← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17882

الاصطلام - ط المنار

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (658 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأما دلائلهم على أنها عباده محضة: أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لهاً، لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقاً للآدمي يكون بدليل يقوم عليه. وأما قولهم: ((إن الزكاة شكر نعمة المال)). قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق. وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها شكر نعمة بل بدليل آخر: وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال. أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقاً لله تعالى على الخلوص. يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقاً للعبد بدليل العشر وصدقة الفطر، دل على انقطاع المشابهة. وكذلك الحج خارج على هذا. وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية. وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان

стр. 352

ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدناً في الصلاة والصوم ولم يؤثر في المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضاً على ما ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدناً بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، والمعتمد ما سبق. وأما قولهم: ((لا سبب ليجب الحق على الفقراء)). قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن المواصلة ديناً سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سبباً لإيجاب الصلات. وأما ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: ((إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير)). فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم الفقير يملكه من قبل الله تعالى بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف. وأما قولهم: ((إنه إخراج إلى الله تعالى)). قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنًى سوى هذا،

стр. 353

وقد بيَّنا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه. وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهراً وجبراً على الصبي والمجنون. فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا. وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة تبعاً فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق. والله أعلم. وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر: فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس وقال: ((ألا من ولى يتيماً وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)).

стр. 354

وذكره أبو عيسى في جامعه قال: (عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قال: ((وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم. قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 355

(مسألة) الدين لا يمنع وجوب الزكاة على الأصح من قولي الشافعي ﵁ . وعندهم: يمنع. لنا: إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه. دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا.

стр. 356

وفقه المسألة: أن سبب وجوب الزكاة مال بصفة لمالك مخصوص وقد وجد بعد وجود الدين حسب وجوده قبل وجود الدين، ونعني بالمال بصفة هو النصاب النامي، إما بالسوم أو بالتجارة، ونعني بالمالك المخصوص هو الحر المسلم وهذا قبل وجوب الدين وبعد وجوبه واحد لا يختلف، وهذا لأن الدين وجب في الذمة ولا اتصال له بالمال إلا عند قضائه وأدائه فقبل أن يتصل به فعل القضاء يكون المال وصفة الملك فيه على ما كان من قبل وهو كالشقص المشفوع، فإن الملك فيه للمشتري قبل اتصال أخذ الشفيع به على ما كن من قبل للبائع، وكذلك في القصاص فإن عصمة دم من عليه القصاص اتصال الاستيفاء به يكون على ما كان من قبل وجوب القود. يبينه: أن الوجوب في الذمة ولا تضايق ولا تمانع الذمة فيجوز أن يجب فيها الحقوق الكثيرة وتجتمع فيها من غير تزاحم وتضايق، فإذا جاز أن تجتمع الديون للناس والزكوات لله تعالى، كذلك حقوق الله تعالى من الكفارات وغيرها والديون، جاز أن تجتمع أيضاً الزكوات والديون، لأنه لا تزاحم في المحل ولا تنافي في الأهلية فاستوى الكل في الوجوب. وأما حجتهم: قالوا: ((المديون فقير فلا تجب عليه الزكاة كسائر الفقراء)). والدليل على أنه فقير أنه يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله وحل الصدقة دليل الفقر بدليل قوله ﵇: ((لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى ولا مكتسب)).

стр. 357

ولقول معاذ حين صار إلى اليمن: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم وأردها في فقرائكم)). ولأن علة استحقاق الصدقة هو الفقر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ....﴾، هذا هو أصل العلة، وسائر الأسباب المذكورة لبيان جهات الفقر أو أسباب الحاجة. فثبت أن حل الصدقة دليل الفقر. يبينه: أن ماله بمنزلة المعدوم لاستحقاقه بالدين، ألا ترى أنه يحبس ويطالب لاستحقاق الغرماء لذلك، وعندكم يباع ماله ويقضي منه دينه ويحكم بإفلاسه وإذا مات يموت بمنزلة الفقراء/ المعدومين لا تقسم ورثته درهماً ولا دونه، فدل أنه فقير حقيقة وحكماً، والفقير لا زكاة عليه، لأنه لا يليق بحكمة الشرع أن يلزمه إغناء الغير بإحواج نفسه، ولأن نفسه أهم إليه من غيره فإذا كان هو نفسه تصرف إليه الزكاة فكيف تجب عليه الزكاة؟ وترك ما في يده عليه أولى من أخذه ورد مال غيره إليه. وربما يقولون بوجه آخر: وهو أن مال المديون مشغول بحاجته فلا تجب عليه فيه الزكاة. دليله: عبيد الخدمة وثياب المهنة، ونعني بالحاجة حاجة قضاء الدين بل

стр. 358

حاجة قضاء الدين أهم من حاجة اللبس والركوب، لأن تلك الحاجة يجوز التجاوز عنها وتزحية الوقت بما يدفعه، وهذه الحاجة لا يجوز التجاوز عنها بحال بل يجب تقديمها ويحرم التغاضي عنها، فإن قلتم: ((إن إعداد ماله للسوم والتجارة دليل عدم الحاجة)). فنقول: اشتغال ذمته بالدين دليل الحاجة فتعارض ظاهران، والأصل عدم الوجوب فلم يجب. قالوا: ولا يلزم على الطريق الأول مسألة ابن السبيل والعامل حيث يحل لهما الصدقة وتجب عليهما الزكاة. أما ابن السبيل فهو فقير يداً غنى ملكاً فصار كشخصين غنى وفقير فتجب عليه الزكاة لغناء بملكه، وتحل له الصدقة لفقره بيده، أما ههنا فملكه في يده فإذا كان غنياً فلا يتصور أن يكون فقيراً، لأن الغنى والفقر وصفان متضادان لا يجتمعان بحال، لأن أحدهما وصف وجودي والآخر وصف عدمي، فكما لا يجتمع العدم والوجود في شيء واحد لا يجتمع الفقر والغنى أيضاً، اللهم إلا أن يتفرق الوجود والعدم في مجلس، كما كان في ابن السبيل. يبينه: أن عندكم في مسألتنا تحل له الصدقة في حال وجوب إعطاء الزكاة عليه ولا يتصور هذا في ابن السبيل، لأن حال ما يأخذ لا إعطاء عليه. وأما العامل فمنع بعضهم فقال: لا يجوز إلا أن يكون فقيراً، وليس بشيء، والمذهب التسليم، والأول خرق الإجماع.

стр. 359

وقالوا على التسليم: أن الذي يأخذه العامل أجرة عمل لا صدقة بدليل أنه يستحق بالعمل إلا أنه لما دخل في سهام الصدقات أشبه الصدقة من وجه فلم يحل للهاشمي ونزه عنه، لأن حرمة الصدقة عليه على سبيل التنزيه له عن غسالة أوساخ الناس ومن تمام التنزيه أن ينزه عن ما يشبه الصدقة. وأما الغني فلم تحرم عليه الصدقة على طريق التنزيه له إنما حرم لعدم الحاجة وبالعمل ظهر نوع حاجة إلا أنه لما شغل نفسه وأعوانه بجمع الصدقات فلابد من جامع لها ولابد من كفاية رزق مثل أرزاق القضاة، والأئمة والمحتسبين والمؤذنين وغيرهم الذين يشغلون أنفسهم بأعمال المصالح فحل له أجرة عمل بعمله ولم ينظر في جريانه في سهام الصدقات وكونه غنياً في نفسه، لأن حدوث نوع حاجة له بالعمل قد منع النظر إلى غناء وجريانه في سهام الصدقة. قالوا: وأما إذا كان له خمس من الإبل مهازيل فإذا أوجبنا عليه الزكاة حرمنا عليه الصدقة. وأما إذا كان عنده من الفاضل عن ثياب المهنة وأقمشة البذلة ما يبلغ قيمته نصاباً لم يحل له الصدقة لغناه، ولم تجب عليه الزكاة لفقد شرط شرعي اعتبر مع الغنا وهو كون النصاب بوصف النما ليندفع الحرج بإيجاب الزكاة ويصير الوجوب بوصف اليسر، فهذه مسائل تمسكتم بصورها وهي خارجة عن المعاني القادمة المؤثرة، وأما القاعدة فهي على حقيقتها في نهاية الوضوح على ما سبق.

стр. 360

وقد تعلق مشايخهم في هذه المسألة بالحج قالوا: لما منع الدين وجوب الحج فيمنع وجوب الزكاة. يبينه: أن كل واحد متعلق بالملك، فإذا جعل الملك كالعدم في الحج فكذلك في الزكاة. قالوا: وأما الدين المظنون فلا يمنع وجوب واحد منهما. وأما نفقة الأهل للذهاب والرجوع فمتحقق وجوبها حال اشتغاله بالحج فكيف يكون مظنوناً؟ وهذا لأن فعل الحج لابد له من مدة ولابد للمدة من نفقة وهذا لا يوجد في الزكاة. ومنعوا الدين الطارئ في الحكمين. وأما الدين المؤجل فقد اضطربوا فيه فبعضهم اعتبر نفس وجوب الدين ومنع به الحج والزكاة. وبعضهم نظر إلى وجود المهلة والفسحة في الحال وسقوط المطالبة. قالوا: وأما ديون الله تعالى مثل الكفارات وغيرها فلا تمنع الحج ولا الزكاة، والسبب فيه عدم وجود المطالبة في الدنيا، وإنما نهاية أمرها التأثيم في الآخرة فكأنها واجبة في أمر الآخرة لا في أمر الدنيا، ويقال: وجود الحاجة إلى فعلها للآخرة لا للدنيا فلم يصر المال مشغولاً بتلك الحاجة حتى/ يكون اشتغاله بحاجته مانعاً من وجوب زكاته بخلاف مسألتنا على ما سبق. قالوا: وأما العشر فيمنعه الدين في إحدى الروايتين، وإن سلمنا فهو مؤنة من مؤن الأرض، ويجب على الفقراء والأغنياء جميعاً كالخراج، وقد أدى كثير من مشايخهم في هذه المسألة نقصان الملك بالدين ودليل النقصان كون الدين إذا اتصل به القضاء إيفاء في جانب من عليه واستيفاء في

стр. 361

جانب من له، ووصف الإيفاء والاستيفاء دليل على سبق الاستحقاق، والمستحق للغير ناقص الملك في حق مالكه في الحال. ويدل عليه: أن من له الدين إذا قدر عليه، وكان من جنس حقه يأخذ من غير قضاء ولا رضا وإذا أخذه ملكه، فهذا إن كان لا يدل على عدم الملك فلا أقل أن يدل على النقصان. قالوا: وأما الأخذ بالشفعة فلابد فيه من قضاء أو رضا فيأخذ حكم التمليك المبتدأ. وقال بعضهم: إيجاب الزكاة على المديون يؤدي إلى إيجاب الزكاة بسبب مال واحد مرتين أو مرات، وصوروا صورة فهذا مجموعة كلامهم في المسألة. الجواب: أما قولهم: ((فقير)). لا نسلم، بل هو غنى، لأن الغنى بالملك، وقد بينا أن ملكه قبل الدين وبعد الدين واحد، لأن الدين لا ينافي صفة الغنا فهو غنى مديون. وأما حل الصدقة فقد منع إلا في موضع مخصوص على ما عرف، وإن سلم فحل الصدقة لا يمنع الغنى، بدليل ابن السبيل والعامل. وعذرهم ضعيف عن المسألتين. أما ابن السبيل فهو غنى قطعاً، لأنه يملك الألوف إلا أنه بعيد عن ماله غير متمكن منه والغنا بالملك لا بالتمكن، والدليل على الغنى وجوب الزكاة عليه. وقولهم: ((إنه غنى ملكاً فقير يداً)).

стр. 362

قلنا: الغنى بالملك يوجد، فأما اليد ثمرة الملك، ألا ترى أن المكاتب والعبد المأذون لهما يد في المال ولا غنى لهما، والراهن لا يد له وهو غنى بما يفضل عن دينه من الرهن، وذلك إذا كان الرهن يساوي الألوف والدين شيء يسير، وتجب عليه الزكاة في الفاضل عن الدين. وأما العامل فهو لازم المنع ليس بمذهب وهو مخالفة لنص القرآن والإجماع. وقولهم: ((إنه أجرة العمل)). قلنا: هو يعمل لله تعالى، لأن الحق عندكم متمحض له فوجب أن تجب الأجرة في مال المصالح، وعلى أنه يبطل بالهاشمي فإنه لا يجوز أن يكون عاملاً، ولو كان المأخوذ أجرة العمل يحل له. وقولهم: ((إنه يشبه الصدقة من وجه ويشبه أجرة العمل من وجه)). قلنا: فإن كانت شبهة الحرام يصان الهاشمي عنها فوجب أن يصان الغنى عنها أيضاً. وقولهم: ((إنه حدث له نوع حاجة)). قلنا: عندكم محل الصدقة هو الفقير فقط، وباشتغاله بهذا العمل لا يصير فقيراً بدليل وجوب الزكاة عليه مثل ما يجب على الغني غير العامل، فالمسألتان في نهاية اللزوم، ولا يتضح لهم العذر عنهما أصلاً. ثم الجواب فقهاً: إن وجوب الزكاة بالغنا وحل الصدقة بكونه غارماً، والغارم تحل له الصدقة بنص القرآن. فإن قالوا: ((لابد من بيان المعنى)). قلنا: لا يلزمنا، ثم حلية الصدقة بحاجة الغارمية.

стр. 363

قالوا: ((فإذا هو فقير)). قلنا: لا، لأن الغنا بملك النصاب النامي والملك بعد الدين كما كان قبل الدين، والغنى في الحالين واحد، والغنى بالملك لا ينافي حاجة تحدث بوصف عارض، لأن الغنى لا ينافي الحاجة غرماً، كما لا ينافي الملك الغرم، لا ينافي الغنا بالملك وجود الحاجة بالغرم فهو غنى ملكاً محتاج غرماً فوجب الزكاة عليه لغناه بالملك وحلت له الصدقة بحاجته بالغرم مثل ابن السبيل غنى بملك محتاج لبعده عن ملكه فوجبت الزكاة عليه بملكه وحلت له الصدقة لبعده عن ملكه، وهذا جواب معتمد. ويمكن أن يقال: إن وجوب الزكاة بالغنا الشرعي، وذلك بملك النصاب النامي، وحرمة الصدقة بالغنا الحقيقي، بدليل أن من ملك فاضلاً عن ثياب مهنة، وأموال بذلته ما بلغ قيمته نصاباً لا يجب عليه الزكاة لعدم الغنا الشرعي، وحرمة الصدقة للغنا الحقيقي، فإن عندنا من ملك خمسة من الإبل المهازيل وهو ذو عيلة وجب عليه الزكاة للغنا الشرعي، وحلت له الصدقة للفقر الحقيقي، فكذلك المديون له الغنا الشرعي فوجبت عليه الزكاة، وليس له الغنا الحقيقي فحلت له الصدقة. وأما قولهم: ((إنه مشغول بحاجته)). قلنا: لا ننكر وجود أصل الحاجة، وما من مال للغنى إلا وهو محتاج إليه. وأما اشتغال المال بالحاجة ممنوع لما بينا أن الدين في ذمته، ولا حاجة للدين إلى محل سواه، وإنما يتصل بالمال عند الأداء فلا يوصف باشتغاله به قبل الأداء مثل القصاص الواجب في النفس لا توصف النفس باشتغالها بهذا الواجب إلا عند اتصال الاستيفاء به وظهر بما قلنا الفرق بين مال المديون/ وبين الأموال التي يتخذها لبذلته ومهنته، ثم نقول: علامة الفاضل عن حاجته في المال إعداده للتجارة والسوم، وهذا موجود وإن كان مديوناً.

стр. 364

وقوله: ((على هذا أنه يعارض اشتغاله بذمته بالدين)). قلنا: ولكن الرجحان لوصف السوم والتجارة، لأنه وصف لازم المال، وأما الدين بالذمة فلا تعلق بالمال. يبينه: أنه يوجد فاضل عن الحاجة لا تجب فيه الزكاة مثل ما يملكه من العبد والدواب والحوانيت التي لا يريد بها التجارة ولا حاجة له إليها لبذلته، فكذلك يجوز أن يوجد مشغول بحاجته تجب فيه الزكاة وكان المعنى في الأول وصف النماء وإن كان فاضلاً عن حاجته، وكذلك ههنا المعنى في الوجوب وصف النماء وإن كان مشغولاً بحاجته، وعلى هذا انزاح الإشكال، ووضح الكلام نهاية الوضوح. وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه: أن وجوب الحج بالمكنة، ولا يمكن مع الدين حقيقة وحكماً. أما الحقيقة المحسوسة فلأنه يطالب ويلازم ويحبس فلا يتمكن من الخروج، وأما الحكم فلأن المسلم هو الدين الحال، وقد ثبت عندنا أن الحج على التراخي والدين على الفور فقدم عليه في حكم الشرع وصار تقدمه عليه مفوتاً للمكنة التي هي من شرط الوجوب. وأما الزكاة فلا تشترط المكنة، في وجوبها، وأيضاً فإنه على الفور مثل الدين فلم يقدم عليه ولا يمانع ولا يضايق في وجوبها فالدين وجوبه بعقد المعاملة والزكاة وجوبها بنفس الملك وواحد منهما لا أثر له في صاحبه فاجتمع الواجب بهما اجتمع سبباهما والحج لا يجب بنفس الملك ما لم يوجد المكنة، وقد بينا أنها فاتت فسقط وجوبه. وقد أجاب الأصحاب بوجوه، رأيت كلها ضعيفة. وهذا الوجوب حسن يمكن تمشيته فاقتصرنا عليه.

стр. 365

وأما الدين الذي ادعوه من نقصان الملك فليس بشيء، وقد دللنا على كمال ملكه وملك التبرعات وحل الوطء معتمد. وقولهم: ((إن الدين إذا قضي فمن عليه يقضي ما عليه وصاحب الدين يقتضى ماله)). قلنا: نعم، هذا يقضي ديناً عليه، وهذا يقتضي ديناً له، والاقتضاء في الدين كذا يكون. فأما العين التي هي محل الزكاة، فالتمليك بها يستأنف قطعاً فهو نظير تملك الشقص بالشفعة فلا يمنع الوصف بتمام الملك، ووجوب الزكاة بدليل مسألة الشفعة. وقوله: ((إنه يأخذ حقه من ماله إذا قدر عليه)). قلنا: لا جرم ......... إذا أخذ ملكه فلم يدل هذا على نقصان ملكه قبل الأخذ. ألا ترى ن الأب يأخذ مال ابنه عند الحاجة ويملكه، ولا يدل على نقصان الملك من قبل، وكلامه الأخير ليس بشيء، وقد سبق جوابه. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 366

(مسألة) لا يجوز دفع القيم سوى المنصوص عليه في الزكاة عندنا. وعندهم: يجوز بطريق القيمة. لنا: الحديث المعروف وهو قوله ﵊: ((ومن بلغت إبله خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم يكن فابن لبون ذكر))، فقد شرط ﷺ عدم ابنة مخاض في جواز إخراج ابن اللبون، دل أنه لا يجوز مع وجودها. يبينه: أنه ﷺ نقل من سن معين إلى سن معين من غير تعرض للقيمة مع علمه باختلافهما في القيمة عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، دل أن الرجوع إلى القيمة ساقط. ويمكن أن يقال أيضاً: أنه ﷺ جوز ابن اللبون على الإطلاق. وعندكم لا يجوز إلا إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت المخاض، فهذا تقييد ليس عليه دليل، فقد قلتم: إن تقييد زيادة، والزيادة نسخ.

стр. 367

قالوا: إنما جوزنا ابن اللبون مكان بنت مخاض بالقيمة بدليل أنه ﷺ قابل فضلاً بفضل، والمقابلة تقتضي المعادلة، والمعادلة تكون بالقيمة. واستدلوا على جواز القيمة في الزكاة بالخبر الذى روى أنه ﷺ رأى ناقة كوماء في إبل الصدقة فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال الساعي: أخذته ببعيرين من إبل الصدقة))، وأخذ البعير لا يكون إلا بطريق القيمة. واستدلوا بحديث معاذ المعروف وهو قوله لأهل اليمن: ((ائتوني بكل خميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة)).

стр. 368

الجواب: أما الأول فنحن لا ننكر أن الشرع ورد بمقابلة فضل بفضل، والكلام أنه هل كان بطريق القيمة؟ وليس عليه دليل. والجملة أن ابن اللبون ورد به التوقف، وكذلك الخبران المذكوران في أخذ شاتين أو عشرين درهماً أوردهما في الموضع الوارد فالكل على التوقيف. فأما الخبران اللذان أوردهما ففي إسنادهما مقال. والأصحاب أولوا الأول، وقالوا: كان ذلك شراءً وبيعاً بإذن الإمام. وقالوا في الثاني:/ المراد من الصدقة الجزية، وسميت صدقة على طريق المجاز، كما كان يسمى المأخوذ من بنى تغلب صدقة وقد كان جزية، بدليل أن معاذاً ﵁ أخبر أنه ينقلها إلى المدينة، ولم يكن من مذهبه جواز النقل في الصدقات، ولأنه ذكر الهجرة والنصرة في الإشارة إلى الاستحقاق بهما والجزية تستحق لهما لا الصدقة. وأما المعنى: نقول المنصوص عليه هو الواجب فلا يجوز غيره. دليله: كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو

стр. 369

الواجب أن الوجوب علم بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه فلا يجب بالنص إلا ما ورد به النص. يدل عليه: أن الزكاة إن كانت عبادة فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد بدليل الصلاة وأفعالها، فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل أن الله تعالى إذا وضع عبادته على جارحة بفعل يوجد منها لم تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة على المال وسماه بفعل يوجد منه لم يقم الفعل منه في مال آخر مقامه. يدل عليه: أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل ولا تقبله فكذلك كيفيتها، وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء، فالحق الواجب للآدمي في عين لا يقوم غيرها مقامها إلا بسبب شرعي من معاقدة ومعاوضة وغير ذلك. يدل عليه: أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحل يتعلق الوجوب بصورته ومعناه مثل ما لو أسلم في شيء واشترى شيئاً، وكذلك إذا أوصى الإنسان بشارة أو أوصى بشاة من أربعين من الغنم أو ببعير من خمس وعشرين من الإبل للفقراء تعلق حقهم بعين ذلك، كذلك ههنا. وأما حجتهم: قالوا: الزكاة واجبة للإغناء أو لدفع الحاجة، لأنها وجبت على الغنى للمحتاج فيكون بعلة الإناء ودفع الحاجة، وقد قال ﷺ في صدقة الفطر: ((أغنوهم عن المسألة في هذ اليوم)).

стр. 370

ولأن التعليل واجب ما أمكن، وقد أمكن التعليل بالإغناء وهو تعليل صحيح مؤثر، وإذا علل بهذا فالإغناء بالأصل والقيمة واحد فاستويا في الجواز، وشبهوا الزكاة بالجزية والخراج. وقالوا: أما الصلاة فإنما لم يجز فيها التعليل، لأنها لو عللت عللت بالخشوع، وفي كل فعل من الصلاة نوع خشوع لا يوجد في غيره فبطل التعليل، وفي مسألتنا الإغناء الذي يوجد في المنصوص عليه يوجد في القيمة. قالوا: وأما السجود على الذقن والخد فليس بعبادة بل هو عبث فلا يقوم مقام العبادة بخلاف القيمة فإن إخراجها في الجملة يكون عبادة فجاز أن يقوم أداءها مقام أداء المنصوص عليه. قالوا: وأما إخراج المنافع إنما لا يجوز، لأنها ليست بمال، وإن كانت مالاً فهي في المالية دون العين على ما عرف في كتاب الغصب فلا يقوم مقامه، فتعلقوا بما لو أخرج بعيراً عن خمس من الإبل فإنه يجوز وإنما جاز بالقيمة لأنه غير منصوص عليه، ولا يجوز أن يقال: جاز بدليل النص، لأنه لما جاز عن أضعاف الخمس ففي الخمس أولى، لأن هذا يبطل بما لو أخرج ست حقائق عن إحدى وستين وهو ثلاث مائة وخمسة مثل البعير في مسألة الإلزام. قالوا: ((ولا يجوز أن يقال إن الواجب في خمس من الإبل خمس بعير فلأن يجوز بعير كامل أولى. لأنه ليس كما زعمتم بل الواجب في خمس من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمساً وعشرين فقبل بلوغه

стр. 371

هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من البعير، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين فقبل بلوغه هذا القدر لم يقدر إيجاب شيء من الشاة)). يبينه: أنه كيف يقدر إيجاب خمس من البعير في خمس من الإبل، وقد وجبت الشاة فيها؟ فثبت بما قلنا أن جواز البعير كان بالقيمة فإذا جازت القيمة في هذه الصورة فوجب أن يجوز في كل موضع هذه طريقة مشايخهم. وأما طريقة أبي زيد فقد بنى كلامه على ما سبق من قبل وهو أن الزكاة حق الله تعالى على ما بينا، ثم الفقير مصرف لهذا الحق، ووصوله إليه من قبل الله تعالى إيفاء للرزق الموعود إلا أن الرزق الموعود للفقير مال مطلق يحصل به كفايته لا بمال مخصوص معين، وهذا لأن حاجته ترتفع بالمال المطلق لا بالمقيد. وأما حق الله تعالى في مال معين ثم لما أمر الله تعالى بصرفه إلى الفقراء نائباً عن الله تعالى في قبض حقه فإذا حصل الأداء إلى الله تعالى بقبض الفقير فبعد ذلك يصير حقاً للفقير لرزقه الموعود فصار الفقير قابضاً رزقه الموعود بواسطة حصول الأداء إلى الله تعالى، وهذا كمن له على إنسان عشرة دراهم/ فأمر رب المال المديون أن يتصدق بها على الفقراء فإنه يصح، ويصير الفقير نائباً عن صاحب الدين في قبض الدين ثم يصير قابضاً حقاً لنفسه، وكذلك إذا كان على رب الدين عشرة دراهم لرجل آخر فقال لمديونه: اقبض العشرة التي على بما لي عليك فقضاها يصير القابض نائباً عنه في قبض حقه أولاً ثم يصير مستوفياً حق نفسه كذلك ههنا.

стр. 372

قالوا: وإذا كان القابض هو الفقير وحقه في مال مطلق احتجنا إلى أن نجعل حق الله تعالى في مال مطلق ليصح قبض الفقير، فإنما يقبض لله تعالى ما يقبضه لنفسه رزقاً له فيسقط حق الله تعالى في صورة الشاة لضرورة تحقيق قبض الفقير حق نفسه فصار حق الله تعالى مؤدى بمال مطلق بقبض الفقير ثم صار الفقير قابضاً، وهذا هو الأصل في كل حقين مختلفين يتأديان بقبض واحد فإنه يصير الحق الأول على وصف الحق الثاني ليتأدى حق الأول بقبض الثاني حقه. ومثال هذا: رجل عليه مائة درهم لرجل وله على آخر كر حنطة أو عنده كر حنطة وديعة فقال للذي عليه الحنطة: اقض الدراهم التي على بما لي عليك من الحنطة، فإنه يصير مأموراً ببيع الحنطة بالدراهم حتى يمكن أداؤها إلى صاحب الدين وهو الدراهم، فقبض هو حق نفسه وحقه في الدراهم فثبت قبض صاحب الحنطة في ضمن قبضه حق نفسه وذلك إنما يتصور إذا كان حق صاحب الحنطة على وصف حقه فجعل الديون مأموراً ببيع الحنطة ليصير كذلك، فكذلك ههنا يثبت ما ادعيناه بالحقيقة والمثال، وربما قالوا على فصل التعليل: إنا لا نعلل حق الله تعالى إنما نعلل جانب حق الفقير وهو ما استحق من مال صالح لكفايته ويعدى معنى الصلاحية لكفايته إلى كل ما يكون في معناه. قالوا: ولا يلزم صدقة الفطر، وذلك إذا أدى ربع صاع حنطة يساوي نصف صاع حنطة حيث لا يجوز عن النصف، فإنه إنما لم يجز لأنه لو جاز إنما جاز لقيمة الجودة، ولا يجوز أن تعتبر الجودة في هذا المد بدلاً عن مد آخر، لأن الجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها بخلاف ما لو أدى شاة سمينة في الزكاة فإنها تجوز عن شاتين، لأن الجودة في الشاة متقومة، فأما إذا أعطى نصف صاع تمر جيد عن شعير وسط أو بالعكس إنما لم يجز

стр. 373

لأن التمر والشعير والحنطة وإن كانت أجناساً مختلفة في سائر الأحكام، ولكن في صدقة الفطر كلها جنس واحد، لأن المعنى المطلوب من الكل واحد وهو دفع حاجة الفقير، وإذا صار الجنس جنساً واحداً في هذه الحكم بطلت نية التمييز، ولم تصح نية إقامة الحنطة مقام الشعير، لأن الكل شيء واحد، ومتى بطلت النية وقعت الحنطة عن نفسها والجودة لا قيمة لها فلا يجوز إلا عن القدر الذي أدى، ولا يلزم على العدد إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن طعامهم في الكفارة حيث يجوز، لأن الطعام مع الكسوة جنسان مختلفان لاختلاف معنى المطلوب منهما، وأمكن صرف أحدهما إلى الآخر لتغايرهما. قالوا: وأما إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن كسوتهم وهو يساوي ذلك لا يجوز، لأن الكسوة في كفارة اليمين وجبت مطلقة غير مقيدة بالوسط فعلى أي وصف كان الثوب وقع عن نفسه فلم يمكن إقامة جودته مقام ثوب آخر، وليس كما لو أعطى شاة سمينة عن شاتين وسطين حيث يجوز، لأن الواجب الشاة هو الوسط بالنص، والجودة متقومة فيها فقدر الوسط وقع عن نفسه، وفضل الجودة المتقومة وقع عن شاة أخرى فهذا هو المعنى في المسائل. وأما أصل القيمة فمجزية في صدقة الفطر بدليل أنه لو أعطى عن الصلع دراهماً أو دنانيراً فإنه يجوز عندنا. قالوا: ولا يلزم الضحايا والهدايا والعتق حيث لا تجوز القيمة فيها، لأنا نسلم أن الحق متى وجب لله تعالى لا يجوز إبطاله بالتعليل، وكذلك حق العباد، ولكن ادعينا أن الله تعالى رضي بتغير حقه لما أمر بصرفه إلى الفقير، وفي الضحايا والهدايا حق الله غير مصروف إلى الفقير، لأن حق الله بتأدى بإراقة الدم لا بصرف اللحم إلى الفقير، وإنما أثبتنا رضا

стр. 374

الله تعالى بتغيير حقه بضرورة أن الفقير هو القابض، وهذا المعنى ههنا معدوم، وكذلك العتق، لأن الحق يتأدى بنفس إتلاف الرق وليس هناك شيء مصروف إلى العبد حتى تقع الحاجة إلى تغيير حق الله تعالى، وكذلك الركوع والسجود وسائر العبادات البدنية، لأن أداءها بفعل يوجد من البدن من غير أن يكون هناك صرف شيء إلى الفقير فخرج على ما قلنا. الجواب: أما الطريقة الأولى فهي بناء على إثبات التعليل، وهذا باطل لما بينا من قبل ولأن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم التعدية مثل ما يفعل في الأشياء/ الستة وسائر المواضع. وعندهم بهذا التعليل يتغير حكم الأصل، لأن حكم الأصل وجوب الشاة ويفوت الوجوب بالتعليل، لأن الواجب ما لا يجوز غيره، فإذا جاز غير الشاة فات وجوب الشاة فتعين حكمه من الوجوب إلى الجواز فبطل التعليل من هذا الوجه. فإن قالوا: لا يتغير حكم الأصل، لأن الشاة إذا أداها يكون أدى الواجب، لكن يتسع محل الواجب مثل الصلاة في وقت الظهر يكون وجوبها موسعاً لا أن يفوت الوجوب في أول الوقت. والجواب: أن النص اقتضى وجوب الشاة على التعيين، وبالتعليل يفوت هذا، فثبت تغيير حكم الأصل قطعاً، وتحقق أن التعليل باطل لهذا الوجه، وهذا جواب حسن على هذه الطريقة. وطريقة أبي زيد والذي يختص بهذه الطريقة: أن يقال لهم إذا عللتم بالإغناء فقد ناقضتم أصلكم، لأن الزكاة عندكم عبادة

стр. 375

محضة وهي حق الله تعالى على الخلوص، وإذا عللت بالإغناء يكون حق الفقير، لأن ما أوجب لإغناء الآدمي يكون حق الآدمي، ولأن التعليل لإسقاط الحقوق عن الأعيان باطل، كما لو أوصى فقال: ((أغنوا فلاناً بشاة أو ببعير أو بدراهم)) لا يجوز أداء غيرها، وهذا لأن العين محل تعلق الحق بها لله تعالى وللفقير، فإذا اتصل بها الخطاب والإيجاب لابد من تعلق الحق بها، وإذا تعلق الحق بها فالتعليل لإبطال الحقوق عن الأعيان باطل مثل سائر الحقوق في العالم. ويقال لهم أيضاً: وجبت الزكاة للإغناء، ولكن بهذا الذي عينه ولا يجوز غيره كما في العبادة البدنية لما أوجب التعبد والتخشع بهذا الفعل الذي عينه فلم يجز غيره. وقولهم: ((إن في كل واحد من الأفعال نوع تخشع لا يوجد في صاحبه)). قلنا: على القطع نعلم أن ما يوجد من التعظيم والتخشع بوضع الجبهة يحصل بوضع الخد وأكثر فوجب أن يجوز. وأما إذا أدى بعيراً عن خمس من الإبل. قلنا: عندنا جاز بالنص وهو قوله ﵇: ((خذ من الإبل الإبل، ومن البقر البقر)).

стр. 376

وهذا لأن الواجب جزء من النصاب ليكون وجوبه على وجه المواساة وصفة اليسر، ولشاة ليست بجزء من الإبل فيكون وجوبها رخصة فإذا لم يوجد وأدى ما هو الواجب الأصلي فلابد من الجواز وهو مثل المسح على الخفين فإنه رخصة ولو لم يفعل بفعله وغسل الرجلين يجوز، وكذلك ههنا، وهذا معتمد. وأما طريق أبي زيد فهي بناء على أصل ممنوع وليس على إثباته دليل معتمد عليه. أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)). فقد دللنا أنها على حق الفقراء فلا نعيد وإذا صارت حق الفقير بطلت حق التعليل لإبطاله حقه أو يعتبره من محل إلى محل، والمنع معتمد. وأما قولهم: ((إن الفقير بقبض ما يقبضه عن الرزق الموعود)). فليس عليه دليل، ويقال لهم: اجعلوا الزكاة صلة من الله تعالى للفقير. وأما الرزق الموعود فدار عليه، والشاة والدراهم في صورة الزكاة صلة، والسيد قد يرزق عبده على الدرور ثم يصله بصلة وراء ذلك فإذا جعلنا الزكاة صلة فكأن الله تعالى وصل الفقير بما سماه فيتعين ذلك وهذا أولى مما قاله، لأنه على هذا يبقى حق الله تعالى على ما كان وعلى ما زعموا أبطلا حق الله تعالى عن الواجبات التي نص عليها بعد ثبوتها بلا دليل. وأيضاً يقال لهم: قولوا إن الله تعالى وعد الرزق بمال مطلق ثم حين أمر بصرف الزكاة إلى الفقراء فقد نقل رزقهم في هذا الموضع من المال المطلق

стр. 377

إلى مال معين، ويجوز أيضاً للسيد أن يرزق عبده بمال مطلق ويجوز أن يرزقهم بمال معين وله ولاية النقل فلأي ضرورة سقط أصل حق الله في الواجبات التي سماها ونص عليها وعنده لو سقط سقط ضرورة، ولا كلام على هذين الجوابين، وهما في نهاية الوضوح، وعلى أنا قد بينا أن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم تعدية الحكم إلى الفرع، ولا يوجد في هذه الموضع هذا الشرط فإذا فات شرط التعليل بطل التعليل. وأما المسائل التي تعلقوا بها فهي معاملات بين العباد ومبناها على المراضاة، وقد تضمن الأمر من صاحب الدين في تلك المواضع الرضا بما قالوه. فإن قالوا: ((إن ههنا وجد الرضا من الله تعالى بانتقال حقه من المال المعين إلى المال المطلق)). فهذا مجرد تحكم من غير حجة. وأما تعلقهم بأمره تعالى بصرفه إلى الفقير فقد وجدنا وجهاً لصرفه من غير أن يحتاج إلى تغيير حق الله، ونقله من شيء وهو أحد الوجهين اللذين قدمناهما فقد بطل ما قالوه وفسد فساداً لا يقبل الصلاح. وإن تعلقوا بالجزية والخراج فإنما جازت القيمة فيهما بالنص على ما عرف، وعلى أن هناك ولاية الإمام ثابتة في الابتداء وضعاً فثبت في الانتهاء أخذاً بخلاف مسألتنا، ولأن المنافع تجزى في الجزية بخلاف الزكاة/ وكان المعنى في الفرق ما ذكرنا، والله أعلم. * * *

стр. 378

(مسألة) إذا مات من عليه الزكاة لم تسقط الزكاة بموته وتؤدى من تركته كما تؤدى الديون عندنا. وعندهم: تسقط بموته وإن أوصى بإخراجها تخرج كما تخرج التبرعات حتى تعتبر من الثلث. لنا: إن الزكاة حق الفقراء على ما سبق بيانه فنقول: حق من حقوق الآدميين فلا يسقط بموت من عليه. دليله: سائر الحقوق للآدميين، وقياساً على العشر إن سلموا، وهذا لأن الموت ليس بسبب مسقط للحقوق المالية إنما هو للانتقال من الدنيا إلى الآخرة والواجبات المالية عليه كما كان في حال الحياة فتقضى من المال إن خلف مالاً وتقدم على حق الورثة، لأن قضاء الدين حقه والميراث حق الورثة فيقدم حقه على حق الورثة، كما يقدم التجهيز والتكفين ثم إذا بقى مال بعد قضاء الحقوق الواجبة عليه حينئذ يقسم بين الورثة، وإن لم يخلف شيئاً سقط وجوب القضاء للعجز، لأن أصل الحق سقط وهو مثل ما لو أعسر في الحياة لم يطالب للعجز، ونستدل بما لو أوصى بالزكاة فنقول: لا يخلو إما إن قلتم: إن الزكاة بقى وجوبها بعد الموت أو قلتم: سقطت، فإن

стр. 379

قلتم بقي وجوبها بعد الموت فقولوا إن الوصية باطلة لأن الوصية حصلت بالزكاة، فإذا لم تكن الزكاة واجبة فتكون الوصية بالزكاة كلا وصية، وهذا إلزام معتمد. وأما حجتهم: قالوا: الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصوم. والدليل على أنها عابدة محضة ما بينا من قبل. وقولكم: ((إنها حق الفقراء)). قالوا: لا، بل حق الله تعالى، وإنما الفقراء مصارف بالطريق الذي قلنا. يدل عليه: أنه لا معنى يعرف لوجود حق الفقراء في مال الأغنياء، لأنه إن كان لفقرة وحاجته ففقرة وحاجته لا تدل على وجوب حق له على من ليس بفقير، وإن كان للدين فالدين أمر بين العبد وبين ربه فلا يوجب له شيئاً على عبد آخر لدينه، وهذا لأن حد الدين ليس بأمر بين العبد والعبد حتى يجب بسببه حق له عليه. وخرج على هذا القرابة، لأنه معنى بين القربتين فجاز أن يجب له بسببها حق له على صاحبه، وإذا ثبت أنها عبادة محضة فتسقط بموت من عليه العبادة، لأن حقيقة العبادة فعل من عليه العبادة، وفعل من عليه العبادة يفوت بموته ففاتت العبادة ضرورة. يدل عليه: أن العبادة من غير متعبد محال، ولا متعبد فلا عبادة وصارت هذه العبادة مثل عبادة الصلاة والصوم سواء إلا أن هناك آلة العبادة بدون المتعبد وههنا آلة العبادة مال المتعبد، فحصل الاختلاف في الآلة التي تؤدي بها العبادة لا في نفس العبادة، لأن العبادة حقيقتها في الموضعين واحد لا يختلف.

стр. 380

قالوا: وليس كما لو أمر بأداء الزكاة في حال الحياة، لأن أمره لما اتصل بالأداء أمكن تحقيق معنى العبادة بخلاف مسألتنا على ما ذكرنا في مسالة زكاة الصبي. والحرف لهم: أنه لما فات بالموت فعله وأمره تعذر تحقيق العبادة فعلاً من قبله فصار سقوطها في أحكام الدنيا من ضرورة هذا الفوات. قالوا: وأما إذا أوصى بالزكاة فقد وجد من قبله الأمر وإذا اتصل أمره بها صار كما لو اتصل أمره بها في حال الحياة إلا أنه اعتبر من الثلث، لأنه لم يلزم إخراجها لولا الأمر أشبه الوصية بالتبرعات فكانت من الثلث. قالوا: وأما العشر فقد منع في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وهو ظاهر المذهب، إنما لا يسقط بالموت، لأنه وظيفة الأرض مثل الخراج فصار مؤنة مالية مثل سائر المؤن ولم يكن عبادة فلم يسقط بالموت مثل ما لا يسقط سائر الديون. الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)). فقد أجبنا عن هذا في مسألة زكاة الصبي. وقولهم: ((أنه لا سبب يوجب للفقراء حقاً في ماله)). قلنا: وجد بينهما وصلة الدين، وهي وصلة زائدة على كل وصلة فإن كل وصلة النسب توجب الحق لأحد القربتين على الآخر فوصلة الدين أولى. وقولهم: ((إن الدين أمر بينه وبين ربه)). قلنا: نعم، وهو أيضاً يفيد أخوة بينه وبين المشارك له في الدين، كما

стр. 381

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فكان سبب الاستحقاق هو الأخوة ديناً بشرط الفقر وإنما شرطنا الفقر بالشرع، ولأنه لما وجب لدفع الحاجة وجب للمحتاج، ولا ينكر ضم شرط إلى سبب الاستحقاق بعد أن قام عليه الدليل، ثم وإن سلمنا أن الزكاة عبادة محضة لكن هذا لا يوجب سقوطها بالموت، لأنها عبادة مالية، والمال قائم، والأصل أن كل واجب بقى في محل/ وجوبه إلى أن يقوم الدليل على سقوطه. فإن قالوا: هذا الواجب عليه ولم يبق من عليه. قلنا: موت من عليه الحق لا يوجب سقوط الحق مثل سائر الديون، وهذا لأنه جعل بمنزلة الحي في تصوير البقاء عليه إلى أن يؤدي من ماله. ألا ترى أن في سائر الديون جعل بمنزلة الحي في بقائها عليه إلى أن تؤدى من ماله. وأما قولهم: ((حقيقة العبادة في فعله)). قلنا: نعم، في فعله أو في فعل من يقوم فعله مقام فعله بسبب صحيح شرعاً بدليل الثابت في حال الحياة. فإن قالوا: هنا وجد أمر من عليه الحق بالفعل، وههنا لم ويجد. قلنا: وههنا وجد أمر الشرع فيقام أمر الشرع بالفعل مقام أمره، وهذا لأن الخطاب يتصل بالفعل واعتبر في بقائه تصور الفعل إما محسوساً أو اعتباراً، وههنا إن لم يتصور فعله محسوساً تصور فعله اعتباراً بالشرع، وإذا تصور فعل الزكاة من قبله بهذا الاعتبار بقى الوجوب وهو نظير العشر، وقد بينا أنه مثل زكاة سائر الأموال، وعلى أنا

стр. 382

إن كلمناهم في صدقة الفطر ضاق الكلام عليهم جداً، لأنها تتأدى بولاية شرعية لا من قبل من عليه، بدليل أن الولي يخرج زكاة الفطر عن الصبي على ما عرف، ومع ذلك قالوا: إنها تسقط بالموت. قالوا: ((إن الصبي في الجملة من أهل الفعل فجاز أن يقوم فعل الولي مقام فعله، وأما الميت فليس من أهل الفعل أصلاً فلم يمكن إقامة فعل الغير مقام فعله)). قلنا: والصبي ليس من أهل فعل معتبر شرعاً وكلامنا في مثل هذا الفعل فاستويا من هذا الوجه. وأما فصل إلزام الوصية فقوى جداً. وقولهم: ((إنه وجد الأم منه بالزكاة فبقى وجوب الزكاة)). قلنا: وإنما يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً إذا كان من أهل الفعل محسوساً، وقد خرج بالموت عن أهلية الفعل، فكيف يقوم فعل غيره مقام فعله ولا فعل له؟ ولئن جاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً، وإن كان خرج عن أهلية الفعل محسوساً جاز أيضاً ههنا أن يقوم فعل غيره مقام فعله وإن كان لا فعل له ولا أمر. ثم يقال لهم: إنكم إذا أبقيتم الوجوب لوجود الأمر فقولوا يكون من جميع المال. وقولهم: ((إنه يشبه التبرعات)). قلنا: كيف يشبه التبرعات وهو في نفس واجب؟ ولأنا بينا أن الواجب إنما كان من جميع المال، لأن قضاء حقه مقدم وحق الورثة متأخر عن حقه، وفي هذا المعنى يستوي جميع الواجبات سواء أحتاج إلى أمره بالإخراج أو استغنى عنه. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 383

(مسألة) لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في حكم الزكاة بل يعتبر كل واحد على حياله فإذا تم فحينئذ تجب الزكاة . وعندهم: يضم أحد النقدين إلى الآخر ويحكم بكمال النصاب إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة. وعند أبي يوسف ومحمد يضم بالأجزاء.

стр. 384

لنا: إنهما مالان من جنسين مختلفين فلا يضم أحدهما إلى الآخر في نصاب الزكاة، دليله البقر والغنم. والدليل على أنهما مالان من جنسين مختلفين، لأن أحدهما ذهب والآخر فضة، وكل واحد من الاسمين اسم للعين، فإذا تغايرا اسماً تغايراً عيناً، لأنا نعلم قطعاً أن الذهب غير الفضة والفضة غير الذهب، بدليل الصورة والمالية، فإنهما اختلفا صورة ومالية، ولئن جاز أن يقال إنهما مال واحد جاز أن يقال إن البقر والغنم واحد أيضاً. وإذا ثبت هذا الاختلاف عيناً ثبت الاختلاف جنساً، واستمرت العلة وصحت. ويدل عليه: من حيث الحكم أن الربا لا يجرى بينهما ولو كان من جنس واحد يجرى بينهما الربا، وحين لم يجر الربا دل أنهما جنسا مختلفان، وقد تأيد الاستدلال بهذا الحكم بنص الرسول ﷺ وهو قوله ﵇: ((فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يداً بيد)). ونقول من حيث التحقيق: إن الضم محسوس غير معتبر بدليل ضم البقر إلى الغنم والغنم على البقر لا يعتبر، وإنما اعتبر الضم حكماً فلابد من دليل ولم يوجد.

стр. 385

وأما حجتهم: قالوا: الذهب والفضة في حق الزكاة في حكم مال واحد فيكمل نصاب بعضه بالبعض كالكسور والصحاح والمعز والضأن. وإنما قلنا ذلك، لأن الزكاة تجب في الأموال بوصف النماء على ما عرف، والنماء في الذهب والفضة بصفة الثمنية، وصفة الثمنية صفة منمية لأنها صفة التجارة وطريق التوصل إلى الأشياء، والذهب والفضة من حيث الثمنية في حكم مال واحد، لأنهما خلقا ثمناً للأشياء فوجب ضم بعضه إلى البعض كما وجب ضم أموال التجارة بعضها إلى بعض. يبينه: أنها باعتبار الثمنية صار مالاً للتجارة فصار كالعروض التي يعدها للتجارة. ولهذا قال أبو حنيفة: إنه يضم باعتبار القيمة/ لأنهما إذا صارا مالي التجارة فكان الضم بالقيمة كسائر أموال التجارة. وريما يتعلقون باتفاق الواجب فيهما، فإنه ربع العشر بكل حال، وكذلك اتفاق النصاب فإن كل دينار يعدل بعشرة دراهم، وعلى هذا يكون نصاب الدنانير مثل نصاب الدراهم. قالوا: ولأن كل واحد منهما يضم إلى سلع التجارة فإذا ضممناها إلى سلع التجارة حضم الضم بينهما ضرورة.

стр. 386

الجواب: أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنساً وتعلقنا بالحكم والحقيقة. وأما قولهم: ((إنما خلقاً للثمنية فيكونا مالاً واحداً في المعنى)). قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنساً، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه إذا خلق شيئاً واحداً لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد في ذلك المعنى وصل إلى غيره. والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ...﴾. فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع كمال واحد، وليس كمال التجارة. ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس واحداً، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب الدراهم والدنانير من أعيانها. ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة حتى يكمل نصاباً من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوباً لو بلغت قيمته ألفاً كان نصاباً، وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها

стр. 387

نصاباً لم يكن نصاباً. فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين. قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلباً فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيداً كان له ذلك) بخلاف مسألتنا. والجواب: إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا. وأما قولهم: ((إن الواجب واحد وهو ربع العشر)). قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة. وأما قولهم: ((إن النصاب واحد)). فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم

стр. 388

بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب. وأما قولهم: ((إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة)). فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به السلعة فإن كان دراهماً تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا. والله أعلم. * * *

стр. 389

(مسألة) لا زكاة في حلي النساء على أحد قولي الشافعي ﵁ . وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم:

стр. 390

ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة. وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن مالك، وأمد، وإسحاق. وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها: ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن
следующие страницы →