Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1226–1232 · переход к 1231.
стр. 1226
باب
القول في العالم إذا حصل معه لفظ عام ولم
يعثر على ما يوجب تخصيصه هل يجوز له
إنفاذه على العموم أم لا ؟
اختلف الناس في ذلك:
فقال كثير منهم يجوز له, بل يجب عليه القضاء بعمومه متى اجتهد في طلب ما يخصه من كتاب وسنة وإجماع وقياس واستدلال وما يجوز تخصيص العام به, فلم يعثر عليه, فإن ذلك فرضه.
وقال آخرون: بل يجب عليه التوقف عن القطع على عمومه متى جوز أن يكون في وجوه الأدلة ما يخصه, وإن لم يقف عليه, وأنه لا يجوز له القطع بالعموم حتى يحبط بجميع الأدلة علما. ويعلم أنه ليس في أدلة الشرع ما يوجب تخصيصه.
وقد يمكن أن يقال في ذلك إن الحكم فيه مردود إلى غلبة ظن العالم المجتهد, فإذا وجد اللفظ العام وبحث واجتهد في طلب ما يخصه, فلم يجده وحصل عند ذلك معتقدا إنه لا شيء في أدلة السمع يخصه وجب عليه أن
стр. 1227
يحكم بعمومه. وقد يجوز عندنا أن تكون ما اعتقده من انتقاء دليل يخصه صحيحا على ما اعتقده, ويجوز أن يكون خطأ منه ويكون الأمر على غير ما اعتقده. غير أن الله سبحانه إنما علق فرضه في وجوب الحكم بعموم الخطاب على حصول هذا الاعتقاد منه أخطأ في ذلك أم أصاب.
كما أنه أوجب على المجتهد في طلب القبلة الصلاة إلى ما يغلب على ظنه أنه جهة القبلة أصاب في ظنه ذلك أم أخطأ.
وكذلك أوجب على العالم الحكم إذا اعتقد القطع على أنه ليس في وجوه الأدلة ما يخصه سواء أصاب في اعتقاده ذلك أم أخطأ.
فأما إذا اجتهد ولم يصره الاجتهاد إلى اعتقاد القطع على أنه لا دليل في السمع يوجب ذلك, بل وجدها ظنية لعدم الدليل? مجوزة لوجوده لم يجز له الحكم بعمومه مع تجويز كونه خاصا, لأنه حينئذ يقدم على الحكم بما يجوز كونه خطأ, وذلك غير جائز. ويجب على هذا الأصل - أيضا- أن لا يجوز للعالم أن يجتهد ويحكم بالقياس والاستدلال في حكم الحادثة دون أن يعتقد أنه ليس فيها دليل يمنع من المصير إلى حكم الاجتهاد لأنه إن لم يعتقد ذلك وجوز وجود ما يمنع من الاجتهاد أقدم على الحكم بما يجوز كونه خطأ, وذلك غير جائز.
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يوجب عليه الحكم بالعموم ويوجب الاجتهاد إذا اعتقد أنه لا دليل يمنع من ذلك مع أنه مخطئ عند الله في هذا الاعتقاد.
стр. 1228
قيل له: لأن هذا الاعتقاد وإن كان خطأ منه فليس تعليق الحكم به وألزمه عنده خطأ, لأنه قد أوجب عليه الحكم بذلك عند حصول هذا الاعتقاد. ولا يجوز- أيضا. وإن كان هذا الاعتقاد خطأ أن يكون آثما وعاصيا به, لأنه لم يجب عليه عند خفاء الأمر وتعذر وصوله إلى الخبر المانع من الاجتهاد عند من رأي عذره بذلك لخفاء الدليل أكثر من فعل الاعتقاد للقطع على أنه لا دليل هناك, بل حصل له فعل هذا الاعتقاد.
فإن قيل: أوليس هذا منه جهل واعتقاد الشيء على غير ما هو به, والله سبحانه لا يبيح الجهل ويطلقه لقبحه وقبح إباحته.
قيل له: هذا الأصل باطل عندنا, وإنما يقبح من الجهل بالأمور ما حظر الجهل به وقبحه ويحسن منه ما أمر به إن كان من الأمور ما قد نهينا عن العلم به وطلبه من أسرار الناس وعورات بيوتهم, وطلب العلم بعدد أكرار خردل وأمثال ذلك. وقد بينا هذا في مقدمات هذا الكتاب, وفي كتب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه. فبطل ما قالوه.
وكان الأولى في هذا أن يقال: إن كل دليل على تخصيص العام ومانع من الاجتهاد في حكم الحادثة, فقد أمر كل عالم بإصابته والحكم بموجبه, وليس هو كالأمور التي أباح الله الجهل بها. فيجب أن يكون مخطئ ذلك
стр. 1229
الدليل من العلماء مقصرا مفرطا بتركه العلم بما وجب عليه القضاء به.
فإن قالوا: ولم لا يجوز أن يوجب عليه الحكم بعموم اللفظ وموجب الاجتهاد إذا ظن أنه لا شيء يمنع من ذلك وجوز مع ظنه له أن يكون هناك ما يمنع منه.
قيل: لأنه إذا جوز ذلك المانع مانعا للعامة من الحكم. وإنما هو مانع للعالم، فلا يجوز له الإقدام على حكم يجوز أن يكون ممنوعا منه, كما لا يجوز له أن يبتدئ الحكم بقياسه وغلبة ظنه من غير بحث ونظر مع تجويزه أن يكون هناك ما يمنع من الحكم بذلك, فصح ما قلناه?.
فإن قيل: أفلستم قد جوزت للمجتهد أن يحكم بما يغلب على ظنه أنه الحق مع تجويزه أن يكون الحق في غير ما حكم به.
قيل له: ما نقول ذلك, بل الحق عندنا في قول كل مجتهد على ما نبينه من بعد, ومن أعتقد أنه في واحد فقد أعتقد الخطأ.
وقد اعتل من قال هو يعم ذلك عند غلبة ظنه إنه لا دليل أو عند عدمه الدليل وإن لم يغلب ذلك على ظنه فإنه يجوز ذلك. وإن كان فرضه عند الله غير ما فعله, وأنه لا يجوز قطعه على أنه لا دليل يخصه, وأنه قد أحاط علما بأدلة الشرع, بل يجوز أن يكون فيه دليل لم يعثر عليه, ولا يجب عليه العمل به, وإن لم يعلم به, وإنما يجب عليه العمل بما علمه وبلغه.
كما أنه لا يجب على من نسي صلاة لم يخطر بباله ذكرها إعادتها, وأن كان فرضه عند الله إعادتها. وهذا غلط, لأن من هذه حاله لا يجب عليه فعل ما نسيه ولا فعل مثله إذا لم يتبين إنه كان نسي، وليس عند الله غير الذي عنده من لك, فبطل ما قالوه.
стр. 1230
وكذلك فإن حال المتزوج بأمه أو بعض ذوات المحارم إذا اختلطت بأهل بلد ولم يعرفهن هو متزوج بمن هي زوجة له عند الله تعالي، وإن كانت أمه، لأنه ليس معني إنها زوجة عنده تعال أكثر من أنه يملك وطأها والاستمتاع بها بالعقد. وكذلك القول في كل ما جري هذا المجري.
وقد يجوز أن يقال في مثل هذا إنني إذا طلبت دليل التخصيص وما يمنع من الاجتهاد فلم أجده قطعت علي أنه لا دليل لله سبحانه علي تخصصه مع ورود الشرع واستقراره والفراغ من البيانات وضبط الأخبار والروايات وخروجها إلي النقل والوجود، لأنه لو كان له تعالي دليل علي التخصيص لوجب أن نجده ونعثر عليه مع كثرة البحث والطلب له من مظانه ومواضعه مع حرصنا وتوفر هممنا ودواعينا علي إصابته والتدين بالعمل بموجبه، ومثل هذا لا يمكن في صدر الإسلام وحين ظهور الأخبار وورد الروايات.
وليس لأحد أن يقول للمعتل بهذا إن كان الأمر علي ما تدعيه فأوجد لنا فقد الأدلة علي ما قلته، لأنه لا يمكن المجيب أن يريه ذلك إلا بافتضاض جميع وجوه الخطاب في الكتاب والسنة والإجماع ووجوه المقاييس، وذلك مما يقطع المناظر ولا يتمكن المجيب من إيراده في عدة مجالس، والمطالبة به ظلم في النظر، ولكن علي السائل إن وجد ذلك أن يذكره للمجيب، فإن دفعه المجيب نشئ وإلا فقد علم أن ما كان اعتقده من عدم الدليل علي ذلك خطأ ليس علي ما اعتقده.
ولا لأحد- أيضاً - أن يقول للمستدل بذلك علي /انتفاء دليل مانع من ذلك ما يدرينا أنك عادم للدليل.
стр. 1231
ولعلك قد وجدته كما وجدناه لكنك تكتم ذلك لغرض لك من نصرة المذهب أو غيره، لأن مثل هذا يسوغ - أيضاُ - أن يقال لكل من استدل علي إثبات حكم عقلي بالتقسيم وإفساد جميع الأقسام إلا واحداً منها.
وأن يقال له: وما يدرينا إنك صادق في قولك لا يخلو الحق أن يكون في أحد هذه الأقسام فلعله عندك في غيرها وزائد عليها غير أنك تكتم ذلك لنصرة المذب أو غيره من الأغراض. وكل هذا مراوغة وظلم في النظر. وعلي أنه إذا كان مع المستدل بهذه الدلالة عدد يعتقدون مثل اعتقاده، ويخبرون أنهم لم يجدوا شيئاً يمنع من ذلك، ومثل عدتم لا يجوز عليهم كتمان ما يعملون، كما لا يجوز عليم افتعال كذب لا أصل له علم بذلك أنه لا يمكن أن يكونوا عالمين بالمانع من كتمانه، فبطلت هذه المطالبة.
وليس يمتنع - أيضاً- عندنا أن يقال إن العالم إذا اجتهد في طلب ما يخص العموم ويمنع من الاجتهاد في حكم الحادثة فلم يجده، ولم يجده في علماء الأمة من في يده دليل علي تخصيص العام في حكم الحادثة فلم يجد، ولم يجد في علماء الأمة من في يده دليل علي تخصيص العام، ونص مانع من الاجتهاد أ، يعلم ويقطع علي الله سبحانه أ، هـ لا دليل لله سبحانه يوجب تخصيص ذلك العام والمنع من الاجتهاد في تلك النازلة، لأنه لو كان علي ذلك لم يجز حفاؤه عليه وعلي سائر العلماء مع تكليفه إياهم لإصابته، لأنهم إذا لم يصيبوه، ولا أحد منهم، مع هذا التكليف كانوا متفقين علي الخطأ وتضييع الحق الذي أمروا بالمصير إليه، وذلك ممتنع عليهم في كل وقت من الأوقات مع بقاء عصرهم ومع انقراضه، فيجب لذلك أن يقطع العالم علي انه لا دليل لله تعالي في مثل هذا، وإن لم يحتج أن يقول إنني قد أحطت بجميع
стр. 1232
أدلة أوامر الشرع علكاً حتى لم يخف علي منها علي منها شيء، وهذا واضح لمن تأمله، وهذه جملة في هذا الباب مقنعة.
تم الجزء الأول من كتاب "التقريب والإرشاد" ويتلوه في الجزء الثاني باب الكلام في أحكام أفعال الرسول صلوات الله عليه وسلم، والحمد لله حق حمده، وصلي الله علي سيدنا محمد ولآله وسلم.
وهو بخط يد العبد الفقير إلي رحمة الله الغني بالله محمد بن المظفر بنن هبة الله بن سرايا القدسي رحم الله من دعا له بالمغفرة.
فرغ من كتابته في العشر الأول من شهر رمضان من سنة ثمان وأربعين وخمس ما ية من الهجرة النبوية، وحسبنا الله ونعم الوكيل.