Полный текст (658 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وخالفه الثقات ولعله شبه عليه))، والأصح من الخبر هو الرواية على الوجه الذي قدمنا.
وأما الخبر الثالث: فإنما هو مرسل، فإن إبراهيم بن عبيد لم يلق أبا سعيد، والمرسل لا يكون حجة، وأما الكلام من حيث المعنى نقول: هو بالإفطار تارك للتطوع فلا يجب عليه شيء.
دليله: إذا ترك في الابتداء، وإنما قلنا: إنه تارك، لأن الصوم هو فعل الكف والإمساك عن الأكل والشرب فإذا أكل أو شرب فقد ترك فعل الصوم فثبت أنه لم يوجد منه إلا/ مجرد الترك لصوم التطوع.
ويدل عليه: أن مباشرة التطوع ليس له حكم سوى صحته شرعاً، فأما اللزوم فليس عليه دليل، لأن اللزوم إنما يكون بإلزام الشرع أو بالتزام العبد ذلك ولم يوجد واحد منهما، وإنما هو متبرع، فنهاية ما فيه أن تصح مباشرته لذلك بقدر تبرعه.
فأما الذي لم يباشر فبقى على العدم ولم يتصل به التزام من قبله ولا إلزام من قبل الشرع، ولا اتصل به أيضاً مباشرة من قبله فصار الباقي في حقه بمنزلة الجميع إذا لم يباشر شيئاً منه فلم يجب عليه مباشرة صوم بقية اليوم عليه لما لم يكن واجباً عليه فعله من الصوم في أول اليوم، فصار الحرف لنا: أن ما بقى من صوم اليوم له حكم ما مضى فإذا لم يكن لما مضى حكم سوى الصحة ولم يقض بوجوبه عليه بل قبل كان متبرعاً
стр. 492
بفعله إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكذلك في الباقي من اليوم يكون حكم صومه كذلك.
فإن قالوا: ((إن عندنا إذا وجد شروعه يجب عليه صوم جميع اليوم)).
قلنا: يلزمكم الجزء الأول من الصوم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن واجباً عليه، فكذلك سائر أجزاء الصوم، ولما كان إليه في الجزء الأول، فكذلك يكون الخيار إليه في الباقي من اليوم، لأن الكل صوم تطوع فيكون حكم الكل واحداً.
وأما حجتهم:
قالوا: الصوم عبادة يلزم بالنذر، فيلزم بالشروع.
دليله: الحج، وألزموا الحج على جميع ما قلنا.
قالوا: وأما قولكم: ((إن الحج لا يمكنه الخروج عنه)).
قال: ليس كذلك، فإن بالإفساد قد خرج عن الحج الصحيح، وإنما بقى في حج فاسد ووجوب القضاء بفوات الصحة، وهي مثل أصل الصوم في مسألتنا، وعلى أنه وإن لم يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل لكنه قد أدى الحج بأفعاله المعهودة، فالحج الذي لا يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل، وقد فعله فلماذا يجب عليه القضاء؟ وحين وجب دل أنه إنما وجب أن الشروع سبب ملزم بمنزلة النذر، وقد قرنوا الشرع بالنذر.
قالوا: قد اتصل عزيمة الفعل بالشروع، لأنه لا يشرع في صوم النفل إلا وهو على عزيمة إتمامه وإكماله.
والعزيمة مشعر بوجوب المعزوم عليه، ولهذا قال: أعزم أو أعزم بالله
стр. 493
يكون يميناً قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ معناه حق ووجب.
ويقول الإنسان لغيره: عزمت عليك لتفعلن- أي أوجبت- فأشبه النذر الذي هو صريح الالتزام.
وأما المعتمد في المسألة من حيث المعنى أن إبطال العبادة محظور بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولأن من فعل فعلاً بطلب رضا معبوده ثم قصد إبطاله فقد تعرض لسخط ربه، وإذا ثبت أن إبطال العبادة محظور فنقول: ما مضى من الصوم في اليوم عبادة، لأنه فعل الصم قطعاً، وكذلك إذا شرع في صلاة النفل هو فعل الصلاة قطعاً، وهذا لأن الإمساك من أول النهار إلى آخره فعل الصوم وإن كان تمامه آخره، وكذلك أداء الصلاة من أولها إلى آخرها فعل الصلاة وأن تمامها بتمام الأفعال.
وإذا ثبت أنه فعل الصوم فيكون عبادة، لأن فعل العبادة عبادة، وإذا كان عبادة حرم إبطالها ووجب حفظها ذلك بفعل الباقي من الصوم، لأنه إذا لم يفعل ذلك كان مبطلاً لما مضى من الصوم، وقد بينا أنه محظور فلزم فعل الباقي لهذا الوجه وإذا لزم فإذا تركه وجب قضاؤه وأشبه المنذور الذي قدمنا.
قالوا: وليس كما لو شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، لأن الشروع إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير واجب مثل النذر إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير لازم، وإذا شرع على ظن أن المشروع فيه
стр. 494
عليه فشروعه لاقى واجباً عليه، لأن المعتبر ما عنده لا ما عند الله تعالى، ألا ترى أن من كان عنده أنه لم يصل الظهر وقد صلى ونسى فإنه يلزمه فعله ولو لم يفعل يأثم ويحمل وزره وبمثله لو لم يكن فعله وكان عنده أنه فعله لم يكن عليه شيء بتركه.
وإذا ثبت أن الشروع لاقى واجباً عليه لم يكن ملزماً مثل ما لو نذر أن يؤدي شيئاً واجباً عليه وعنده أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه يبطل نذره وإذا تبين أن الشروع ليس بملزم وتبين أنه ليس عليه لم ينقلب نذره ملزماً، وكان القياس الأصلي يقتضي أن يرتفع صومه أصلاً إلا أن الله تعالى تفضل ومن عليه بأن لم يبطل عليه صومه وجعله له نافلة، وليس من مقتضى التفضل والمنة أن يلزمه ما لم يلتزمه فلم يكن له حكم سوى حصوله فإن مضى عليه تم الحصول، وإن أفسده لم يكن عليه شيء، لأنه لم يوجد سبب يوجب عليه شيئاً.
أما ههنا وجد سبب الوجوب على ما سبق.
قالوا: وليس يلزم على هذا العذر إذا شرع في الحج على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فإن/ هذا لا يوجد في الحج، فإن الحج يحتاج إلى مشقة شديدة وقطع مسافة بعيدة وتدخل فيه مدة مديدة فيبعد أن يشتبه عليه أنه فعل الحج أو لم يفعل، ولئن وجد فهو نادر، والنادر لا يلتفت إليه.
وقد منع بعضهم جانب الصوم وقال: إذا شرع فيه على ظن أنه عليه ثم تبين خلافه يلزمه مثل الحج، وليس بمذهب، والصحيح ما قالوا.
هذا جملة كلامهم، ونهاية تحقيقهم.
стр. 495
الجواب:
أما التعلق باللزوم بالنذر ففي غاية الضعف، لأن النذر التزام. وأما الشروع فليس بالتزام إنما هو مجرد مباشرة الفعل فلا يدل اللزوم بالالتزام على اللزوم بالمباشرة، لأن الالتزام إذا صح شرعاً اقتضى اللزوم فإن ما صح شرعاً صح بمعناه ومعناه اللزوم. فأما المباشرة المطلقة شرعاً فنهاية ما تقتضيه هو الصحة شرعاً ولا جرم.
قلنا: هو صحيح، فأما لزوم ما يفعله فليس يدل عليه الشروع بحال.
يبينه: أن النذر ما لم يلاق جميع اليوم لا يظهر في اليوم حكم النذر فكذلك الشروع ما لم لا يلاق جميع اليوم وجب أن لا يظهر فيه حكم المباشرة وذلك بأن يتم صوم جميعه.
وأما قولهم: (بأن العزيمة تدل على الإيجاب)).
قلنا: لا يدل، لأنه عزم أن يفعل، والعزم لا يوجب شيئاً كما لو عزم أن يصلي كذا ركعة أو يصوم كذا يوماً، وقد قال ﷺ : ((إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به)).
والعزائم موضوعة من العباد فضلاً من الله تعالى ورحمة، وإنما الأحكام مبنية على أقوالهم وأفعالهم، وهذا لأنه يجوز أن يقصد فعل شيء ولا يفعله، كما يجوز أن يفعل شيئاً ثم يتركه، فلا يدل العزم على وجوب المعزوم عليه، كما لا يدل الفعل على وجوب المفعول.
وأما قولهم: ((إن إبطال العبادات لا يجوز والذي فعله من صوم بعض النهار عبادة)).
стр. 496
قلنا: يجوز أن يقال إن عبادة الصوم لا توجد إلا بعد إتمام اليوم والكلام في عبادة هو صوم، وهذا كمن أخرج الدراهم من صندوقه أو كيسه بنية الصدقة وقال للفقير: تصدقت بها عليك، فإن هذه عبادة وطاعة ولكن لا يلزم به شيء، لأنه إنما يصير عبادة الصدقة إذا وصل إلى الفقير، كذلك ههنا إنما تصير عبادة الصوم إذا أتم صوم اليوم فعلى هذا يكون المفعول من إمساك بعض اليوم موقوفاً فإن أتم اليوم يكون صوماً وإلا لمن يكن صوماً، وهذا الجواب إنما يمكن تمشيته جدالاً لا تحقيقاً لأن فعل الصوم منه موجود، وكيف لا يكون فاعلاً للصوم حقيقة وهو مأمور به وإذا لم يكن صوماً في الحال لا ينقلب صوماً في باقي الحال، نعم يجوز أن يقال: ليس بصوم تام، وإنما يتم بتمام جميع النهار.
والمعتمد من الجواب أن هذا ليس بإبطال بل هو ترك لفعل الصوم في المستقبل وله ذلك كما في الابتداء.
وأما بطلا ما فعله فليس بإبطاله إنما يبطل حكماً، لأن الشرع لم يقبل صوم بعض اليوم بحال فبطل هذا لإبطاله، ويقال أيضاً: المفعول نفل فحفظه لا يزيد على درجة الأصل فإذا لم تكن لأصله درجة سوى الاستحباب فكذا بحفظه.
ونحن نقول: إنه يستحب له أن لا يبطل صومه كما يستحب له فعله في الابتداء.
وأما وجوب حفظه، فساقط كما سقط في الابتداء وجوب فعله والأول أولى، وأما الصوم المظنون فلازم.
وقولهم: ((إنه حصل النفل بطريق التفضل والمنة)).
стр. 497
قلنا: كل الأشياء بمنة من الله تعالى إلا أن الصوم حاصل له بفعله، لأنه لا يتصور حصوله بغير فعله، وإذا حصل بفعله فوجب أن يكون فعله موجباً عليه الصوم على ما قلتم في صوم النفل ابتداء ثم فصل الحج داخل على عذرهم.
وقولهم: ((إنه نادر في الحج)).
قلنا: وهو نادر أيضاً في الصوم.
وأما فصل الحج الذي قاسوا عليه.
قلنا: الفرق بالمظنون صحيح، ولا عذر لهم يصح عنه أصلاً.
وأما من حيث المعنى فوجه العذر عنه أن الحج عبادة لازمة شرعاً بدليل أنه إذا دخل فيه لم يجز له الخروج عنه إلا بطريق مخصوص، وذلك الطريق هو بفعل الأفعال المعهودة فإذا فعلها على الفساد جعل كالعدم فيلزمه أن يأتي مثلها صحيحاً شرعاً ليخرج عن ما لزمه شرعاً، وذلك بأن يأتي بها بإحرام جديد، لأن الإحرام قد فسد، والمبتنى عليه فاسد والخروج بالفاسد كان لضرورة إذ لم يخرج بالفاسد لبقى فيه أبداً فحكم بخروجه بما فعله من الأفعال على وصف الفساد للضرورة ولم يسقط الأمر بالخروج بالأفعال الصحيحة بإحرام صحيح فلزمه استئناف الإحرام وفعل الأفعال على وجه الصحة ليخرج على موجب الشرع وقضيته.
فهذا هو وجه الجواب عن الحج.
وأما الصوم فليس بلازم شرعاً، وليس فيه دليل على اللزوم بوجه ما على ما سبق.
والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 498
(مسألة)
إذا نذر أحد يومي العيد أو أيام التشريق لم يصح نذره عندنا.
وعندهم: يصح نذره، ويصوم أيام أخر بعد هذه الأيام، وإن صام هذه الأيام خرج عن موجب نذره.
لنا:
إنه أضاف النذر إلى غير محله فيبطل، كما لو نذر صوم الليالي بدل الأيام.
وإنما قلنا: ((إنه أضاف النذر إلى غير محله))، لأن المنذور هو الصوم وهذه الأيام ليست بمحل الصوم والدليل على أنها ليست بمحل الصوم أنه لا يحل صومها، ولو صام كان صومه معصية ولو كان الأيام محل الصوم لجاز صومه طاعة، ولم يتصور أن يكون معصية، لأن فعل الصوم في محل الصوم من أهل الصوم يكون قربه فيستحيل أن يكون معصية.
ثم الدليل على ما قلنا أن الصوم عقد شرعي فلا يكون صحيحاً إلا بالشرع والشرع في الصوم هو الإيجاب مرة، والاستحباب أخرى وليس
стр. 499
له رتبة دون هذا ولا إيجاب في صوم هذا اليوم ولا استحباب بل هو منهي عنه بالنص الثابت فانتفى الشرع في صوم هذه الأيام بالكلية وإذا لم يكن مشروعاً بوجه لم يكن الفعل صوماً أصلاً، لأن ما ثبت بالشرع لا يتصور صحته بدون الشرع.
وأما وجه تقريب هذه الأيام بالليالي هو أن هذه الأيام أيام الأكل بنص الرسول ﷺ فإنه قال: ((إنها أيام أكل وشرب)).
كالليالي زمان الأكل بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ...﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ....﴾.
стр. 500
فثبت أن أحد الزمانين كالآخر فإذا لم يصح النذر في أحدهما لا يصح في الآخر.
فإن قالوا: ((إن أيام رمضان متعينة للصوم بالنص ومع ذلك تقبل ضده وهو الفطر)).
قلنا: نعم، متعبنة للصوم لكن فعلاً فإذا لم يفعل لم يتصور الصوم.
وأما هذه الأيام متعينة للأكل إلا من حيث الفعل بدليل أنه لو لم يأكل فيها شيئاً لا حرج عليه مثل الليالي سواء، وإنما معنى تعيينها للأكل هو نفي الصوم عنها، بدليل أنه لا يأثم إلا عند الصوم مثل أيام رمضان متعينة لفعل الصوم فيها بدليل أنه ما لم يترك فعل الصوم لا يأثم فكما أن تعين أيام رمضان للصوم فعلاً يمنع خروجها عن محلية الصوم، فكذلك تعين هذه الأيام للأكل يمنع ثبوت محلية الصوم لها.
أما حجتهم:
قالوا: يوم، فيكون محلاً للصوم.
دليله: سائر الأيام.
واستدلوا في هذه الأيام محل الصوم بالنص والمعنى:
أما النص فلأن النبي ﵇ نهى عن صوم هذه الأيام، والنهي عن الشيء دليل على تكونه، ألا ترى أنه لا يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تنظر، لأنه لا يتصور منهما ذلك، ولأن النهي طلب الانتهاء والأمر طلب الفعل فصارت قضية الأمر ليصير الشيء حاصلاً بفعله، وصارت قضية النهي ليصير الشيء منعدماً بكفه وتركه.
فإذا قلنا: إنه لا يكون محلاً للصوم لم يكن لانعدامه بفعله وكفه.
стр. 501
وأما المعنى: فلأن اليوم إنما صار محلاً للصوم، لأنه بياض نهار.
والدليل عليه: أن الصوم عبادة كف النفس عن قضاء الشهوات وإنما يكون عبادة بالكف عن قضاء الشهوات في زمان قضاء الشهوة والنهار زمان قضاء الشهوة، فأما الليل هو زمان الاستراحة ولأن العبادة عبادة مخالفة النفس الأمارة بالسوء، ومخالفة النفس بفعل على خلاف العادة أو بكف خلاف العادة، وذلك بكون وجوده في النهر دون الليالي.
فثبت أن ما به صار الصوم صوماً موجود في هذه الأيام إلا أنه نهى عن الصوم فيها لمعنى في غير الصوم وهو تحقيق إجابة الداعي فإن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام، وقد دعاهم إلى الأكل لتحقيق الضيافة ونهاهم عن الصوم لتحقيق الإجابة وإذا كان النهي لمعنى في غيره لم يوجب فوات الصوم أصلاً أو خروج الأيام عن محلية الصوم، وهذا كالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء، والطلاق زمان الحيض، والإحرام وقت الوطء.
قالوا: وقولكم: ((إن الصوم في هذه الأيام معصية)).
قلنا: بلى، ولكن معصية لغيرها لا لعينها مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء إذا كانت معصية لغيرها لا لعينها لم يوجب ذلك انتفاء الصحة مثل هذه المسائل.
وربما يقولون: الصوم في هذه الأيام مشروع بأصله لا بوصفه، ومعنى قولنا: ((مشروع بأصله)) لأنه مشروع من حيث أن اليوم يوم.
ومعنى قولنا: ((إنه غير مشروع بوصفه)) فإنه غير مشروع من حيث أن اليوم يوم عيد أو يوم فطر وأكل، والعيد وصف اليوم، إلا أنه وصف لا يزايل اليوم فمن حيث أنه وصف العيد كان الصوم غير مشروع فصار فعله معصية، واتصف بالحظرية والقبحية ومن حيث أصل الصوم.
стр. 502
قلنا: يكون محل ........ عذراً له فيصح/ نذره وإن أضاف النذر إليه.
يبينه: أن عندنا إنما يصح نذره من حيث أصله لا من حيث وصفه، وليس كما لو شرع في صوم هذه الأيام، لأن الشروع إنما يوجب الصوم بدليل المنع من إبطاله شرعاً، والصوم في هذه الأيام لما كان قبحاً محظوراً أطلق له تركه ولم يجب حفظه ففات المعنى الموجب فلم يجب. وأما النذر فهو واجب بالالتزام، والالتزام قد وجد من أهله في محله، أما الأهلية معلوم، وأما المحلية لما سبق من قبل.
قالوا: وأما إذا شرع في الصلاة في الأوقات المنهية فإنما لم تجب، لأن سبب الوجوب هو الشروع، والشروع بالتكبير والتكبير ليس من الصلاة التي نهى عنها فلزمت الصلاة به، وههنا نهى عن الصوم والشروع في الصوم صوم فلم يكن الشروع موجباً لورود النهي، ولا يكون موجباً عندنا لا لعينه بل بواسطة وجوب حفظه فإذا لم يجب حفظه، لأنه منهي عنه لم يكن سبباً للوجوب.
قالوا: وأما إذا قضى يوماً في هذه الأيام إنما لم يجز، لأنه لما كان مشروعاً بأصله دون وصفه كان الصوم فيه ناقصاً، والواجب عليه من القضاء واجب كامل فلم يتأد الكامل بالناقص إلا أن في مسألتنا إذا صام هذه الأيام إنما خرج عن موجب النذر، لأنه قد أضاف الصوم إليها والخروج لحق الإضافة.
قالوا: وليس كما لو نذرت أن تصوم يوم حيضها، لأن اليوم هناك قابل للصوم إلا أن فساد النذر في هذه الصورة إنما كان، لأن الناذر ليس
стр. 503
بأهل للصوم فإن طهارتها عن حدث الحيض شرط لتصير أهلاً لفعل الصوم مثل طهارة الرجل عن الحدث شرط ليصير أهلاً لفعل الصلاة.
وقد استدل بعض مشايخهم على كون هذه الأيام محل الصوم: بأن تخللها في صوم شهري التتابع يقطع التتابع، ولو لم يكن محلاً للصوم لم يقطع، كما نقول في الليالي إذا تخللت، ومعتمدهم الأول.
الجواب:
أما قولهم: يوم.
قلنا: اليوم اسم زمان ومثل هذا لا يصلح لبناء الشرعيات عليه، كقول القائل: وقت، أو قطعة زمان وما أشبه ذلك.
وأما استدلالهم بالنهي وهو معتمدهم.
قلنا: إنما صح النهي، لأنه يتحقق محسوساً وإن لم يتحقق مشروعاً، وهذا لأن الصوم له حقيقتان: حقيقة حسية، وحقيقة شرعية، فصح النهي لوجود الحقيقة الحسية ثم كان عمل النهي في نفي الحقيقة الشرعية على ما سبق بيانه.
وسؤالهم على هذا أن النهي ورد عن الصوم، والصوم هو الصوم الشرعي لا الصوم الحسي فاقتضى النهي وجود ما هو الصوم حقيقة.
قلنا: قد كان يقتضي ذلك إلا أنه لا يمكن إثبات الصوم الشرعي بعد ورود النهي عنه لما بينا.
ثم الجواب المعتمد تحقيقاً:
إن الصوم حقيقة من العبد ليس إلا الإمساك مع النية، والنهي منصرف إلى ما هو فعل العبد، والذي هو فعل العبد متصور منه فصح النهي عنه لتصوره منه.
стр. 504
وأما كونه عبادةً وصوماً شرعياً بالشرع، والنهي لا يتصور عنه أصلاً غير أنه انتفى الشرع، فثبت بهذا تحقق النهي وتكون النهي عنه ثم ظهر عمل النهي في نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفى الصوم الشرعي قطعاً، وهو مثل النهي عن نكاح المشركات ونكاح الأمهات والبنات ونكاح امرأة الأب وبيع الحر وغير ذلك، صح النهي في هذه الصورة كلها لتصور وجودها من العبد على غاية ما يمكن منهم ثم انتفت الصحة شرعاً، لأن النهي نفى المشروعية ولا يتصور عقد مشروع مع انتفاء المشروعية.
وأما قولهم: ((في التفريق بين النهي الوارد عن الشيء لعينه ولغيره)).
فهذا تفريق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه لا يتصور عندنا، لأن النهي بخطاب الشرع ولا ينهي عن الشيء لعينه بحال، وأيضاً لو نهى عن شيء لعينه لم تتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه، فإن النهي عن القتل لو كان لعين القتل فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا وغير ذلك، فهذا كلام مردود متلقي من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلاً محظورة عقلاً أخرى، وهذا مذهب مردود وهو بدعة وضلالة.
وأما عندنا: فالحظر والإباحة والإيجاب بالسمع لا غير.
ونقول: إن الشيء إذا ورد النهي عن نفسه كان نفس الشيء وهو العقد أو غيره منهياً عنه أوجب فساده.
وإن شئت قلت: أوجب خروجه عن كونه عقداً شرعياً أو مشروعاً على الإطلاق.
وقولنا: ((إن نفسه يكون منهياً عنه)).
يعرف ذلك بأن لا يوجد النهي إلا بوجود الشيء مثل النهي عن نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين، وكذلك النهي عن
стр. 505
نكاح المشركات، والوثنيات وبيع/ الأحرار وبيع المضامين والملاقيح وغير ذلك، فإنه لا يوجد النهي عن شيء من هذه العقود إلا بهذه العقود وكذلك في مسألتنا لا يوجد النهي عن صوم هذه الأيام إلا بوجود الصوم حتى لو أمسك ولم يأكل في هذه الأيام لا عنت عليه.
فثبت بهذا أن النهي يتناول نفس الصوم فأوجب ما ذكرناه.
وخرج على هذا المسائل:
فإن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ليس النهي عن نفس الصلاة بدليل أنه لو شغل الأرض المغصوبة بشيء آخر سوى الصلاة كان منهياً عنه، وكذلك البيع وقت النداء ليس النهي عن نفس البيع بدليل أنه لو اشتغل بشيء آخر سوى البيع يكون منهياً عنه، وكذلك الطلاق في زمان الحيض ليس النهي عن نفس الطلاق بل هو عن تطويل العدة والإضرار بالمرأة حتى لو طلق قبل الدخول في حال الحيض لا بأس به، وكذلك لو طول العدة عليها بالمراجعة من غير رغبة والطلاق بعد ذلك محرم، وكذلك الإحرام مجامعاً ليس النهي عن الإحرام إنما النهي عن المجامعة عند الإحرام، فهذا وجه بين تخرج عليه جميع المسائل.
ويمكن أن يقال: إن النهي عن الشيء إذا كان لطلب ضده فيكون النهي عن نفس الشيء وإذا لم يكن لطلب ضده فلا يكون عن نفس الشيء. وقد نهى في مسألتنا عن الصوم وهذه الأيام لطلب ضده وهو الفطر.
стр. 506
فدل أن نفسه منهي عنه مثل النهي عن نكاح الأم والبنت كان لطلب ضده وهو عدم النكاح وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين كان لطلب ضده وهو التفريق إن أراد النكاح أو ترك النكاح أصلاً.
وعلى هذا خرج المسائل.
فإن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ليس الطلب ضدها أو هو ترك الصلاة، وكذلك في البيع وقت النداء حتى لو باع وهو يسعى إلى الجمعة لم يكن منهياً عنه، وكذلك في الطلاق حالة الحيض لم يكن لطلب ضده وهو بقاء النكاح حالة الحيض، ألا ترى أنه لو طلق وهي طاهرة ثم حاضت فلا نكاح والحيض موجود، وكذلك النهي عن الإحرام مجامعاً وغير ذلك مما يوردونه كل ذلك خارج على الأصل الذي ذكرنا.
وأما المسائل الإلزامية من فصل الشروع وعدم جواز القضاء في هذه الأيام وفساد نذر المرأة صوم يوم حيضها مسائل لازمة، واعتذارهم ضعيفة عند التأمل، تركنا الكلام عليها لظهورها ولئلا تطول المسألة.
وأما فصل انقطاع التتابع فإنما كان كذلك لوجود الانقطاع صورة، وكذلك في الليل إلا أن الاحتراز لا يمكن هناك فسقط اعتباره بخلاف مسألتنا فاعتبر وبطل التتابع. والله أعلم.
* * *
стр. 507
(مسألة)
لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف عندنا.
وعندهم: هو شرط.
فعلى هذا نقول:
стр. 508
يجوز الاعتكاف في الليالي على الانفراد.
وعندهم: لا يجوز.
لنا:
حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلاً في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبي ﵇ عن ذلك قال: ((أوف بنذرك))، والخبر في الصحيحين.
روى عبد العزيز بن محمد.
стр. 509
عن أبي سهيل بن مالك- عم مالك بن أنس- عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)).
وأما هم يروون عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)).
قالوا: وأما الخبر الأول الذي رويتم فقد روى عمرو بن دينار عن عمر أنه سأل النبي ﷺ عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم.
стр. 510
قالوا: وأما الخبر الثاني، فالصحيح منه أنه موقوف.
الجواب:
أما الخبر الذي رووه فقد تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري، وقد تكلموا في سويد وسفيان بن حسين فيما ينفردان به.
ويحتمل أن يكون المراد من الخبر نفي الكمال لا نفي الجواز.
وأما الخبر الثاني: تفرد به عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف.
стр. 511
(قال أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه مثل ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وغيرهم، قال: وابن بديل ضعيف الحديث).
وروى مثل مذهبنا عن علي وابن مسعود.
وهم يرون عن عائشة وابن عباس وغيرهما.
وأما الكلام من حيث المعنى نقول:
الاعتكاف عبادة بنفسها فيصح من غير صوم.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنه عبادة بنفسه: أن الصوم عندهم شرط لصحة الاعتكاف ثم إذا انضم هذا الشرط إلى الاعتكاف فيكون الاعتكاف هو العبادة بنفسه، وكذلك الطهارة عن الحدث إذا انضمت إلى الصلاة تكون الصلاة هي العبادة بنفسها.
стр. 512
ويدل عليه أن الله تعالى أطلق الاعتكاف ........ فقال/: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، دل أنه بنفسه عبادة مثل إطلاقه الصوم والصلاة وغير ذلك.
وإذا ثبت أن الاعتكاف عبادة فاستغنى عن الصوم ليكون عبادة مثل سائر العبادات.
يبينه: أن الصوم ركن من أركان الإسلام فيبعد أن يكون شرطاً لعبادة من النوافل، والاعتماد على الأول.
وقد تعلق الأصحاب بجواز الاعتكاف ليلاً، وقالوا: لو كان الصوم شرطاً لما صح بالليل، لأنه ليس بزمان الصوم فإذا جوزنا الاعتكاف فيه فقد جوزنا بلا صوم.
وإن قالوا: إن الاعتكاف بالليل تبع للاعتكاف بالنهار، أو قالوا: إن الصوم بالنهار شرط الاعتكاف ليلاً ونهاراً إلا أنه يختص بالنهار، لأنه لا يتصور ليلاً.
نقول: كلا الكلامين باطل، لأن دعوى التبعية لا دليل عليه.
ولأن الصوم عندهم شرط، وقد انعقد الاعتكاف بالليل، وصح الابتداء به إذا وصل إليه الاعتكاف بالنهار، وشرط العبادة: إما أن يتقدم عليها كالطهارة أو يقارنها كالاستقبال وستر العورة والطهارة عن النجاسة، فأما أن يتراخى عنها فلا يعرف.
стр. 513
وقولهم: ((إنه لا يتصور الصوم بالليل)).
قلنا: إن لم يتصور الصوم بالليل يتصور قصر جواز الاعتكاف على النهر دون الليالي ليتفق زمان الشرط والمشروط فيتصور مقترناً به أو متقدماً عليه.
وقد قال بعض أصحابنا:
إن الصوم لو كان شرطاً لصحة الاعتكاف لم تصح أيام رمضان، لأن الصوم ليس له بل هو وظيفة هذا الزمان ابتداء ولو وجب الصوم لصح الاعتكاف به وجب أن يلزم أن يكون الصوم للاعتكاف.
وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: إن الصوم شرط والشرط يجب وجوده في صحة المشروط له، فأما أن يكون وجوده له فهذا غير معتبر بدليل أن الطهارة لما كانت شرطاً للصلاة اعتبر وجودها ولم يعتبرها أن تكون الطهارة للصلاة حتى لو توضأ للنفل وأدى به الفرض يجوز مع أنه لم يتوضأ للفرض، لكن اكتفى بوجوده، كذلك ههنا، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالخبر الذي قدمناه، وقد بينا الكلام عليه.
وأما المعنى:
قال مشايخهم: لبث في مكان مخصوص فلا يكون عبادة إلا بانضمام عبادة أخرى إليه.
دليله: الوقوف بعرفة، وهذا لأن اللبث في مكان وملازمة بقعة
стр. 514
لا يكون مخيلاً في كونه عبادة، فإذا صار عبادة إنما يصير عبادة بعبادة أخرى تنضم إليه وليس ذلك إلا للصوم.
وأما معتمدهم قالوا: (أجمعنا على أنه لو نذر أن يعتكف صائماً يلزمه الاعتكاف بصوم) فلا يخلو إما أن يكون بالنذر أو بكونه شرطاً له شرعاً، ولا يجوز أن يكون بالنذر، لأن النذر لم يلاقه فإنه قال: لله على أن أعتكف صائماً، والنصب في قوله: ((صائماً)) على الحال كأنه قال: لله على أن أعتكف في حال صومي، والنذر إنما يصح في العبادة ووصف العبادة، أما حال المتعبد لا يدخل تحت النذر فكان ينبغي أن لا يجب فلما وجب دل أنه شرط بالشرع.
قالوا: وليس كما لو قال: لله على أن أصوم متتابعاً، لأن التتابع صفة الصوم.
ألا ترى أنه يقال له ((صوم متتابع)) ولا يقال ((اعتكاف صائم)).
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن قوله: ((صائماً)) نصب على إضمار المصدر، لأن هذا يستقيم في قوله: ((ضربته وجيعاً، وكلمته بليغاً)) أي ضرباً وجيعاً وكلاماً بليغاً، لأنه إذا أظهره صح هذا الكلام فأما ههنا فلا يستقيم هذا التقدير، لأنه لا يستقيم أن يظهره فيقول: أعتكف اعتكافاً صائماً أو صوماً.
الجواب:
أما قولهم: ((لبث في مكان مخصوص))، فقد ذكروا فيه القلب المعروف وهو أن يقل: فوجب أن لا يكون الصوم شرطاً.
стр. 515
دليله: ما قاس عليه.
وأما قولهم: ((إن اللبث في مكان مخصوص ليس فيه معنى مخيل في كونه عبادة)).
قلنا: العبادة ما جعله الله تعالى عبادة ولا يعتبر المعنى المخيل الذي ظنوه وعلى أن ملازمة مكان العبادة وترك الترددات مشعرة بكونه عبادة وهو لعله فوق الطواف حول البيت فإذا كان التردد حول بيت العبادة بكونه عبادة فملازمة موضع العبادة لأن يكون عبادة أولى.
وأما تعلقهم بفصل النذر فقد منع على أحد القولين.
وقيل: إنه لا يجب الاعتكاف بالصوم لكن يجبان جميعاً- أعني الصوم والاعتكاف- ولو أفرد كل واحد منهما بالفعل فإنه يصح.
وعلى أنا سلمنا أنه يجب الاعتكاف بشرط الصوم فإنما يجب بالنذر وليس فيما أنه يجب بالنذر ما يدل على أنه يجب لا بالنذر كأصل الاعتكاف.
وقولهم: ((إن النذر لم يلاق الصوم)).
قلنا: إنما أوجبنا الصوم لضرورة صحة قولكم لأنه كما يجب الاعتكاف في حال الصوم فلابد من وجوب الصوم ليصير حالاً له فيصح نذره بالاعتكاف على/ هذه الحالة وكل ما كان من ضرورة قوله فهو كالمصرح به.
فإن قالوا: ((وجب أنه إذا قال: لله على أن أصوم معتكفاً أن يلزمه على هذا الشرط، وكذلك إذا قال: لله على أن أعتكف مصلياً)).
قلنا: في المسألة الأولى كذلك نقول، وأما المسألة الثانية فهي مسلمة، ولكنها مجرد استغراق من غير بيان وجه الإلزام ووجوب الفرق.
стр. 516
ونحن إذا بينا وجه اتصال النذر بالصوم خرجنا وتقصينا عن عهدة كلامهم، وما اعتمدوه في تعلقهم.
وقد أجاب الأصحاب عن المسألة التي ألزموها وقالوا: ليس بين الصلاة والاعتكاف مناسبة ومشابهة، لأن أحدهما فعل الجوارح والآخر ليس من فعل الجوارح فإذا لم يكن بينهما مناسبة لا يصير أحدهما شرطاً في الآخر.
وأما الصوم والاعتكاف فبينها مناسبة ومشابهة، لأن كل واحد منهما كف فجاز أن يصير أحدهما شرطاً في الآخر ليصير كل واحد منهما كاملاً لصاحبه متزيناً به، وهذا غاية الإمكان، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 517
كتاب الحج
(مسألة)
تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة عندنا.
وعندهم: لا تثبت.
وقد ذكر مشايخهم رواية عن أبي حنيفة ﵁ أن الاستطاعة لا تثبت بمجرد المال بحال، وزعموا أن هذه الرواية هي الرواية الظاهرة عنه.
ورووا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه رواية أخرى أن الاستطاعة
стр. 518
تثبت بمجرد المال، وزعم المحققون منهم أن هذه الرواية هي الأصح.
وفائدة الروايتين تظهر في المغضوب الموسر، هل يجب الحج عليه أم لا؟
لنا:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وإنما قلنا إنه يصير مستطيعاً، لأن الاستطاعة ليس إلا الإمكان وقد أمكنه الحج حين بذل له الابن الطاعة وهو أن يكون معضوباً فقيراً فيبذل له أن يحج عنه أو يكون فقيراً صحيحاً فيبذل له المال فقد تحققت الاستطاعة في الصورتين، أما في الصورة الأولى فليس بينه وبين حصول الحج له إلا الأمر به، وهو مما يدخل تحت الأمر وتجرى فيه النيابة، وفي الصورة الثانية، أمكنه الحج بإنفاقه مال الابن في سفر الحج، كما أمكنه إذا كان المال له، لأن الإمكان لا يختلف في الموضعين فإن ركوبه مركوب الغير وركوبه مركوب نفسه واحد، وكذلك لا يختلف في المطعوم والمشروب.
فثبت أن الإمكان موجود وإذا وجد الإمكان وجب عليه الحج، لأنه لا شرط له سواه، وكذلك في المعضوب الموسر وجد الإمكان وهو أن يبذل ماله ليحج عنه غيره فوجب أيضاً.
وهذه المسالة مبنية على أن النيابة جارية في الحج، وسنبين من بعد.
стр. 519
ويدل عليه: أنه لو كان مستطيعاً للحج بنفسه فطرأ عليه العجز بقى الوجوب عليه، وكذلك إذا وجد المال وهو معضوب جاز أن يجب عليه أيضاً، لأن الباقي هو الواجب عليه ابتداء، والواجب عليه ابتداء هو الباقي فإذا جاز أن يبقى عليه وجوب الحج وهو عاجز ببدنه ليؤدي بماله، فكذلك في الابتداء جاز أن يجب عليه أيضاً.
وأما حجتهم:
قالوا: غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج، كما إذا كان الباذل أجنبياً، وإنما قلنا: ((إنه غير مستطيع))، لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة بالنص وهو الإجماع بيننا وبينكم ولم يوجد.
ثم قالوا: لو صار مستطيعاً لصار مستطيعاً ببذل الابن المال له وهذا لا يجوز شبهاً ولا معنى.
أما الشبه فالدليل عليه: أن العبد لو أذن له مولاه في الحج وبذل له المال فإنه لا يجب عليه الحج، ولو ثبتت الاستطاعة بالبذل والإباحة وجب أن يثبت ويجب الحج في هذه الصورة، لأن العبد من أهل الحج والإمكان قد وجد.
يبينه: أنه إنما لم يجب لعدم الإمكان مثل العسر لا يجب عليه لعدم الإمكان والسيد بذل له المال فقد تحقق الإمكان، وهذا شبه معتمد.
ويدل عليه: أن الابن إذا بذل المال في كفارة اليمين والظهار جميعاً فكذلك ههنا لا يحكم بالاستطاعة.
стр. 520
وأما المعنى:
قالوا: الاستطاعة بالزاد والراحلة شرط لوجوب الحج بالإجماع، وهو استطاعة بمال لا يوجد مباح الأصل في العادة فوجب أن يكون الملك شرطاً لوجوب الحكم المبتنى عليه، لأن أصل القدرة على ما ......... والأفعال هو بالملك/ وأما القدرة بالإباحة عارضة، والأحكام إنما تتعلق بالأصول لا بالأعراض، ألا ترى أن الصلاة قائماً إنما تتعلق بالاستطاعة ينالها الإنسان بسلامة أحواله، ولا تحجب بما يحدها بمعين بعينه من ولده أو غيره للمعنى الذي بينا، وهو أن الأصل أن الاستطاعة مبنية على سلامة الحال، والأخرى عارض، ولا يلزم على هذا الماء في الطهارة، لأن الماء على العادات موجود مستعمل على الإباحة فصار الإمكان بالإباحة في حق الماء أصلاً فقام مقام الملك، وأما الزاد والراحلة قل ما يوجد على أصل الإباحة وإنما يتمكن الإنسان من استعمالها على العادات الجارية بالملك، والإباحة عارضية فبني الحكم على الملك ولم يعتبر العارض.
قالوا: وأما المعضوب الموسر فيجب عليه الحج على الصحيح من المذهب لأن ملك الزاد والراحلة قد وجد.
وقد نص مشايخهم إحدى الروايتين عن صاحبهم.
وقالوا: تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال، لأنه يؤدي بالبدن وإنما المال وصلة، ثم إذا كان عاجزاً بماله لم يجب عليه الحج وهو الفقير الصحيح فإذا كان عاجزاً ببدنه أولى أن لا يجب.
قالوا: وأما قولكم: ((أنه لو كان صحيحاً موسراً فعرض العجز يبقى عليه وجوب الحج)).
стр. 521
قال: هذا لا يدل على أنه يجب عليه ابتداء كالميت يبقى عليه وجوب الحج ولا يجوز أن يجب عليه ابتداء.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه لا يجوز أن يصير مستطيعاً ببذل الابن له الطاعة بدليل الأجنبي)).
قلنا: قد منع بعضهم.
والصحيح على المذهب أنه لا يصير مستطيعاً إلا ببذل الابن على الخصوص، وإنما كان كذلك، لأن الإمكان قد وجد صورة ومعنى ببذل الابن ماله، أما الصورة معلومة، وأما المعنى فلأنه لا منة تلحقه ببذل الابن وإباحته ماله له ليحج به، لأن هذا وإن كان إحساناً لكن إحسان الأب إليه أكثر فيكون هذا على معنى المجازاة والشكر لإحسانه إليه لا على معنى الامتنان به عليه، لأن الشرع أضافه ماله إليه إضافة الملك إلى مالكه، ولأنه سمى الولد كسباً له مثل ما يكون العبد كسباً لسيده فيكون حجه بماله مثل حجه بسائر أكسابه فثبت أنه لا منة تلحقه في بذل الابن فتحقق الإمكان بصورة ومعنى. وهذا لا يوجد في غير الابن فلم يوجد الإمكان معنى، لأن تحمل المنة في غاية الشدة وهي دقاقة لأعناق الرجال.
* * *
·
стр. 522
وأما فصل العبد الذي تعلقوا به:
قلنا: وإنما لم يجب، لأنه ليس من أهل وجوب الحج عليه والدليل عليه النص والحكم:
أما النص: قوله ﵇: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام)).
وأما الحكم: فإنه لو حضر بعرفات مع سيده لم يجب عليه الحج ولو كان عدم الوجوب لعدم الإمكان فإذا حضر بعرفات وجب أن يجب عليه الحج كالفقير، خصوصاً إذا كان السيد قد أذن له في فعل في فعل الحج، وحين أجمعنا على أنه إذا فعل الحج في هذه الصورة لم يكن فاعلاً واجب الحج عليه بخلاف الفقير، وبخلاف العبد الذي حضر الجمعة مع سيده ويؤديها، دل أنه إنما لم يكن لأجل أنه ليس من أهل فرض الحج عليه أصلاً.
* * *
стр. 523
وأما فصل الكفَّارة:
فلا نسلم، ونقول: إذا بذل الابن الرقبة أو الطعام لأبيه لم يجز له أن يعدل إلى الصوم، وعلى أن الكفارات حق مالي فلا يتأدى إلا بماله أو بما يصل إليه بماله.
وأما الحج بدني فلا يحصل إلا ببدنه أو ببدن يصل إليه بأي سبب كان ويقوم بدن ذلك الغير مقام بدنه ولم يعتبر أن يكون الوصول بالمال لأنه ليس بواجب مالي فاعتبر أصل الوجوب فحسب، والأصح المنع في الطعام خاصة، وفي العتق إذا وهب الرقبة له أنه يجب عليه قبولها، وعلى هذا في مسألتنا لو وهب الزاد والراحلة له يجب عليه قبولها أيضاً.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب القبول، لأن المنة تكثر في ذلك ما لا يكثر في مجرد البذل.
وأما دعواهم ببيان المعنى، وقولهم: ((إن الأصل هو القدرة بالمال الذي يكون له)).
قلنا: لا نسلم، بل الأصل هو القدرة بأي وجه كان، لأن الشرط تيسير الوصول إلى الحج بالإمكان الذي يوجد إما بماله ولده، فأما اعتبار ماله فلا معنى له، كما نقول في الوضوء، فإنه لا فرق بين أن يكون إمكانه بماله أو بمال غيره وقد بذل ذلك الغير له.
وقولهم: ((إن الماء يوجد مباحاً والزاد والراحلة لا يوجدان مباحان)).
стр. 524
قلنا: وبأن كان يوجد الماء مباحاً في الأصل بخلاف الزاد والراحلة لم ينبغي أن يفترقا في مسألتنا، والماء مملوك للغير إباحة له، وكذا الزاد والراحلة إلا أن التعلق بفصل الماء في الوضوء يقتضي أن لا يفترق الحكم بين أن يكون الباذل أجنبياً أو غيره.
وقد بينا أن الأصح التفريق/ وحرف الجواب ما قدمنا، ونقول: إن الإمكان أمر حسي لا يتصور أن يختلف بماله ومال غيره، والموجود بمال غيره هو الموجود بماله ولا يتصور أيضاً أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً.
وأما تعلق مشايخهم بالمعضوب الموسر، فقولهم: ((إن تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال)).
فليس بشيء، لأنا إن سلمنا لهم ذلك لكن القدرة على الحج بدناً قد وجد، لأن بدن غيره يقوم مقام بدنه على ما عرف، لأن الحج يجب بمجرد القدرة بدليل أن الفقير إذا حصل بعرفات فوجب أن يجب بمجرد المال، والاعتماد على ما سبق.
وأما فصل الميت الذي ذكروه، فليس بشيء، لأنه ليس من أهل التكليف ابتداء بخلاف المعضوب فإنه من أهل التكليف ابتداء، وإنما بقى الحج على الميت بقاء الديون فكما تبقى سائر الديون عليه بقى الحج عليه أيضاً. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 525
(مسألة)
وجوب أداء الحج على التراخي عندنا.
ومعنى قولنا: ((على التراخي)) أنه ليس على الفور.
وعندهم: على الفور، وزعموا أنه قول أبي يوسف.
وحكوا عن محمد بن الحسن أنه قال على التراخي.
قالوا: وليس عن أبي حنيفة ﵁ رواية في ذلك.
وقال بعضهم: عنه روايتان.
стр. 526
وقد صححوا كونه على الفور.
لنا:
إن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، ولو يوجد في الحج إلا مطلق الأمر، والدليل على أنه لا يقتضي الفور أن قول القائل لغيره: ((افعل كذا)) حقيقة طلب الفعل وليس فيه تعرض للوقت بوجه ما فصار جميع أوقات الحج وقتاً له على وجه واحد حتى إنه في أي وقت أدى يكون ممتثلاً للمأمور، وهذا كالمكان في الصلاة فإن الله تعالى أمر بالصلاة في زمان ولم يتعرض للمكان فصار جميع أمكنة الصلاة مكاناً للصلاة على وجه واحد حتى إن في أي مكان أدى يكون ممتثلاً للمأمور، كذلك ههنا.
والحرف أن الأمر بالفعل لا يقتضي إلا طلب الفعل، وأما التعجيل والتأخير فليس عليه دليل من صيغة اللفظ فصار مطلق الأمر مقتضياً مطلق الفعل فتقييد الأمر تقييد زائد لابد فيه من دليل زائد، وإذا سقط التقييد بالفورية والبدار من ظاهر اللفظ فصار هو بالتأخير مؤخراً للفعل من زمان الفعل إلى زمان الفعل فجاز له ذلك، وهذا كما لو أخر الصلاة من أول وقتها إلى آخر وقتها، فإنه يجوز للمعنى الذي بينا.
يدل عليه أن الواجب من الفعل كما يصلح واجباً على الفور والبدار حتى يتضيق عليه بوجود أول أوقات الإمكان فيصلح واجباً لا على الفور والبدار حتى يتوسع عليه في مدة عمره فيفعله في أي وقت أحب من أوقات عمره من غير أن يخلي الوقت عنه، والدليل على أن الإيجاب على مثل هذا جائز، المشروع والمعقول:
стр. 527
أما المشروع: فلأنه قد وجد نظير ذلك في الزكوات والكفارات وقضاء رمضان إذا كان الفطر بعذر، كذلك على نحوه وجب الصلاة في الأوقات المحدودة، لأنها أوقات تفصل عما يسع للفعل فلم يكن الوجوب إلا على هذا الوجه وهو الأمر بالفعل لا على وجه الفور والبدار لكن على التوسع في الوقت المضروب حتى يفعله في أي وقت أحبه من غير أن يخلى الوقت المضروب منه، فصار الوقت المحدود هنالك كمدة العمر ههنا.
وأما المعقول: فلأن الإيجاب على وجه التضييق ومبادرة الفعل، كما يجوز أن يكون هو مراد الآمر ومصلحة المأمور فيجوز أن يكون الإيجاب على وجه التوسيع في الوقت مراد الآمر ومصلحة المأمور، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد من الدليل، وهو في نهاية القوة، وفي المسألة إلزامات حكمية ذكرناها في التعليق، واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر، وفيه الغنية.
وقد تعلق الشافعي ﵁ بتأخير النبي ﵇ الحج من السنة التي وجبت فيها إلى السنة الأخيرة من سني عمره، وهي السنة العاشرة مع التمكن من فعله فإنه ﷺ لما فتح مكة في سنة ثمان في شهر رمضان وعاد إلى المدينة، واستخلف على الحج عتاب ابن أسيد، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ في السنة الثانية وهي سنة تسع، وحج سنة عشر فقد أخر سنتين من أول سني الإمكان.
ولنا في رسول الله أسوة وبه قدوة مما أطلق له فمطلق لنا، وإن ادعوا عذراً في التأخير فلابد من بيانه.
وأما حجتهم:
قالوا: الأمر المطلق على الفور، لأنه مفيد للوجوب، والواجب ما لا يسع تركه والتأخير ترك.
стр. 528
يبينه: أن الأمر بالفعل قد تناول أول سني الإمكان فأفاد الوجوب فيها، وإذا وجب الفعل في أول سني الإمكان لم يجز تركه، لأنه إذا جاز تركه لم يكن واجباً فعله.
وحرفهم: إن الواجب ما لا يجوز تركه في زمان وجوبه.
فإن قلتم: إنما يجوز إلى بدل وهو العزم.
قال: لا يجوز أن يكون العزم بدلاً عن الفعل، لأنه لو كان بدلاً من الفعل لقام مقامه بحال في حصوله المطلوب منه وتأدى المأمور به كسائر الأبدال، ولأن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت، وما يجب قبل دخول الوقت لا يتصور أن يقوم مقام الواجب في الوقت، ولأنه لا دليل على كونه بدلاً، ولا يجوز إثبات بدل بلا دليل، فدل عليه أنكم جوزتم تركه مطلقاً لا إلى بدل، وهذا لا يجوز لأنه يكون نقلاً ولا يكون فرضاً.
قالوا: ولأن التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة فيكون التأخير باطلاً، لأن ما يؤدي إلى الباطل باطل، وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يخلو: إما إن جاز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية.
فإن قلتم يجوز تأخيره لا إلى غاية فيكون باطلاً، لأنه ينافي الوجوب فإن الوجوب لابد له من فائدة، فإذا جوزنا التأخير لا إلى غاية سقطت فائدة الوجوب، وهذا لأن الأمر طلب الفعل، فإذا جاز التأخير على الإطلاق بقى أمر بلا فعل، وإن قلتم: وجد بدله وهو العزم، فقد تكلمنا عليه.
وإن قلتم: يؤخر ويوصي، فليس كل الأوامر مما تجوز فيها الوصية، ولأنا إذا قلنا يؤخر المأمور ويوصي فكذلك وصيه يوصى، ووصى وصيه يوصى فيؤدي إلى تسلسل الوصية أبداً، فلا يوجد فعل ما.
стр. 529
وإن قلتم: يجوز التأخير إلى غاية، فلا تخلو تلك الغابة، إما أن تكون غاية معينة أو موصوفة.
فأما المعينة: بأن تقول أخر الفعل إلى سنة كذا أو يوم كذا، وتعيين السنة أو اليوم، وهذا غير موجود بالإجماع.
وأما الموصوفة: فهو أن يطلق له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر فات وهذا أيضاً باطل، لأن الظن لا عن إمارة هو الظن السوادي، وذلك غير معتبر، وأما الظن عن إمارة من علو سن أو مرض فالناس يختلفون في ذلك، وإنما لا يظن أصلاً فيؤخر ويموت فيفوت الفعل أو يموت فجاءةً وبغتة فيفوت أيضاً، والأمر بالفعل يقتضي الفعل لا محالة، وبهذا الطريق وجب الفعل، وفيما قلتم إخراج الأمر من أن يكون موجباً للفعل لا محالة، وأيضاً ما قلتم يقتضي أنه إذا أخر حتى مات أنه لا يعصي الله بتأخيره فيكون هذا والنافلة سواء.
قالوا: وأما الكفارات والزكوات والقضاء وغير ذلك قالوا على هذه الطريقة: إن قضية الأمر فيها أنها على الفور وإن جوزنا التأخير إنما جوزنا بقيام دليل.
وأما أبو زيد فقال في هذه المسألة: إن التأخير عن السنة الأولى تفويت فلا يجوز التأخير عن السنة الأخيرة من سني العمر، وإنما قلنا ذلك، لأن فوات العبادة بفوات وقتها، والحج له وقت معين من السنة فإذا أخر عنه فقد فات، ألا ترى أنه فعله لا يجوز والتفويت محظور.
قالوا: فإن قلتم إن لم يحج في هذه السنة يحج في السنة القابلة قال: إنما يمكنه الحج في السنة القابلة عند مساعدة الحياة إلى السنة القابلة وقد
стр. 530
يجوز أن يساعد، ويجوز أن لا يساعد فلا يجوز إطلاق تفويت متيقن به بإدراك مشكوك فيه.
وربما يقولون: لو جعل غير مفوت لجعل بإدراكه وقت الحج في السنة الثانية فإذا كان إدراك الحج في السنة الثانية على الشك لم يجز الحكم بإدراكه ولم يذهب الفوات.
قالوا: وليس كما لو أخر القضاء إلى الغد، لأنه وإن فات الصوم بدخول الليل لكن موته الليل نادر، والنادر لا يعتبر.
فأما موته في السنة الثانية فليس بنادر، وهذا لأن السنة مدة طويلة ليتقابل فيها احتمال الحياة والممات ولا يظهر رجحان، فأما الليلة فمدة قريبة فيترجح جانب الحياة.
قالوا: وعلى هذا تخرج الزكوات والكفارات، لأن الفوات لا يوجد بالتأخير فإن وقت فعلها وقت ممتد ولي بوقت يوجد وينقضي مثل ما يكون الحج.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إنه يكون مؤدياً للحج في أي سنة فعله)).
قال: إنما كان كذلك لأنا إنما جعلناه مفوتاً، لأنه لا يقين لإدراكه وقت الحج في السنة الثانية.
قال: إدراك جاء اليقين وذهب الشك فنزلت السنة الثانية منزلة السنة الأولى، وكذا في الثالثة والرابعة إلى ما بعدها من السنين.
قالوا: وأما تعلقكم بتأخير النبي ﵇ حجه إلى آخر عمره، فإنما يستقيم التعلق به إذا كان عن غير عذر فبينوا أنه أخر لا عن عذر حتى يصح التعلق به.
следующие страницы →