Полный текст (658 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إن الواو تحتمل الجمع والترتيب والقرآن، فيصير ذلك بمنزلة المجمل فيتعرف بيانه بالسنة وقد توضأ النبي ﵇ مرتباً، لأن الواو إذا كان للفائدة التي قلناها وسائر الحروف للفوائد الآخر على ما سبق، لم يكن اللفظ مجملاً بل كان ظاهراً في معناه الموضوع له.
قالوا: وقولكم: (إن الله تعالى جعل غسل الوجه جزاء الشرط فليس كذلك، لأن الجمل إذا عطف بعضه على بعض تصير جملة واحدة ولا تحصل مفصلة لقرب بعضها من الشرط وبعد الآخر.
ألا ترى أن من قال لغلامه: إذا جاء الغد فاشتر لي بدرهم لحماً وبدرهم خبزاً وأعتق عبدي، فجاء الغد واشترى الخبر قبل اللحم أو أعتق العبد قبل كل شيء أجزأه، وإنما يتعلق إطلاق الفعل بمجيء الغد لا ما دخل تحت الإطلاق، فكذلك هاهنا يجب الوضوء بالقيام إلى الصلاة.
وأما الأعضاء المغسولة فلا تعلق لها بالقيام بحكم القرب فصار الجزاء هاهنا هو الوضوء لا ما دخل تحت الوضوء، وصار الجزاء هناك الوكالة لا ما دخل تحت الوكالة).
قالوا: وأما إدخال المسح بين المغسولات فليس يدل على الترتيب، بلى يقال قد أدخل لفائدة لولاها لكان ضم المغسول إلى المغسول أولى لاجتماعهما في الوظيفة وقد أدخل عندنا لفائدة وهي أن الترتيب سنة والكمال يتعلق بذلك ونحن نقول به.
стр. 37
قالوا: ولا وجه لاستعمال القياس في المسألة، لأن الوضوء عبادة وشروط العبادات وأركانها لا تثبت قياساً، ولا تنفي قياساً كأعداد الركعات ومقادير الزكوات والكفارات وغيرها، ولكننا نتكلم من حيث التأصيل، فإن الوضوء أصل ثابت بكتاب الله تعالى ومن طريق لا شبهه فيه، فلا يمكننا أن نزيد عليه شيئاً، ونجعله منه إلا من طريق يثبت أصله، وشرط العبادة بمنزلة ركنها فلا يثبت إلا بما يثبت به ركنها.
قالوا: وإنما تخريجاً لهذه المسالة على الطريقة التي ذكروها في المسألة أن الماء طهور بنفسه فإذا استعمل في الأعضاء حصلت الطهارة بنفس الاستعمال سواء رتب أو لم يرتب، وإذا حصلت الطهارة، والوضوء وجب لتحصيل الطهارة فلا يبقى إلا من بعد حصولها.
الجواب:
أما التعليق بالآية بالوجه الذي قلنا فصحيح، وذلك لأن الله تعالى علق غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة بكلمة ((الفاء)) فتمنع تخلل فاصل بينهما من غسل عضو آخر، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر. وقولهم على هذا أن الجمع بمنزلة الجملة الواحدة، والتعليق بالقيام في أصل الوضوء لا فيما يشتمل عليه الوضوء، ولنا: جعل الجمل بمنزلة الجملة الواحدة لابد فيها من دليل قطعي.
وأما قولهم: إنما يتعلق بالقيام ما علقه الشرع بالقيام، وقد علق به غسل الوجه فيتعلق به تعلق الجزاء بالشرط/ فبطل إدخال الفاصل من غسل عضو آخر.
стр. 38
وأما الذي تعلقنا به من الاستدلال بإدخال الممسوح بين المغسولات فاستدلال صحيح على ما سبق بيانه.
وقولهم على ((هذا إنه لبيان فائدة السنة)).
قلنا: الآية في الوضوء وردت لبيان الواجب لا لبيان السنة فلا يجوز صرف ما دل عليه الآية ما لم يرد به الآية.
وأما الذي تكلموا على أن ((الواو)) ليس للترتيب.
فاعلم أن كثيرا من أصحابنا زعم أن الواو للترتيب، ونحن لا ندعي ذلك ولا دليل عليه من حيث اللغة، ولكن استدلالنا بالآية على الوجه الذي قلناه استدلال حسن.
وقد استدل الأصحاب في المسألة بقوله ﵇: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وربما رووا قولاً عن النبي ﵇: ((ابدؤا بما بدأ الله به)).
وفي القول نظر، أما الأول فمشهور، وهو وإن ورد في البداية بالصفا على المروة لكن العبرة بعموم اللفظ.
стр. 39
وقد قال المخالف: ((نحن نقول بالخبر فإنا نبدأ بما بدأ الله به سنة)).
ونحن نقول إن الأمر على الوجوب هذا في قوله: ((ابدؤا بما بدأ الله به)).
وأما الذي رووا: ((نبدأ بما بدأ الله)) فهو أيضاً في معنى الأمر، لأنه ﵇ فعل ذلك ليقتدي به فكأنه قال: اقتدوا بي، فيكون ظاهره للإيجاب.
واستدل الأصحاب بالحديث المشهور وهو قوله ﵇: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه))، والخبر الذي يروون من رواية الربيع بنت معوذ أن النبي ﵇ ((مسح برأسه بعد غسل رجليه)) فلا يثبتها أصحاب الحديث والرجوع إليهم في هذه الصيغة.
والأولى أن يعتمد في المسألة فيقال: الوضوء عبادة غير معقول المعنى وطريقها الإتباع المحض، وقد ورد الكتاب والسنة بالوضوء لنلتزمه حداً وفعلاً فوجب أن يلتزم على ما ورد، ولم يرد الشرع بالوضوء إلا مرتباً وهو المنقول عن صاحب الشرع فنلتزم على ما نقل، ولا نحكم عليه المعقول والقياس بوجه ما، وهو كالركعات في الصلاة وورودها على ترتيب مخصوص فإنه يلتزم على ما ورد من غير أن يحكم عليه قياس ومعقول كذلك هاهنا.
стр. 40
وقد تعلق المخالف بتقديم الشمال على اليمين وبتقديم الرجل في غسل الجنابة على الرأس.
الجواب:
إن اليمين والشمال في الوضوء كعوض واحد. ألا ترى أنهما في الكتاب بلفظ واحد، وكذا في الرجلين، ولأن الوضوء بالإجماع مشتمل على أربعة أعضاء لا على ستة.
فإن قالوا: أليس يجوز نقل الماء من أحد اليدين إلى الأخرى؟.
قلنا: إنما كان كذلك، لأنه إذا انفصل من إحدى اليدين فقد صار مستعملاً واستعمال الماء المستعمل لا يجوز.
وأما الغسل من الجنابة فإنما لم يجب فيه الترتيب، لأن جميع البدن فيه بمنزلة العضو الواحد.
فإن قالوا: ما تقولون فيما لو كان عليه الوضوء فاغتسل بدل الوضوء وبدأ بغسل الرجل.
قلنا: يجوز أن يقال لا يجوز، وإن قلنا بالجواز فلأنه إذا اغتسل بدل الوضوء صار الحكم للغسل.
فإن قالوا: ما قولكم فيما إذا انغمس المحدث في الماء غمسة؟.
قلنا: لا يجوز ما لم يمكث مكثة حتى تترتب الأعضاء والله أعلم.
* * *
стр. 41
(مسألة)
الثلاث سنة في مسح الرأس عندنا.
وعندهم السنة أن يمسح برأسه مرة واحدة بماء واحد.
لنا:
حديث أبي بن كعب أن النبي ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء من يعطيه الله كفلين من الأجر))، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
стр. 42
وقوله: ((توضأ)) ينصرف إلى المسح والغسل فكذلك قوله: ((مرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)) ينصرف إليهما.
وروى مثله ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من توضأ فمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً غفر الله له ما بين الوضوئين)).
وأما من قال: إنه يمسح مرة واحدة أفتوا بحديث عثمان ﵁ أنه توضأ ومسح برأسه مرة، وقال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ .
وكذلك توضأ علي ﵁ ومسح برأسه مرة، وقال: ((من/ سره أن ينظر على وضوء رسول الله فهذا وضوءه)).
стр. 43
قالوا: وقد ثبت أن النبي ﵇ توضأ ومسح برأسه مرة وهو مذكور في الصحيحين.
ورواه معاذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمرو، وجماعة.
فالرسول ﵇ قدوة فيتبع في فعله ولا يعدل عنه.
الجواب:
إن الروايات عن عثمان وعلي متعارضة.
روى حمران وغيره عن عثمان أنه مسح ثلاثاً.
وكذلك رواه عبد خير عن علي، وعلى أن نهاية ما في الباب ثبوت ما قالوا عن النبي ﷺ غير أن الزائد من الروايات أولى.
стр. 44
وقد روي أنه ﵇: ((توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل اليدين مرتين مرتين)). وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى، فالمعتمد هو التعليق بالمغسول من الأعضاء، وهو قياس صحيح شبهاً ومعنى.
أما الشبه: فلأن كل واحد أصل بنفسه في الوضوء، لأن المسح أحد قسمي الوضوء كالغسل أحد قسميه.
وأما المعنى: فلأن الوضوء طهارة حكمية، والغسل والمسح واحد في الطهارة الحكمية إلا أن الغسل له زيادة على المسح من حيث الحس، فأما من حيث الحكم فهما واحد، وقد شرع التكرار في أحدهما لتكميله، وليشرع في الآخر على ما شرع في قرينه، وذلك لتحصل زيادة في الطهارة بمثل فعل الأول في محل الأول، يبينه أن الطهارة تكون بمطهر فلابد من تجديد مطهر ليزداد الطهارة، وذلك يكون بماء جديد بفعل جديد مثل الغسل سواء. وهذا معنى في غاية الوضوح فليعتمد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى قالوا: طهارة مسح فلا يسن فيها التكرار كالمسح على الخف والتيمم، وفقه ذلك وهو إنه لما كان طهارة مسح فقد بنى على الخفة فإذا خف ماء حتى اكتفى فيه بالبلل دون الماء السيال، وخف محلاً حتى اكتفى فيه ببعض المحل، فوجب أن يخف فعلاً حتى يكتفي فيه بالمرة الواحدة.
قالوا: وليس كالاستنجاء، لأنه في الأصل طهارة غسل، وإنما يجوز
стр. 45
فيه التمسح بالأحجار رخصة، ألا ترى أنه لو غسل بالماء يكون أفضل بخلاف مسألتنا.
ولهذا يكره العدول في الرأس من المسح إلى الغسل، وإذا كان الأصل هناك هو الغسل، والمبالغة بالتكرار في الغسل مشروع، لأنه مبني على الاستقصاء، والتكرار نوع مبالغة فيليق أن يكون مشروعاً معه إلا أن الرخصة وردت في استعمال الحجر مكان الماء لنوع ضرورة وحاجة فبقى التكرار المشروع في أصل الغسل مشروعاً فيه بخلاف مسألتنا.
فإن المسح أصل في الوضوء بني على الخفة فيوفر عليه مقتضى الخفة من كل وجه.
قالوا: وأما التكميل المشروع في الوضوء فقد حصل في المسح بالاستيعاب، لأن التكميل في الغسل باستعمال طهور في محل الفرض، وقد وجد هذا المعنى في مسألتنا بالاستيعاب، لأن البلة على اليد طهور.
ألا ترى كيف يستوعب به الرأس، ويجوز وقد استعمالها في محل الفرض.
لأن جميع الرأس محل الفرض فصار هذا مثل استعملها ماء جديد في الوضوء ثانياً وثالثاً إلا أن هناك لابد من ماء جديد ليكون طهوراً، لأن الماء المنفصل على العضو مستعمل، والبلة على اليد لا يحصل به الغسل فصارت البلة هاهنا كالماء الجديد هناك، وصار مسح باقي الرأس هنا بمنزلة تضعيف غسل الوجه، لأن الفرض يستوعب الوجه فلم يمكن تكميله بالاستيعاب فعدل إلى التضعيف.
قالوا: ومن تأمل في هذا فقد عرف أن الصورتين استويا معنى واختلفا اسماً ولقباً ولا عبرة بالأسامي والألقاب من ذكر تكرار وتثليث وإنما العبرة بالمعاني.
стр. 46
قالوا: ولأن الزيادة إنما تشرع إذا لم يعد بنقص على المزيد عليه، والزيادة في الغسل بالتكرار لا تعود بنقص في المزيد عليه، لأن الغسل والتكرار مرات فجميعه غسل، وأما في المسح فلاناً إذا شرعنا فيه التكرار عاد بنقص على أصله، لأن المسح إذا كرر يخرج عن كونه مسحاً ويلتحق بالغسل فيصير غيره، وإذا صار غيره عاد بالنقص على المزيد عليه فلم يشرع.
يبينه أن النقاوة مطلوبة/ في الغسل والتكرار يزيد في النقاوة، وأما في المسح فلا يطلب إلا مجرد إيصال البلة وبالتكرار لا يزداد هذا المعنى فكأن الثاني هو الأول فلا معنى لفعله واقتصر على مرة واحدة وهذا نهاية تحقيقهم.
الجواب:
أما قولهم: ((إن المسح مبني على الخفة)).
قلنا: هذا لمقابلته بالغسل، فقولوا على هذا أن الوضوء مبني على الخفة عند مقابلته بالغسل فوجب أن لا يشرع فيه التكرار، فيكون التكرار مشروعاً في الغسل خاصة، وعلى أنه إن بنى على الخفة فقد شرعنا تكميلاً لا نقاء به وهو تكراره مسحاً، وهذا مثل الاستيعاب عندهم، فإنه مشروع ولا يقال: إنه بنى على الخفة فلا يشرع فيه الاستيعاب، ولكن قيل: قد شرع فيه الاستيعاب بالمسح فلم يناف الخفة، كذلك نحن شرعنا التكرار بالمسح فلم يناف الخفة.
وأما كلامه الثاني:
قلنا: التكميل المطلوب لا يحصل بالاستيعاب، لأن التكميل المطلوب زيادة طهارة على الطهارة المفروضة وإذا استوعب فالكل فرض.
стр. 47
ولا نقول: إن بعضه فرض وبعضه نفل، وإن كان لو اقتصر على البعض جاز وهو مثل ما لو أطال القيام، فإن الكل فرض، ولا يقال: إن بعضه نفل وبعضه فرض وإن كان لو اقتصر على مقدار قراءة الفاتحة جاز، ويمكن أن يقال أيضاً على تسليمنا أن البعض فرض والبعض نفل: أن التكميل بزيادة طهارة في محل الفرض، وإذا مسح بعض رأسه فالباقي ليس بمحل الفرض في هذه الطهارة، بل إن كان محل الفرض فهو محل الفرض في طهارة أخرى فلم يحصل التكميل المطلوب على حد التكميل بالغسل إلا بالتكرار، ويقال أيضاً: إن تكميل الطهارة بزيادة الطهارة وزيادة الطهارة بطهور فأين الطهور؟
وقولهم: ((إن البلة التي على اليد طهور)).
قلنا: هو طهور في الأصل لا في التكميل. ألا ترى أن إنساناً آخر لو أخذ من تلك البلة واستعمله في رأسه للمسح لا يجوز.
وأما الاستيعاب بالبلة فهو ملحق بالأصل، يبينه أن الاستيعاب تكميل محل المسح فكأن الشرع سن تكميل المحل بالاستيعاب وسن تكميل المسح بالتكرار ليلتحق بالغسل من كل وجه.
وأما قولهم: ((إن الزيادة على المسح بالتكرار يعود بالنقص على الأصل)). فليس كذلك، لأن المسح وإن كرر مسحاً مثل الغسل سواء.
ولهذا لا ينوب عن غسل الوجه، ولهذا لو حلف أن لا يغسل وجهه فمسح مرات لا يحنث، وهذا لأنه تكرار شيء فلا يصير غير ذلك الشيء مثل التكرار في سائر الأشياء لا يصير غيره، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 48
(مسألة)
المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ولا في الغسل عندنا. وعندهم يجبان في الغسل.
لنا:
إنهما عضوان باطنان فلا تتعلق بهما الجنابة.
دليلة سائر البواطن، وهذا لأن الغسل يتعلق بالظواهر لا بالبواطن ومعنى قولنا: إنه باطن ((أي باطن في أصل الخلقة))، فإن الإنسان يخلق منطبق الفم، وإنما يفتحه لحاجة الكلام، والأكل، وداخل الأنف باطن أيضاً، لأن قصبة الأنفة حائل بينه وبين الإبصار، ولهذا يقال: داخل الفم والأنف، والداخل والباطن في المعنى واحد. يبينه أن الظاهر ما يظهر
стр. 49
للأبصار والباطن ما يبطن عن الأبصار، ومعلوم قطعاً أن داخل الفم والأنف غير ظاهرين للأبصار.
دل أنهما باطنان، ونستدل بالوضوء فنقول: الفم والأنف عضوان مركبان في الوجه، وغسل الوجه واجب بنص القرآن فلو كانا محلى وجوب الطهارة بالحدث لكان أولى موضع بذلك ثم نبني عليه الغسل من الجنابة وغيره، فلما لم يجب غسلهما في الوضوء علمنا أن المعنى المسقط ما ذكرناه من بطونهما، وهذا المعنى موجود في الغسل فسقط فيه أيضاً.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، ومعناه: طهروا أبدانكم، والبدن اسم لجملة صورة لإنسان ظاهراً وباطناً فكل ما هو من البدن طاهر أو نجس يجب تطهيره بإيصال الماء إليه بحاكم ظاهر الآية إلا أن يعجز عنه فيسقط حينئذ بالعجز، وداخل الفم والأنف يمكن الوصول إليهما فيجب تطهيرهما/ بظاهر الآية.
وقالوا على ذلك موضع من البدن يتيسر الوصول إلى تطهيره فيلحقه حكم الجنابة. دليله سائر المواضع.
قالوا: وقولكم ((باطن)) هو باطن من وجه ظاهر من وجه. ألا ترى أنه يفتح فمه فيظهر داخل فمه كأنه وجه ويطبق فمه فيسقط كأنه جوف. ولأنه فيما بينه وبين الظاهر ظاهر.
ألا ترى أن الصائم لو وضع شيئاً في فمه لا يفطر، وفيما بينه وبين الباطن باطن، ألا ترى أن الصائم لو ازدرد ريقه لم يفطر فدل أنه ظاهر من وجه باطن من وجه، وأمر الطهارة يحتاط فيها فما بنى فيها على العموم
стр. 50
والشمول تعلق به، ووجب غسله احتياطاً له بخلاف الوضوء، فإنه لم يبن على العموم والشمول بل إنما يتعلق بمواضع مخصوصة من بدنه فإذا كان باطناً من وجه سقط عنه.
ولهذا يسقط إيصال الماء إلى باطن اللحية في الوضوء، لأنه باطن من وجه ووجب في الغسل لأنه ظاهر من وجه، وكذلك داخل الخف.
وأما الوضوء واجب خاص، فإذا كان باطناً من وجه خرج عن خصوصه ولم يتعلق إلا بما هو ظاهر من كل وجه.
وتعلقوا بالطهارة من النجاسة فإنها تتعلق بداخل الفم والأنف للمعنى الذي بينا من عموم محلها فكذلك في مسألتنا.
قالوا: ويتبين بهذا فساد تعلقكم بكونه باطناً، فإن الطهارة من الحدث كما لا تتعلق بالبواطن، كذلك الطهارة من النجاسة لا تتعلق بالبواطن، فدل أن المعتبر في الطهارة التي تعم محلها كون المحل ظاهراً من وجه فحسب قالوا: وأما غسل وجه الميت فإنما يسقط المضمضة والاستنشاق في حقه لعذر.
والواجبات تسقط بالأعذار، والعذر هو العجز الغالب، فإن الميت تنغلق مفاتحه بالموت فيشق عليه إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه وربما يؤدي التكلف لذلك إلى المثلة بالميت، ولهذا لا يسن أيضاً.
وأما هاهنا لا عذر في الترك، ولهذا يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين عندكم.
قالوا: وكذلك داخل العين يسن إيصال الماء إليه.
стр. 51
وقيل: إن من دوام على ذلك يعمى، ونقل أن ابن عمر ﵁ عمى من كثرة إدخال الماء في العين.
الجواب:
أما الآية قلنا: معنى الآية: فاطهروا أي فاغسلوا والاغتسال قد وجد، وإن ترك المضمضة والاستنشاق، لأن الاغتسال هو فعل يسمى اغتسالاً وقد فعله. فإن قالوا: إذا ترك المضمضة يسمى مغتسلاً أيضاً، وإن كان لا يسقط الواجب عنه.
قلنا: كان ترك الاعتداد به لقيام الدليل، وعلى إنه كان المراد ما ذكروا فتقديره: طهروا أبدانكم ما ظهر منها، لأن هذا التطهير يكون بالاغتسال والاغتسال هو إفاضة الماء على ظاهر بدنه.
وقال النبي ﵇: ((أما إني أفيض على رأسي وجسدي فإذا أنا قد طهرت)) وهذا كلام معتمد.
فأما قولهم: ((إنه باطن من وجه ظاهر من وجه)).
قلنا: هو باطن في أصل الخلقة على ما سبق، والمعتبر أصل الخلقة. ألا ترى أن داخل اللحية باطن بكل وجه لا يظهر بحال لكن لما كان ظاهراً في الخلقة تعلق به حكم الجنابة.
стр. 52
فأما في الوضوء إنما يسقط إيصال الماء إليه إذا كانت لحيته كثيفة لأن الوضوء واجب متكرر، وفي إيصال الماء إليه نوع عسر ومشقة فسقط لدفع الحرج.
وأما الجنابة تندر فلم يشق إيصال الماء إليه فاعتبر كونه ظاهراً في أصل الخلقة فوجب إيصال الماء إليه، وهاهنا لا ظهور في أصل الخلقة فالتحق بسائر البواطن ولم ينظر فيه إلى التيسر في الحدثين؟
قلنا: أليس يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين؟
قلنا: إنما يسقط الوجوب لأنهما باطنان في أصل الخلقة، ولما كانا يظهران للأبصار في بعض الأحوال يسن إيصال الماء إليهما فأخذ في صفة الواجبية بأغلب المعنيين وأرجحهما، وأخذ في صفة السنة التي أدنى الرتبتين بأدنى المعنيين وأضعفهما .... ولا انفصال لهم عن الوضوء بما ذكروه من خصوصه وعموم الغسل لأنه وإن كان خاصاً فهو عام في جميع الوجه وهذا من أجزاء الوجه ويدخل/ على العموم الذي اعتمدوا عليه، فصل غسل الميت والذي اعتذروا به ضعيف، لأنه ينافي أن يجب بقدر الممكن أو يجب في داخل الأنف، لأنه لا مشقة في إيصال الماء إليه، وأما فصل الطهارة من النجاسة وعلم أن الكلام إذا رجع إلى الاعتبار والتعلق بالمثال، وأولى المثالين الوضوء لتحلق به الجنابة لأنهما طهارتان عن حدث.
ولأن كل واحد طهارة حكمية غير معقول المعنى، والطهارة عن النجاسة طهارة حسية، والحكميات بعيد الشبه عن الحسيات، وإنما يعتبر في الحسي نفس الوصول إلى موضع تصل إليه اليد بدليل أصل الفم وداخل
стр. 53
العين فإنه إذا اكتحل بإثمد نجس يجب غسل عينه حتى لو كان بموضع آخر من بدنه نجاسة، فإذا ضم إليه زاد على قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
وكذلك المبالغة تسقط في الوضوء والجنابة ويجب غسل أصل الفم وأعلى الحلق إذا أصابته نجاسة، فدل أنهما مختلفان في الاعتبار ووضع الشرع فسقط تمثيل أحدهما بالآخر والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 54
(مسألة)
يجب الوضوء من الملامسة الحاصلة بين الرجال والنساء عندنا. وعندهم لا يجب.
والمعتمد نص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس باليد حقيقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾، وأراد به اللمس باليد، ويدل عليه قول الشاعر:
стр. 55
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فنحن على الحقيقة حتى يقوم دليل قاطع على خلافه، وقد أيد هذا ما روى عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر إنهم ذهبوا إلى أن اللمس حدث تمسكاً بحقيقة الآية، وأما هم حملوا الآية على الوطء، قالوا: إن اللمس كناية عن الوطء، ويروون عن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يكنى بالحسن عن القبيح فكني باللمس عن الوطء.
قالوا: وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، و ((تماسوهن)) والمراد منه الوطء، وربما رووا عن علي ﵁ على ما يوافق قول ابن عباس فلأنه قرئ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وذلك هو الجماع حقيقة، لأن الملامسة مفاعلة يكون بين اثنين، فلا يتناول اللمس الذي يقوم به واحد.
قال أبو زيد: لابد أن يحمل اللمس على الوطء لتكون الآية
стр. 56
مشتملة على ذكر الطهارتين أعني الغسل والوضوء في حالتي وجود الماء وعدمه، ولا يكون ذلك إلا إذا حمل اللمس على الوطء، وإما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
معناه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ﴿فاغْسِلُوا﴾ إلى آخر الوضوء، ثم قال: ﴿﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ....﴾ فصارت الجنابة على الإطلاق مذكورة كما صار الحدث مذكوراً على الإطلاق، وذلك في حال وجود الماء ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَي أَوْ عَلَي سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ ..﴾.
معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنى به عن الحدث، لأنه سبب له.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿أو لمستم﴾، فكنى بذلك عن الجنابة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فصار الحدثان مذكورين في حالتي وجود الماء وعدمه.
ودلت الآية على جواز التيمم للجنب، كما يجوز للمحدث على ما هو المذهب.
وأما قولكم: إذا حملتم اللمس على اللمس باليد لم يكن الطهارة من الجنابة مذكورة في الآية حال عدم الماء، بل اقتضى أن لا يجوز التيمم
стр. 57
للجنب على ما قاله عمر وابن مسعود، لأنهما لم يجوزا التيمم للجنب حين حملوا اللمس على اللمس باليد.
وأما علي وابن عباس فإنهما جوزا التيمم للجنب، وحملا اللمس على الوطء.
فدل أن كل من جوز التيمم للجنب جوز أن يحمل اللمس على الوطء.
قالوا: وقد دلت السنة على ما بينا فإن الأعمش روى عن حبيب بن إبراهيم عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي عليه السلام
стр. 58
((قبَّل بعض نسائه وصلى ولم يتوضأ))، وكذلك روى إبراهيم التيمي عن عائشة.
روى الأول أبو عيسى في جامعه، والثاني أبو داود/ في سننه.
قالوا: والقياس الجلي معنا، لأن الأصل في وجوب الطهارة أن نسند وجوبها إلى نجاسة خارجة من البدن، أو سبب النجاسة في الغالب ليقام السبب مقام المسبب، ولا نجاسة يظهر باللمس ولا هو سبب في الغالب لانفصال النجاسة. فإن اللمس يخلو في الغالب عن انفصال شيء منه حتى لو تفاحشت المباشرة نقضت الوضوء، لأنها في الغالب لا يخلو عن خروج المذي منه، وكذلك التقاء الختانين لا يخلو في الغالب عن انفصال المني منه، وكذلك النوم في الحدث الخارج عنه.
قالوا: ولأن المسبب إنما يقام المسبب إذا كان في اعتبار نفس الشيء حرج ظاهر مثل المشقة في السفر، واعتدال العقل عند بلوغه سن البلوغ، واعتبار وجود الماء حقيقة عند ملك اليمين، فأما إذا لم يكن في اعتبار نفس الشيء حرج، فإنه يعتبر نفسه ولا يقام السبب مقامه ومسألتنا من ذلك.
الجواب:
إن التمسك بحقيقة الكتاب واجب حتى يقوم دليل قاطع على الصرف عنه فنحن عليه إلى أن يوجد دليل قطعي على صرفنا عنه، ولم يوجد.
стр. 59
وقد أجمعوا على أن العدول عن حقيقة الكتاب لا يجوز بقول الواحد والاثنين من الصحابة، وكذلك بالقياس.
وأما قراءة الملامسة فهو لمعنى قوله: ﴿أو لمستم﴾ يقال: لامس، ولمس بمعنى واحد، وقد تأتي المفاعلة في الفعل من الواحد، كما يقال: سافر وسارع وطارق النعل.
وأما قوله: ((إن الحمل على الوطء يفيد جواز التيمم للجنب)).
قلنا: ومن أين قلتم إنه ينبغي أن يكون هذا الحكم مستفاداً من الكتاب بل نقول: هو مستفاد بالسنة وهو خبر عمار بن ياسر على ما عرف في المذهب. وعلى أن في الآية تقديماً وتأخيراً إذا قدرناه اقتضت جواز التيمم للجنب أيضاً، مع تقرير اللمس على حقيقته، ويفيد أيضاً ذكر أسباب الحدث جملة بالنص ودلالته.
ووجه ذلك وهو أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، معناه: إذا قمتم من النوم، وقد أفاد النوم وما في معناه من الجنون والإغماء وغير ذلك، ثم قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ مقدم في المعنى وإن كان مؤخراً في التلاوة، وتقديره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يعني من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يتناول ذلك الغائط وما في معناه من البول والمذي والريح وغيره ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ويتناول ذلك اللمس باليد وما في معناه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ... إلى آخر المذكور ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾
стр. 60
فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع ذكر أسباب الحدث والتنبيه عليها، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ينصرف هذا إلى الطهارتين جميعاً، وأفاد جواز التيمم عن الحدثين جميعاً وهذا أولى مما قاله لوجوه منها: إنا نقرأ اللمس على حقيقته.
ومنها: إنا نستفيد على هذا الوجه ذكر أسباب الحدث.
ومنها: أنه منقول عن زيد بن أسلم من التابعين، وابنه عبد الرحمن ابن زيد وما قالوه ليس بمنقول عن أحد من السلف وهو اختراع لتسوية القرآن على المذهب. ويمكن أن يقال أيضاً: إنا نحمل قراءة اللمس على اللمس باليد، وقراءة الملامسة على الوطء لتكون الآية أكثر فائدة، ويحصل ما قالوه من التقرير على قراءة الملامسة وما قلناه على قراءة اللمس وهو جواب حسن إلا أن الأول أحسن.
وأما الحديث الذي رووه فقد قال محمد بن إسماعيل البخاري: إنه لا يصح لحبيب بن أبي ثابت سماع عن عروة، ولا لإبراهيم التيمي سماع عن عائشة.
стр. 61
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: بلغوا عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.
وقد أوله الأصحاب قالوا: يحتمل أنه كانت القبلة من وراء حجاب.
وأما دعواهم القياس الجلي في الباب:
فمعتمدنا نص الكتاب ولا ثبات للقياس معه جلياً كان أو خفياً وعلى أنا وجدنا هاهنا معنى مؤثراً، وذلك أن اللمس يجل الشهوة طبعاً وشرعاً سبب لخروج المذي، والطهارة عبادة مبنية على الاحتياط فأقيم سبب الخارج مقام الخارج في وجوبها، كما أقيم النوم مقام الحدث، لأنه ميسر لخروجه، وكذلك أقيم التقاء الختانين مقام خروج المني، لأنه جالب لخروجه، وكذلك اللمس/ جالب لخروج المذي.
ويقال: إن القبلة برق الجماع ويريده فتقوم مقام الخارج في نقض الطهارة.
وأما قولهم: ((إنما يقام إذا كان السبب يؤدي إليه في الغالب)).
قلنا: الغالب لا يعتبر فيما يبني على الاحتياط بل يعتبر أصل السبب فإن قليل النوم مضطجعاً ينقض الوضوء، وليس بسبب لخروج الحدث في الغالب وكذلك مجرد التقاء الختانين من غير معالجة من التحريك والإيلاج ليس بسبب لخروج المني في الغالب، ومع ذلك يقام مقام خروج المني.
وقولهم: ((إنه ليس في اعتبار نفس العلة حرج)).
стр. 62
قلنا: والحرج أيضاً غير معتبر بدليل التقاء الختانين، فإنه لا حرج في اعتبار نفس خروج المني فإنه يحس بخروجه، ومع ذلك قد نقل إلى سببه بل خرج المذي عند الملامسة أخفى من خروج المني عند التقاء الختانين فثبت أن المعتبر نفس وجود السبب.
قال أبو زيد: هذا غلو من الشافعي.
قلنا: ومنكم تقصير، والله الموفق والمستعان على إدراك الصواب ومنه العصمة من الزلل بمنه وفضله.
* * *
стр. 63
(مسألة)
مس الذكر بباطن الكف ينقض الوضوء عندنا.
وعندهم: لا ينقض.
لنا: حديث يحيي بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن
стр. 64
بسرة بنت صفوان أن النبي ﵇ قال: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأورى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله
стр. 65
ابن عمر، ذكره أبو عيسى على هذا الوجه في جامعه ثم قال: هو حديث حسن صحيح، وحكى عن أبي زرعة أنه قال: حديث أم حبيبة في الباب صحيح وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة.
وروى الدارقطني من طريق أبي هريرة: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ وضوءه للصلاة)).
وفي رواية عائشة: ((ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن)).
стр. 66
وفي رواية: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وهذا اللفظ يقتضي أن يكون المس بباطن الكف، وليس لهم كلام يبالي به على هذا الخبر.
والذين يقولون إن هذا خبر واحد ورد فيما يعم به البلوي فلا يقبل حتى يشتهر في السلف العمل به، وليس هذا بشيء، لأن الخبر إذا ثبت فإنه يجب العمل به سواء كان فيما يعم به البلوى أو لا يعم به البلوى وسواء اشتهر في السلف العمل به أو لم يشتهر، وهذا لأن الرسول ﷺ أدى هذا الشرع إلى الواحد. فالواحد من أصحابه فيؤديه إلى الناس فكل حكم أمكن التوصل إلى معرفته من جهة الراوي فقد وقع تمام بيانه من النبي ﵇، والحكم وإن كان مما يعم به البلوى، وقد رواه الواحد من أصحابه ﷺ ، فالتوصل إلى معرفة ذلك من جهة ذلك الواحد ممكن فتم البيان من النبي ﵇ ولم يوصف بتقصير فاستوى في ذلك ما يعم به البلوى وما لا يعم.
لأنه وإن كانت البلوى تعم به ويحتاج إليه كافة الناس، ولكن إذا أمكن الوصول إلى معرفته حصلت الكفاية، والإبلاغ التام من غير تفريط، وأم ضم اشتهار عمل السلف به إليه فهو شيء ضمه أبو زيد إلى هذا الأصل وليس تحته معنى، لأن العمل بخبر الواحد واجب على كل من وصل إليه الخبر فلم يعتبر عمل السلف به، وكذلك به، وكذلك قال: يعتبر أن يكون
стр. 67
الراوي فقيهاً. وهذا أيضاً ليس بشيء، لأن الراوي إذا كان ثقة ونقل على ما سمع فسواء كان فقيهاً أو لم يكن فقيهاً فقد صحت الرواية والنقل وافترض العمل به.
يبينه أن لا يعتبر في الشهادة أن يكون الشاهد فقهياً مع مبالغة الشرع في شأنها وزيادة الاحتياط في بابها، فكيف يعتبر في الرواية أن يكون الراوي فقيها. وقد حمل بعضهم الوضوء على غسل اليد، لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار ويعرقون فتبتل موضع الاستنجاء، وذلك البلل نجس فإذا مسه بيده فتصيب يده موضع الاستنجاء فتنجس فأمر بالغسل لهذا المعنى.
وهذا المعنى أيضاً باطل، لأن الوضوء المعهود، والمعروف في الشرع هو وضوء الصلاة، فلا يحمل الوارد في الشرع على غيره إلا بدليل.
لأنا روينا في بعض الروايات: ((حتى يتوضأ وضوءه للصلاة))، وهذا يسقط التأويل، ولأن عندهم لا يجب الغسل بمس الذكر، والذي ذكروه من العلة فلا يصح، لأن إيجاب غسل اليد بالشك والتوهم لا يجوز إلا بخبر يقتضي الإيجاب.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث قيس/ بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على النبي
стр. 68
عليه السلام فجاء رجل كأنه بودي فقال: يا رسول الله، ما ترى ف مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: ((وهل هو إلا مضغة منه- أو بضعة منه)) ذكره أبو داود في سننه على هذا الوجه.
قالوا: وهذا الخبر أولى، لأنه ذكر الحكم بعلته، وما رويتم حكم بلا علة.
قالوا: والقياس معنا، لأنه عضو منه كسائر أعضائه، ولأن مسه لفخذه لا ينقض الوضوء، وهو عورة فبغير العورة أولى، ولأنه لو مس الفرج بالفرج لم ينتقض وهو أفحش فباليد أحرى أن لا ينتقض. وكذلك لو مس ذكر غيره لم ينتقض عندكم وهو الممسوس وهو أولى من نقض وضوء الماس لأن اللذة وهيجان الشهوة إنما يحصل للممسوس ذكره لا للماس
الجواب:
إن أئمة الحديث قد قالوا: إن أصح شيء في الباب حديث بسرة بنت
стр. 69
صفوان، قالوا: ذكره الساجي، والبخاري، وابن خزيمة وحكى ذلك عن أبي حاتم، وأبي زرعة، والأخذ بالأصح أولى، والأولى أن يقال إن خبرنا متأخر وخبرهم متقدم، لأن طلق بن علي قدم على النبي ﵇ وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة في أول زمن الهجرة.
وأما خبرنا فقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام وأسلم سنة سبع من الهجرة.
وإنما يؤخذ بآخر الأمرين من النبي ﵇، وأول الأصحاب خبر طلق فقالوا: أراد به المس ودونه حائل.
واستدلوا على ذلك برواية الثوري، وشعبة، وابن عيينة
стр. 70
أنه سأل عن مسه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه وهذا التأويل ضعيف بالتعليل الذي أشار غليه النبي ﵇، فالأولى ما سبق.
وأما القياس الذي قالوه فلا يقبل مع النص الوارد في الباب، وعلى أنا نقول إن مس الفرج بآلة المس سبب لخروج المذي فينقض الوضوء احتياطاً كما ينتقض الوضوء بالتقاء الختانين، وقد ذكرنا سؤالهم هذا، والجواب عنه في المسألة المتقدمة.
وأما إذا مس بالفخذ فلم يقع المس بآلة المس، وكذلك في مس الذكر بالذكر، والمعتمد السنة.
* * *
стр. 71
(مسألة)
لا يجب الوضوء بالخارج من غير السبيلين عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى حميد الطويل عن أنس ((أن النبي ﵇ احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه)) وهذا نص.
стр. 72
وأما المعنى نقول: إن الطهارة من الحدث محض تعبد، وقد علق بسبب فلا يجب تغير السبب كسائر العبادات لما علقت بأسبابها لا تجب بغير تلك الأسباب.
وإنما قلنا: محض تعبد، لأن الحدث الخارج من السبيلين يوجب الوضوء في الأعضاء الأربعة، والسبب إذا كان في موضع والواجب في موضع آخر لم يكن السبب سبباً معنوياً مؤثراً في إيجابها كزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وشهود الشهر سبب لوجوب الصوم، وليس هذا بسبب معنوي في إيجابه فكان الواجب محض تعبد، كذلك هاهنا لما لم يعرف معنى وجوب الوضوء في الأربعة مع وجود الحدث في غيرها لم يبق الوجوب إلا حكماً شرعياً بوصف التعبد المحض فلم يجب بغير السبب المعهد في الشرع ولم يقبل قياس غيره عليه، وللأصحاب مسائل إلزامية على أصوالهم تعلقوا بها ونذكرها في تخريجها على كلامهم، وعندي: أن الاعتماد على ما ذكرناه.
أما حجتهم:
قالوا: روت عائشة أن النبي ﵇ قال: ((من قال أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم)).
وروى تميم الداري أن النبي ﵇ قال: ((الوضوء من كل دم سائل)).
стр. 73
قالوا: وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي ﵇ قال: ((القلس حدث)).
وروى ميمون بن مهران عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: ((ليس في القطرة والقطرتين وضوء حتى يكون دماً سائلاً)).
وعن سلمان أنه رعف فقال له النبي ﷺ : ((أحدث لذلك وضوء)) واحتجوا بالخبر المعروف أن النبي ﵇ قاء فأفطر قال ثوبان: ((أنا صببت له الوضوء)).
стр. 74
أما تعلقهم بالمعنى قالوا: الخارج نجس ينقض الوضوء، دليله كما إذا كان من السبيل.
قالوا: ووجه التأثير أن الواجب هو وجوب الطهارة، فتغيرها بخروج النجس المعنوي مؤثر، لأن الطهارة/ لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل.
لأنها مشروعة لرفعها، والدليل عليه أن الله تعالى شرع الوضوء ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ليتعبدكم، ولهذا تعلق في الأصل بالخارج من السبيل لأنه مسلك النجس.
وروى عن بعض الصحابة أنه قال في مس الذكر: ((إن كان منك شيء نجس فاقطعه)) أي هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب الطهارة.
وعن بعض الصحابة أيضا في رد خبر الاغتسال عن الميت: ((إن كان صاحبكم نجساً فاغتسلوا منه)).
فثبت أن الأصل هو وجوب الطهارة عن النجاسة قالوا: (وأما معنى العبادة التي تقولون فهو تبع، وكان القياس ألا يجب الغسل حيث
стр. 75
لا نجاسة إلا أنها وجبت شرعاً تعظيماً لأمر القيام إلى الله تعالى في الصلاة، وكان يجب أن يغتسل لكل حدث كما في المني.
لأن الشرط أن يقدم بنفسه طاهراً إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر على الظواهر بالخارج المعتاد تيسيراً علينا، لأنه مما يكثر فبقيت إضافة أصل الوجوب إلى أصل النجاسة على أصل القياس، والزيادة احتياط لأمر العبادة تعظيماً لأمر هذا القيام) وربما يقولون إن الأصل وجوب الطهارة في محل النجاسة إلا أن الشرع أقام توضئة الأعضاء الأربعة وتطهيرها مقام الطهارة في ذلك المحل، لأن ذلك المحل يخفي في الغالب والمطلوب تعظيم القيام بين يدي الرب وذلك يكون بفعل الطهارة في الأعضاء الظاهرة. قالوا: ((وأما القهقهة فعندنا إنما نقضت الوضوء بخلاف القياس نصاً)) وعلى أن الإثم الذي يلحقه بالقهقهة بين يدي الله تعالى في أخص حالة وهو حالة الصلاة جعل في معنى النجاسة حكماً إلا أن قيام الإثم مقام النجاسة ما عرف إلا شرعاً فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص.
فثبت أنه لابد من صفة النجاسة، ولابد من صفة الخروج أيضاً، لأنه لا يخلو عن نجاسات باطنة لو كانت حدثاً لم يطهر بحال، وأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن النجاسات فلا يرد التكليف به، وإذا كان لابد من خروج فالخروج هو الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر فالخروج في غير
следующие страницы →