Полный текст (658 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار عليها باطل.
قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدناً وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه.
ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال الواجب إليه.
قال أبو زيد في ((الأمالي)) محتجاً في هذه المسألة:
إن الحج عن الغير لا يكون حاجاً عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره.
دليله: الآذان.
والدليل على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج عن نفسه حتى إذا كان كافراً لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه.
ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافراً، وهذا
стр. 562
لأن العبد متعين لفعل العبادة حقاً لله تعالى، إما فرضاً أو نفلاً، فلا يتصور مع كونه فاعلاً فعل العبادة أن يكون فاعلاً عن غيره بخلاف بناء الرباط والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافراً.
قالوا: وأما قولكم: ((إن النيابة صحيحة)).
فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز.
فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة. فأما من حيث أنه عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور.
وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدناً وأقام فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه عبادة بدنية)).
стр. 563
قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية حيث قال: ((إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال.
والحرف أن أداء العبادة بدناً قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدناً مقام فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه.
وأما قولهم: ((إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه)).
قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان الابتلاء بفعله بدناً والتوصل إليه مالاً، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال.
وأما الذي قالوه: ((إن النيابة غير جارية أصلاً لكن سقط الفرض عن الآمر ببذل النفقة)). فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا بفعل الحج.
فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه
стр. 564
تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجباً عليه أن ينويه عنه ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفاً ويلزمه رد ما أخذه عليه، فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها.
وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: ((إن الحج وقع عن الحاج)).
فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع عن المستأجر من كل وجه.
فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه.
وأما قولهم: ((إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه)).
قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل فعله شرعاً وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حساً.
ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسياً لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح محسوساً يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعاً فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوساً منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها.
стр. 565
وقولهم: ((إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل الفعل)).
قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدناً لا مالاً، والنية وجدت منه في الحج بدناً، والآمر قال له: حج عني، وقوله: ((حج عني)) ينصرف إلى الأفعال البدنية.
وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل.
يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون النيابة جارية في الحج من حيث الفعل.
وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر يتناوله فسقط ما قالوه. والله أعلم.
* * *
стр. 566
(مسألة)
العمرة واجبة عندنا.
وعندهم: تطوع.
لنا: ما رواه ابن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن
стр. 567
عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)).
وروى محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن يعلى بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الحج والعمرة فريضتان لا يضربك بأيهما بدأت)).
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
стр. 568
جده أن النبي ﷺ كتب إلى اليمن كتاباً وبعث به مع عمرو بن حزم وفيه: ((إن العمرة الحج الأصغر، وألا يمس القرآن إلا طاهراً)).
وفي بعض ما رواه عمر عن النبي ﵇ أن جبريل ﵇ سأله عن الإسلام فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر)). وهم يروون بطريق حجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن الصلاة والزكاة أواجبة هي؟ قال: ((نعم))، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).
стр. 569
وروى عبيد الله بن المغيرة/ عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله، العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).
ويروون بطريق طلحة بن عبيد الله أن النبي ﵇ قال: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)).
стр. 570
واعلم أن في أسانيد كل هذه الأحاديث مقال:
فإن الخبر الأول بما أسنده الحجاج بن أرطأة وعبيد الله بن المغيرة، وهما ضعيفان.
وخبر طلحة رواه عمرو بن قيس وهو متروك.
وكذلك الأخبار التي رويناها في أسانيدها أيضاً مقال يطول ذكرها إلا الخبر الذي ذكرناه أن النبي ﵇ قال: ((وأن تحج وتعتمر))، حين سئل عن الإسلام معتمد، وهو رواية سليمان بن طرخان التيمي عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر وهو خبر جبريل المعروف حيث جاء فسأل النبي ﵇ عن الإيمان والإسلام وفي آخر الخبر قال: ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم معالم دينكم فخذوا عنه)).
وهو خبر ثابت، وهذه الزيادات رواتها ثقات.
стр. 571
وقد أوردها الجوزقي في متفق الصحيحين.
ويمكن أن يحتج ويعتمد على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والمراد من الإتمام في هذه الآية ابتداء الفعل على أكمل الوجوه.
وقد قال جماعة من أهل العلم: إن ابتداء فريضة الحج كان بهذه الآية وهو أول ما نزل في القرآن في إيجاب الحج وهو تناولت الحج والعمرة تناولاً واحداً.
وقد قامت الدلائل القطعية أن الأمر على الوجوب فاقتضت وجوب العمرة كما اقتضت وجوب الحج.
وقد روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي ﵇ قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال: ((حج عن أبيك واعتمر)).
стр. 572
وهذا أمر والأمر على الوجوب. فقال الدارقطني حين روى هذا الحديث: رجال هذا الحديث كلهم ثقات.
وروى أيضاً بطريق روح بن القاسم عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة ابن مالك قال: قلت: يا رسول الله، أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: ((لا، بل للأبد .. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
وقال: رجاله كلها ثقات.
ومثل هذا السؤال لا يكون إلا في واجب، وقوله: (العمرة في الحج)) المراد من ذلك في الأفعال على ما سنبين.
وقد ثبت عن ابن عباس قال: ((الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة)).
وإذا كان حجاً فكل ما يدل على وجوب الحج يدل على وجوبها، ولا معنى يدل على وجوب العمرة سوى التشبيه بالحج، ومجرد الشبه بلا معنى مخيل لا يعرف حجة.
стр. 573
وأما المخالف: صار إلى أن العمرة غير مؤقتة، لأنها تجوز في جميع السنة والحج مؤقت، والفرق بين النفل والفرض هذا فإن الفرض لا يكون إلا مؤقتاً، لأنه واجب علينا ولو قلنا وجب فعله وإذا لم يكن مؤقتاً، وقد خلق الله الناس العباد ليعبدوه وجب فعله في جميع الأوقات فيؤدي إلى أن يقع الناس في الحرج العظيم أو يؤدي إلى تكليف العاجز، لأن العباد يعجزون عن مباشرة العبادة في جميع الأوقات على العموم.
وأما النفل ففعله مفوض إلى اختيار العبد فإن الله وإن خلق الناس ليعبدوه وجعل النفل مشروعاً في عموم الأحوال والأوقات فلا يؤدي إلى الحرج ولا إلى تكليف العبد ما يعجز عنه فنظرنا إلى عموم الأوقات على ما دلت عليه الآية واعتبرنا ذلك وقلنا: لا يختص بوقت دون وقت.
قالوا: فإن قلتم: ((إن العمرة عندكم لا يجوز فعلها في خمسة أيام من السنة وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق)).
قلنا: لا نقول إن فعلها لا يجوز لكن يكره ترجيحاً لأمر الحج على العمرة. لا شك أنه مرجح في الشرع، والأيام التي تعينت لفعله في الشرع كرهت العمرة فيها تقديماً للحج على العمرة.
وقد قالوا أيضاً: إن الحج سبب وجوبه البيت، وكذلك العمرة لو وجبت وجبت بالسبب الذي يجب به الحج فيؤدي إلى التنافي الواجب، وهذا لا يجوز كما لا يجب ظهران بوقت واحد وزكاتان بمال واحد وصومان بيوم واحد.
стр. 574
الجواب:
إن كلا الدليلين في غاية الضعف والذي قالوا: في التفريق بين الفرض والنفل بالحد الذي قالوه لا يعرف، وليس عليه فإن الإسلام واجب وهو غير مؤقت، وكذلك الجهاد واجب وكذلك صلاة الجنازة والكفارة وما يشبه ذلك، وعلى عكسه النوافل الرواتب في الصلاة والصوم مؤقتة وليس واجبة ونعني في الصوم صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
وأما الذي قالوه إن الله تعالى خلق العباد ليعبدوه فيقتضي العبادة على العموم.
قلنا: له خلينا هذا والظاهر لاقتضى أنهم عبدوه مرة سقط عنهم الأمر إذ ليس في ظاهر هذا اللفظ دليل على فعلها في/ عموم الأوقات وأيضاً إذا قلنا إن الفريضة لا تتوقت لا يؤدي إلى ما قالوه من تكليف العاجز وإيقاع المكلف في الحرج الذي ظنوه، لأنه يكون مأموراً بفعله على الجملة حتى لا يجوز تركه، فأما أن يكون مأموراً بفعله على الاستدامة حتى لا يجوز أن يخلى عنه وقتاً ما فليس عليه دليل.
وأما في النفل إذا قلنا إنه لا يتوقت، وقلنا إنه يكون مفوضاً إلى اختيار العبد وربما لا يختار فعله أصلاً فلا يظهر لما قالوه أن العبد خلق للعبادة في جميع الأوقات أثر، وعلى أن العباد إذا فعلوا الفرائض في مواقيتها وقاموا بحق الأوامر الموظفة عليهم فقد عبدوا الله في جميع مدى عمرهم حكماً، وإن كانوا خلى بعض الأوقات عن عبادتهم حساً.
стр. 575
وأما كلامهم الثاني، وقولهم: ((إن إيجاب العمرة يؤدي إلى الثناء في الواجب)).
قلنا: لا يؤدي لأن الثناء بإيجاب حجتين وعمرتين، فأما إيجاب حج وعمرة وهما عبادتان مختلفتان متغايرتان فلا يؤدي إلى هذا، ولئن جاز أن يقال هذا ثنى فيجوز أن يقال إن إيجاب الظهر والعصر ثنى، وإيجاب صدقة الفطر لك سنة ثنى، وكذلك إيجاب الزكاة كل سنة ثنى، ومثل هذا لا يدخل فيه فقيه.
وقد ذكر الأصحاب لنا: إن العمرة واحد نسكى القرآن فأشبه الحج.
وقالوا: عبادة يجب المضي في فاسدها فكانت واجبة في الحج، والمعتمد ما سبق. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 576
(مسألة)
حج الصبي صحيح سواء أحرم عنه أبواه أو أحرم بنفسه وهو ممن يعقل الإحرام .
وهل يحتاج إلى إذن الولي، فيه وجهان.
وإذا صح لزم حتى لا يجوز له الخروج عنه ولو خرج لا يصير خارجاً عنه ويكون حجة في هذا المعنى مثل حج البالغ ولو ارتكب محظور الإحرام لزمته الكفارة.
وعندهم: حجة غير لازم، ولا تلزمه الكفارة بارتكاب المحظور.
стр. 577
وبعضهم قال: حجه غير صحيح أصلاً.
لنا: حديث أبي معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رفعت امرأة صبياً لها إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)).
ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه.
стр. 578
وروى بإسناده عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: ((حج بن أبي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين)).
فثبت بهذين الخبرين صحة حجه فصح على ما شرع وقد شرع لازماً فوجب أن يصح لازماً، وهذا كالإسلام على أصلهم فإنه لما صح منه صح على ما شرع وهو أن يكون بوصف اللزوم.
والجمل أنه إذا صح من الصبي يصح على ما يصح من البالغ.
والأولى أن يقال: يصح على الوضع الشرعي، وهذا لأنه لا يتصور حج صحيح يمكن الصبي عليه غير لازم في الشرع، والحج قد صح من الصبي، وأمكنه الضمي عليه فوجب أن يصح بوصفه.
وأما وجوب الكفارة عندنا بارتكاب المحظور، فلأنه حق مالي فصار كسائر حقوق المال وكما تجب على الصبي سائر حقوق المال يجب عليه هذا
стр. 579
الحق أيضاً، ولأن سببه قد وجد في حقه وهو ارتكاب المحظور في حج صحيح، فصار هذا الحق مثل غرامات المتلفات وأروش الجنايات.
ويستدل بكفارة الصيد إذا قتل في الحرم، وقد سلموا في هذا الموضع أنه يجب على الصبي، فكذلك إذا قتل وهو محرم وجب أن يكون مثله، لأنه لا فرق بينهما معنى وكل واد حق لله تعالى.
وأما حجتهم:
قالوا: لزوم الحج حق من حقوق الله تعالى يحتمل السقوط بالأعذار بعد البلوغ بدليل أنه يسقط بعذر الإحصار وعذر الرق فسقط بعذر الصبا. لأن رأس الأعذار الصبا قياساً على أصل الوجوب، وإنما قلنا: ((إن اللزوم حق الله تعالى)) لأن الإحرام عبادة خالصة لله تعالى، واللزوم صفته فيكون أيضاً لله تعالى، وإذا سقط اللزوم في حق الصبي صار الإحرام بالحج كإحرام الصلاة، وإذا ثبت أنه لا يلزمه شيء بترك الإحرام، فكذلك لا يلزمه شيء بارتكاب المحظور الذي هو جناية عليه بطريق الأولى لأنه لو وجب بالإدخال نقيضه فيه فإذا لم يجب عليه شيء بتركه أصلاً فلئن لا يجب بإدخال نقيضه فيه أولى، ولأن هذه الكفارات حقوق الله تعالى على الشخص يحتمل النسخ والتبديل فيسقط بعذر الصبا.
دليله: أصل الصوم والصلاة.
والدليل على أنه يحتمل النسخ أنه لم يكن في الأصل مشروعاً، وإنما شرع في شرعنا، وما احتمل إن لم يكن ثم كان احتمل أن لا يكون أصلاً، ولأن الكفارة دون الصلاة في الوجوب فلما سقطت الصلاة بعذر الصبا في
стр. 580
حقه والسبب في حقه قد تحقق وذلك بمجئ الوقت فكذلك الكفارة جاز أن تسقط وإن تحقق السبب في حقه.
قالوا: وقولكم: ((إن الكفارة حق مالي)).
قلنا: بلى، ولكن وجبت لله تعالى على طريق الابتلاء ولا يتصور الابتلاء إلا باعتبار فعل العبد، ولو وجبت الكفارة لكان أداؤها بفعل الولي بولاية جبرية قهرية/ فلا يتحقق معنى الابتلاء، وقد ذكرنا هذا على الشرح في مسألة زكاة الصبي فلا معنى لإعادته.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب للصيد لا لله تعالى، لأنه إذا أمر بالإحرام فصار أمنه حقاً له، وإذا قتله وجب الجزاء حقاً له وما يجب لغير الله لا يجب على نهج العبادات فلا يتعلق أداؤه بفعل من عليه على سبيل الاختيار فصح أخذه قهراً وجبراً، وصار بمنزلة غرامات المتلفات فصح تأديه لولي يثبت ولايته شرعاً لا باختيار المولى عليه.
فأما ما يجب لله تعالى فإنما يجب على سبيل العبادة فلا يتأدى إلا بفعل من عليه عن اختيار وتمييز إما به أو بنائب عنه باختياره وتمييزه، لأن المطلوب من الاستعباد امتياز العاصي من المطيع، وذلك لا يحصل بالاستيفاء جبراً كما بينا في الزكاة.
والحرق أنهم يقولون: كفارة الإحرام محض حق الله تعالى وجب على وجه الابتلاء ولا يمكن إيجابها على الصبي كما ذكروا في الزكاة، وكفارة الحرم وجبت حقاً للصيد لا حقاً لله تعالى.
الجواب:
أما قولهم: ((إن اللزوم مسقط بالعذر بعد البلوغ)).
стр. 581
قلنا: أولاً هذا يبطل بالصحة، فإن صحة الحج أيضاً تفوت بأسباب بعد البلوغ، فقولوا إنها تفوت بسبب الصبا، وسؤالهم على هذا أن الصبا صار عذراً بطريق النظر ولا نظر في منع الصحة، فأما في منع اللزوم نظر حتى إذا تركه لا يجب عليه شيء، فلهذا لم تنتف الصحة وانتفى اللزوم، وهذا يدخل عليه الإسلام فإنه يقع لازماً وإن وجد من الصبي على أصلهم، ولا يقال: يصح نظراً ولا يلزم نظراً، بل قيل: لما صح على ما وضعه الشرع، كذلك الإحرام لما صح صح على ما وضعه الشرع من صفة الفريضة.
فإن قالوا: أليس إن الظهر يصح منه ومع ذلك لم يصح على ما وضعه الشرع من صفة الفرضية؟
قلنا: الصلاة تنقسم إلى لازم وغير لازم، فلم تكن غير لازم في حق الصبي ويجعل في حقه بمنزلة النوافل، وأما في الحج لما لم ينقسم في اللزوم وغير اللزوم، بل كان لازماً بكل حال، استوى وجوده من البالغ والصبي.
وجواب آخر:
إن اللزوم مع إمكان المضي لا يسقط بعذر ما، والصبي متمكن من المضي على إحرامه فوجب ألا يسقط اللزوم في حقه.
وخرج على هذا المحصر والعبد، لأنهما لا يقدران على المضي، وهذا لمكان المنع الحسي والآخر لمكان المنع الشرعي، وأما الصبي فقادر على المضي.
والمسألة معين في هذه الصورة والحج في هذه الصورة ولا يتصور سقوطها بعذر ما.
стр. 582
وإن قالوا: إن الصبا سبب للنظر والمرحمة، وليس من النظر والمرحمة إثبات الإلزام في حقه من النظر.
قلنا: الصبي لا ينافي اللزوم، لأن له ذمة صحيحة قابلة للزوم والنظر والمرحمة قد وجد بمنع وجوب الحج عليه ابتداء من قبل الشرع وإنما هذا شيء جاء من قبله.
قالوا: وأما قولكم: ((إذا أفسد الحج بالوطء)).
قلنا: يجب عليه قضاءه على أصح القولين، وإذا فعله في حال الصبا صح على أصح الوجهين.
وأما الكفارات فوجه وجوبها ما ذكرنا أنها حقوق مالية فجاز إيجابها على الصبيان.
دليله: سائر حقوق المال.
وقولهم: ((إنها وجبت لله تعالى)).
قلنا: لا، بل وجبت للفقراء، وقد ذكرنا أن الزكاة واجبة حقاً للفقراء، فإذا قلنا هذا في الزكاة فكيف لا نقوله في الكفارات؟ وقد سبق إثبات هذا الأصل.
وقولهم: ((إنها وجبت على طريق الابتلاء)).
قلنا: لا ننكر أن الأوامر بأجمعها فيها معنى الابتلاء، ولكن ما كان فيها من حقوق المال يستقيم إيجابها على الصبيان ويقوم النائب المعين من
стр. 583
قبل الشرع بمنزلة النائب من قبله بعد البلوغ وهذا أيضاً قد ذكرناه في كتاب الزكاة.
وأما فصل صيد الحرم ففي نهاية الإلزام.
وقولهم: ((إن الواجب في جزاء الصيد حق الصيد)).
قلنا: هذا مما لا يفهم وإيجاب الحق للصيد مثل إيجاب الحق للجدار وما يشبهه من سائر الجمادات ومن دخل مثل هذه الترهات كفى خصمه أمره.
وقولهم: ((إن الأمر لحق الصيد)).
قلنا: هذا مثل الأول، ولا يجوز إثبات الحق على أي وجه كان إلا لمن هو من أهل الحقوق، وإنما منع الإنسان من قتل الصيد في الحرم وإطلاقه له في الحل نوع اختبار وابتلاء مثل منعه من قتله في حال الإحرام دون حال الإحلال.
والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 584
(مسألة)
الإفراد أفضل من القران عندنا، وكذلك هو أفضل من التمتع، وعندنا هما رخصة، والواجب دم جبران.
وعندهم: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.
стр. 585
قالوا: هما عزيمة. والدم دم نسك.
لنا: حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ أفرد الحج، خرجه مسلم في الصحيح.
وروى أبو نعيم عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن أبيه
стр. 586
عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله/ ﷺ مهلين بالحج في أشهر الحج)).
وفي رواية: ((لا نذكر إلى الحج)).
وفي رواية: ((لا نرى إلا الحج)).
وهذه الألفاظ كلها روايات ثابتة.
وروى عطاء عن جابر ((أن النبي ﵇ أهل بالحج)).
وفي رواية: ((مفرداً)).
وفي رواية: ((خرجنا مع رسول الله حاجاً لا نريد إلا الحج ولا ننوي غيره)).
стр. 587
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن النبي ﵇ أفرد الحج)).
وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان.
وأما هم تعلقوا بما روى حماد بن زيد عن حميد
стр. 588
عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لبيك بحجة وعمرة)).
وفي رواية أنس أنه سمع النبي ﵇ يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)).
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: قلت لأنس بن مالك: كيف صنعتم في حجتكم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: قدمنا ونحن نقول: لبيك عمرة وحجاً، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نحل إلا من كان معه الهدى، فلقيت ابن عمر فسألته فقال ابن عمر: إنا أهللنا بالحج فأخبرته بقول أنس فقال: نسى ﵀، فلما رجعت أخبرت بقول ابن عمر فغضب، وقال: كأنا صبيان)).
стр. 589
وروى عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ ((أهل بهما لبيك عمرة وحجاً).
وفي الباب عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، قال: ((وهذه الرواية أولى لأن فيها زيادة)).
وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ((أن النبي ﵇ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والرابعة التي مع حجته)).
стр. 590
(وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر ﵃.
والجواب:
إن الشافعي ﵀ أحتج برواية الإفراد بفقه عائشة وحفظ جابر وقرب ابن عمر.
أما فقه عائشة فلا إشكال فيه.
وأما حفظ جابر فلأنه أحسن الرواة سياقة لحج النبي ﵇ ولم يرو أحد حج النبي ﵇ من أوله إلى آخره كما رواه جابر. وأما قرب ابن عمر فلأنه قال: كان أنس يدخل على النساء وهن متكشفات، وكنت تحت ناقة النبي ﵇ يمسني لعابها.
وروى بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه قال: ((ذهل أنس، إنما أهل رسول الله ﷺ وأهللنا معه)).
وفي رواية ((رحم الله أنساً، وهل أنس، إنما أهل بالحج وأهللنا معه)).
واعلم أنه لا يصح في القران إلا رواية أنس.
وأما غيرها من الروايات فيها مقال كثير، وقد أنكر ابن عمر روايته وزعم أنه نسي وذهل.
стр. 591
والخبر الواحد إنما يقبل بجهة حسن الظن بالراوي فلابد من سلامته من دعوى النسيان والخطأ عن أمثاله.
وقد ادعى ابن عمر عليه النسيان والخطأ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال لأنه يحتمل أنه سمع النبي ﵇ يعلم غيره القران بين الحج والعمرة فظن أنه قال بنفسه وهذا محتمل، وأنس ﵁ غير معصوم من الخطأ.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان أفردوا الحج، والظاهر أنهم اقتدوا في فعلهم بفعل رسول الله ﷺ ، فدل أنه كان مفرداً.
فإن قالوا: قد ثبت عن علي ﵇ أنه قرن.
قلنا: ((إنما فعل ذلك حين نهى عثمان عن المتعة وعن الجمع بينهما)) فأهل بهما ليبين الجواز.
وفي الباب قصة طويلة وروايات كثيرة.
وأما الذي رووا عن ابن عباس ﵁ في أن النبي ﵇ اعتمر أربع عمر.
стр. 592
قلنا: الصحيح من ذلك الخبر أنه مرسل رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ﵇.
وقد اختار أكثر أهل الحديث التمتع وجعلوه أولى، وفي فعل رسول الله ﷺ المتعة روايات صحيحة، ولعل الجمع بين الروايات المختلفة على طريق من يقول: إن التمتع أمكن وأفضل وأسهل.
وأما رواية ترجيح الإفراد على رواية القران على ما سبق.
وفي هذه المسألة خطب عظيم.
وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة ونسبوهم إلى الكذب بسبب اختلافهم في هذه الروايات مع اتفاق الكل أن النبي ﵇ لم يحج إلا حجة واحدة، وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول في السلف الصالح وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم ويحسن القول فيهم، وأن نكون ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله تعالى ولى العصمة والمعونة.
وأما الكلام في المعنى فنقول:
القران والمتعة رخصتان، والأصل هو الإفراد، والدليل على أن القران رخصة أنه يتضمن إسقاط أحد السفرين وإحدى الزيارتين، والحج حقيقة زورة لبقاع معلومة محترمة وحضور إلى مشاهد مخصوصة معظمة مشرفة وأدنا ........ مقصود في
стр. 593
/ باب الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من وطنه ولولا أن السفر مقصود وإلا لكان يحج عنه من أدنى المواقيت.
ويدل عليه: أنهم قالوا: لو نذر أن يحج ماشياً فحج به راكباً يلزمه دم، وفي القران اقتصار على زورة واحدة وسفر واحد فعلى فعل السفرين استكثار تحمل التعب والنصب، وكلما كثر التعب والعمل فيكون الثواب أكثر، وإذا كان الثواب أكثر كان الفعل أفضل، وأيضاً فإن فعل زيارتين استكثار الزيادة، والحاج زائراً لله تعالى، والله تعالى مزوره، وكما كانت الزيارة أكثر كان موقعها عند المزور أعظم وأكثر.
وأما حرف بيان أن القران والمتعة رخصة فلأن في القران ترك سفر مقصود وزيارة مقصودة، وفي فعل ترك فعل العمرة في وقتها وهو غير أشهر الحج وفعلها في غير وقتها فكان كلا العملين من القران والمتعة رخصة.
يبينه: أن لفظ المتعة دليل على الرخصة، لأنه ترفه وارتفاق زائد لم يكن مشروعاً في أصل النسك فإذا ثبت النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن الإفراد أفضل، وثبت أن الدم دم جبران لا دم نسك فيكون فعل النسكين على وجه لا نقصان فيه أولى من فعله مع النقصان وقد قال جماعة من أصحابنا: إن الأعمال تكون أكثر في إفراد النسكين، وتعلق بالتلبية والحلق والسفر الذي بيناه، والأولى ما سبق وهو حقيقة المسألة وليكن الاعتماد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى في القران معنيان يدلان على أنه الأفضل:
стр. 594
أما الأول: فلأن فيه البدار إلى فعل النسكين وقد قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾، وقال تعالى في أعمال الخير: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ومعناه: إليها سابقون.
وفي الإفراد تأخير أحدهما وفعل الآخر.
والثاني: قالوا: إن العمرة تنزل من الحج منزلة نفل الصلاة من فرضها، ألا ترى أنها عبادة من جنس الحج شرع في عموم الأوقات مثل النفل عبادة من جنس الفرض شرع في عموم الأوقات، وإنما شرع كل واحد تكميلاً للحج في أحد الموضعين، وللصلاة في الموضع الآخر وتحسيناً لهما ثم صلاة الفرض بنفل يتقدمها يكون أفضل وأكمل، فكذلك الحج يعمره تتقدمه يكون أفضل وأكمل، وأيضاً فإن العمرة إذا كانت تحسن الحج وتزينه فيكون القران مشتملاً على زيارة في نفس الحج.
قالوا: وأما دعوى النقصان فلا معنى له، لأن الجمع بين العبادتين لا يوجب نقصاً في واحد من العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الصوم والإحرام.
وأما قولهم: ((إنه تضمن إسقاط أحد السفرتين)) فالسفر ليس بمقصود إنما هو شيء يتقدم ليتوصل به إلى مكان الحج، ألا ترى أن حج المكي وحج غير المكي في الكمال يكون واحداً وإن كان يوجد السفر لأحدهما دون الآخر.
стр. 595
وأما فصل الزيارة فالزيارة هو الحج، وقد زار بالقران زورتين أحدهما بجهة الحج والآخر بجهة العمرة.
قالوا: ((وكذلك لا نقصان في المتعة أيضاً)).
وقولكم: ((إنها أتى بالعمرة في وقت الحج)).
قلنا: أشهر الحج وقت النسكين جميعاً على وجه واحد ولا معنى للمنع من العمرة في أشهر الحج حتى يكون الإطلاق رخصة، أو ليضمن فعله إدخال نقص في الحج، وإذا ثبت أنه لا نقص ثبت أن الدم نسك وإذا كان نسكاً فقد تضمن القران والمتعة زيادة نسك لا يوجد عند الإفراد فصار أفضل.
قالوا: ولهذا يؤكل منه ويختص فعله بيوم النحر، لأنه زمان فعل النسك من الضحايا.
قالوا: وأما ((تعلقكم بكثرة الأفعال وقلة الأفعال)). فعندنا الأفعال عند القران مثل الأفعال عند الإفراد أن يكمله.
وأما التلبية فليس من أفعال الحج لكن سبب لوجوب الإحرام، وقد وجب به إحرامان عندي مثل ما يجب إذا كان منفرداً، وكذلك الحلق سبب للتحليل وقد حصل به تحللان فصار الحاصل للقارن جميع أفعال الحج على التلبية إحرامان وطوافان وسعيان وتحللان فلم يكن نقصان بوجه ما.
قالوا: وأما المكي إنما لا يجوز له القران والتمتع، لأن حقيقته لا توجد منهما، وقد ذكرنا هذا في الأوساط، فلا معنى للإعادة.
الجواب:
أما قولهم: ((في القران بدار إلى فعل النسك والبدار إلى الطاعات أفضل)).
стр. 596
قلنا: نعم، إذا كان لا يؤدي إلى إدخال نقص في طاعة أخرى، وقد بينا أن القران يؤدي إلى إدخال نقص في الحج.
يدل عليه: أنه إذا أفرد فقد أتى بالحج وأفعاله من غير مزاحم له وحصل الإحرام وأفعاله مسلمة للحج، وإذا قرن فقد أتى بالحج مع مزاحم له في القصد والسفر والتلبية والأفعال المفعولة/ ودخول المزاحم ينقص.
وعن الشعبي أنه كان ضئيلاً ضعيفاً فسئل عن ذلك فقال: ((زوحمت في الرحم)).
وأما قولهم: ((إن العمرة من الحج تنزل نفل الصلاة مع فرضها)).
لا نسلم ذلك، وقد ثبت عندنا أن العمرة فريضة مثل الحج.
وقد سبق من قبل، والذي قالوا بناء على أصلهم.
وأما الذي قالوا: ((إنه لا نقصان)).
قد بينا وجود النقصان بما فيه كفاية، وفصل الزيارة معتمد، والحج حقيقة زيارة أمكنة لله تعالى على ما سبق، والإتيان بالزيارة مرتين أولى من الإتيان بها مرة واحدة.
وقولهم: ((إن القارن زائر مرتين)).
فالمحسوس يدفعه بل زائر مرة بقصدين فأما أن يكون زائراً مرتين فمحال.
وأما التمتع فقد جاء بأصل العمرة وأحرم بالعمرة من الميقات وإنما يحرم
стр. 597
بالحج من جوف مكة فيكون زائراً بنية الحج من مكة، وإذا أفرد يكون زائراً بينة الحج من وطنه وكلما كان شرط الزيارة أبعد يكون أفضل ومكانته عند المزور أكثر، وكلما قرب وأدنى كان محله وأقل وهذا ظاهر جداً للمتأمل.
وأما قولهم: ((إن السفر ليس بمقصود)).
قلنا: بينا إنه مقصود، وقد روى عن علي وابن مسعود أنهما قالا: ((من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك)).
وأما دعواهم إن الدم دم نسك.
فقد دللنا أنه دم جبران وهو بناء على ثبوت دخول النقصان في النسك وقد سبق.
وقولهم: ((إنه يؤكل منه ويختص بيوم النحر هو على أصلهم)).
وقد استدل الأصحاب في أنه دم جبران بدخول الصوم بدلاً عنه ولا مدخل للبدل في دماء النسك إنما مدخله في دماء الجبرانات.
وأما قولهم: ((إنه أتى بالأعمال على حسب ما يأتي بها عند الإفراد)). فليس بصحيح بدليل فعل التلبية والحلق.
وأما قولهم: ((إن التلبية ليست من أفعال الحج)).
قلنا: قد دللنا من قبل أنه من أفعال الحج.
стр. 598
وقولهم: ((إنه يجب بالتلبية إحرامان)).
فهو مذهبهم، أما عندنا فالواجب بها إحرام واحد وسنين ذلك في المسألة التي تلي هذه.
وأما عذرهم عن الحلق.
قلنا: هو وإن كان للتحلل ولكن هو في نفسه نسك فإذا أفرد أتى بنسكين وإذا قرن أتى بنسك واحد، وقد قام الدليل لنا أيضاً أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد فهذا وجه الكلام في هذه المسألة على الاختصار وهو أصل كبير، والاعتماد على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 599
(مسألة)
القارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً .
وعندهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين.
لنا:
حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فلا يحل من يحل من واحد حتى يحل منهما)).
وقد حملوا هذا على طواف القدوم وعلى طواف الصدر، وليس بشيء، لأن الطواف المطلق في باب الحج ينصرف إلى طواف الإفاضة منه، وأيضاً فإنه ﷺ قرنه بالسعي ولا سعي في طواف الوداع
стр. 600
وفي طواف القدوم، إنما السعي مقرون بطواف الإفاضة ولئن جاز عقيب طواف القدوم إنما يجوز على سبيل التعجيل والتقديم، ويدل عليه: قوله ﵇ لعائشة: ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك))، والخبر صحيح.
وفي حديث عائشة قال: ((وأما الذين قرنوا وطافوا لهما طوافاً واحداً وسعوا سعياً واحداً)) فهو صحيح أيضاً.
وقال المخالف:
إن عائشة لم تكن قارنة بدليل أن النبي ﵇ قال لها: ((ارفضي عمرتك وامتشطي واغتسلي))، ولأن النبي ﵇ دخل عليها وهي تبكي قال لها: مالك؟ قالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر- أخاها- حتى أعمرها في التنعيم.
следующие страницы →