العبدين كأنه ليس معه غيره))، ثم هذه دعوى بلا دليل ودفع للحقيقة بلا برهان، وبمثل هذا لا تندفع الإلزامات، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 415

كتاب الصوم (مسألة) تبييت النية واجبة في صوم الفرض عندنا. وعندهم: ليس بواجب إذا كان الفرض في وقت بعينه، وإن كان لا في وقت بعينه وجب. لنا: حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة أن النبي ﷺ قال: ((من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له)) ذكره أبو داود في سننه.

стр. 416

(والإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته بمعنى واحد). فإن قالوا: (إن هذا الخبر ليس بمسند، لأن سفيان، ومعمراً وقفاه على حفصة). قلنا: (قد أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، وروايات الثقات مقبولة). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نفى الصوم إذا لم ينوه من الليل، فيقتضى نفيه من كل وجه، وذلك نحمله على نفي الجواز. فإن قالوا: يوجد الصوم مع فقد النية من الليل محسوساً، فكيف ينتفي؟

стр. 417

قلنا: الصوم الفرض مشروعاً لا يوجد قط مع فقد النية من الليل، ومطلق الصوم في الشرع يحلم على الصوم الشرعي، لا على الصوم اللغوي، وليس لهم تعلق صحيح من حيث الأخبار، لأن الخبر الذي يروونه بطريق عكرمة عن ابن عباس، لا يعرف. وقيل: إنه عن عكرمة. والذي يروونه في صوم عاشوراء فلم يثبت وجوب صوم عاشوراء. وقد روى معاوية أن النبي ﵇ قال: ((صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم)). وعلى أنه قد نسخ فصارت أحكامه منسوخة أيضاً. وأما المعنى: نقول: المفروض عليه صوم كل اليوم، وقد صام بعض اليوم ولا يخرج عن المفروض عليه. دليله: إذا نوى بعد الزوال، والكلام مستغن عن القياس، لأن من وجب عليه جملة شيء فيفعل بعضه لا يكون فاعلاً لكله. يبينه: أنه إذا وجب عليه صوم يوم كامل فبعض اليوم لا يتسع لصوم يوم كامل فلم يتصور أداء الواجب عليه في هذا الوقت الذي نواه بالصوم،

стр. 418

وما لا يتصور محسوساً لا مشروعاً إلا بدليل قاطع، ثم إن الدليل على أنه لم يصم كل اليوم أن النية شرط لأداء الصوم فإن/ الصوم لا يكون صوماً إلا بالنية، والنية عزيمة على الشيء في المستقبل. وأما العزم على فعل شيء في الماضي فلا يعقل، وهذا لأن ما مضى يتأسف عليه وما يوجد في المستقبل يعزم عليه. ولأن الفعل في الزمان الماضي إذا لم يتصور فكذلك العزم على الفعل في الزمان الماضي لا يتصور، وهذا لا يحتاج إلى كثير إطناب، لأنه أمر قطعي ببدهية الرأي وأول النظر، بل لا يحتاج على نظر أصلاً. فثبت بما قلناه أنه لم يصم كل اليوم فلا يسقط عنه المفروض عليه في كل اليوم، ويمكن القياس على القضاء، وكل واجب من الصوم لا في زمان متعين. ووجه إلحاق الأداء بالقضاء أيضاً في غاية الوضوح، لأن القضاء مثل الأداء من غير زيادة ولا نقصان، ولم يعهد الأمر بزيادة في القضاء لا تجب في الأداء مثل قضاء الصلاة، والحج، وغيرها. وهذا القياس بهذا التقدير وإن كان في نهاية الحسن غير أن المعنى الذي قلناه كاف وهو مستغن عن كل شبه وعماد فعليه الاعتماد. وأما حجتهم: فاعلم أن معتمدهم النفل فإنه جاز بنية من النهار قبل الزوال بالإجماع. فمشايخهم قالوا: صوم عين فجاز أداؤه بنية من النهار قبل الزوال.

стр. 419

دليله: النفل. قالوا: ومعنى قولنا: ((إنه صوم عين)) أن الوقت متعين له شرعاً، وقرروا النفل، وقالوا: النفل والفرض مستويان في أصل النية ولا يختلفان فيها بحال، ألا ترى أنهما يستويان في أصل النية، ولأن النية هي الإخلاص في العمل وجعله لله تعالى فلا يجوز أن يختلف فيها الفرض والنفل، لأن الإخلاص فيهما واجب، ولابد أن يكونا لله تعالى ليصحا. قالوا: وقولكم: ((إن مبنى النفل على المسامحة والمساهلة بدليل جواز صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام، وجوازه راكباً مع القدرة على النزول))، لا ننكر هذا الافتراق، لكن مع هذا استويا في النية أصلاً ومحلاً على ما سبق. وعلى أن ما استشهدتم به دليل عليكم، لأنه لما جازت الصلاة قاعداً مع القدرة على القيام بكل حال إذا كانت نفلاً جازت أيضاً إذا كان فرضاً بحال، وعندكم لا يجوز. قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه يصير صائماً في النفل من وقت النية، لأنه لو كان كذلك لم يضره الأكل من قبل كما لا يضره الأكل في السحر لمن يصوم من وقت الفجر. ولأنه لو نوى أن يصوم نصف النهار لا يجوز، ولو كان كافراً في أول النهار أو المرأة إذا كانت حائضاً لم يجز لهما أن يصوما. ولو نذر أن يصوم بعض اليوم لا يصح نذره، ولو صام بدل الطعام في جزاء الصيد في الحج، فإنه يصوم عن كل مد يوماً فلو بقي نصف مد

стр. 420

لم يصح صوم نصف اليوم، وهذا لأن الصوم عبادة فلا يعرف أصله ولا مقداره إلا بالشرع والتوقيف ولم يرد الشرع بصوم بعض اليوم بحال، ولو جاز أن يجعل إمساك بعض اليوم صوماً بالرأي جاز أن يجعل السجدة الواحدة والركوع والقومة بانفرادها صلاة بالرأي، وهذا اعتراض معتمد. فهذا وجه تعلقهم بالنفل، وإيرادهم لإظهار إشكاله. وأما أبو زيد قال: تعلق بالنفل أيضاً، وادعى نوعاً من المعنى وتحريره ((يوم صوم)) فالإمساك في أوله لا يتعين للفطر بل يوقف على صيرورته صوماً بوجود النية في معظمه، دليله النفل. وربما يقولون: ركن واحد ممتد فتجعل النية في أكثره كالموجود في كله، قال: ((وإنما فعلناه ذلك لعذر خوف فوت العبادة فإن العبادة إذا فاتت عن وقتها حكم بفواتها على الإطلاق والقضاء يجب بأمر جديد، ولأن الاستدراك بفعل القضاء استدراك فيما يرجع إلى تبعات الآخرة، فأما في درك الثواب وجعل الفوات كلا فوات فلا، بدليل قوله ﵇: ((من ترك صوم يوم من رمضان لم يقضه صوم الدهر كله)).

стр. 421

ولأن القضاء إن كان مثل الأول فعلاً فلا يكون مثل الأول وقتاً، وإذا لم يكن القضاء مثل الأول من كل وجه فلم يتحقق الاستدراك والحكم بعدم الفوات. فثبت أن القول بعدم جواز النية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة، فلأجل خوف الفوات جوز بنية من النهار وحكم بوقوف الإمساك ليصير صوماً بنية توجد في أكثر النهار فيصير كالموجود في كل النهار حكماً مثل النفل سواء. فأما إذا لم يجز بنية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة أصلاً فلخوف فوتها حكم بما ذكرنا كذا ههنا. قالوا: وأما إذا نوى بعد الزوال فلا يمكن كما في النفل، لأنه لم يغلب وجود النية بل غلب عدمها، وههنا غلب وجودها وإقامة عذر في عذر ........ عند غلبة وجود النية لا يدل على إقامة ذلك العذر عند غلبة العدم. وربما تعلقوا بالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يصير مدركاً للركعة لغلبة الإدراك. وأحسن استشهاده لهم في التعلق بالعذر الذي قالوه، هو أنه إذا نذر أن يصوم شهراً بعينه متتابعاً فأفطر في ومن منه لا يؤمر بالاستئناف بخلاف ما إذا أطلق الشهر، لأنا إذا أمرناه/ بالاستئناف في شهر بعينه أدى إلى

стр. 422

فوات العبادة عن وقتها الذي سمى له بخلاف المسألة الثانية فهذا نهاية ما يمكن من إبراز المعنى. وقد تعلق أبو زيد أيضاً بالحرج وقال: ((إذا لم يجوز بنية من النهار أدى إلى حرج عظيم يلحق الناس، لأنه يجوز أن ينسئ الصوم حتى يصبح والنسيان عذر عام في الناس وقد يكون يوم شك لم يظهر أنه من رمضان بعد ارتفاع النهار، وكذلك ربما يحتلم الصبي في بعض الليل ولا يعلم إلا بعد أن يصبح، أو تطهر الحائض ولا تعلم إلا بعد أن تصبح فجوز الشرع التأخير في النية لدفع الحرج، كما جوز تقديم النية لدفع الحرج، وحصول الحرج في المنع من تقديم النية شيء معلوم لا يخفى، فإنه يتعذر على أكثر الناس فعل النية عند الشروع، لأنه وقت نوم وغفلة، ولأنه لا يعلم وقت طلوع الفجر إلا الخواص من الناس فالحرج ظاهر في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى بينا وجوده أيضاً فليتفق الجانبان في الجواز أعني التقديم والتأخير). قالوا: وأما بعد الزوال فلا حرج، لأن الأعذار التي قلناها ترتفع غالباً قبل الزوال ولا تدوم إلى أن تزول بحال، وأوردوا تقديم النية على فصل العزم الذي قلناه. وقالوا: كما لا يتصور محسوساً انعطاف العزم على زمان ماض فلا يتصور أيضاً أن يقدم العزم إلى عارض في المستقبل خصوصاً إذا عزم من أول الليل ثم ينام إلى الصبح فأين العزم عند الشروع وهو لا يشعر بشيء ما؟ بل قيل: وجد العزم حكماً وإن لم يتصور محسوساً، كذلك

стр. 423

ههنا إذا أخر، نقول: وجد العزم من أول اليوم حكماً وإن لم يتصور محسوساً. الجواب: أما الأصل الذي ادعيناه فهو في نهاية القوة. والحرف الوجيز: أن الصوم لا يكون إلا بالنية، والنية لا تتصور إلا في المستقبل فصار صائماً بعض اليوم وصوم كل اليوم لا يتأدى ببعضه. وأما النفل فعندنا يصير صائماً من وقت النية، لأن إثبات الصوم قبل وجود النية لا مطمع فيه. وقد ورد النص الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يدخل عليها ويقول: ((هل عندكم من طعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني إذاً لصائم)). فلا يمكن إبطال الصوم لوجود النية بالنهار بهذا النص، ولا يمكن إثباته من أول النهار لما بينا من الحقيقة فجعلناه صائماً من حين ما نوى ضرورة. وقد أيد هذا النص كون الصائم متبرعاً، والمتبرع يتبرع بقدر ما يختاره

стр. 424

فإن شاء صام كل اليوم وإن شاء صام بعض اليوم، كما أنه بالخيار إن شاء تصدق بحبة وإن شاء بمائة دينار، والاعتماد على الخبر. وأما الذي قالوا: ((إنا عرفنا أصل الصوم وقدره بالشرع، ولم يرد الشرع بالصوم فيما دون ما ذكرنا)). وأما الأحكام فنحن نجوز صوم بعض اليوم بشرط أن لا يكون أكل من أول النهار، لأن النص كذلك ورد فجعلنا ترك الأكل في أول النهار شرطاً لئلا يقع العدول عن مورد النص، ولأنه إذا أكل فيكون الصوم على وفاق العادة وإذا لم يأكل يكون على خلاف العادة والعبادة ما يكون على خلاف العادة. وأما الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في غير رمضان فنوى صوم باقي اليوم يجوز، وأما إذا نوى أن يصوم إلى نصف النهار فقد منع بعضهم، وليس بشيء، والصحيح التسليم وهو مشكل جداً. ووجه الصواب من هذا الفصل أن نقول: إنما جوزنا صوم بعض النهار بالنص، والنص ورد بصورة واحدة وهو أن يكون ممسكاً في أول النهار ثم يصوم البقية ويصير إمساكه في أول النهار شرطاً لصومه في آخر النهار، وهذا يمكن إثباته على وفق أصول الشرع، لأن شرط العبادة، قد يسبق العبادة. فأما إذا نوى الصوم إلى نصف النهار ثم يفطر فهو على خلاف صورة النص. ولأنه لو أكل في باقي النهار فيكون إمساكاً على وفاق العادة، وقد بينا أن مثله لا يكون عبادة، وإن لم يكن وجعلناه شرطاً لصومه في أول النهار فيكون هذا شرطاً متراخياً عن العبادة ولا يوجد لهذا نظري في أصول الشرع فلا يمكن إثباته. وأما مسألة جزء الصيد فنحن إنما ادعينا ما ادعيناه في النفل لا في

стр. 425

الواجبات، والواجب لا يكون في معنى النفل بحال، فهذا الذي قلناه وجه الجواب عن النفل، وقد خبط الأصحاب فيه خبطاً عظيماً. وعندي أنه قد انزاح الإشكال عنه بالطريق الذي قلته فليعتمد عليه. وإذا عرفت هذا الجواب على هذا الوجه، سهل الكلام على باقي ما أوردوه، ونشير إلى وجه الجواب عن بقية كلام على التخليص فنقول: أما العذر الذي اعتقدوا وجوده لجواز النية من النهار فهو خوف فوات العبادة قلنا: لا فوت بحال، لأن القضاء قد وجب، والقضاء وجب شرعاً لئلا يقع الفوات فإذا وجب القضاء منع الفوات فكيف يجوز/ اعتقاد الفوات مع وجوه؟ وهذا لأنا نقطع أن من فاته صوم في رمضان بعذر فقضى يصير متلافياً ما فاته من كل وجه، والخبر الذي أوردوه إنما هو فيما إذا ترك صوماً متعمداً. ثم نقول: النية شرط، والفوات الذي تحقق فهو فضيلة وقت، وفوات فضيلة الوقت لا يكون عذراً في ترك شرط الصوم، لأن الشرط واجب، والفضيلة زيادة على واجب. وأما قولهم: ((إن الإمساك ينبغي أن يكون موقوفاً)). قلنا: إيقاف الإمساك في زمان ماض لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه. وكذلك الجواب عن قولهم: ((إنا نقيم وجود النية في الأكثر مقام النية في الكل)). فهذا لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه، وهذا لأن صوم كل اليوم واجب فتكون النية في كل
следующие страницы →