Полный текст (658 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقد صححوا كونه على الفور.
لنا:
إن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، ولو يوجد في الحج إلا مطلق الأمر، والدليل على أنه لا يقتضي الفور أن قول القائل لغيره: ((افعل كذا)) حقيقة طلب الفعل وليس فيه تعرض للوقت بوجه ما فصار جميع أوقات الحج وقتاً له على وجه واحد حتى إنه في أي وقت أدى يكون ممتثلاً للمأمور، وهذا كالمكان في الصلاة فإن الله تعالى أمر بالصلاة في زمان ولم يتعرض للمكان فصار جميع أمكنة الصلاة مكاناً للصلاة على وجه واحد حتى إن في أي مكان أدى يكون ممتثلاً للمأمور، كذلك ههنا.
والحرف أن الأمر بالفعل لا يقتضي إلا طلب الفعل، وأما التعجيل والتأخير فليس عليه دليل من صيغة اللفظ فصار مطلق الأمر مقتضياً مطلق الفعل فتقييد الأمر تقييد زائد لابد فيه من دليل زائد، وإذا سقط التقييد بالفورية والبدار من ظاهر اللفظ فصار هو بالتأخير مؤخراً للفعل من زمان الفعل إلى زمان الفعل فجاز له ذلك، وهذا كما لو أخر الصلاة من أول وقتها إلى آخر وقتها، فإنه يجوز للمعنى الذي بينا.
يدل عليه أن الواجب من الفعل كما يصلح واجباً على الفور والبدار حتى يتضيق عليه بوجود أول أوقات الإمكان فيصلح واجباً لا على الفور والبدار حتى يتوسع عليه في مدة عمره فيفعله في أي وقت أحب من أوقات عمره من غير أن يخلي الوقت عنه، والدليل على أن الإيجاب على مثل هذا جائز، المشروع والمعقول:
стр. 527
أما المشروع: فلأنه قد وجد نظير ذلك في الزكوات والكفارات وقضاء رمضان إذا كان الفطر بعذر، كذلك على نحوه وجب الصلاة في الأوقات المحدودة، لأنها أوقات تفصل عما يسع للفعل فلم يكن الوجوب إلا على هذا الوجه وهو الأمر بالفعل لا على وجه الفور والبدار لكن على التوسع في الوقت المضروب حتى يفعله في أي وقت أحبه من غير أن يخلى الوقت المضروب منه، فصار الوقت المحدود هنالك كمدة العمر ههنا.
وأما المعقول: فلأن الإيجاب على وجه التضييق ومبادرة الفعل، كما يجوز أن يكون هو مراد الآمر ومصلحة المأمور فيجوز أن يكون الإيجاب على وجه التوسيع في الوقت مراد الآمر ومصلحة المأمور، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد من الدليل، وهو في نهاية القوة، وفي المسألة إلزامات حكمية ذكرناها في التعليق، واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر، وفيه الغنية.
وقد تعلق الشافعي ﵁ بتأخير النبي ﵇ الحج من السنة التي وجبت فيها إلى السنة الأخيرة من سني عمره، وهي السنة العاشرة مع التمكن من فعله فإنه ﷺ لما فتح مكة في سنة ثمان في شهر رمضان وعاد إلى المدينة، واستخلف على الحج عتاب ابن أسيد، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ في السنة الثانية وهي سنة تسع، وحج سنة عشر فقد أخر سنتين من أول سني الإمكان.
ولنا في رسول الله أسوة وبه قدوة مما أطلق له فمطلق لنا، وإن ادعوا عذراً في التأخير فلابد من بيانه.
وأما حجتهم:
قالوا: الأمر المطلق على الفور، لأنه مفيد للوجوب، والواجب ما لا يسع تركه والتأخير ترك.
стр. 528
يبينه: أن الأمر بالفعل قد تناول أول سني الإمكان فأفاد الوجوب فيها، وإذا وجب الفعل في أول سني الإمكان لم يجز تركه، لأنه إذا جاز تركه لم يكن واجباً فعله.
وحرفهم: إن الواجب ما لا يجوز تركه في زمان وجوبه.
فإن قلتم: إنما يجوز إلى بدل وهو العزم.
قال: لا يجوز أن يكون العزم بدلاً عن الفعل، لأنه لو كان بدلاً من الفعل لقام مقامه بحال في حصوله المطلوب منه وتأدى المأمور به كسائر الأبدال، ولأن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت، وما يجب قبل دخول الوقت لا يتصور أن يقوم مقام الواجب في الوقت، ولأنه لا دليل على كونه بدلاً، ولا يجوز إثبات بدل بلا دليل، فدل عليه أنكم جوزتم تركه مطلقاً لا إلى بدل، وهذا لا يجوز لأنه يكون نقلاً ولا يكون فرضاً.
قالوا: ولأن التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة فيكون التأخير باطلاً، لأن ما يؤدي إلى الباطل باطل، وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يخلو: إما إن جاز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية.
فإن قلتم يجوز تأخيره لا إلى غاية فيكون باطلاً، لأنه ينافي الوجوب فإن الوجوب لابد له من فائدة، فإذا جوزنا التأخير لا إلى غاية سقطت فائدة الوجوب، وهذا لأن الأمر طلب الفعل، فإذا جاز التأخير على الإطلاق بقى أمر بلا فعل، وإن قلتم: وجد بدله وهو العزم، فقد تكلمنا عليه.
وإن قلتم: يؤخر ويوصي، فليس كل الأوامر مما تجوز فيها الوصية، ولأنا إذا قلنا يؤخر المأمور ويوصي فكذلك وصيه يوصى، ووصى وصيه يوصى فيؤدي إلى تسلسل الوصية أبداً، فلا يوجد فعل ما.
стр. 529
وإن قلتم: يجوز التأخير إلى غاية، فلا تخلو تلك الغابة، إما أن تكون غاية معينة أو موصوفة.
فأما المعينة: بأن تقول أخر الفعل إلى سنة كذا أو يوم كذا، وتعيين السنة أو اليوم، وهذا غير موجود بالإجماع.
وأما الموصوفة: فهو أن يطلق له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر فات وهذا أيضاً باطل، لأن الظن لا عن إمارة هو الظن السوادي، وذلك غير معتبر، وأما الظن عن إمارة من علو سن أو مرض فالناس يختلفون في ذلك، وإنما لا يظن أصلاً فيؤخر ويموت فيفوت الفعل أو يموت فجاءةً وبغتة فيفوت أيضاً، والأمر بالفعل يقتضي الفعل لا محالة، وبهذا الطريق وجب الفعل، وفيما قلتم إخراج الأمر من أن يكون موجباً للفعل لا محالة، وأيضاً ما قلتم يقتضي أنه إذا أخر حتى مات أنه لا يعصي الله بتأخيره فيكون هذا والنافلة سواء.
قالوا: وأما الكفارات والزكوات والقضاء وغير ذلك قالوا على هذه الطريقة: إن قضية الأمر فيها أنها على الفور وإن جوزنا التأخير إنما جوزنا بقيام دليل.
وأما أبو زيد فقال في هذه المسألة: إن التأخير عن السنة الأولى تفويت فلا يجوز التأخير عن السنة الأخيرة من سني العمر، وإنما قلنا ذلك، لأن فوات العبادة بفوات وقتها، والحج له وقت معين من السنة فإذا أخر عنه فقد فات، ألا ترى أنه فعله لا يجوز والتفويت محظور.
قالوا: فإن قلتم إن لم يحج في هذه السنة يحج في السنة القابلة قال: إنما يمكنه الحج في السنة القابلة عند مساعدة الحياة إلى السنة القابلة وقد
стр. 530
يجوز أن يساعد، ويجوز أن لا يساعد فلا يجوز إطلاق تفويت متيقن به بإدراك مشكوك فيه.
وربما يقولون: لو جعل غير مفوت لجعل بإدراكه وقت الحج في السنة الثانية فإذا كان إدراك الحج في السنة الثانية على الشك لم يجز الحكم بإدراكه ولم يذهب الفوات.
قالوا: وليس كما لو أخر القضاء إلى الغد، لأنه وإن فات الصوم بدخول الليل لكن موته الليل نادر، والنادر لا يعتبر.
فأما موته في السنة الثانية فليس بنادر، وهذا لأن السنة مدة طويلة ليتقابل فيها احتمال الحياة والممات ولا يظهر رجحان، فأما الليلة فمدة قريبة فيترجح جانب الحياة.
قالوا: وعلى هذا تخرج الزكوات والكفارات، لأن الفوات لا يوجد بالتأخير فإن وقت فعلها وقت ممتد ولي بوقت يوجد وينقضي مثل ما يكون الحج.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إنه يكون مؤدياً للحج في أي سنة فعله)).
قال: إنما كان كذلك لأنا إنما جعلناه مفوتاً، لأنه لا يقين لإدراكه وقت الحج في السنة الثانية.
قال: إدراك جاء اليقين وذهب الشك فنزلت السنة الثانية منزلة السنة الأولى، وكذا في الثالثة والرابعة إلى ما بعدها من السنين.
قالوا: وأما تعلقكم بتأخير النبي ﵇ حجه إلى آخر عمره، فإنما يستقيم التعلق به إذا كان عن غير عذر فبينوا أنه أخر لا عن عذر حتى يصح التعلق به.
стр. 531
والدليل عليه: أن عندنا يجب فعل الحج في أول سني الإمكان ولا يجوز التأخير.
وعندكم: الأفضل أن لا يؤخر أيضاً، والرسول ﷺ كان لا يترك الأفضل ولكن ترك لعذر، كذلك عندنا ترك الواجب بعذر جائز.
وقد قال بعضهم: إنما أخر بعذر الفقر، لأنه قد كان اختاره على الغنى، أو أخر لأنه خاف المشركين على المدينة فلم يمكنه أن/ يقربها.
أو أخر لأن العرب كانوا يحجون على سنن المشركين وكان بينه وبينهم عهد فلم يرد أن يحج وهم يظهرون أعلام الشرك بحضرته ولا يكون منه تغيير.
وقال أبو زيد على طريقته:
((إن الله تعالى كان أعلم النبي ﵇ أنه لا يموت حتى يحج فلم يكن التأخير تفويتاً، وكان على يقين من الإدراك في المستقبل وهذا لا يوجد في غيره)).
الجواب:
أما دلائلهم في أن الأمر المطلق على الفور.
نقول: قولكم: ((إن الأمر يفيد الوجوب)) مسلم.
وقولكم: ((إن الواجب ما لا يسع تركه)) مسلم، ولكن هذا ليس بترك
стр. 532
على الإطلاق بل هو ترك في وقت ليؤديه في وقت مثله مع استواء الوقتين فيما يرجع إلى فعل المأمور.
وقولهم: ((إنه وجب في الوقت الأول)).
قلنا: بلى، ولكن على التوسع لا على التضييق، ومعنى التوسع أن جميع زمان العمر مجعول كالوقت الواحد في قبول فعل المأمور، والتخير ثابت للمخاطب بالفعل ليؤديه في أي أوقات هذا الزمان الممتد متى شاء بشرط أن لا يخلي العمر من فعله.
وقد بينا أن هذا جائز مشروعاً ومعقولاً، فإذا عرف هذا تبين الفرق بين هذا وبين النفل، لأن في النفل يجوز إخلاء العمر عنه.
واعلم أنا لا نزعم أن العزم يدل على الفعل الواجب ولا يحتاج إليه وإن كان قد قاله جماعة من الأصوليين، لأنه إذا عرف الوجوب على الوجه الذي بينا كان ترك فعله في أول أوقات الإمكان مطلقاً ولم يحتج إلى إقامة بدل مقامة، وهذا لأن الآفة للمخالف جاءت من الجهل بمعرفة تنوع الواجب، فإذا عرف تنوع الواجب وإنما يكون مضيقاً مرة وموسعاً أخرى ففارق النفل في إلزام الفعل على الجملة وفارق المضيق في جواز التأخير ليؤديه في وقت آخر مثل الوقت الأول، فصار جواز التأخير عن أول سني الإمكان، لأنه واجب موسع، لا لأنه ليس بواجب موسع.
وأما قولهم: ((إن التأخير لا يخلو من كذا)).
قلنا: يجوز التأخير عندنا إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر عن هذه السنة يعجز عن فعله في السنين التي تليها.
стр. 533
وقولهم: ((إن الناس يختلفون في الظنون)).
قلنا: نحن نعلم أن للموت إمارات وعلامات ونعلم أن تلك الإمارات يغلب على ظن العاقل ما ذكرناه والحكم بالإمارة المغلبة للظنون صحيح في الشرع بدليل الأقيسة والاجتهادات.
وأما غلبة ظن السوادي من غير إمارة غير معتبر، فأما إذا كان عن إمارة فهو معتبر مثل غلبة الظن عن الأشياء والمعاني المخيلة معتبرة في الأحكام.
وأما غلبة الظن لا عن شبه ولا عن معنى مخيل غير معتبر، وقد ورد لهذا نظير في الشرع فإن الوصية واجبة في ابتداء الإسلام على المريض إذا غلب على ظنه الموت من ذلك المرض.
فإن قالوا: إذا مرض يمكنه أن يوصى، وإذا مرض لا يمكنه أن يحج.
قلنا: لابد له من مرض معجز ليضيق الواجب عليه، لكن نقول: إذا غلب على ظنه أنه إذا أخر عجز عن أدائه يتضيق وبناء الحكم على غالب الظن عن أمارة مثل بناء الحكم على النص بدليل الشرعيات وكان الشرع ضيق الصلوات الموظفة في الأوقات بوجود آخرها من حيث النص، وضيق الحج وأشباهه من الأوامر المطلقة بوجود آخر أوقاتها من حيث غالب الظن، والكل صحيح جائز.
وأما العصيان وإلزام سمته تارك الحج فقد تخبط فيه الأصحاب.
والأولى أن نقول:
((يجوز التأخير ولا يوصف بالعصيان إلى أن يغلب على ظنه ما ذكرناه،
стр. 534
فإذا وجد غلبة الظن وأخر لحقته حينئذ سمة العصيان، وإن مات لقي الله تعالى عاصياً وإن مات فيما بين ذلك بغتة قبل أن يوجد غلبة الظن عن أمارة تقول: لا يكون عاصياً)).
فإن قالوا: نعم، ترك ولكن إنما يترك واجباً موسعاً عليه، وقد كان ينتظر تضيقه عليه بوجود غلبة الظن، وذلك أمر معهود في عادات الناس فإذا اخترمته المنية، واختزلته من بين سائر الناس قبل أن يبلغ المعهود في أجناسه لم يكن عليه عيب ولم تلحقه سمة العصيان لأنه كان على عزم أنه إذا تضيق عليه لا يؤخره مثل من عليه الصلاة مات قبل أن يبلغ آخر الوقت، وكذلك على أصلهم في الزكوات والكفارات إذا أخرها ومات في خلال ذلك.
فهذا تتمة ما قصدناه من الجواب عن هذه الطريقة المذكورة على سمة الأصول وهو تام بين بحمد الله .
وقد انتصب جماعة من المنتسبين إلى الكلام للذب عن أصول الفقه، وظنوا أنهم يمشون من ذلك ما يعجز الفقهاء عن تمشيه، وادعوا أنهم أصحاب الحقائق وأن الفقهاء أرباب الأشباه والظنون من غير عثور وعلى حقيقة.
وعندي أن المتكلمين أجانب عن أصول/ الفقه، ومن لم يعرف معاني الفقه وقوانينه لا يجوز الاعتماد عليه في معرفة أصولها فلا ينبغي لفقيه أن يعدل عن سمة أهل الفقه وأن يأخذ أصول مذهبه عن من لا يعرف
стр. 535
معاني مذهبه فلهذا وأمثاله ........ البيان عن الفقه وقل طلابه واستولى على الناس محض التقليد والله المستعان، وسنتبين في أصول الفقه إن شاء تعالى ما يكشف عن عورات هذه الطبقة وما تقر به أعني المتبعين للحقائق الذابين عن معاني الفقه ومسالكه.
وأما طريقة أبي زيد ففي نهاية الضعف فإن حرفه في طريقته أن الحياة ربما لا توجد في السنة الثانية.
قلنا: الغالب الوجود، لأن الموت من غير أمارات الموت من كبر ومرض ووجود ضعف وغير ذلك نادر، والأغلب أن الشاب الطري يعيش إلى أن يهرم وعلى هذا بنى الله أمر العالم ولو كان على خلاف ذلك لخربت الدنيا ولم تبق إلى هذا الوقت.
وإن تعلقوا بجواز الوجود، فهذا غير معتبر بدليل قضاء الصوم بؤخره إلى الغد ويجوز أن يموت الليلة، وكذلك الصلاة يؤخرها إلى أن يفعلها في آخر الوقت ويجوز أن يموت قبل ذلك، وهذا لأن الأصل موافقة الحياة للآجال والمدد المضروبة وإن كانت على الشهور والسنين الكثيرة وأحكام الشرع مبنية على ذلك.
ولهذا لو أجل الأثمان إلى السنين الكثيرة أو كاتب العبيد ونجم إلى سنين يجوز، وكذلك الدية على العاقلة تجب إلى ثلاث سنين ولو اعتبرنا ما قالوا لم يصح شيء من ذلك، كما لو ضرب الأجل إلى زمان لا يعيش إلى مثله قطعاً من مائتي سنة أو ثلثمائة سنة وأمثال ذلك.
ويقال لهم بطريق الجدل: لو ثبت الفوات لثبت لعدم الإدراك في السنة الثانية وذلك على الشك فلا يثبت الفوات بالشك.
стр. 536
والاعتماد على الأول.
وأما التعلق بسنة الرسول ﷺ في الحج فصحيح، وقد كان ﷺ واحداً لما يحج به، ألا ترى أنه كان يجهز الجيوش ويبعث السرايا وقد فتح الله عليه الفتوح ووسع عليه الدنيا.
وقولهم: ((إنهم كانوا يحجون على سنن الشرك)).
قلنا: إن كان ثم عهد فلا بأس بترك التغيير، لأنه وفاء بالعهد، وإن لم يكن فكان ينبغي أن يحج ويغير.
وأما قولهم: ((إنه علم أنه لا يموت حتى يحج)).
قلنا: هذا لابد فيه من نقل، ودعوى علم الغيب على الرسول محال، وإنما أخرنا للبناء على غالب الظن هذا هو الأصل إلى يثبت غيره، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 537
(مسألة)
من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض عندنا.
وعندهم: لا يقع.
وعلى هذا لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره.
وعندهم: يجوز.
стр. 538
لنا:
ما رواه الحسين بن ذكوان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال: ((سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول: يلبي عن شبرمة فقال له رسول الله: هل حججت أنت قط؟ قال: لا، قال: لا، قال هذه عنك وحج عن شبرمة)).
وروى أبو بكر بن عياش عن عطاء عن ابن عباس قال: ((سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: عن نفسك فلب)).
стр. 539
وفي رواية ثالثة: ((أيها الملبي عن فلان إن كنت لم تحج حجة الإسلام فلب عن نفسك)) والخبر نص.
قالوا: روى خالد بن صبيح عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ سمع رجلاً يلبي عن نبيشة، فقال: (أيها الملبي عن نبيشة هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نبيشة وحج عن نفسك)).
الجواب:
(إنه تفرد بهذه الرواية الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة) الذي ذكرناه.
وقد روى الحسن بن عمارة مثل ما رواه غيره، ذكره الدارقطني في السنن، وقال: ((وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وما قبله وهم، قال: والحسن بن عمارة كان يرويه على ما رووا ثم رجع إلى الصواب فحدثه على موافقة غيره من الرواة وهو متروك الرواية على كل حال).
стр. 540
والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية، فإنه يقع عن الفرض ونية المطلقة ونية النفل واحد لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة.
وقولهم: ((إنها نفل)) معناه ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظراً من قبل الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضاً، وإنما كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة على ما ورد به نص الكتاب فقال تعالى: ﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، ولا يجوز أن يقال: إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما يوجد العدد اليسير حضوراً لحضرة الكعبة.
فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلون إلى الحج فاحتاج لهذا المعنى من عليه الحج إلى نوع نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه فريضة الحج أن يقصد النفل منه وعين عليه الفرض ثم اكتفى منه بنية أصل الحج وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه من وصف نفل أو نية عن الغير أو نية نذر وما أشبه ذلك فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام المفروض ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا.
стр. 541
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة مقدرة بأفعالها فلا يقع بفعلها عن فرضها.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنها مقدرة بالأفعال أنه إذا سئل عن الحج فإنه يعلم بالأفعال فيقال: إحرام ووقوف وطواف وسعى ورمى وحلق، مثل الصلاة تعرف بالأفعال فيقال: افتتاح وقيام وقراءة وركوع وسجود وقعود، وهذا لأن العبادة لما كانت أفعالاً فوجوبها في الذمة وكان الوقت خالياً عنها إلى أن يأتي بها ثم إذا أتى بها لا يكون الوقت لتقدير العبادة حتى إذا قدر بنوع من العبادة لا يقبل غيره بل كان محلاً وشرطاً للعبادة مثل الوضوء شرط للصلاة فإن فعل الفرض فيه صح وإن فعل النفل فيه صح، ومثل الوضوء إن صلى الفرض به يصح وإن صلى النفل به يصح وهو مثل وقت الصلاة.
قالوا: وأما الصوم فإنه عبادة مقدرة بالوقت فإذا قدرت عبادته لم يبق غيرها مقدرة به وصار ذلك الوقت مسمى بهذه العبادة على التخصيص فلم يتصور أن يكون لغيرها مثل ما يوضع شيء في مكان وشغل به لا يتصور أن يكون غيره مشغولاً به، وكذلك من استأجر رجلاً ليعمل له عملاً في وقت معلوم فعلى أي وجه عمل ذلك العمل يكون عن ذلك العمل المسمى فيه بالعقد.
قالوا: وأما إذا أطلق النية إنما وقع عن الفرض، لأنه وجدت نية الفرض بدلالة الحال وإن لم توجد بالصريح والنص، ودلالة الحال هي أن الإنسان لا يتكلف أداء مثل هذه العبادة عن جهة النفل وعليه الفرض
стр. 542
فهو وإن أطلق النية ولم يرده صريحاً فكأنه أراده دلالة، ومثل هذه الدلالة لا توجد في الصلاة غير أن هذه الدلالة إنما يصار إليها إذا لم يوجد التصريح بالنفل، فأما إذا صرح بالنفل سقط حكم الدلالة مثل نقد البلد فإنه يتعين في البياعات بدلالة الحال ثم إذا وجد التصريح بغيره سقط دليل الحال.
قالوا: وأما إذا طاف عن النفل وعليه طواف الفرض فذلك فعل مستحق عليه بأصل الإحرام فتغيره بالنية باطل، مثل ما لو نوى بسجود الصلاة سجود النفل فإنه تبطل نيته ويقع عن الفرض.
الجواب:
أن أصل كلامهم، مسلم، ولكن يدخل عليه الصوم، وليس لهم عذر واضح.
وقولهم: ((إنه مقدر بالزمان)).
قلنا: وإن كان كذلك لكن الواجب عليه فعل يفعله وهو الكف عن قضاء الشهوات على ما عرف، وليس بشيء محسوس فوضع في مكان حتى لا يتصور أن يكون ذلك المكان مشغولاً بغيره، وكما أن الوجوب في أفعال الحج والصلاة يلاقي الذمة، كذلك الوجوب في فعل الصوم يلاقي الذمة، وكما أن الوقت في الصلاة والحج يكون خالياً إلى أن يأتي بالأفعال كذلك في الصوم يكون الوقت خالياً إلى أن يأتي بالفعل الذي هو الصوم، وكما يقبل وقت الحج والصلاة الخلو عن فعل العبادة أصلاً كذلك وقت الصوم يقبل الخلو عن الصوم أصلاً فيبقى على هذا أنه إذا أتى بالفعل لا يكون آتياً بالفرض ويصير كأنه لم يأت بالصوم أصلاً، وعلى الجملة لا يتضح لهم عذر عن الصوم بحال.
стр. 543
وأما عذرهم عما إذا أطلق النية، فليس بشيء، فإنه لو أبهم النية في الإحرام ولم ينو حجاً ولا عمرة فإنه لا يقع عن الحج عندهم، وإن كانوا يقولون إن العمرة تطوع والحج فرض، ودلالة إن كانت توجد إذا أطلق النية في الحج فيوجد إذا أبهم بأن أحرم ولم ينو حجاً ولا عمرةً فاجعلوا إحرامه عن الحج في هذه الصورة كما جعلتم حجه عن الفرض في تلك الصورة لأجل دلالة الحال.
فأما ما قالوه من دلالة الحال موجود في الموضعين، وهذا لا يلزم على أصلنا لأن عندنا العمرة فرض كالحج سواء، وإن كان قد أدى العمرة فإن إحرامه كيف فعله يقع عن ....... فإن الاعتبار/ دليل الحال ساقط من وجه آخر، وذلك أن الإنسان لا يتكلف لفعل هذه العبادة الشاقة ويحمل المؤنات الكثيرة ثم يدع نية الفرض فدلالة الحال موجود في ترك الفرض لا في فعل الفرض، فاجعلوا مطلق النية بمنزلة نية النفل بدليل الحال فإن هذا أقرب إلى الصواب.
وأما مسألة نقد البلد، فليس يدخل على هذا، لأن الكلام فيما يحتاج إلى النية من العبادات.
فأما أمر المعاملات فعلى خلاف أمر العبادات ولا حاجة فيها إلى النية أصلاً، والعرف حكم في المعاملات في كثير من المواضع فجعل أيضاً حكماً في هذا الموضع.
وأما مسألة الطواف فلازمة.
وقولهم: ((إنه مستحق عليه فعله بعقد الإحرام)).
стр. 544
قلنا: نعم، ولكن الوقت واسع فقولوا: إذا طاف بنية النفل يقع عن النفل ثم إذا طاف بعد ذلك عن الفرض يكون عما عليه من الفرض مثل من عليه فرض الصلاة إذا فعل فعلاً، ومع ذلك لم يجز ووقع عن الفرض، دل أنه كان للمعنى الذي بيناه من النظر الشرعي بالفائت في أمر الحج على الخصوص.
وأما قولهم: ((لو سجد بنية النفل وعليه سجود الفرض يقع عن الفرض)).
قلنا: هذا عندكم، أما عندنا تبطل صلاته. والله أعلم.
* * *
стр. 545
(مسألة)
لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج عندنا ويكون إحرامه لعمرة.
وعندهم: ينعقد الحج.
وحرف المسألة: أن عندنا فعل من أفعال الحج.
وعندهم: شرط الحج وليس بفعل من أفعاله.
стр. 546
وعلى هذا الخلاف، تحريمه الصلاة.
لنا:
إن الإحرام فعل من أفعال الحج فلا يجوز في غير وقته.
دليله: سائر أفعاله، وكما لا تجوز أفعال الصلاة في غير وقت الصلاة، والدليل على أنه فعل من أفعال الحج أنه شروع في الحج، والحج فعل عبادة، والشروع في فعل عبادة لا يكون إلا بفعل العبادة، وإن شئت قلت: الإحرام شروع في أداء العبادة والشروع في أداء العبادة لا يكون إلا بأداء العبادة.
والوجيز من الكلام هو أن الشروع في الأداء أداء، وهذا دليل في نهاية القوة، وهو على مثال الدلائل القطعية.
يبينه: أنه يقال له قبل الإحرام حج، ويقال له بعد الإحرام أتم الحج، ولو قيل له بعد الإحرام حج يكون القائل هاذياً لاغياً، وقبل الإحرام يكون في قوله مستقيماً محقاً، ولأنا اجتمعنا على أن النية شرط عند الإحرام، وكذلك في الصلاة عند التحريمة، والنية إنما تشترط لصحة الأداء، ولو لم تكن التحريمة من الصلاة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام فثبت بهذه الدلائل أن الإحرام فعل من أفعال الحج.
وإذا عرف هذا فنقول:
стр. 547
وقت الحج هو الأشهر المعلومة، وذلك شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
والدليل عليه: الوحي الناطق، والحكم الصادق.
أما الوحي فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومعناه وقت الحج أشهر معلومات، لأن نفس الحج أفعال وليس بأشهر، غير أن العبادة تذكر ويراد بها وقتها يقال: شك صلاة الظهر أي وقت الظهر، وقال النبي ﵇: ((إن للصلاة أولاً وآخراً)) معناه لوقت الصلاة أولاً وآخراً بدليل أنه فسره بالوقت فقال: إن أول وقت الظهر كذا وآخر وقته كذا.
يدل عليه: أنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، ومعناه فعل فيهن الحج يعني في هذه الأشهر.
وقد أجمع المفسرون أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وأما الحكم فعلى أصلنا ظاهر، وإنما الحاجة في بيان ذلك على أصلهم فالدليل (أنهم قالوا: فيمن أحرم لعمرة في رمضان وقضاها ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً، ولو أحرم بالعمرة في شوال وقضاها ثم حج من
стр. 548
عامه يكون متمتعاً، وكذلك على أصلهم لو أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في شوال، وإنما افترقت الصورتان لأن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في وقت الحاجة ولو كان رمضان وقتاً لكان متمتعاً في الحالين.
وكذلك قالوا: لو أحرم بالحج في رمضان وسعى فيه كان عليه أن يعيد السعي إذا طاف يوم النحر، ولو كان طاف في شوال والمسألة بحالها لم يعد السعي، لأن السعي من أفعال الحج فلا يجوز أداؤه قبل الوقت) وفي المسألة الأولى أتى به خارج الوقت، وفي المسألة الثانية أتى به في الوقت.
قالوا: أيضاً (لو وجد الزاد والراحلة في رمضان وحضره الموت لا يلزمه أن يوصى بالحج، ولو وجد في شوال وحضره يلزمه أن يوصى به)، والمفرق ما بينا.
فثبت أن وقت الحج مقصور على هذه الأشهر، وثبت بما قدمنا أن الإحرام فعل من أفعال الحج فلم يجز قبل وقته.
وأما حجتهم:
قالوا: الإحرام شرط لأفعال الحج وليس/ بفعل من أفعاله ولا هو ركن من أركانه، ومحله محل الطهارة في الصلاة وقت فعل العبادات لا يشترط لشرط العبادة، ألا ترى أنه يجوز الوضوء قبل دخول الوقت ولم
стр. 549
يعتبر لصحته وجود وقت الصلاة، ثم الدليل على أنه شرط وليس بركن أنه معنى يستوعبه كل أفعال العبادة مثل الطهارة في الصلاة وهذا هو حد الشرط وهو ما يراعي قيامه لفعل العبادة كلها إلى أن تنتهي إلى آخرها كالطهارة وستر العورة والمكان والوقت في باب الحج والجمعة. وأما حد الركن ما تؤدي به العبادة ويكون انقضاؤه بشروع في ركن مثله كالقيام يكون انقضاؤه شروعه في الركوع، والركوع ينقضي بالسجود، وهذا لأن العبادة التي تشتمل على أفعال مختلفة تكون أفعالها على التوالي والترادف يفرغ من فعل ويشرع في فعل بدليل أفعال الصلاة وكذلك سائر أفعال الحج، فلو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لكان سبيله هذا ولم تعتبر استدامته ليؤدي كل الأفعال ثم يتحلل منه.
قالوا: ولأن أفعال الحج تنفصل عن الإحرام بدليل أنه يحرم في أول هذه الأشهر ثم إنه يأتي بالأفعال في الأيام المخصوصة ولو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لم يجز أن ينفصل عنها كسائر أفعاله وكان من حقها أن توجد على الترادف والتولي مثل أفعال الصلاة، ولأن الحج زيارة أمكنة معلومة وحضور مشاهد مخصوصة تعظيماً لها وقضاءً لحقها لامتثال أمر الواضع لتلك الحرمات والمثبت لتلك الحقوق، والتلبية ليس من هذا في شيء وإنما هي ذكر باللسان وليس عبادة الحج عبادة الأذكار إنما هي عبادة الأفعال على ذلك المنهج المخصوص.
قالوا: ولهذا يختص كل فعل من أفعال الحج بمكان مخصوص، وكذلك بزمان مخصوص، بخلاف الإحرام فإنه لا يختص بزمان على التعيين ولا بمكان. فثبت بهذه الدلائل أنه شرط وليس بركن فأشبه الطهارة على ما ذكرنا.
стр. 550
قالوا: (وليس كالخطبة في الجمعة حيث يعتبر لها وقت الجمعة وإن كانت شرطاً، لأن وقت الجمعة إنما اعتبر لها، لأنها أقيمت مقام الركعتين) في الشرع على ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا أقيمت مقام الركعتين لم يكن بد من اعتبار وقت الصلاة لها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لو كان شرطاً لما لزمه المضي في العبادة بمباشرة الشرط، كما لا يلزمه المضي في الصلاة بمباشرة الطهارة، لأن عندنا وإن كان الإحرام شرطاً لكنه مع ذلك عقد على الأداء وهو نظير عقد الإجارة على أصلنا فمن حيث أنه عقد على الأداء يلزمه المضي في الحج بخلاف الطهارة.
قالوا: ولهذا يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لأنه عقد على الأداء.
وبعضهم قال: إنما كره لخوف أن يقع في محظورات الحج لامتداد الوقت فيكون التقديم سبباً للوقوع في الجناية فيكره لهذا المعنى.
والجملة أنهم يقولون: الإحرام شرط لأداء العبادة وعقد على أداء العبادة وإلى أيهما نظرنا لا يكون ركناً من أركان العبادة فلم يعتبر وقت العبادة في فعله.
قالوا: وأما تحريمة الصلاة إنما اعتبر لها وقت الصلاة وإن لم تكن من الصلاة عندنا لأنها لا تصح إلا متصلة بالأداء وهو القيام فينظر لها ما يشترط في الصلاة لأجل القيام بخلاف الإحرام فإنه يوجد منفصلاً عن أفعال الحج فلا يشترط له ما يشترط لأفعال الحج.
стр. 551
وقد قال أبو زيد في الأسرار: ((إن الإحرام التزام الحج فأشبه النذر، واستدل في أنه التزام للحج بالوجوه التي بيناها.
وقال أيضاً: إنه من وجه يشبه النذر، لأنه التزام غير متصل بالأداء في الحال ومن وجه يشبه تحريمة الصلاة، لأنه التزام يفضى إلى الأداء بنفسه من غير حاجة إلى عقد الأداء وعلى هذين الشبهين قسم الأحكام.
قالوا: ولأجل الشبه بالتحريمة كرهنا الإحرام في غير أشهر الحج.
قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن الإحرام يتصل به الكف عن المحظورات وهو فعل من أفعال الحج، وذلك لأن الكف عن المحظورات ليس من أفعال الحج ولا هو أداء له بوجه ما.
ألا ترى أنه وإن طال الكف شهر أو شهران لا يتأدى به شيء من الحج ويكون الحج بعد ذلك في الكمال مثل ما لو أحرم وأتى بالأفعال عقيبه، ولا يقال إذا مضى أوقات في الكف أنه فعل بعض الحج بخلاف ما لو أتى ببعض الأفعال، وهذا لأن الحج أفعال على ما ذكرنا أنه عبارة عن زيارة أمكنة على سبيل التعظيم لله تعالى وليس بعبارة عن الكف وليس من شرط الأداء أن يكون كافاً عما حظره عليه إحرامه كالصلاة عبارة عن الأفعال ولكن ن شرط الأداء أن يكون كافاً عما لا يليق بالصلاة من كلام الناس وغيره.
وأما الصوم ففعله نفس الكف بدليل أنه إذا مضى بعض اليوم يقال فعل بعض اليوم.
قالوا: ولا/ يجوز أن يقال إن الإحرام لو كان التزاماً للحج لكان يصح
стр. 552
لسنة أخرى كالنذر، لأنا قد ذكرنا أنه التزام كالنذر وعقد على الأداء كتحريمة الصلاة فمن حيث أنه التزام منفصل عن الأداء صح قبل الوجوب، ومن حيث أنه عقد على الأداء يتناول يصلح له كعقد الإجارة يتناول أول وقت يصلح له وأشبه نية الصوم فإنه إذا نوى بالليل أن يصوم يتناول أول اليوم الذي يليه ولا يتأدى بها صوم يوم آخر وإن صحت النية في غير وقت الأداء فلم يتناول نية اليوم الذي يليها، كذلك الإحرام يتناول الوقت الذي يليه، ولم يجز أن يستديم الإحرام ليؤدي الحج في سنة أخرى.
الجواب:
إنا قد دللنا على أن الإحرام أحد أفعال الحج ودعواه أنه شرط بعيد جداً بدليل ما قدمنا، وبدليل وجوب مباشرة أفعال الحج وتحريم تأخرها عن هذه السنة مباشرة شرط العبادة لا يوجب فعل العبادة بدليل الطهارة وستر العورة وهذا الدليل أيضاً وارد على قولهم: ((إنه التزام))، لأنه لو كان كذلك لصار كالنذر ولو كان كالنذر وجب أن يحتاج إلى ابتداء المباشرة ثم يكون ذلك إلى اختياره.
وقولهم: ((إنه عقد على الأداء)).
يقال لهم: على الأداء من حيث الشروع أو من حيث الالتزام؟ فإن قلتم: من حيث الشروع، جاء ما قلنا على ما سبق تقريره، وإن قلتم: من حيث الالتزام، فوجب أن يكون بمنزلة النذر ويكون حكمه على ما قدمنا.
وقولهم: ((إنه يشبه هذا من وجه وهذا من وجه)).
قلنا: الشروع في مثل هذا الكلام علامة عجز المدعى عن تمشية ما ادعاه، ويقال: إذا كان التزاماً لا يكون شبه بالشروع وإذا كان شروعاً لا يكون له شبه بالالتزام، وأيضاً إذا كان الالتزام المحض يجوز قبل دخول
стр. 553
الوقت والشروع المحض لا يجوز قبل دخول الوقت، فما يشبه الالتزام ويشبه الشروع لم يجز قبل دخول الوقت وما يجوز من وجه ولا يجوز من وجه لم قلتم إنه يجوز؟
وأما الذي اعتمدوا عليه في قولهم: ((إنه معنى يستوعب جميع العبادة)).
فوجب الجواب عنه:
إن الإحرام ركن من أركان الحج وفعل من أفعاله، وهو أيضاً شرط لسائر أفعال الحج حتى إنه ما لم يكن قائماً لا تجوز سائر الأفعال وإنما قلنا ذلك بحسب قيام الدليل، فإن الدليل قد قام أنه فعل من أفعاله على ما قدمنا، وقام الدليل أن وجوده شرط لصحة سائر الأفعال فقلنا بهما جميعاً، ولا يستنكر أن يكون الشيء الواحد فعلاً في عبادة من العبادات ثم يكون وجوده شرطاً لصحة سائر الأفعال، وقد ورد مثل هذا فإن الإسلام معنى واجب في نفسه وهو أصل كل أركان الدين ثم هو شرط لصحة سائر أفعال العبادات.
وأما تعلقهم بانفصال الأفعال عن الإحرام.
قلنا: وقد ينفصل وقد لا ينفصل بدليل أنه لو أحرم وطاف وسعى عقيبه فإنه يعتد بهذا السعي عن السعي الواجب في الحج، وكذلك طواف القدوم مشروع فعلاً من أفعال الحج وقد أتى به عقيب الإحرام فدل على أن الانفصال الذي قالوه ليس بشيء لازم، بل يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، وعلى أن مبنى أفعال الحج على الانفصال مكاناً وزماناً، ألا ترى أن بعضها يفعل في مكان من الحل وبعضها يفعل في مكان من
стр. 554
الحرم وبعضها يفعل بقرب البيت وبعضها يفعل بالبعد من البيت فلما كان وضع هذه الأفعال على الانفصال فيجوز أن تقرب مرة مدة الانفصال وتبعد مرة مدة الانفصال، وأما الصلاة موضع أفعالها على الاتصال.
وأما قولهم: ((إن الحج عبارة عن زيارة بقاع مخصوصة وحضور مشاهد معلومة)).
قلنا: مع هذا كله يجوز أن يكون الذكر فعلاً من أفعال الحج، ألا ترى أن ذكر الله تعالى من التلبية والتكبير مشروع في أثناء الحج على وجه السنة وذلك فعل من أفعال الحج، فكذلك يجوز أن يكون مشروعاً في الابتداء ويكون فعلاً من أفعال الحج فهذا وجه الجواب عما تعلقوا به. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 555
(مسألة)
وعلى هذا الأصل الذي قدمناه نقول: إذا أحرم بحجتين لم تنعقدا وينعقد أحدهما ، وكذلك إذا أحرم بعمرتين، ومذهب محمد مثل مذهبنا.
وعند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف ينعقدان جميعاً، ثم ترتفض أحدهما في الحال على قول أبي يوسف.
وعند أبي حنيفة ترتفض إذا شرع في العمل لأحدهما.
стр. 556
والدليل على أنهما لا ينعقدان أن الإحرام ركن من أركان الحج فلم يتصور الجمع بين ركنين من الحج كما لا يجوز الجمع بين وقوفين وطوافين، وكذلك لا يصح الجمع بين حجتين في سنة واحدة أداءً أو قضاءً.
وأما أبو حنيفة رحمة/ الله عليه وأبو يوسف قالاً: الإحرام التزام للحج فيصح الجمع فيه بين حجتين.
دليله: النذر.
يبينه: أن فساد الجمع بين الحجتين إنما هو لأجل الأداء فإن الله تعالى ما شرع أداء حجتين في سنة واحدة من واحد بحال، كما لم يشرع أداء صومين في يوم واحد بحال فإذا كان الفساد للأداء والأداء ينفصل عن الإحرام لتعذر الأداء، كما لو أحرم ليلة عرفة بالكوفة أو بأقصى خراسان فإنه عاجز عن أداء الحج في هذه الصورة ومع ذلك ينعقد إلا أن العجز في هذه الصورة من حيث عجز العبد عن إدراك الحج وفعله، والعجز في مسألتنا من حيث أن الشرع لم يجعل له أن يجمع أداءين في وقت واحد فإذا كان العجز في أحد الموضعين لا يمنع الانعقاد كذلك في الموضع الآخر.
قالوا: وليس كما لو جمع بين أختين حيث لا ينعقد واحد من النكاحين، لأن مسألتنا مخالف لهذه المسائل بدليل أن في مسألة النكاح لا ينعقد واحد من النكاحين، وفي مسألتنا انعقد إحدى الجهتين بلا خلاف فوجب أن ينعقد الآخر، لأنه لو بطل الانعقاد كان يبطل فيهما.
ثم قالوا: النكاح إيجاب ملك محلل وما له حكم غير ذلك، وهذا الحكم فائت إذا جمع بين الأختين، لأن الجمع فائت شرعاً لا يثبت بحال مثل ما يفوت في الخمس من الأجنبيات، والعقد لا ينعقد إلا لحكمه فلا ينعقد إذا تحققنا فوات حكمه.
стр. 557
وأما الإحرام فينعقد في الحال لأجل الالتزام وفي المال للأداء فالأداء إن لم يتصور جمعاً، فالالتزام يتصور ثم الخروج عن حكم الالتزام بفعل أحدهما وقضاء الآخر.
وأما الارتفاض في أحدهما فعند أبي يوسف في الحال، لأنه لو بقى لبقى الأداء والأداء جمعاً فلابد أن يرتفض أحدهما فارتفض في الحال.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لابد للارتفاض من رافض فجعل الشروع في أحدهما ثم حصول التوجه إلى أحدهما فصار الآخر مثل ما جعل الظهر مرفوضاً بالتوجه إلى الجمعة.
الجواب:
إن هذه كلها بناء على أن الإحرام التزام الحج، وقد بينا أنه حج في نفسه والجمع غير مشروع في الحج فبطل، وليس كما لو أحرم بأقصى خراسان ليلة عرفة، لأنه أحرم لمشروع إلا أنه عجز عنه فصار بمنزلة فائت الحج، وأما ههنا أحرم بما ليس بمشروع.
وأما انعقاد إحرامه بإحدى الحجتين فلأنه لا مانع منه، أما إذا جمع بين أختين فقد تعلق به منازعة الأذى في حقه، وليس إثبات الحق لأحدهما بأولى من الآخر فبطلا، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
وأما إذا أحرم بصلاتين أو نوى صومين ففي النفلين أو النفل والفرض ينعقد أحدهما نفلاً، وفي الفرض لم ينعقد لعدم التعيين، ونية التعين شرط في صحة الفرض. والله أعلم.
* * *
стр. 558
(مسألة)
يجوز الاستئجار على الحج عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وعلى هذا الخلاف الاستئجار على تعليم القرآن، والاستئجار على الآذان على أحد الوجهين.
والجملة أن عندهم لا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات.
وعندنا: يجوز على كل عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفاءه غير مفترض على الأجير فعله.
стр. 559
لنا:
أنه استأجر على عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفائه غير مفترض على الأجير فعله فجاز.
دليله: إذا استأجر على نصب قنطرة أو بناء مسجد أو بناء رباط وغير ذلك من أفعال الخير.
وقولنا: ((معلوم)) ظاهر، لأن أفعال الحج معلومة في نفسها متعين زمانها ومكانها.
وقولنا: ((إنه يمكن إيفاءه وتسليمه)) يعني أنه متصور تلبيته ووقوفه وطوافه عن الغير وإذا فعلها صارت كالمسلمة إليه شرعاً، ولهذا سقط الفرض عنه- أعني الآمر- وكذلك إذا استأجره على تعليم سورة بعينها فإيفاء ذلك السورة بتعليمها مثل ما لو استأجره على تعليم الخط والحساب أو كتاب معلوم من اللغة وعلوم العربية وغيرها.
وقولنا: ((غير مفترض على الأجير)) حتى إنه لو افترض في موضع فعله لم يجز الاستئجار عليه.
ويدل على جواز النيابة في الحج فنقول: أجمعنا على أنه لو قال المعضوب لغيره: ((حجي عني))، فإنه يصح هذا الأمر والمأمور ينوي الحج عنه أو يقول: لبيك يعن فلان، ويظهر عمله في حقه حتى سقط الحج المفروض عن ذمة الآمر، وكذلك إذا أوصى بالحج عنه فإنه إذا مات جاز الحج المأمور عنه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: ((لو مات رجل فحج عنه ابنه يجزيه إن شاء الله تعالى))، وإنما أدخل الاستثناء لأنه صور المسألة فيما إذا حج عنه بغير أمره، فأما إذا أمره أن يحج عنه فإنه يجوز عنه قطعاً.
стр. 560
فثبت أن النيابة جائزة في الحج فنقول: عمل تجري فيه النيابة فيجوز الاستئجار عليه بالمال.
دليله: سائر الأعمال.
وأما حجتهم:
قالوا: عبادة بدنية فلا يجوز/ الاستئجار عليها.
دليله: الصوم والصلاة، وإنما قلنا إنها عبادة بدنية من الوقوف والطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قالوا: والفقه في ذلك: أن العبادات أوجبت على وجه الابتلاء للعباد، والابتلاء لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، لأنه يظهر عند إتعاب البدن طواعية العبد لربه وانقياده لحكمه أو كراهية لذلك ونفوره عنه فيعرف الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي والمخلص من المنافق ويتحقق الابتلاء والاختبار الذي أوجبت العبادات بوصفه.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
لا يوجد معنى الابتلاء إلا فيما يفعله العبد بنفسه ويتحمل تعبه بذاته وجسمه فأما عند أمره غيره بفعله واستنابته في ذلك من تسبينه فلا يتحقق معنى الابتلاء فيه بحال، وهذا لأن الابتلاء في التعب، ولا تعب في الأمر إنما التعب في الفعل.
قالوا: ولهذا لم تجز النيابة في الصلاة والصوم، وكذلك لم تجز النيابة في الحج عند القدرة على فعله، وأما الزكاة وسائر واجبات المال فالابتلاء فيها بتنقيص المال وذلك يوجد سواء فعله بنفسه أو فعله نائبه، ولهذا دخلتها النيابة مع قدرته على فعلها بنفسه.
стр. 561
وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار عليها باطل.
قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدناً وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه.
ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال الواجب إليه.
قال أبو زيد في ((الأمالي)) محتجاً في هذه المسألة:
إن الحج عن الغير لا يكون حاجاً عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره.
دليله: الآذان.
والدليل على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج عن نفسه حتى إذا كان كافراً لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه.
ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافراً، وهذا
стр. 562
لأن العبد متعين لفعل العبادة حقاً لله تعالى، إما فرضاً أو نفلاً، فلا يتصور مع كونه فاعلاً فعل العبادة أن يكون فاعلاً عن غيره بخلاف بناء الرباط والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافراً.
قالوا: وأما قولكم: ((إن النيابة صحيحة)).
فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز.
فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة. فأما من حيث أنه عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور.
وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدناً وأقام فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه عبادة بدنية)).
стр. 563
قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية حيث قال: ((إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال.
والحرف أن أداء العبادة بدناً قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدناً مقام فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه.
وأما قولهم: ((إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه)).
قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان الابتلاء بفعله بدناً والتوصل إليه مالاً، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال.
وأما الذي قالوه: ((إن النيابة غير جارية أصلاً لكن سقط الفرض عن الآمر ببذل النفقة)). فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا بفعل الحج.
فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه
стр. 564
تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجباً عليه أن ينويه عنه ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفاً ويلزمه رد ما أخذه عليه، فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها.
وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: ((إن الحج وقع عن الحاج)).
فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع عن المستأجر من كل وجه.
فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه.
وأما قولهم: ((إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه)).
قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل فعله شرعاً وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حساً.
ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسياً لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح محسوساً يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعاً فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوساً منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها.
стр. 565
وقولهم: ((إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل الفعل)).
قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدناً لا مالاً، والنية وجدت منه في الحج بدناً، والآمر قال له: حج عني، وقوله: ((حج عني)) ينصرف إلى الأفعال البدنية.
وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل.
يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون النيابة جارية في الحج من حيث الفعل.
وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر يتناوله فسقط ما قالوه. والله أعلم.
* * *
следующие страницы →