Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
تأخيره. أو لأنه يوجب اعتقاد فعل اعتقاد لا فعل تعجل لا تعرف صفته, أو لأنه يوجب جواز قطع الكلام عن تمامه, والابتداء عن خبر, أو يوجب جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه الدهر الأطول. هذا جملة ما يتوصلون به إلى إحالة تأخير البيان فإذا أفسدنا جميع ما يذكرونه من بعد ثبت جواز تأخيره لبطلان كل ما يتعلق به في إحالته.
ويجب إذا أريد الاستدلال بهذه الدلالة أن يقال إما أن يكون جائزا على ما نقول أو محال. وقد تعلق في إحالته بأمور كثيرة يطول تعتادها. فإن كنت أيها السائل تقول إنه يفسد سائرها شرحنا ذلك وتقصيناه.
وإن كنت إنما تحيله لوجه أو وجوه محصورة من ذلك فاذكره ليكون الكلام عليه. فإذا أفسدناه بالحجة, وفسد ما عداه باتفاقنا وإياك ثبت جوازه.
وإن قال السائل إنه لا مذهب لي في ذلك ولا علة, وإنما أنا واقف ومسترشد.
قيل له: إن جميع ما يمكن التعلق به في إحالته كذا وكذا ونذكر ما ذكرناه عنهم ونبين له فساد وجه وجه. فإذا فسد صح ما قلناه. وليس لأحد منهم أن يقول دلوا على صحة قولكم بجوازه بسيئ غير المفسد لإحالته, لأن ذلك تجبر? وتحكم, ولا وجه له إذا كان إبطال جميع ما يتوصل به إلى إحالته أحد الأدلة على صحته وجوازه. ونحن نكشف عن فساد جميع ما ذكروه في هذا الباب. فصح ذلك القول بجوازه.
دليل آخر: ومما يدل على جواز ذلك- أيضا- أن البيان إنما يحتاج إليه المكلف لإيقاع الفعل على وجه ما أمر بالتقرب به, كما أنه يحتاج إلى القدرة والآلة في إيقاعه لكونه مكلفا له, ولو لم يؤمر به لم يجب البيان له والإقدار
стр. 1192
عليه وإيجاد الآلة, ولذلك لا تجب هذه الأمور لمن ليس بمكلف للفعل, وإذا كان ذلك كذلك. وكان تأخير البيان إلى وقت الحاجة وإيراده قبل تلبس المكلفين بالفعل ووقت التضيق لجزء من الزمان لا يخل بصحة أدائه إذا قدم بيانه بهذا القدر, كما لا يخل بصحته تأخير القدرة عليه والآلة منه إلى وقت الحاجة وقد جاز باتفاق تأخير آلته وإقداره إلى وقت الحاجة وجب كون البيان بمثابته ولو ركب راكب إحالة تأخير ذلك أجمع إلى وقت الحاجة لأبطله, لأن تأخيره إلى وقتها لا يخل باتفاق بصحة الفعل وأدائه إذا قدم قبله بجزء من الوقت. وقد بينا إنه إنما يحتاج إلى ذلك أجمع لصحة أداء الفعل وحاجته إلى تنفيذه. فإذا لم يخل تأخيره إلى حين الحاجة بصحة التنفيذ بطل قوله, وصح ما قلناه.
فإن قال محصلوهم ما يحل ذلك, لأن تأخيره يخل بصحة الأداء وقت الحاجة. لكن لأن الخطاب به قبيح وبمنزلة الخطاب للعربي بالأعجمية، ولأنه يوجب اعتقاد عموم ما هو مخصوص أو ما لعله أن يكون مخصوصا فسنبين فساد ذلك عند ذكرنا استدلالهم به, فصح ما قلناه.
فصل: ومما يدل على ذلك- أيضا- إجماع الآمة على صحة النسخ وجواز تأخير بيان القول الموجب ظاهره, أو دليل وجوب تكراره بغير اللفظ لزوم الفعل في عموم الأزمان, واعتقاد? تجويز تركنا ظاهره ودليل تكراره
стр. 1193
ولزوم العبادة لنا ما دمنا أحياء سالمين, وجواز نسخه وورود البيان منه تعالى برفعه في بعض الأزمان، وبأن المراد كان به عندهم إلى ذلك الزمان وإن كان اللفظ العام ودليل التكرار لا ينبئ عن ذلك, بل عن نقيضه وضده لو تجرد عنه. وإذا كان كذلك ولم يوجب تأخير بيان اللفظ المقيض لعموم الأزمان شيئا من سائر ما قالوه في جواز تأخير بيان العموم في الأعيان بطل ما قالوه, وصح ما قلناه.
واعلموا أن هذه الدلالة غير مستمرة مع القول بأن النسخ إنما هو رفع ما ثبت حكمه وعلم استقراره. وهذا هو الذي نختاره, لأنه إذا ثبت وجوب دوام لزوم العبادة باللفظ العام- لو ثبت- وبدلالة التكرار فقد علم لزوم ذلك قطعا في جميع الأزمان فإذا ورد النسخ أزال ما كان ثبت حكمه وبدله, ولم يجز أن يقال تبين به أنه أريد التعبد بالقول إلى تلك المدة, لأن ذلك يدخله في التخصيص دون النسخ, وإنما تثبت هذه الدلالة على أصولهم, لأنهم يقولون أن ما ينسخ مما اقتضى لفظ العموم أو دليل التكرار دوامه تبين بنسخه إنه إنما أريد بإطلاق اللفظ العام العبادة إلى ذلك الوقت (وأن تأخير) وأن تأخر بيانها. وهذا نفس ما نقوله نحن في تأخير بيان العام لو ثبت. وكل شيء يتعلقون به في إحالة ذلك مبطل لجواز النسخ الذي يذهبون إليه، ولا محيص لهم عن ذلك.
ولسنا نحتاج إلى إعادة ذكر كل ما حكيناه عنهم في إحالة ذلك وكشف
стр. 1194
لزومه لهم, لأنه بين عند التأمل. وقد خلطوا في جواب هذه الدلالة أنواعا من التخاليط? عجيبة نحن نكشفها.
وقال فريق منهم الفرق بين جواز تأخير بيان الأزمان وتأخير بيان الأعيان أن تأخير النسخ الذي هو بيان الأزمان لا يخل بصحة أداء الفعل على مجه ما كلفناه إذا قدم بيانه قبل تضيقه, وتأخير بيان الأعيان يخل بأداء الفعل.
وإن قدم قبل وقت التضيق, وهذا ما لا يذهب فساده على ذي تحصيل لأنهما متساويات في عقل كل عاقل.
ويقال لقائل هذا لو قبلت هذه الدعوى فقيل تأخير بيان الأزمان مخل بالأداء. وليس كذلك تأخير بيان الأعيان. ما الذي كنت صانعا. ويقال له: قد بينا فيما سلف أن تأخير بيانه إلى حين الحاجة لا يخل بصحة أدائه. وأنه بمثابة تأخير القدرة والآلة، وكل ما يحتاج في إيقاع الفعل إلى وجوده. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنوه.
فإن قالوا لم نرد بأنه مخل بأداء نفس المأمور به, وإنما عنينا أنه مخل بأداء اعتقاد وجوبه على وجه ما أمرنا به وذلك إنه إذا أطلق اللفظ وآخر البيان أوجب علينا بحق اللفظ اعتقاد عمومه بأداء كان مخصوصا عنده وآخر عنا بيانه لزمنا اعتقاد مراده به, وأنه مخصوص مع فقد الدليل عليه, وأخل تأخيره بصحة اعتقاد خصوصه، بل يجب علينا اعتقاد ضد ذلك من عمومه.
يقال لهم: من سلم لكم أن الواجب اعتقاد خصوصه أو عمومه, وهل المنازعة إلا في ذلك. بل ما أنكرتم أن يكون الواجب علينا اعتقاد جواز تركنا
стр. 1195
وموجب اللفظ فيكون عاما وجواز ورود تخصيص له فيكون خاصا ووقوفنا في ذلك وتجويز كل واحد من الأمرين، فلا يجدون إلى دفع ذلك طريقا.
ويقال لهم: فهذا بعينه لازم لكم في جواز تأخير النسخ الذي هو بيان الأزمان، لأنه إذا أطلق لفظ التأبيد, وما يقتضي التكرار? في سائر الأزمان أو دل عليه بما يقتضي التكرار, أو يجب علينا اعتقاد وجوبه في عموم الأزمان, فإذا كان مخصوصا عنده ومرادا به بعض الأزمان وجب علينا اعتقاده ولا جواب عن ذلك يراده. وكونه مخصوصا مع أن اللفظ ودليل التكرار يدلان على نقيض ذلك فيحل تأخيره بما يجب علينا من فعل الاعتقاد.
فإن قالوا: ليس يجب علينا بما يقتضي عموم الأزمان القطع على بقائه وتأبيده, ولا على نسخه وإزالته. وإنما ويجب علينا اعتقاد تجويز كل واحد من الأمرين. فهذا نفس جواب الذي به أسقطنا شبهتهم، فبطل ما قالوه.
وأجاب فريق آخر منهم عنه بأن قالوا- لعمري-: إنه لا فصل بين الأمرين، وليس من حق بيان مدة انقطاع العبادة المسمى نسخا أن يتأخر عن الخطاب العام, بل يجب أن يكون مقرونا به, وكل فصل يتعاطى في ذلك باطل. وهؤلاء وإن كانوا قد الصقوا في التسوية بين الأمرين فقد خرجوا عن الإجماع, وأبطلوا النسخ جملة بما ركبوه, لأن أهل اللغة والمعاني لا يقول أحد منهم أن بيان مدة انقطاع التعبد بالفعل المقترن بالخطاب نسخ للعبادة والأمر, ولذلك لم يقل أحد أن قول القائل اضربه إلى الليل, واضربه ما دام مصرا. فإذا تاب فلا تضربه نسخا للأمر بالضرب. ولذلك لم يقل أحد من
стр. 1196
الأمة أن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ نسخ للأمر بالصيام, وأن قوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْر﴾ نسخ لإباحة الأكل، وأن قوله: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ نسخ لخطر وظئهن في الحيض, بل قد اتفق الكل على أن من حق الناسخ أن يكون وروده متراخيا عن وقت المنسوخ مع اقتضاء اللفظ ودليل التكرار لعموم الأزمان. وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه.
فصل: وأجاب آخرون عن ذلك بأن قالوا: لا فصل- لعمري- بين تأخير بيان الأعيان وتأخير بيان الأزمان, ولا يجوز نسخ ما أطلق فيه اللفظ العام أو دليل? التكرار. وإنما يجوز أن ينسخ من ذلك ما علمنا قطعا أنه سينسخه أو أشعرنا بجواز نسخه, والقرينة المؤذنة بوقوع النسخ لا محالة قوله: صلوا أبدا إلى أن أنسخ عنكم والمشعرة بجواز نسخ العام قوله: صلوا أبدا إلا أن أنسخ عنكم, ومتى لم يقل ذلك لم يجز النسخ.
فيقال لهم: ما قلتموه باطل من وجوه:
أولها: إنه يجب عليكم أجازة مثله في تأخير بيان الأعيان إذا أشعر بما يدل على أنه سيخصه لا محالة أو بما يؤذن بجواز تخصصه دون القطع عليه
стр. 1197
بأن يقول اقتلوا المشركين رأس الحول إلا من أخصه منهم ومن استثنيه لكم, ومن أبين أنه غير داخل في هذا الخطاب, ونحوه أو أن يقول: اقتلوا المشركين رأس الشهر إلا أن استثني منهم, وإلا أن أبين لكم المنهي عن قتله, وأمثال هذا. فإن راموا فصلا بين الأمرين لم يجدوه. فإن مروا عليه، فقد قاسوا قولهم ..
ويقال لهم: إن قوله إلى أن أنسخ عنكم, أو إلا أن انسخ عنكم لا يعلم به وقت انقطاع العبادة إلا وقت يأتي في المستقبل، ولا يجب عليه إيقاع الفعل فيه, واعتقاد وجوب وقوع الفعل فيه إلى أن يرد النسخ فهو بمثابة أن يطلق تأبيد العبادة, وإن لم يقل إلى وإلا أن أنسخ عنكم في وجوب إيقاع العبادة في جميع مستقبل الأوقات ما لم يرد النسخ.
ويقال لمن أجاز ذلك, وأباه منهم في أصل الفرق الذي تعاطوا, ما الحاجة إلى أن يقول لهم إلى أن أنسخ عنكم، وإلا أن أنسخ عنكم. وقد وضع عندنا وعندكم وعند سائر الآمة في عقل كل عاقل جواز نسخ العبادة الواردة باللفظ العام بصحيح الأدلة ولو لم يتقدم وضعه دليل جواز ذلك في العقل لم يحسن أن يقول لهم إلى أن أنسخ وإلا أن أنسخ عنكم, كما لا يجوز من قول جميعكم إذا أحال العقل النهي عن نفس ما أمرهم به أن يقول صلوا الصلوات التي أمرتكم بها إلا أن أنهاكم عنها بعينها لاستحالة ذلك. وجاز أن يقول صلوا أبدا إلى أن تموتوا, وإلا أن تموتوا وتعجزوا, لأجل أنه قد وضع في عقولهم سقوط التعبد مع الموت والعجز? فإذا قالوا: أجل.
قيل لهم: أفليس قد اتفق على أنه جائز أن يقول: صلوا أبدا سرمدا إلى أن تموتوا, أو إلا أن تموتوا. وجاز أيضا أن لا يقول ذلك لهم, ويقول
стр. 1198
صلوا أبدًا, وهو يريد إلى حين الموت, وإن لم يقل إلى أن تموتوا, بل يقتصر بهم على ما وضعه في عقولهم من وجوب سقوط العبادة بالموت.
فإذا قالوا: أجل. ولا بد من ذلك.
قيل لهم: فما الحاجة إلى أن يقول لهم إلى أن أنسخ، وإلا أن أنسخ عنكم. وهو قد وضع في عقولهم جواز ذلك. وهل أنتم في هذا القول إلا بمثابة من قال لا يجوز أن يطلق القول صلوا أبدا دائما إلا أن ينيطه بقوله إلا أن تموتوا أو إلى أن تموتوا, وإلا أوجب إطلاق القول لزوم التعبد مع الموت. وهذا مالا يقوله أحد, ولا فصل فيه.
فإن قالوا: قد وضع في العقل وجوب سقوط التعبد به مع الموت. فجاز أن يذكره مع العبادة، وأن لا يذكره.
قيل لهم: وقد وضع في العقل عندنا وعندكم جواز نسخ ما أطلق لفظة، وأن ما يتناوله اللفظ العام يجوز أن يكون مصلحة في أزمان دون أزمان, وأنه لا يتعبد إلا بما هو مصلحة. فلا يحتاج أن يقول صلوا أبدا ما كانت الصلاة مصلحة، وما لم تكن مفسدة, وهو قد أعلمهم أن الفعل المأمور به في الأزمان يكون مصلحة في زمان، ومثله مفسدة في غيره, ولا يحتاج أن يقولوا صلوا أبدا ما كانت الصلاة مصلحة, لأن في ضمن الأمر بها هذا القصد لا محالة, ولذلك جاز النسخ عندكم، فإن أظهره باللفظ كان مؤكدا به ما في العقل, وإن اقتصر بهم على دليل العقل صح وجاز - وهو مثل جواز أن يقول إلا أن تموتوا, وجواز ترك ذلك من حيث لا يمكن الفصل بينهما.
ثم يقال لهم: إن المطالبة عليكم في الأمرين سواء فلم لا يجوز أن يقول: صلوا أبدا ويطلقه, ويكون مراده به إلى وقت بعينه يثبت عند حصول الحاجة إلى بيانه, وأن يكون فرض المكلف اعتقاد جواز تركه وعموم اللفظ, وكون
стр. 1199
العبادة دائمة, وجواز ورود ناسخ ومخصص لها ومخرج لبعض الأزمان عن أن يكون مرادا كما طالبناكم في جواز تأخير البيان للأعيان سواء? فلم قلتم إنه لا يجوز إطلاق ذلك, وفيه وقع النزاع. وإنما تجوز هذه المطالبة لهم بعد كسر اعتلالهم بما وصفناه, وإلا فعلى تسليم ذلك منهم بنينا الدلالة, لا فيجب أن نبين لمن أنكر ذلك منهم فساد إنكاره لذلك وتعلله بما يصفه, وأنه لا معنى له مع قيام حجة العقل على جواز النسخ.
وكذلك وجه القدح في قولهم إن قالوا ما دل الدليل على تكراره بغير لفظ عام لا يجوز نسخه حتى يقترن به ما يوجب نسخه لا محالة أو ما يؤذن بجواز نسخه, هذا أن اتفاق الأمة على جواز نسخ ما دل الدليل على تكراره قاض على فساد ما قالوه, لأن ما دل من الأدلة على أن التكرار والدوام لا يجوز أن يكون مقرونا بما يؤذن بانقطاع التعبد به, لأن ذلك ينقض دلالة تكراره لا محالة.
وكذلك إذا قرن به ما يشعر بجواز انقطاعه نقض دلالة وجوب تكراره ودوامه, وأكثر ما نسخ في الشرع هو ما دلت الأدلة من غير ناحية اللفظ على تكراره ودوامه. ولا يجوز أن يقرن بذلك الدليل ما يوجب قطع العبادة. ولا ما يجوز انقطاعها, لأنهما ناقضات لدليل التكرار, فبطل ما قالوه من كل وجه. وهذا عندنا لأن في كل ما يقال إنه دليل على ثبوت العبادة في عموم الأمان من لفظ أو معنى يقرن باللفظ.
فأما فصلهم بين القرينتين, وأن قوله إلى أن نسخ عنكم موجب لوقوع النسخ لا محالة, وليس كذلك قوله إلا أن أنسخ عنكم, فإنه قول باطل, لأن أهل اللغة يقولون ذلك. وإن اعتقدوا أنهم ينسخون ما أمروا به لا محالة ويعتقدون أنهم قد لا ينسخون, فهو بمثابة قوله حتى أنسخ أو إلا أن أنسخ وما لم أنسخ عنكم سواء. ولأجل ذلك لم يجب أن يكون قوله:
стр. 1200
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ دليلا قاطعا على أنه لابد أن يجعل لهن سبيلا ? ولولا السنة وقوله ﷺ : " قد جعل الله لهن سبيلا ? البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ? والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" لم يوجب دليل أنه لا يد من جعل سبيل لهم ? فهو عند كافة أهل اللغة بمثابة قوله: لو قال: إلى أن يجعل الله لهن سبيلا ? أو إلا أن يجعل الله لهن سبيلا في هذا ? أو إلى أو إلا بمنزلة واحدة عند كافة أهل اللسان ? فبطل ما قالوه.
فصل: وقد استدل على جواز / تأخير البيان بآيات من القرآن وسنن عن الرسول ﷺ . فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قالوا: وثم موضوعة للتراخي على مهلة. وقوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وإنما أراد بذكر التفصيل ? تفصيل أحكامه ومعاينه دون تلاوته وتبيين تنزيله.
وبقوله تعالى: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ قالوا وذلك يقتضى تأخير بيانه.
وبقوله سبحانه ﴿ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وبقوله في قصة إبراهيم إعلامه هلاك قوم لوط ﴿إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ? وإنما أرادوا الكفار من أهلها فلم يبينوا ذلك إلى أن قال إبراهيم ﵇: ﴿إنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ فقالو: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ﴾
стр. 1201
وبقوله في قصة بني إسرائيل: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وإنما كلن مراده بقرة بعينها وهي التي نعتها دون ما عداها, فأخر بيان عينها إلى حين سؤالهم عنها.
وبقوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى﴾ وأنه أراد بهم ذوي القربى بني هاشم وبني المطلب دون بني أمية, وكل من عدا بني هاشم فلما قسم ومنع ني نوفل وبني أسد وسأل عثمان وغيره عن سبب ذلك. قال ﵇:" إننا وبني هاشم لم نفترق في جاهلية ولا إسلام, ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه"
стр. 1202
وبقوله تعالى في قصة نوح: ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وقال تعالى عند ذلك: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فبين أنه أراد بقوله وأهلك بعض أهله.
وقد استدل على صحة ذلك بأن من تأمل سنن الرسول ﷺ بعين النصفة علم ما قلناه فمن ذلك بيان المراد بقوله أقيموا الصلاة, وصلاة جبريل ﵇ به في أول يوم في وقت أوله وفي الثاني وفي آخره وقوله:" ما بين هذين وقت"
стр. 1203
وكذلك قوله:" ليس في الخضروات صدقة". و" وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وفي " أربعين شاة شاة". قالوا: وكل ذلك ورد متراخ عن قوله: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ , و ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
وكذلك قوله:"خذوا عني مناسككم". في حجة ورد متراخيا عن قوله: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ مع بيانه بعد ذلك بمناسكه/ واستطاعته وشروطه.
وكذلك قوله: ﴿وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ﴾ عام ورد بعده. ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وذكر جميع أهل الأعذار ممن لا ظهر له ولا مال.
ومثل هذا قد ورد في المواريث. وإطلاق النكاح وحظره من الكفار حتى ورد بيان من يرث ممن لا يرث, ومن يحل نكاحها ومن يحرم, ولو تتبع كل عموم ورد بحكم في تحليل أو تحريم أو إقامة حد وإيجاب فرض لوجد بيانه من السنن متأخرًا.
стр. 1204
وقد ذكرنا في الكتاب الكبير جميع ما يتعلق به من الآي والسنن في ذلك, وما يصح منه, ومالا يمكن التعلق به وضروب اعتراضاتهم على الصحيح منه ونقضه بما يغني عن الإطالة به ها هنا.
فصل: وما ذكرنا من الأدلة على جواز تأخير بيان العام المراد به الخاص لو سلم القول بالعموم أوضح على جواز تأخير بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه, وبيان المجمل الذي أريد بلفظ الحقيقة, وبيان كل ما يحتاج إلى بيان أعيان الأفعال وجملها, وفي عموم الأشخاص وأعيانها, وتأخر بيان شروط العبادة الواحدة وقدرها ووقتها, وغير ذلك من أحكامها. ولا يظن ظان أن الكلام في تأخير البيان مقصور على بيان العموم وما سموه مجملا فقط دون ما ذكرناه, لأنه إذا كان ما ظاهره موضوع للاستغراق قد يراد به البعض, وإن تأخر بيانه كان تأخير بيان مالم يوضع ظاهرة لبعض محتملاته أولى وأحرى.
ولذلك فصل كثير منهم بين جواز تأخير المجمل وبين جواز تأخير العام. واعتقد إحالة تأخير بيان العام, فبان بذلك ما قلناه.
стр. 1205
باب
الكلام في التسوية بين الأوامر والنواهي والأخبار
في هذا الباب بمعنى تأخير البيان
اعلموا أن ما ذكرناه من الدلالة على جواز تأخير بيان العام هو الدليل على أنه لا فرق بين جواز تأخير بيانه وبين المجمل وبيان الأوامر والأخبار.
وقد فرق قوم بينهما فزعم بعضهم أنه يجوز ذلك في الأخبار، ولا يجوز في الأوامر والعبادات.
وقال آخرون يجوز في العبادات، ولا يجوز في الأخبار, ولا حجة لأحد? الفريقين.
وقد اعتل محيلو ذلك في العبادات بأنه يمنع من صحة أداء الفعل أو أداء العزم عليه. وقد بينا فساد ذلك من قبل, وأنه غير مانع منهما.
واعتل محيلو ذلك في الأخبار بأن الأخبار وعد ووعيد وترغيب وزجر وترهيب, ولا يتم ذلك فيه إلا بأن يعلم من المراد به ممن لم يرد, وإلا لم يقع ترهيب ولا ترغيب, وهذا باطل من وجوه:
أحدهما: الاتفاق على جواز زجره لنا بقوله: أطيعوا واحذروا عقابي,
стр. 1206
فإنني أمرت بني إسرائيل فعصوني فعاقتبهم, وإن جاز أن يكون مراده البعض تارة والكل أخرى وإن تم الزجر لنا.
والوجه الآخر: إنه ليس كل الأخبار وعد ووعيد, بل فيها قصص وحكايات, وغير ذلك, ومحتملة في الأخبار نحيله في جميعها, ودليله هذا لوضح مقصور على إحالة تأخير بيان ما كان منها وعدا ووعيدا. والوجه الآخر: إنه قد ثبت عندنا إنه ليس كل وعيد وزجر وترهيب خبر عن إيقاع المتوعد به، بل منه ما يكون كذلك, وهو ما علم إيقاع المتوعد به, ومنه ما هو ترهيب وإن لم يقصد المتوعد إلى إيقاعه, وإنما يورده زجرا وترهيبا على ما قد بيناه في كتاب الوعيد من الكلام في أصول الدين, فبطل ما قالوه.
وإن قالوا تأخير بيانه يخل بصحة اعتقاد عمومه أو خصوصه.
قيل: ليس سامعه اعتقاد أحد الأمرين، وإنما عليه اعتقاد تجويز كل واحد منهما, وربما لم يرد المتوعد بوعيده إيقاع (المتوعد به) بأحد ممن
стр. 1207
توعده، ولولا الإجماع والتوقيف على أن الكفار مرادون بإنزال المتوعد به من عقابهم لأجزنا غفرانهم والاستثناء في وعيدهم، كما نجيز ذلك فيمن لم نوقف على عقابه من المؤمنين, وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قال الفريقان.
стр. 1208
باب
ذكر ما يتعلقون به في إحالة تأخير بيان
المجمل والعموم والاعتراض عليه
وقد اعتمدوا في ذلك على أنه إذا خاطب تعالى العربي بالمجمل الذي لا يعرف معناه, وبلفظ عام يريد به الخاص قبح خطابه, لأنه خطاب بما لا يفهم معناه/ فصار بذلك بمثابة خطاب العربي بالفارسية والفارسي بالعربية. وإن كان كل واحد منهما لا يعرف ويفقه غير لغته. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز تأخير البيان.
فيقال لهم. لو جمعتم بين الأمرين مع علمكم بتفرقة أكثر مخالفيكم بينهما, ولا يجدون فيه متعلقا.
ثم يقال: يجوز عندنا خطاب العربي الذي لا يعرف غيرها من اللغات بجميع اللغات الأعجمية وبالإشارة باليد إليه وبالأصوات الممتدة إذا أشعر بأن المخاطب له بذلك عليم حكيم,) وله في الخطاب مراد به) إذا عرف المخاطب أنه سيبين له ذلك.
وعلى هذا الوجه جاز للنبي ﵇ الخطاب لكل من بعث إليه إذا
стр. 1209
تمكن من معرفة ذلك, وإن لم يكن من أهل لغته إذا ترجم له وبين له ذلك.
ولهذا احتيج إلى التراجمة والمعبرين في كثير من الأحوال. فإذا صح وجاز من الخطاب ما ادعيتم قبحه وبنيتم الخلاف عليه فقد بطل دليلكم.
ونحن فقد جوزنا أمر المعدوم ونهيه بشريطة البلاغ إليه والبيان له, وهو أبعد في حال عدمه عن فهم ما أمر به ونهي عنه من الأعجمي الذي يعرف الرموز والإشارات وكثير من لواحق الكلام, ويعلم أن مخاطبه بما يسمعه وإن لم يعرف معناه حكيم ذو أغراض في خطابه, وإذا كان ذلك كذلك بطل الأصل الذي عليه بنيتم.
فإن قالوا: إذا جاز خطاب الأعجمي بالعربية والمعدوم بشريطة إفهامه بما يواجه به, فهلا أجزتم خطاب الميت والطفل والمجنون والبهيمة, وإن لم يعرفوا المراد بالخطاب؟.
يقال لهم: إن أردتم بخطابهم أن يكون مشروطا بإفهامهم ذلك إذا صاروا إلى حد من يصح منه العلم بالخطاب وأحكامه, فذلك جائز صحيح. وإن أردتم جواز خطابه مع عدم هذا الشرط, فذلك باطل. ونحن لم نجوز الخطاب بالمجمل والعام. على أن يكون أبدا عاريا من البيان إذا كان تكليفا وإذا كان ذلك سقط ما أصلتم- أيضا- من هذا الوجه.
وأما من في المعلوم أنه لا يبلغ حد التكليف وتحصل له صفات المكلفين من الموتى والأطفال والمجانين, فمحال تكليفه إذا لم يكن عالما بالتكليف, ولا على صفة/ من يصح علمه بذلك.
قد فصل كثير من الناس بين ذلك بأن المعدوم والميت والطفل والمجنون لا يصح أن يعلم المراد بالخطاب وأنه خطاب له. والعربي إذا كلمه بالفارسية حكيم يعلم أن له غرضا بالكلام صحيحا يجري إليه كان عارفا بأنه خطاب
стр. 1210
حكيم ومقصود به معنى ووجه صحيح وهذا متعذر في الميت والطفل والمعدوم.
والوجه الآخر: إن هؤلاء لا يعرفون كون الخطاب خطابا لهم, وأنه مقصود به غرض صحيح. والعربي إذا خوطب بالفارسية علم ضرورة قصده بالكلام وأن لمن كلمه أغراضا به صحيحة يقف على البيان له. فافترق الأمران.
والوجه الآخر: أن العربي إذا قيل له: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ عرف الحق فيه في الجملة. وأنه شيء يجب فيه, ويعرف اليوم, ويعرف الحصاد, ويعرف أنه مخاطب بهذا الكلام. وإنما يجهل عين الحق الذي أجمل في الخطاب. والعربي لا يعرف شيئا من ذلك إذا خوطب بالزنجية. وأنه أمر أو نهي ووارد لغرض في العبادة إن كان عبادة. بل لا يعلم أنه متعبد ومأمور مكلف بذلك القول. وإذا كان ذلك كذلك افترق باتفاق- أيضا- صحة خطاب العربي بما يجهل تعيين معنى منه لاحتماله وخطابه بالزنجية. وبطل ما قالوه من كل جه.
واستدلوا- أيضا- على إحالة تأخير البيان بأنه إذا خاطبهم باللفظ العام ومراده به الخاص. وإن أخر بيانه صادر بمثابة أن يخاطبهم بالأسماء اللغوية ويريد بها غير ما وضعت له. فيقول فاقتلوا المشركين ويريد به المؤمنين. ويقول: حرمت عليكم أمهاتكم, وهو يريد إماءكم. وفي خمس من
стр. 1211
الإبل صدقة وهو يريد به الخيل, لأن ذلك أجمع خطاب بغير لغة العرب.
وهذا باطل, لأن كل اسم مما ذكروه لا يجري على ما قالوا إنه يريده به في حقيقة, ولا مجاز وإطلاق اللفظ العام يصلح أن يراد به البعض حقيقة, كما يصلح أن يراد به الكل عند منكري العموم, ويصلح أن يراد به البعض على وجه التجوز والاتساع باتفاق. وقد يحسن خطاب العربي بالاسم واللفظ المشترك بين أشياء على الحقيقة, وبماله حقيقة ومنه مجاز, وإن عنى به المجاز وأوقف ذلك على البيان فصار/ ما قالوه خطابا بغير ما وضع في اللغة. وما قلناه أحد أقسام خطابهم إن كان حقيقة في البعض أو مجازا.
فصل: واستدلوا- أيضا- على إحالة تأخير البيان بأن تأخيره يخل بصحة أداء الفعل وقت الحاجة. ويخل- أيضا- بصحة تعجيل العزم عليه والاعتقاد لإيقاعه على وجه ما أمرنا به. وقد بينا فيما سلف سؤالا ومطالبة في فساد ذلك فأغنى عن إعادته.
فصل: واستدلوا- أيضا- على إحالة ذلك بأنه يوجب علينا اعتقاد عمومه, وإن كان مخصوصا عنده. وذلك إيجاب للجهل. وهذا باطل، لأنه إنما يجب على من ورد ذلك عليه تجويز تركه وعموم اللفظ وتجويز ورود ما يخصه, ومحظور عليه اعتقاد عمومه أو خصوصه قطعا. فبطل ما قالوه.
فصل: واستدلوا- أيضا- عليه بأنه إذا أطلق اللفظ العام والمراد به الخاص وجب علينا اعتقاد خصوصه, وإن لم يكن على ذلك دليل, بل اللفظ دال على خلافه.
стр. 1212
وهذا باطل, لأنه محظور علينا اعتقاد كونه مخصوصا. وإنما يجب أن نعتقد جواز كونه مخصوصا وجواز كونه عموما, كما نعتقد مثل ذلك فيما ورد بلفظ يقتضي عموم الأزمان.
فصل: واستدلوا على ذلك- أيضا- بأن التوقيف فيه إذا تأخر بيانه وتجويز كونه عاما ومونه خاصا ينقض القول بالعموم. ويصحح مذهب أهل الوقف والكلام فيه مبني على تسليم القول بالعموم.
وهذا- أيضا-، لأجل أنه ليس الوقف في ذلك توقف فيما وضعت الصيغة له في أصل الوضع, وإنما هو توقف في أننا نترك ما وضعت له فيكون عاما. وقد يجوز أن يرد تخصيص له, فيكون خاصا, وإذا ورد وقت التنفيذ ولم يرد بيان يوجب تخصيصه عممناه بنفس اللفظ, وأهل الوقف إذا عدموا دليل كون اللفظ خاصا لم يكتفوا بذلك في العلم بأنه عام, بل يرجعون في كونه عاما إلى دليل سوى فقد الدليل على كونه خاصا. فافترق القولان ولم يكن بإجازة تأخير البيان مؤديا إلى الوقف في صيغة العموم، فبطل ما قالوه.
فصل: واستدلوا على ذلك - أيضا- بأن تأخير البيان بجعل ما ورد من الخطاب بمنزله ما لم يرد منه من حيث لا يمكن أن يعتقد فيه خصوص ولا عموم, فلم يجز لذلك تأخيره.
وهذا? فاسد, لأنه قبل أن يخاطبوا بما يجوز كونه عموما ويجوز كونه خصوصا, وبمجمل لا يعرف عين المراد به لا يجب على المكلف فعل العزم على قتل أحد المشركين. ولا اعتقاد كونه مأمورا بذلك في جملة ولا تفصيل, ولا أن عليه حقا فيما يحصده يجب عليه العزم على أدائه عند بيانه, وإذا ورد عليه الأمر بذلك وجب عليه فعل العزم على أداء ما يقدر له وقتل الجميع
стр. 1213
إن ترك وظاهر اللفظ أو البعض إن خص منه. وإنما يجب عليه ذلك عندنا بشريطة بقاء الأمر وأن لا يسنح عنه قبل وقته, فحصل بذلك ممتحنا مكلفا ولو ترك فعل هذا العزم لكان بذلك عاصيا. فبطل ما قالوه. وهذا هو جوابهم في إحالة تأخير بيان المجمل وسائر اللفظ الصالح عندنا للتعبير به عن الإباحة والإيجاب والندب والتهديد.
وعن قولهم: لو تأخر بيان المراد بأمره أنه على التراخي, وهل هو واجب أو ندب يخرج عن كونه مفيدا ولصار وجوده بمثابة عدمه.
فصل: واستدل- أيضا- بعضهم على ذلك بأن تأخير البيان يوجب نسخ ما يخص منه بعد وروده على التراخي. قالوا: ونحن لا ننكر النسخ وإنما ننكر أن يكون المتأخر تخصيصا.
وهذا- أيضا- باطل، لأن النسخ للعبادة إنما يصح بعد بدئها واستقرارها. ولفظ العموم الواجب تنفيذه على التراخي لم يستقر كونه عموما, بل هو مراعي على ما قلناه, يجوز كونه عموما إن تركنا وظاهره ويجوز ورود ما يخصه. فبطل ما قالوه.
فصل: واستدلوا- أيضا- على ذلك بأن تأخير البيان جار مجرى قطع الكلام عن تمامه والابتداء عن خبره والاستثناء عن المستثنى منه. وذلك أجمع فاسد غير مستعمل.
وهذا- أيضا- بعيد, لأننا قد أوضحنا فيما سلف أن قطع الابتداء عن خبره والاستثناء عن ما هو استثناء منه يجعل الكلام مبتورا غير مفيد, ويخرج الاستثناء عن كونه مفيدا ومتعلقا بالمستثنى منه. ولا حاجة بنا إلى رد ذلك. وإطلاق لفظ العموم والمجمل المراد منهما أمر مفيد, وتأخير بيان ذلك كلام مفيد لأشياء كثيرة, وإن كان فيه وجه من الاحتمال.
وقد ثبت أن من كلامهم المجمل والمفسر والظاهر الجلي والمشكل الخفي.
стр. 1214
وليس/ من كلامهم ابتداء لا خبر له. واستثناء يتأخر عن المستثنى منه لما بيناه من قبل, فافترق الأمران.
فصل: واستدلوا- أيضا- على ذلك بأن قالوا لو جار تأخير البيان مدة ما لجاز تأخيره المدد الطويلة وذلك باطل, ولا فرق بين طول المدة وقصرها.
وهذا فاسد, لأننا نجيز تأخير بيان ما يجب بعد مدة وسنين طوال إلى حين وقته وحضور الحاجة إلى تنفيذه. فبطل ما قالوه.
ومن الناس من يدعي في إحالة تأخيره الزمن الطويل عادة في اللغة, وليس مثلها في قبح تأخيره مدة يسيرة والأول أولى.
فصل: واستدلوا- أيضا- بأنه لو جاز تأخير البيان لم يأمن الرسول ﷺ من الاخترام قبل بيانه للأمة. وفيه تضييع الفرض وإزالة المحنة, وذلك غير جائز في صفته.
وهذا- أيضا- باطل, لأنه إذا أمر ﷺ بتأخير بيان الخطاب, ور يؤمر بذلك إلا وقد بين له. وقيل: أخره إلى حين الحاجة, وإن لم يبين له ذلك. فالبيان متأخر عنه وعن الأمة جميعا. وذلك جائز وإن اخترم قبل أن يترك البيان لتخصيص العام كان فرض الأمة تنفيذه على العموم, لأنه لا شيء يخصه بعد اخترامه, اللهم إلا أن يكون هناك قياس على أصل يوجب تخصصه عند من جوز تخصيص الظاهر بالقياس, ولا يقال في مثل هذا إنه لو مات ﵇ قبل نزول البيان لكان عاصيا ومفرطا. لأنه لم يلزمه بيان شيء أمسك عنه من حيث لم يبين له ما بينه لأمته. وإن بين ذلك له, وقيل له: قدم بيانه مع الخطاب وعقيبه لم يجز أن يؤخره. وإن قيل له: أخره فقد أوجبنا عليك تأخيره أو أبحنا لك ذلك وتقديمه إن شئت وجب عليه أو جاز له تأخيره,
стр. 1215
ولزمه اعتقاد جواز بقائه إلى المدة التي قيل له بينه عندها وجواز احترامه دونها وإذا احترم دونها لم يكن عاصيا, أنه ترك ما وجب عليه تركه. أو ما أبيح له تركه ووجب على الأمة تنفيذ حكم الخطاب على عمومه, لأنه لا شيء يخصه فبطل ما قاله. وقد بينا في فصول القول في القول في الأوامر إنه يجوز احترام النبي ﵇/ وغيره من المكلفين بالفعل على التراخي قبل الوقت الذي حد به الفعل ووقت, والمنع منه لعوارض غير الموت والنسخ له قبل وقته. ونحن نزيد ذلك كشفا في فصول القول في النسخ إن شاء الله. وإذا كان ذلك كذلك جاز احترام النبي ﵇ قبل الوقت الذي أمر بالبيان عنده, ولم يكن ذلك عصيانا وتضييعا منه, ولم يلزم الأمة عند ذلك شيء والقدرية تزعم أنه محال احترام المكلف للفعل في المستقبل قبل دخول الوقت, ومنعه منه بالنسخ أو غيره من الموانع وذلك لأنه اقتطاع له عن المصلحة, إذا لا يكلف الرسول وغيره إلا لقصد مصلحته والمنع منه استفساد وسفه لا يجوز في حكمته تعالى, وذلك باطل من دينهم بما نبينه من بعد, وما قد ذكرناه في فصول الأوامر من قبل.
فصل: واستدلوا- أيضا- على ذلك بأنه لو جاز تأخير بيان ما يحتاج إلى بيان يصح وجاز من الرسول ﵇ تأخير البلاغ عن الله سبحانه فيما أرسل به, وذلك محال, لأنه قد قيل له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ و ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وأمثال هذا مما أكد عليه فيه فرض البيان وتقديم البلاغ.
стр. 1216
وهذا- أيضاً- فاسد من وجهين:
أحدهما: إن تأخير البلاغ صحيح جائز في صفته إذا أوجب عليه تأخيره أو أبيح له ذلك وتجويز بقائه إلى حين تضييق فرض البلاغ عليه, ويجوز احترامه قبل ذلك, وأن يلزم الأمة منه شيء. وأن يكون الغرض فيه إذا احترم قبل البلاغ كون إنزاله عليه لطفا له أو لبعض ملائكته. هذا جائز مع القول بوجوب اللطف فلا وجه لدعوى إحالته, وإنما يجب تجويزه لاحترامه قبل البيان له وللأمة.
فأما إذا بين له المراد بلفظ العموم الخصوص وأن تنفيذ مراده فرض عليه وعلى أمته ولم يكن هناك ما يدل على تخصصه إلا بيانه للأمة على لسانه لم يجز احترامه قبل البيان.
وقد أجاب قوم عن قوم عن ذلك بأن تأخير البلاغ لا يجوز منه, لأن الذي يؤخر بلاغه خطاب له وللأمة. فإذا لم يبلغه لم يكن خطابا لهم, وما قدمنا من الجواب أولى، لأنه لا يمتنع أن يكون خطابا له وحده حين نزوله عليه وخطابا لهم أذا بلغهم.
وأن يكون- أيضا- خارجا عن كونه خطابا لهم إن احترم الرسول ﵇ قبل الوقت الذي أمر بالبلاغ فيه, أو نسخ عن الرسول ﵇ وجوب بلاغه قبل الوقت، لأن نسخ مثل هذا جائز كسائر? ما يجوز نسخه من عباداته وعبادات غيره قبل وقته فزال ما قالوه.
والأشبه في قول محيل البيان إجازة تأخير البلاغ وإحالة تأخير البيان, لأنهم زعموا أن تأخير البيان يقبح الخطاب ويجعله بمثابة خطاب العربي بالزنجية.
وتأخير بلاغ الرسول لا يقبح خطابه به وإفهامه إياه. ولا يكون خطابا للأمة مع تأخيره على وجه يحسن أو يقبح, ولا يخل بأداء غير ذلك من جميع ما كلفوه, فصح تأخير البلاغ وإن امتنع على ادعائهم تأخير البيان. وهذه جمل مقنعة في هذا الباب.
стр. 1217
باب
الكلام في جواز تقديم بيان بعض المراد بالخطاب
على بعض وتأخير بيان باقية إلى وقت الحاجة
والذي نختاره في هذا الباب إنه إذا صح بما قدمناه جواز تأخير البيان إلى حين الحاجة وجب القول بجواز تأخير بيان بعض المراد بالعام والمجمل- أيضا- وصفات العين المأمور بإيقاع الفعل فيها, وصفات الفعل الموقع وشروطه. ولا يجب أن يقال: إن قدر ما قدم بيانه هو جميع المراد. وذلك نحو أن يقول اقتلوا المشركين رأس الحول, ثم يقول بعد مهلة ووقت إذا كانوا حربيين, ثم يقول بعد مهلة أخرى وإذا كانوا مشركين وثنيين دون كتابيين. ثم يقول بعد وقت آخر وإذا كانوا رجالا أصحاب رأي في الحرب والدفع في أمثال هذا. فإذا جاء وقت التضييق ولم يرد على ما تقدم بيانه علم حينئذ أن الذي بينه كان جميع من أراد تخصيصه وقطع بالعموم فيمن عداهم.
كذلك سبيل جواز تأخير بيان بعض المراد بالمجمل دون بعض إلى حين الحاجة إلى تنفيذ المراد به, نحو أن يقول في قوله: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بعد مهلة من ورود الخطاب إذا بلغ خمسة أوسق, ثم يقول بعد مهلة أخرى إذا كان مما يقتات ويدخر, ويقول بعد مهلة أخرى وحقه كذا وكذا, أومنه من غير جنسه.
ونحو أن يقول: اقطع سارقا, ثم يقول بعد وقت إذا كان عاقلا بالغا, ويقول بعد وقت ثاني إذا أخرجه من الحرز, وبعد وقت وإذا بلغ المسروق ربع دينار، ونحو هذا. ويقول في صفة الفعل ويكون القطع من الكوع وبآلة كذا
стр. 1218
وفي وقت كذا، هذا كله جار على منهج واحد في الصحة والجواز ولا يجوز إذا بين حكما وحكمين وشرطا وشرطين قبل وقت التضييق مع بقاء وقت متسع إليه أن يقطع على أن قدر ما بينه هو جميع الذي أراد تخصيصه من العام وبيانه من حكم المجمل.
ولا يجوز لقائل أن يقول? إنه إذا بين بعض مراده مع ورود الخطاب أو بعد مهلة وجب العلم بأن ذلك جميع ما أراد بيانه وإلا كان موجبا علينا اعتقاد الجهل في أنه لا شيء بقي يحتاج إلى بيان, لأنه يجب أن يعتقد بتقديم بيان البعض أنه جميع ما أريد بيانه فيكون أمدا لنا باعتقاد الجهل. وإنما يجب تجويز كون قدر ما بينه جميع المراد وتجويز إيراد زيادة على ذلك وورود بيانها قبل وقت التضيق. ولو لزم هذا الذي قالوه للزم اعتقاد الجهل في تأخير بيان مجمله المراد إلى وقت الحاجة مع كون اللفظ عاما. وقد بينا فساد تعلقهم بذلك ودعواه من قبل بما يغني عن إعادته, فبطل ما قالوه.
وقد فصل قوم من الفقهاء من أهل العراق وغيرهم بين جواز تقديم بيان بعض المراد على بعض في العموم والمجمل فقالوا: لا يجوز ذلك في العموم المستقل بنفسه في وجوب استغراق الجنس, لأن اللفظ يقتضي الاستغراق. فإذا بين خروج قدر منه كان ما بقي متناولا لجميع ما بقي, وإذا أراد إخراج شيء آخر منه, واللفظ وما قدم بيانه لا ينبئان عن ذلك وجب اعتقاد عمومه فيما بقي, وذلك إلزام للجهل إذا كان مراده بعضه. وقد بينا فساد هذا القول.
стр. 1219
قالوا: وأما المجمل فلا يستقل. فإذا بين بعض مراده به لم يكن للفظ بعد ذلك البيان ظاهر يقتضي أنه لا شيء يراد بيانه إلا ما ذكر. وهذا موافقة منهم في حكم المجمل وخلاف في بيان العام. وقد بينا من قبل إنه والعام سيان, وأنه لا يجب اعتقاد الجهل في العام من حيث توهموا فاستوت الحال فيهما.
ولهذا لم يجعل كثير من أهل العلم قوله ﵇ لما شئل عن سبيل الحج. فقال:" زاد وراحلة" بيانا لجميع السبيل. وقالوا هذا بيان لبعض السبيل لمن لا يستطيع الحج ببدنه, ولأنه لم يبين- أيضا- حصول الأمن في الطريق وغرامة المال في الخفارة، وتحريم الركون في المسير إلى من لا يؤمن على دماء المسلمين, إلى غير ذلك مما يحتاج إلى بيان وإن لم يظهر ما يشعر بذلك وفرض الحج معلق بحصوله, فصح بذلك ما قلناهم.
وزعم بعضهم: إنه إنما يجب تجويز تقديم بيان بعض المراد بالمجمل وتأخير باقيه إلى وقت الحاجة إذا كان هناك حال وإشعار بأن هناك أمورًا
стр. 1220
أخر في حكمه تحتاج إلى بيان, فإن لم يظهر ما يشعر بذلك من قول أو فعل لم يجز ذلك. فهذا لا وجه له ولا دليل عليه, بل يجوز ذلك مع وجوده ومع عدمه.
ويقال لمن قال هذا في المحمل وأمكره في العموم. فجوز- أيضا- تأخير بيان العام? إذا كان هناك إشعار بأن ما يحتاج إلى بيان, وهو لا يقول ذلك. فبطل قوله من كل وجه.
стр. 1221
باب
الكلام في جواز بيان حكم آي القرآن والمتواتر
من سنن الرسول ﵇ بأخبار الآحاد
اختلف الناس في ذلك:
فقال سائر الفقهاء وجمهور من أوجب العمل بخير الواحد من المتكلمين إنه لا يمتنع بيان حكم العام والمجمل المعلوم ورودها في الكتاب والسنة بخبر الواحد. وهذا هو الذي نختاره.
وقال أهل العراق: إن ما ثبت من العمومات في الكتاب والسنة المعلومة المتواترة لم يجز بيانهما وتخصصهما بأخبار الآحاد, بل لا يخصان إلا بخبر معلوم حتى يكون البيان كالمبين في قوته وطريقه
стр. 1222
قالوا فأما المجمل فإنه على ضربين:
إن كان المراد به من الفرائض الأعيان وعاما يلزم سائر المكلفين وجب أن يكون بيانه معلوما متواترا كبيان أقدار الصوات وأوقاتها وصفاتها, وبيان الزكاة ومقاديرها وأجناس ما تؤخذ منه, وأمثال ذلك من الفرائض العامة.
وأما مالا تعم اليلوى به ويكون من فرائض الأئمة والعلماء كتقدير ما يقطع فيه السارق وما يدرأ به الحدود وأحكام المدبر والمكاتب. وما يتعلق بالعلماء ولا تعم به البلوى فيقبل في بيانه خبر الواحد.
والدليل على صحة ما قلناه: إن ما تضمنه العام والمجمل من أحكام الشرع أمر يصح أن تختلف فيه فرائض المكلفين فيوجب على بعضهم فيه العلم والعمل جميعا, وعلى بعضهم العمل دون العلم, وإن كان عملا تعم به البلوى أور يجوز يعم. كما يجوز ورود التعبد به وأن لا يرد به جملة, وأن يتعبد به البعض من المكلفين دون بعض, فتختلف فيه فرائضهم فهذا اتفاق.
стр. 1223
وقد دللنا على ذلك من قبل. وسنتبع القول فيه عند انتهائها إلى وجوب القياس وأحكام العلل إن شاء الله.
وإذا كان ذلك لم يمتنع أن يورد اللفظ العام والمجمل في الكتاب والسنة, وأن ينقلا نقلا متواترا, فيوجب على الكل العلم بورودهما, وأن يبين مراده بهما تارة بيانا معلوما منقولا كنقل المبين والمجمل والعام. فيلزم عند ذلك العلم والعمل به (واجبا, وأن يبين ذلك تارة للواحدة ومن جرى مجراه, فيكون فرض من تلقى البيان عنه ﵇ من الآحاد العلم والعمل). وفرض من ينقل إليه الآحاد ذلك العمل به دون العلم فتختلف في ذلك فرائضهم.
ولا يجوز أن يقال إن محال لأن اللفظ العام مقطوع على عمومه وخبر الواحد غير مقطوع بصحته, لأن إنزاله ووروده هو المقطوع به.
فأما كونه عاما فطريقه لو ثبت الاجتهاد وما به يجب العمل بخبر الواحد إجماع الصحابة, فطريق وجوب العمل به أقوى من? من طريق العمل بالعموم. فإن لم يكن أقوى فهما سيان, وعلى أنه لا يجوز أن يقطع بعمومه مع تجويز كون خبر الواحد صدقا, لأنه لو قطع بعمومه لقطع على كذب الخبر, وذلك ما لا سبيل إليه, وإذا كان ذلك صح بيان المتواتر من ألفاظ العموم وما ورد منه في الكتاب بأخبار الآحاد.
فأما تفصيلهم الذي ذكرناه في المجمل فلا حجة- أيضا- عليه.
لأنه لا يمتنع أن يرد العام والمجمل بما يعم به البلوى, ويكون بيانه مع ذلك من جهة أخبار الآحاد, فيكون العلم بورودهما مفروضا والعمل في تخصيصهما واجبا بأخبار الآحاد ومقطوعا بوجوبه. وإن كان صدق الراوي وضبطه مظنونا, ولا يمتنع أن يكون منه ما يلزم فيه العمل والعلم فيجب بيانه
стр. 1224
ونقله على وجه يوجب العلم والقطع على تخصيص الرسول له. ولهذا وجب قبول خبر بسرة في وجوب الضوء من مس الذكر وإن كانت البلوى به نعم, ولأجله قبلوا خبر الوضوء من القهقهة في الصلاة وذلك مما يبتلى به الأقل, ولأجله وجب قبول أخبار الآحاد في الأوساق وتقدير ما يجب فيه الزكاة من الرقة والحبوب والماشية, وإن لم يكن نقل قوله:" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" في التواتر كنقل قوله:" فيما سقت السماء العشر" ومثل العلم بقوله: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. ولو تأمل أكثر ما تعم البلوى
стр. 1225
به لوجد بيانه واردا من جهة الآحاد, وإن كانت الأمة قد قبلته وعملت به في ذلك.
ويدل على صحة ما قلناه- أيضا- إنه لا يمتنع أن يكون الأصح للنبي ﵇ وأمته وكثير منهم تعبدهم في كثير مما تعم البلوى به بالعمل دون العلم, وأنه لو كلفهم العلم والعمل به لم يطيعوا فيه ولا في غيره, فيقتصر بهم على وجوب العمل دون العلم.
فإن قيل: فقد وجدنا تعبدهم في كثير مما تعم البلوى به بالعلم والعمل.
قيل: ما أنكرنا ذلك, فإذا كان ذلك مراده في تلك العبادة أو كان هو المصلحة لهم فيها على قول باني التكليف على المصالح فلا يقدح فيما قلناه. ويدل على ذلك ورود التعبد بالاجتهاد في القبلة عند غيبتها والقياس على جهتها, وإن كان التوجه إليها مما يعم فرضه. وإنما تصيرون في التوجه إليها عند الاجتهاد إلى غلبة الظن دون العلم, فصح بذلك ما قلناه.
وليس لهم الانفصال من هذا بأن يقولوا إنه إنما ساغ ذلك، لأنه لا طريق عند التباس جهتها يوجب العلم فيؤمر به, وله سبحانه طريق? إلى إعلامنا يخصص العام وما تعم به البلوى من أحكام المحمل فلم يجزأن يقتصر في بناء ذلك على ما يقتضي غلبة الظن دون العلم, لأن هذا الاعتلال إن كان صحيحا لم يجز أن يتعبدنا بأن نصير إلى موجب أخبار الآحاد والقياس ابتداء فيما تعم البلوى به. وفيما لا تعم, لأنه سبحانه قادر على أن يبين لنا جميع ذلك بطريق يوجب العلم والقطع.
وقد اعتل بهذا الذي قالوه منكرو العمل بأخبار الآحاد والقياس في الأحكام. وقالوا لا يجوز الاقتصار بناء على أدون البيانين مع قدرته على أعلاهما, ولما لم يجب ذلك من قولنا وقولهم بطل ما فصلوا به, وصح ما قلناه.
стр. 1226
باب
القول في العالم إذا حصل معه لفظ عام ولم
يعثر على ما يوجب تخصيصه هل يجوز له
إنفاذه على العموم أم لا ؟
اختلف الناس في ذلك:
فقال كثير منهم يجوز له, بل يجب عليه القضاء بعمومه متى اجتهد في طلب ما يخصه من كتاب وسنة وإجماع وقياس واستدلال وما يجوز تخصيص العام به, فلم يعثر عليه, فإن ذلك فرضه.
وقال آخرون: بل يجب عليه التوقف عن القطع على عمومه متى جوز أن يكون في وجوه الأدلة ما يخصه, وإن لم يقف عليه, وأنه لا يجوز له القطع بالعموم حتى يحبط بجميع الأدلة علما. ويعلم أنه ليس في أدلة الشرع ما يوجب تخصيصه.
وقد يمكن أن يقال في ذلك إن الحكم فيه مردود إلى غلبة ظن العالم المجتهد, فإذا وجد اللفظ العام وبحث واجتهد في طلب ما يخصه, فلم يجده وحصل عند ذلك معتقدا إنه لا شيء في أدلة السمع يخصه وجب عليه أن
стр. 1227
يحكم بعمومه. وقد يجوز عندنا أن تكون ما اعتقده من انتقاء دليل يخصه صحيحا على ما اعتقده, ويجوز أن يكون خطأ منه ويكون الأمر على غير ما اعتقده. غير أن الله سبحانه إنما علق فرضه في وجوب الحكم بعموم الخطاب على حصول هذا الاعتقاد منه أخطأ في ذلك أم أصاب.
كما أنه أوجب على المجتهد في طلب القبلة الصلاة إلى ما يغلب على ظنه أنه جهة القبلة أصاب في ظنه ذلك أم أخطأ.
وكذلك أوجب على العالم الحكم إذا اعتقد القطع على أنه ليس في وجوه الأدلة ما يخصه سواء أصاب في اعتقاده ذلك أم أخطأ.
فأما إذا اجتهد ولم يصره الاجتهاد إلى اعتقاد القطع على أنه لا دليل في السمع يوجب ذلك, بل وجدها ظنية لعدم الدليل? مجوزة لوجوده لم يجز له الحكم بعمومه مع تجويز كونه خاصا, لأنه حينئذ يقدم على الحكم بما يجوز كونه خطأ, وذلك غير جائز. ويجب على هذا الأصل - أيضا- أن لا يجوز للعالم أن يجتهد ويحكم بالقياس والاستدلال في حكم الحادثة دون أن يعتقد أنه ليس فيها دليل يمنع من المصير إلى حكم الاجتهاد لأنه إن لم يعتقد ذلك وجوز وجود ما يمنع من الاجتهاد أقدم على الحكم بما يجوز كونه خطأ, وذلك غير جائز.
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يوجب عليه الحكم بالعموم ويوجب الاجتهاد إذا اعتقد أنه لا دليل يمنع من ذلك مع أنه مخطئ عند الله في هذا الاعتقاد.
стр. 1228
قيل له: لأن هذا الاعتقاد وإن كان خطأ منه فليس تعليق الحكم به وألزمه عنده خطأ, لأنه قد أوجب عليه الحكم بذلك عند حصول هذا الاعتقاد. ولا يجوز- أيضا. وإن كان هذا الاعتقاد خطأ أن يكون آثما وعاصيا به, لأنه لم يجب عليه عند خفاء الأمر وتعذر وصوله إلى الخبر المانع من الاجتهاد عند من رأي عذره بذلك لخفاء الدليل أكثر من فعل الاعتقاد للقطع على أنه لا دليل هناك, بل حصل له فعل هذا الاعتقاد.
فإن قيل: أوليس هذا منه جهل واعتقاد الشيء على غير ما هو به, والله سبحانه لا يبيح الجهل ويطلقه لقبحه وقبح إباحته.
قيل له: هذا الأصل باطل عندنا, وإنما يقبح من الجهل بالأمور ما حظر الجهل به وقبحه ويحسن منه ما أمر به إن كان من الأمور ما قد نهينا عن العلم به وطلبه من أسرار الناس وعورات بيوتهم, وطلب العلم بعدد أكرار خردل وأمثال ذلك. وقد بينا هذا في مقدمات هذا الكتاب, وفي كتب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه. فبطل ما قالوه.
وكان الأولى في هذا أن يقال: إن كل دليل على تخصيص العام ومانع من الاجتهاد في حكم الحادثة, فقد أمر كل عالم بإصابته والحكم بموجبه, وليس هو كالأمور التي أباح الله الجهل بها. فيجب أن يكون مخطئ ذلك
стр. 1229
الدليل من العلماء مقصرا مفرطا بتركه العلم بما وجب عليه القضاء به.
فإن قالوا: ولم لا يجوز أن يوجب عليه الحكم بعموم اللفظ وموجب الاجتهاد إذا ظن أنه لا شيء يمنع من ذلك وجوز مع ظنه له أن يكون هناك ما يمنع منه.
قيل: لأنه إذا جوز ذلك المانع مانعا للعامة من الحكم. وإنما هو مانع للعالم، فلا يجوز له الإقدام على حكم يجوز أن يكون ممنوعا منه, كما لا يجوز له أن يبتدئ الحكم بقياسه وغلبة ظنه من غير بحث ونظر مع تجويزه أن يكون هناك ما يمنع من الحكم بذلك, فصح ما قلناه?.
فإن قيل: أفلستم قد جوزت للمجتهد أن يحكم بما يغلب على ظنه أنه الحق مع تجويزه أن يكون الحق في غير ما حكم به.
قيل له: ما نقول ذلك, بل الحق عندنا في قول كل مجتهد على ما نبينه من بعد, ومن أعتقد أنه في واحد فقد أعتقد الخطأ.
وقد اعتل من قال هو يعم ذلك عند غلبة ظنه إنه لا دليل أو عند عدمه الدليل وإن لم يغلب ذلك على ظنه فإنه يجوز ذلك. وإن كان فرضه عند الله غير ما فعله, وأنه لا يجوز قطعه على أنه لا دليل يخصه, وأنه قد أحاط علما بأدلة الشرع, بل يجوز أن يكون فيه دليل لم يعثر عليه, ولا يجب عليه العمل به, وإن لم يعلم به, وإنما يجب عليه العمل بما علمه وبلغه.
كما أنه لا يجب على من نسي صلاة لم يخطر بباله ذكرها إعادتها, وأن كان فرضه عند الله إعادتها. وهذا غلط, لأن من هذه حاله لا يجب عليه فعل ما نسيه ولا فعل مثله إذا لم يتبين إنه كان نسي، وليس عند الله غير الذي عنده من لك, فبطل ما قالوه.
стр. 1230
وكذلك فإن حال المتزوج بأمه أو بعض ذوات المحارم إذا اختلطت بأهل بلد ولم يعرفهن هو متزوج بمن هي زوجة له عند الله تعالي، وإن كانت أمه، لأنه ليس معني إنها زوجة عنده تعال أكثر من أنه يملك وطأها والاستمتاع بها بالعقد. وكذلك القول في كل ما جري هذا المجري.
وقد يجوز أن يقال في مثل هذا إنني إذا طلبت دليل التخصيص وما يمنع من الاجتهاد فلم أجده قطعت علي أنه لا دليل لله سبحانه علي تخصصه مع ورود الشرع واستقراره والفراغ من البيانات وضبط الأخبار والروايات وخروجها إلي النقل والوجود، لأنه لو كان له تعالي دليل علي التخصيص لوجب أن نجده ونعثر عليه مع كثرة البحث والطلب له من مظانه ومواضعه مع حرصنا وتوفر هممنا ودواعينا علي إصابته والتدين بالعمل بموجبه، ومثل هذا لا يمكن في صدر الإسلام وحين ظهور الأخبار وورد الروايات.
وليس لأحد أن يقول للمعتل بهذا إن كان الأمر علي ما تدعيه فأوجد لنا فقد الأدلة علي ما قلته، لأنه لا يمكن المجيب أن يريه ذلك إلا بافتضاض جميع وجوه الخطاب في الكتاب والسنة والإجماع ووجوه المقاييس، وذلك مما يقطع المناظر ولا يتمكن المجيب من إيراده في عدة مجالس، والمطالبة به ظلم في النظر، ولكن علي السائل إن وجد ذلك أن يذكره للمجيب، فإن دفعه المجيب نشئ وإلا فقد علم أن ما كان اعتقده من عدم الدليل علي ذلك خطأ ليس علي ما اعتقده.
ولا لأحد- أيضاً - أن يقول للمستدل بذلك علي /انتفاء دليل مانع من ذلك ما يدرينا أنك عادم للدليل.
следующие страницы →