← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التقريب والإرشاد (الصغير) للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ قدم له وحققه وعلق عليه الدكتور عبد الحميد بن علي أبو زنيد الجزء الأول مؤسسة الرسالة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال بدر الدين الزركشي في مقدمة البحر المحيط: "وكتاب التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر، هو أجل كتاب صنف في هذا العلم مطلقًا". وقال أيضًا: (حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال واقتفى الناس بآثارهم، وساروا على لأحب نارهم، فحرروا وقرروا وصوروا، فجزاهم الله خير الجزاء).

стр. 3

التقريب والإرشاد (الصغير) ١

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م طبعة جديدة مُصححة ومُنقحة حقوق الطبع محفوظة (١٩٩٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

стр. 5

افتتاحية الحمد لله الذي تقدست عن الشبيه ذاته، وتنزهت عن سمات الحدوث صفاته، وشهدت بربوبيته وألوهيته مخلوقاته، وأذعنت الجبابرة لعزته وعظيم سلطانه. سبحان من إله اتصف بصفات الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ يعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويوصل ويقطع، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ كما نطق بذلك صريح آياته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا ضد ولا ظهير، تنزه عن الولد والوزير، الكل خلقه وإليه المصير، وهو الهادي من يشاء إلى سواء السبيل. وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، والمبلغ عنه أمره ونهيه. صلوات ربي وسلامه عليه - أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك - وعلى الآل والصحب من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من العلماء العاملين والأئمة المجتهدين، وعباد الله الصالحين، الذين قارعوا أهل الكفر بالسنان، وأهل الزيغ والضلال باللسان، والحجة والبرهان وبعد: فإن كثيرًا من تراث الأمة الإسلامية الضخم الذي خطته أيدي علمائها الأماجد عبر القرون الغابرة قد عدت عليه العوادي، فذهب أدراج الرياح،

стр. 6

وأصبح خبرًا بعد عين. والذي قدر الله له النجاة من هذا التراث ينبئ عن قساوة الفادحة وعظم المصيبة، من خلال ما ضمه من نقول واقتباسات من الأسفار التي ضاعت في خضم الأهوال. فأصبحنا لا نعرف عنه شيئًا إلا هذه النقول التي في بطون الكتب التي سلعت من الهلاك. ولعل أعظم من مُني به التراث الإسلامي الزاخر هو دخول جحافل التتار بغداد، التي زحفت من المشرق لتهلك الحرث والنسل، وتعيث في الأرض الفساد، فدخلت دار السلام في منتصف القرن السابع وأشعلت النيران في دار الحكمة وغيرها، فالتهمت النيران أكداس الكتب، وتصاعدت ألسنة النيران لتبلغ عنان السماء فتظلم بغداد بدخان الكتب الكثيف، الذي أشبه بثوب الحداد على المصاب الأليم الفقيد الغالي. وألقى الغزاة أكداسًا أخرى من الكتب في دجلة لتصبح جسورًا يعبرون عليها. فانقلب ماء دجلة العذب الرقراق إلى لون القطران من سواد مداد الكتب. وقد أجمع المؤرخون على أنه لم يمر على الأمة الإسلامية يوم فيه من الأهوال ما كان في يوم دخول التتار بغداد. قال ابن الأثير في الكامل: "فلو قال قائل إن العالم منذ أن خلق الله أدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صدقًا، وما فعله بختنصر باليهود من القتل وتخريب بيت المقدس فبينه وبين فعل التتار بون شاسع، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج. وفعل الدجال عند ظهوره يهون عن فعلهم. فقد قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، وقد استطار شررهم وعم ضررهم".

стр. 7

هذا وصف بليغ، وتصوير صادق لعظم المأساة، ولعل فيما حكاه ابن الأثير سلوة لنا عما يقع في هذه الأيام على كثير من المسلمين في شمال العالم وجنوبه من التنكيل بالرجال والنساء والأطفال بأسلوب وحشي يغذيه الحقد على الإسلام وأهله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. كان من بين الذين ضمتهم بغداد ردهة من الزمن، وكان له حضور متميز في مجالس المناظرات، وتأثير في حركتها العلمية المناظر البارع والأصولي الفذ، جامع شتات علم أصول الفقه، فقد كان له الفضل في جمع شوارد علم أصول الفقه ونوادره، واستوفى مباحثه ومسائله، كما سيظهر لك ذلك جليًا عند ذكر مؤلفاته. فقد كان كل من أتى بعده من الأصوليين عالة عليه، وخاصة من صنف على طريقة المتكلمين، فأكثروا من النقل عنه ومحاكاته في مصنفاته. منذ أن بدأت النهضة العلمية الحديثة المباركة اشرأبت الأعناق لاستشراف مصنفاته وتاقت النفوس وتمنت العيون أن تكتحل برؤيتها، وخاصة كتابه الموسوم ب"التقريب والارشاد" لما ورد من الثناء عليه من مؤرخي العلوم ومصنفي طبقات الفقهاء وغيرهم. ومنذ فترة طويلة وأنا أقلب فهارس المخطوطات بحثًا عن الجيد النافع، حتى استوقفني عنوان "التقريب والإرشاد" في فهرس المكتبة الآصفية بالهند ولكنني وجدته منسوبًا للحافظ محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا المقدسي. فأوهم ذلك أنه كتاب آخر شابه عنوانه عنوان كتاب القاضي الباقلاني، فأسقط في يدي، وتركت الأمر. وبعد أن مضى أكثر من اثني عشر عامًا رجعت الخواطر مرة أخرى فقررت إحضار صورة المخطوط لأقابله بكتاب "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين الجويني الذي أقتني مصورًا له. وأعرضه على النقول الكثيرة التي ينسبها إليه الزركشي في بحره

стр. 8

المحيط فإذا بالحلم يتحقق، واعثر على البغية وأجد الأمر كما توقعت. وزادت فرحتي بأن وجدت المخطوطة خالية من كل نقص واضحة الخط جدًا، فحمدت الله سبحانه وبدأت أقلب العديد من فهارس المخطوطات لعلي أجد لها شقيقة تؤازرها فلم أعثر حتى الآن على شيء. فباشرت بالنسخ، وشرعت في التحقيق لأخرج هذا السفر النفيس من ضياع دام عشرة قرون، ولا أريد أن أشرح لمطالعه ما لقيته من العناء، وما صرفته من الوقت في تحقيق نصه وإخراجه في هذا الثوب، الذي أرجو أن يرضى عنه طلاب العلم ورواد المعرفة، فمن غير شك سيدرك الناظر فيه ذلك. وكل ما أريد أن أقوله: إن تحقيق المخطوطات من نسخة وحيدة أمره عظيم وخطره جسيم، ففي تعدد النسخ خير معين على سد الخلل وتدارك النقص والتصحيف، الذي يقع على يد النساخ، فكون النسخة وحيدة يتطلب من المحقق مراجعة المسألة في العديد من الكتب التي استقى منها المصنف مادته العلمية - إن وجدت - ومراجعتها في الكتب التي اعتمدت عليه، وأكثرت من النقل عنه. ولهذا لم يفارقني كتاب إمام الحرمين "تلخيص التقريب" بل صاحبني بابًا بابًا وفصلًا فصلًا. وكذلك كتاب إمام الحرمين "البرهان" وكتاب الغزالي "المستصفى" و"البحر المحيط" للزركشى. وقد قدمت لهذا الكتاب بدراسة للمؤلف والكتاب لإنارة الطريق وإلقاء الضوء على الكثير مما يتعلق بالكتاب ومؤلفه لمن يريد المطالعة فيه. ومع هذا فإن الكمال لله وحده والنقص من سمات البشر، وما أبريء نفسي عن الخطأ والزلل، وحسبي أنني بذلت قصارى جهدي. وإني لأرجو أن يكون إخواني العلماء وأبنائي طلبة العلم قد وجدوا في صدور هذا الكتاب بغيتهم، سائلًا المولى أن يلهمنا السداد والإخلاص في القول والعمل، وأن يكون عملنا في هذا الكتاب لنا ذخرًا، وأن ينفع به كل من طالعه، إنه مولي النعم ودافع النقم، فله الحمد أولًا وأخرًا. المحقق

стр. 9

القسم الدراسي وفيه مقدمة وبابان المقدمة: وهي في الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية في عصر الباقلانى. الباب الأول: في ترجمة الباقلانى. الباب الثاني: في دراسة كتابة التقريب.

стр. 10

.....................

стр. 11

المقدمة وفيها مبحثان المبحث الأول الحالة السياسية في القرن الرابع الهجري عاش أبو بكر الباقلاني في المشرق الإسلامي متنقلًا بين البصرة وبغداد شيراز وغيرها في القرن الرابع الهجري، في وقت انقسمت فيه الدولة الإسلامية إلى دويلات بعد أن ضعفت سلطة الخليفة العباسي، بل تلاشت، ولم يبق له إلا ذكر اسمه في الخطبة ونقش اسمه على العملة. لقد كان من أقوى الدويلات في المشرق دولة بني بويه، التي تأسست سنة ٣٢٢ هـ على يد أبي شجاع بويه، الذي كان من سكان جبال الدلم جنوب غرب بحر قزوين. وهو من أصل فارسي لا يحسن العربية. دخل في خدمة السامانيين أولًا، ثم انضم إلى خدمة مرادويج مؤسس دولة بنى زيار سنة ٣١٨ هـ. وفي سنة ٣٢٠ هـ عين مردوايج ولد بويه الأكبر "عليا" ومالوا إليه، ثم بدأ في تحقيق أطماعه، فاحتل أصبهان سنة ٣٢١ هـ، ثم كرمان والأهواز والري وهمذان وشيراز سنة ٣٢٢ هـ وما بعدها بمساعدة أخويه حسن وأحمد. ثم أعلن أولاد بويه استقلالهم عن الخليفة العباسي، فاضطر للاعتراف بهم أنهم نوابه. اتخذ علي بن بويه شيراز مركزًا لدولته إلى أن توفي سنة ٣٣٨ هـ. فتولى الحكم أخوه حسن الذي نقل دولته للري. وبقيت الري مركزًا لدولته إلى أن توفى سنة ٣٦٦ هـ.

стр. 12

أما بغداد فقد دخلت في حكم بني بويه في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ٣٤٤ هـ حيث توجه إليها أحمد الابن الأصغر لبويه فدخلها وخلع الخليفة العباسي "المستكفي" على أبناء بويه الثلاثة ألقابًا فسمى عليًا "عماد الدولة" وحسنا "ركن الدولة"، وأحمد "معز الدولة وأمير الأمراء". وأمر أن تُنقش اسماؤهم على الدنانير والدراهم. ولكن معز الدولة البويهي جازى الخليفة "المستكفي" على هذا جزاء سنمار. فجرده من جميع سلطاته، وصادر أمواله، وأجرى عليه خمسة آلاف درهم يوميًا لنفقاته، ثم أجبره على التنازل عن الخلافة للمطيع لله. فعامله معاملة في غاية الإذلال والإهانة وسمل عينيه، مما يدل على حقد دفين على بني العباس خاصة، وأهل السنة عامة، لأن بني بويه من الشيعة الزيدية على مذهب الفرقة "السليمانية" نسبة لسليمان بن جرير، بل حاول أحمد معز الدولة نقل الملك للعلويين لولا أن نبهه بعض حاشيته لعواقب ذلك. وفي سنة ٣٥٦ هـ توفى معز الدولة أحمد، فآل الأمر إلى ولده "بختيار" الملقب بعز الدولة. ولم تكن معاملته للخليفة بأحسن من سلفه، بل ضيق على الخليفة العباسي "المطيع لله" حتى اضطره إلى بيع ثيابه، وأجبره على التنازل للطائع سنة ٣٦٣ هـ. ثم حدث للطائع ما حدث لوالده على يد بهاء الدولة البويهي سنة ٣٨٢، وأجبره على التنازل للقادر بالله، الذي بقي على كرسي الخلافة خمسون عامًا. وفي سنة ٣٦٧ هـ آل أمر بني بويه إلى عضد الدولة بن ركن الدولة فنقل مركز الدولة إلى بغداد وبقيت بغداد مركزًا للدولة إلى سنة ٣٨٩ هـ، حيث نقلها بها الدولة إلى شيراز مرة أخرى.

стр. 13

بعد ذلك دب الخلاف والنزاع بين بني بويه. وأخذت دولتهم في التقلص وشوكتهم في الضعف. واستمروا على ذلك من سيئ إلى أسوأ حتى سقطت دولتهم سنة ٤٤٧ هـ بدخول "طغرل" بيك بغداد. هذه اللمحة التاريخية عن الحالة السياسية في المشرق الإٍسلامي عامة، وعن دولة بني بويه خاصة تدل على عدم الاستقرار السياسي إلا في بعض فترات الحكم، كالفترة التي تولى فيها الحكم عضد الدولة البويهي، الذي كان للباقلاني صلة به. فقد كان عضد الدولة من أقوى حكام بني بويه شخصية وأبعدهم نظرًا. وقد كان للوزراء في دولة بني بويه شأن عظيم ومنزلة رفيعة. وبيدهم مقاليد تصريف كثير من أمور الدولة. ولقد كان للباقلاني دور سياسي بارز حيث استقدمه عضد الدولة إلى شيراز من البصرة، وألحقه بمجالس العلماء في قصره. وفي عام ٣٧١ هـ أرسله عضد الدولة على رأس سفارة إلى ملك الروم "باسيلوس الثاني" على أثر طمع بعض قادة الروم في ملك باسيلوس. فالتجأ القائد الطامع في الحكم واسمه "ورد" إلى عضد الدولة طلبًا للنصرة والحماية، فأرسل باسيلوس وأخوه لعضد الدولة يعرضان عليه تسليم القائد مقابل إطلاق سراح جميع أسرى المسلمين في بلاد الروم، وعلى أثر ذلك أرسل عضد الدولة القاضي الباقلاني للتفاوض، وعاد الباقلاني يحمل مشروع معاهدة حول ذلك الأمر. ومن ذلك تظهر مكانة الباقلاني عند عضد الدولة. ولم يقتصر الباقلاني في تلك السفارة على دوره السياسي، بل قام بمناظرات دينية، تدل على مدى غيرته على دينه وعلو همته وعزة نفسه، سنذكرها في فصل مناظراته إن شاء الله.

стр. 14

وذكر ابن الأثير في الكامل للباقلاني موقفًا سياسيًا آخر. وهو أن "قرواش بن المقلد" أمير بني عقيل، الذي ألت له السيطرة على الموصل والأنبار والمدائن والكوفة في عهد الخليفة العباسي "القادر بالله" خطب للحاكم بأمر الله الفاطمي، فأرس الخليفة لبهاء الدولة البويهي يستحثه على إخماد الفتنة، فكان للباقلاني دور في إرجاع الخطبة للخليفة العباسي.

стр. 15

المبحث الثاني الحالة الاجتماعية والثقافية في القرن الرابع الهجري الحالة الاجتماعية: نظرًا للاضطراب السياسي الموجود في ذلك القرن، وعدم الاستقرار النفسي في داخل دولة بني بويه، الذي كان من مظاهره نقل مركز الحكم في عهد بني بويه عدة مرات بني بغداد وشيراز وغيرهما. ثم تطاول بنو بويه على الخليفة العباسي، ومعاملته معاملة في غاية الإذلال والاحتقار، بدافع بطر القوة أولًا، واعتناق بني بويه للتشيع مذهبًا وميلهم للعلويين ثانيًا وما يحملونه من حقد على أهل السنة عمومًا وبني العباس خصوصًا ثالثًا. كل ذلك حملهم على سلب الخلفاء كل ما كان لهم من حاشية ووزراء ونفوذ. فأصبح الوزراء لبني بويه دون الخليفة. ومظهر آخر من مظاهر عدم الاستقرار تمثل في كون بني بويه لم يكن لهم خلق المسلم من الوفاء لمن لاذ بهم من الوزراء والقضاة وغيرهم، بل نالهم ما نال الخلفاء من مصادرة الأموال والبطش بهم، نذكر بعض النماذج لا على سبيل الاستقصاء والحصر. فمعز الدولة البويهي صادر من ابن شيرازاد خمسمائة ألف درهم. وصادر من صاحب شرطته "الإبزاعجي" ثلاثماية ألف درهم. وصادر جميع أموال وزيره "المهلبي" لما توفى سنة ٣٥٢ هـ.

стр. 16

وصادر بها الدولة أموال وزيره - سابور بن أردشير - فبلغت مليوني دينار. وصادر عضد الدولة البويهي أموال القاضي أبي على الحسن بن علي التنوخي. وصادر فخر الدولة البويهي جميع أموال وزيره الصاحب بن عباد لما توفي، وصادر أموال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد كذلك. ولم يبطل هذا التقليد من مصادرة الأموال، وعدم الوفاء إلا على يد شرف الدولة البويهي، على ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم. أطلق بنو بويه لوزرائهم اليد في تصريف شئون البلاد والعباد، فاستغلوا مناصبهم، فأثروا ثراء فاحشًا على حساب عامة الناس، الذين كانوا في فقر مدقع، معظمهم لا يحصل على لقمة العيش، فأصبحت الطبقية مسيطرة في أجلى صورها ومظاهرها. وهذا الواقع يؤدي إلى التفكك بين فئات المجتمع، وإلى عدم التآلف. زد على ذلك الاختلاف في المعتقد بين جمهور الناس والطبقة الحاكمة. فغالبية الناس يعتقدون مذهب أهل السنة. وأما بنو بويه ووزراؤهم وقضاتهم يعتقدون مذهب المعتزلة، الذين استغلوا نصرة السلطان لسوم أهل السنة الكثير من الاضطهاد والمضايقة في اعتقاداتهم. ذكر ابن الأثير في الكامل أن بني بويه كانوا يؤججون نار الفتنة بين أهل السنة والشيعة فيأمرن بلعن معاوية بن أبي سفيان، والتهجم والطعن على الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول - فقد أمر الدولة في العاشر من

стр. 17

محرم سنة ٣٥٢ هـ. بإغلاق الحوانيت في بغداد، وإبطال البيع والشراء في الأسواق، وإظهار النياحة، وأن تخرج النساء منشورات الشعور، مسودات الوجوه، يلطمن وجوههن على الحسين بن علي ﵄ وأمر في الثامن عشر من ذي الحجة من نفس العام بإظهار الزينة وإشعال النيران احتفالًا بعيد "غديرخم" مما كان يؤدي إلى قيام اضطرابات مسلحة بين الناس والجند. الحالة الثقافية: بالرغم مما كانت عليه الحالة السياسية من عدم الاستقرار، وما كانت عليه الحالة الاجتماعية من التفكك وانتشار الظلم، فإن هذا لم يضعف الحركة العلمية والثقافية والفكرية، بل قد أججها وزادها قوة، وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها: أولًا: إن الصراع العقدي الموجود بين المعتزلة وأهل السنة من جهة، والشيعة وأهل السنة من جهة أخرى أثرى الفكر الإسلامي، لما كان يدور بينهم من مناظرات في ردهات القصور وعند سواري المساجد. وكذلك فقد نشط التأليف من شتى الفرق والمدارس ليبين كل معتقده ومذهبه بيانًا شافيًا، كما يرد على طعون خصومهم بإسهاب، فألفت المطولات، وخاصة في الاعتقاد. ولم يقتصر كل إمام على مصنف أو مصنفين، بل تجد للواحد منهم العديد من المصنفات. وسيظهر لك هذا الأمر جليًا عند ذكر مصنفات القاضي الباقلاني. التي كان معظمها في مباحث العقيدة وإن تعددت مواضيعها، والفرق التي نقدها، وأبطل ما هي عليه بأدلة ساطعة وبراهين

стр. 18

جلية مع بيان مذهبه الذي يدين الله به وينتصر له. كما يظهر تعدد المصنفات واتساع بسط الاستدلال - أيضًا - في مصنفات قرينه ومعاصرة قاضي قضاة المعتزلة عبد الجبار بن أحمد الذي ألف العديد من كتب الاعتقاد. وعلى رأسها موسوعته التي سماها بالمغني. والتي عثر حتى الآن على أكثر من عشرين مجلدًا منها. ثانيًا: كان كل أمير ووزير يحرص على أن يكون في بلاطه وردهات قصره كبار المفكرين في شتى نواحي المعرفة من الأدباء والشعراء والمتكلمين والفقهاء، يحيطهم برعايته ويغدق عليهم. ويعتبرون عملهم هذا مدعاة للفخر والاعتزاز. ومن هنا ندرك سبب حرص عضد الدولة على استقدام القاضي الباقلاني من البصرة إلى شيراز لكي يمثل أهل السنة في مجالسه العلمية، وإن كان هو معتزليًا رافضيًا. كما أن السبب نفسه هو الذي دفع بالصاحب ابن عبد إلى استقدام عبد الجبار بن أحمد الذي أصبح قاضي قضاة المعتزلة إلى الري. ثالثًا: شيوع الاضطراب السياسي، وانتشار الظلم في المجتمع قد يكون سببًا في حمل كثير من أهل الفكر وذوي العقول الراجحة أن يفروا من العمل السياسي إلى العمل العلمي، وبذلك يتوفر لهم الوقت الطويل للانقطاع للإنتاج العلمي. وهيبة العلماء وحرمتهم وقعت في نفوس كثير من الأمراء. وكان عدم انغماسهم في العمل السياسي ملاذًا لهم من بطش الأمراء والوزراء. فليس من الضروري أن يتبع العمل العلمي والثقافي العمل السياسي قوة وضعفًا.

стр. 19

رابعًا: لقد تولى الوزارة لبني بويه طائفة من كبار الأدباء والعلماء والمفكرين، الذين شجعوا العلم واعتنوا به عناية فائقة. واقتنوا عيون كتب الأدب والفكر بشتى فنونه، وأنفقوا الأموال الطائلة على ذلك. ومن أبرز هؤلاء ابن العميد، الذي قيل فيه "بُدئت الكتابة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد". ومنهم الصاحب بن عباد، الذي كان وزيرًا لمؤيد الدولة، ثم لفخر الدولة. وكانت مجالسهما العلمية والأدبية أعظم من أن توصف. وكانت تضم من فحول الشعراء وأساطين الأدب وفحول المتكلمين والفقهاء مالا يحصى كثرة، بالرغم من أنهما فارسيان. ولكنهما كانا في غاية العناية باللسان العربي. بل فاقا كثيرًا من العرب. وكان من الوزراء الذين اعتنوا بالأدب والعلم، وبذلوا فيه الغالي والنفيس الوزير المهلبي، الذي كان وزيرًا لمعز الدولة، ومنهم - أيضًا - الوزير ابن سعدان، وزير صمصام الدولة، وسابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة. ولم تقتصر العناية بالأدب والعلم والفكر على الوزراء بل كان هذا شأن بني بويه، وعلى الأخص عضد الدولة، الذي كان يؤثر مجالسة الأدباء على منادمة الأمراء على ما ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر. كما أنه كان يقول الشعر، ويحكم على معانيه. وقد خصص في داره للحكماء والفلاسفة موضعًا على قرب منه ليشاركهم مباحثاتهم. لقد كان للعراق وفارس في عهد بني بويه الصدارة في العلم والأدب والفلسفة. كما حوت من جهابذة العلماء في شتى الفنون والعلوم ما لم يجتمع لبلد آخر في القرن الرابع.

стр. 20

وبذلك نكون قد ألقينا الضوء على بيئة القاضي الباقلاني الاجتماعية والثقافية، التي أثر فيها بجهوده ومناظراته ومؤلفاته، كما أثرت فيه فدفعته لخوض معركة مع المعتزلة لا هوادة فيها، أشهر فيها قلمه ولسانه دفاعًا عن معتقده، حتى لقبه معاصروه بسيف السنة.

стр. 21

الباب الأول في ترجمة القاضي الباقلاني وفيه أحد عشر مبحثًا الأول: اسمه وكنيته ولقبه الثاني: ولادته ونشأته وأسرته. الثالث: طلبه العلم وشيوخه. الرابع: الوظائف التي شغلها. الخامس: تلاميذه. السادس: مذهبه العقدي والفقهي. السابع: صفاته وأخلاقه. الثامن: رأي العلماء فيه. التاسع: مناظراته. العاشر: مؤلفاته. الحادي عشر: وفاته.

стр. 22

المبحث الأول اسمه وكنيته ولقبه اختلف مصادر ترجمة القاضي الباقلاني على كثرتها في ذكر اسمه واسم أبيه وجده مع اتفاقها على كنيته. فورد في دائرة المعارف الإسلامية باسم أبي بكر بن علي بن الطيب. وهو وهم. خالفت فيه جميع مصادر ترجمته. وبعض المترجمين يعبر عنه بالباقلاني، وبعضهم بابن الباقلاني. والثاني هو الأصوب، لأن والده هو الذي كان يبيع الباقلاء. واسمه على وجه التحقيق عند معظم مصادر ترجمته هو: "القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني". لقبه: "الباقلاني" بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف قاف مكسورة، ثم لام بعدها نون، وهي نسبة إلى الباقلاء وبيعه. وفيه لغتان، من شدد اللام قصر الألف، ومن خففها مد الألف فقال باقلاء. والباقلاني نسبة شاذة لزيادة النون فيها. وهي نظير قولهم في النسبة إلى صنعاء صنعاني. وأنكر الحريري في كتابه "درة الخواص" هذه النسبة. وقال: من قصر الباقلاني قال في النسبة إليه باقلي، ومن مد قال: باقلائي، ولا يقاس على صنعاء، لأن ذلك شاذ لا يقاس عليه، ولكن السمعاني في الأنساب لم ينكر النسبة الأولى. ويلقب القاضي الباقلاني - أيضًا - بسيف السنة، وبلسان الأمة، وبالقاضي.

стр. 23

المبحث الثاني ولادته ونشأته وأسرته كثير من العلماء يصعب التوصل إلى معرفة تاريخ ولادتهم على وجه الدقة إلا من كان منهم من أبناء أصحاب الجاه والسلطان حيث يحتفي بميلادهم. أما أبناء عامة الناس فغالبًا لا يفطن لتأريخ يوم مولدهم لحجب الله علم الغيب عن الناس فيما سيكون للمولود من منزلة في المجتمع الذي سيعيش فيه، وما سيكون عليه من جاه ومنصب. أما بالنسبة لتأريخ الوفاة فقلما يمتد الجهل إليها، ولذا تجد كتب التراجم للأعلام لا تخلو من سنة الوفاة، وقلما تذكر سنة الميلاد، وإن ذكرتها فغالبًا يكون على سبيل التقدير والاستنتاج والتقريب. والباقلاني ﵀ ولد في أسرة متواضعة لرجل ليس من مشاهير الناس ولا سادتهم، ويدل على ذلك ما تناقلته كتب التراجم من أن والده كان يبيع الباقلاء ليكسب قوته وقوت عياله. كما أن كتب التراجم لم تذكر لنا من نسله - أيضًا - إلا ابنه الحسن، الذي توفى بعد والده، ويبدو أنه كان من طلبة العلم لما جاء في ختام إحدى نسخ كتاب والده "إعجاز القرآن" المحفوظة بالمتحف البريطاني: "هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف سنة ٣٩٩ هـ". وقد ذكر كل من الخطيب البغدادي وصاحب وفيات الأعيان والقاضي عياض في مصنفاتهم أنه صلى على والده لما توفي.

стр. 24

ذكر الزركلي في الأعلام والخطيب البغدادي في تاريخه وغيرهما ممن ترجم له أنه ولد بالبصرة، فهو بصري المولد، ولكنه نسب إلى بغداد لأنه سكنها إما في فترة طلبه العلم أو بعد نبوغه واكتمال شخصيته العلمية. وما ذكره كثير ممن ترجم له من أن عضد الدولة البويهي، الذي تولى الحكم سنة ٣٦٧ هـ كتب إلى عامله في البصرة أن يشخص إليه الشيخ أبا الحسن الباهلي والشاب المعروف بابن الباقلاني تدل دلالة واضحة على أنه رجع للبصرة بعد نضوجه الفكري، أو أنه تلقى جميع علومه بالبصرة. من هذه الحادثة أخذ بعض من ترجم له سنة ولادته على وجه التقريب. فكون عضد الدولة استدعاه بعد أن تولى الإمارة سنة ٣٦٧ هـ. وأرسله في سفارة إلى بلاد الروم سنة ٣٧١ هـ. فمعنى ذلك أنه إلتحق بقصر عضد الدولة ليمثل أهل السنة في المناظرات بين هذين العامين، وقد وصف أثناء طلبه بأنه شاب فيغلب على الظن أن عمره حين استدعي يقارب الثلاثين عامًا. وعليه، فما ذهب إليه الزركلي في الأعلام أنه من مواليد عام ٣٣٨ هـ قريب من الصواب، والله أعلم. وأما مصادر التراجم المتقدمة على الزركلي فلم تحدد سنة ميلاده، ولم يبين الزركلي مستنده في تحديد ميلاده. فيغلب على الظن أنه اعتمد على الاستنتاج. أما نشأة القاضي الباقلاني فعامة مصادر ترجمة ذكرت أن مولده بالبصرة فيلزم أن يكون قد نشأ فيها. وما ذكره الخطيب البغدادي وغيره من أنه أخذ الحديث في بغداد على أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد ابن ماسي، وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، يدل دلالة واضحة

стр. 25

أنه رحل في طلب العلم إلى بغداد، فقد كانت بغداد حينذاك حاضرة العلم ومركزن العلماء، يشد لها الرحال من كل حدب وصوب. فما ذكره المترجمون من أخذه الحديث على بعض العلماء في بغداد، وما ذكروه من طلب حضوره من عامل البصرة إلى قصر عضد الدولة تدل على أنه بعد تلقي علومه في بغداد رجع إلى البصرة. وبعد التحاقه بديوان عضد الدولة كان ينتقل بين بلدان المشرق. وقد سكن بغداد كما ذكر ابن فرحون المالكي أنه كان يسكن الكرخ. وقد ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب أنه كان للباقلاني بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة.

стр. 26

المبحث الثالث طلبه العلم وشيوخه بدأ القاضي الباقلاني ﵀ طلب العلم في مسقط رأسه - البصرة - ثم رحل إلى بغداد، ونهل العلم على طائفة من العلماء الأفذاذ سنترجم لطائفة منهم ممن بلغنا أنه أخذ عنهم العلم. ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه أخذ الحديث عن أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، وأخذ علم النظر عن أبي عبد الله بن مجاهد الطائي. فذكر ابن السبكي في طبقاته أنه تتلمذ - أيضًا - على أبي الحسن الباهلي إلا أنه كان أخص بأبي عبد الله بن مجاهد، فأما الاستاذ أبو إسحاق وابن فورك فكانا أخص بالباهلي. وفيما يلي تراجم لبعض من بلغنا أن الباقلاني أخذ عنهم: ١ - ابن مجاهد: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي، صاحب أبي الحسن الأشعري. قدم من البصرة، وسكن بغداد، ودرس عليه الباقلاني الأصول والكلام، كان حسن السيرة والتدين. كان فقيهًا حافظًا متقنًا. له تصانيف كثيرة في أصول الدين. ذكر ابن السبكي وغيره أن الباقلاني تتلمذ عليه. توفي بعد سنة ٣٦٠ هـ. ٢ - أبو الحسن الباهلي البصري صاحب أبي الحسن الأشعري: كان رئيسًا مقدمًا عند الإمامية أولًا، فانتقل لمذهب الأشعري بسبب مناظرة

стр. 27

جرت له مع الشيخ أبي الحسن الأشعري ألزمه فيها الحجة. نشر علم أبي الحسن الأشعري في البصرة. كان من عادته أن يحتجب في درسه عن تلاميذه، وكذلك عن جاريته التي تخدمه، وعن كل الناس، فيرخي الستار بينه وبينهم. وسئل عن سبب ذلك فقال: "إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة فتروني بالعين التي ترون أولئك بها". وقال القاضي الباقلاني: كنت أنا وأبو إسحاق الاسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرة واحدة، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه. توفي الباهلي سنة ٣٧٠ هـ. ٣ - أبو بكر الأبهري: محمد بن عبد الله شيخ المالكية في عصره. أخذ عنه خلق كثير منهم الباقلاني، الذي صحبه وأطال صحبته. أخرج في آخر حياته ثلاثة آلاف مثقاف فوزعها على تلاميذه. أعطى الباقلاني منه مائة مثقال. ذكر ابن النديم في الفهرست أن مولده بأبهر بأرض الجبل سنة ٢٨٧ هـ. وتوفي يوم السبت الخامس من شوال سنة ٣٧٥ هـ. له شرح كتاب ابن عبد الحكم الصغير، وكذلك الكبير. وله كتاب الرد على المزني، وكتاب فضل المدينة على مكة، وكتاب في أصول الفقه. ٤ - أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي. ولد سنة ٢٧٤ هـ، وتوفي سنة ٣٦٨ هـ. كان يسكن قطيعة الدقيق في بغداد. وهو راوي مسند الإمام أحمد، رواه عنه الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وغيرهما. أخذ عنه الباقلاني الحديث، كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه.

стр. 28

٥ - أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي. ولد سنة ٢٧٤ هـ. وتوفي سنة ٣٦٩ هـ. وهو محدث ثقة ثبت. ذكر الخطيب البغدادي أنه أخذ عنه الحديث. ٦ - أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، المتوفي سنة ٣٧١ هـ. كان من أولاد الأمراء فتزهد حتى بلغ الذروة في الزهد. كان صاحب أحوال ومقامات، وهو من أعيان تلاميذ أبي الحسن الأشعري. أصبح شيخ فقهاء الشافعية في بلاد فارس. كان عظيم التمسك بالكتاب والسنة. ازدحم الناس على جنازته يوم وفاته حتى صلوا عليه مائة مرة. أخذ عنه الباقلاني أصول الفقه. ٧ - أبو أحمد الحسين بن علي النيسابوري، ولد سنة ٢٩٣ هـ، وتوفي سنة ٣٧٥ هـ. محدث حجة. قال الحاكم: صحبته حضرًا وسفرًا نحو ثلاثين عامًا فما رأيته ترك قيام الليل. أخذ عنه الباقلاني الحديث. ٨ - أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري. ولد سنة ٢٩٣ هـ، وتوفى سنة ٣٨٢ هـ. إمام في الأدب. وصاحب أخبار ونوادر. له شعر جيد. حرص الصاحب ابن عباد على لقياه، فلم يظفر بذلك. أخذ عنه الباقلاني مسائل في النقد والبلاغة. ٩ - أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي المتوفي في سنة ٣٨٦ هـ. فقيه، نظار، حافظ، حجة. جامع مذهب مالك، وشارح أقواله. إمام المالكية في عصره. كان واسع العلم كثير الحفظ والرواية. يجيد

стр. 29

الشعر مع صلاح وورع وعفة. كان يلقب بمالك الصغير. حاز رئاسة الدين والدنيا، فعرف قدره الأكابر. أخذ عنه الباقلاني الفقه. دفن بداره في القيروان. ١٠ - أبو الحسين بن سمعون محمد بن أحمد بن اسماعيل البغدادي. الواعظ، صاحب الأحوال والمقامات، كان لطيف العبارة، حسن الوعظ، اشتغل الناس بتدوين حكمه وجمع كلامه. ومن لطيف كلامه ما رواه عنه الصاحب بن عباد، حيث قال: سمعت ابن سمعون وهو يقول: "سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، واسمع بالعظم" وذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الأستاذ أبا إسحاق الاسفرائيني والباقلاني كانا يأتيناه فيقبلان يده. ولد ابن سمعون سنة ٣٠٠ هـ، وتوفي سنة ٣٨٧ هـ. ١١ - محمد بن عمر البزاز، المشهور بابن بهتة. المتوفى سنة ٣٧٤ هـ.

стр. 30

المبحث الرابع الوظائف التي شغلها لم تذكر كتب التراجم عن حياة أبي بكر الباقلاني شيئًا يذكر قبل التحاقه بالمجالس التي كانت تعقد في قصر عضد الدولة البويهي، والتي أحضر من البصرة لأجل يمثل رأي الأشاعرة فيها. ويبدو من قصة اختياره لذلك أنه كان على جانب عظيم من الشهرة، فقد رشحه قاضي قضاة المعتزلة مع شيخه ابن مجاهد مع حداثة سنه، وفعلًا التحق بهذه المجالس، وشارك في العديد من المناظرات. وكما يبدو أنه انقطع لهذه المهمة في مجالس عضد الدولة، ويعتبر هذه عملًا كلفه به عضد الدولة البويهي. ونظرًا لإعجاب عضد الدولة بالباقلاني اختاره مربيًا لولده الذي سمي فيما بعد بصمصام الدولة. ألف له أثناء تأديبه له كتاب التمهيد ليعلمه عقيدة الأشاعرة، التي كما يبدو أنه اقتنع بها عضد الدولة بعد أن كان يعتقد معتقد المعتزلة. وهذا - أيضًا - يعتبر عملًا كلفه به عضد الدولة بالإضافة إلى عمله الأول. أخذ قدر الباقلاني في الصعود عند عضد الدولة، وظهر تفوقه العلمي، وقدرته الفائقة على الحجاج والنقاش، ومقارعة الخصوم بالأدلة والبراهين الساطعة، وبرز في إقامة الحجج الباهرة على الخصوم في ذكاء مفرط، وبراعة عجيبة، مع إلمام بشتى العلوم، ودراية تامة بمناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والعلمية، مما أهله لأن يرسله عضد الدولة البويهي على رأس البعثة التي أرسلها إلى ملك الروم سنة ٣٧١ هـ.

стр. 31

أطبقت كتب التراجم على وصف الباقلاني بالقاضي، مما يدل على أنه تولى القضاء، وفي الغالب يكون في فترة حكم تلميذه صمصام الدولة. وذلك لأنه كما تقدم أنه تركن معتقد المعتزلة والتزم بمعتقد الأشاعرة، فنقل القضاء من أيدي المعتزلة ووضعه في أيدي أهل السنة. والذي يظهر لي أنه لم يكن مجرد قاض فقط، بل كان مناطًا به تعيين القضاة. يشهد لذلك ما ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري في ترجمة أبي حامد أحمد بن محمد الاستوائى المتوفى سنة ٤٣٤ هـ أنه تولى القضاء بعكبرا من أبي بكر ابن الطيب الباقلاني. وبقي أمر آخر من أعماله أشارت إليه كتب التراجم، وهو قيامه بالتدريس في المساجد، فكان يقصده طلاب العلم فيفدون إليه من المشرق والمغرب كما يظهر ذلك جليًا من الفصل الذي عقدناه لتلاميذه. وقد أصبح تلاميذه - فيما بعد - منارات للعلم والمعرفة في المشرق والمغرب. ذكر ابن العماد في شذرات الذهب، وابن فرحون في الديباج المذهب، أنه كان له حلقة عظيمة بجامع المنصور ببغداد، كانت تضم رجال الدولة وعلماء المذهب، ودعاة الفرق المختلفة. هذا ما استطعت الوصول إليه من الأعمال التي كان يشغلها القاضي الباقلاني والمناصب التي تسلمها. ومع هذا فإن هذه الأعمال لم تشغله عن قيامه بالتأليف والتصنيف، وسيظهر لك مدى ضخامة إنتاجه العلمي في شتى العلوم والفنون الذي قلما حصل لغيره.

стр. 32

المبحث الخامس تلاميذه بلا ريب عالم في منزلة القاضي الباقلاني يتعذر معرفة كل من أخذ عنه، فقد ضربت له بطون الإبل من كل بلد. كما أنه كان كثير التجوال، لم يستقر في بلد واحد، مما هيأت له هذه الأحوال عددًا كبيرًا من طلاب العلم، الذين أخذوا عنه في البصرة وبغداد والري وشيراز وغيرها من بلاد فارس. يقول ابن عساكر في تبين كذب المفتري: وكان الباقلاني حصنا من حصون المسلمين، وما سُر أهل البدعة بشيء كسرورهم بموته ﵀ إلا أنه خلف من بعده جماعة كبيرة من التلاميذ تفرقوا في البلاد". ومالا يدرك كله لا يترك جله، ولذا سنذكر طائفة ممن اشتهر بالأخذ عنه وملازمته، ومنهم: ١ - أبو ذر الهروي: عبد بن أحمد، الإمام المحدث الحافظ الحجة الثقة المالكي الأشعري، المولود سنة ٣٥٥ هـ، والمتوفى سنة ٣٢٣ هـ. أخذ عن الباقلاني علم الكلام. ولأخذه هذا قصة لطيفة ذكرها ابن عساكر، فقال: قيل للهروي: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والأشعري؟ فقال: سبب ذلك أنني قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني، وكنت مرة ماشيًا معه، فمر بنا شاب، فأقبل عليه الشيخ وعظمه وأكرمه ودعا له. فلما فارقه قلت: أيها الشيخ الإمام، من هذا الذي بالغت في إكرامه؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا. فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري ناصر السنة، وقامع المعتزلة، ثم أفاض في الثناء عليه. فكان ذلك سبب اختلافي إليه وأخذي عنه.

стр. 33

٢ - القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي المولود سنة ٣٦٢ هـ، والمتوفى سنة ٤٢٢ هـ. الفقيه البارع، والأصولي المتمكن، والنظار الحجة، والأديب الشاعر من كبار علماء الإسلام. سئل عمن تفقه، فقال: "صحبت الأبهري، وتفقهت على أبي الحسن بن القصار، وأبي القاسم بن الجلاب، والذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلم أبو بكر بن الطيب". قال الباقلاني: لو اجتمع في مدرستي عبد الوهاب وأبو عمران الفاسي القيرواني لاجتمع علم مالك: أبو عمران يحفظه، وعبد الوهاب ينصره. ضاقت به الأحوال في العراق في آخر أيامه، فرحل إلى مصر مارًا بمعرة النعمان، حيث زار أبالعلاء المعري. تولى قضاء مصر، ولم يعش فيها إلا أشهرًا. ٣ - أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبي حجاج الغفجومي - من بطون بربر المغرب - الفاسي القيرواني. ولد سنة ٣٦٥ هـ. توفي بالقيروان في رمضان سنة ٤٣٠ هـ. كان يقرأ القرآن بالسبع ويجوده، مع معرفة بالرجال. يقول أبو عمران: رحلت إلى بغداد بعد أن تفقهت بالمغرب والأندلس على أبي الحسن القابسي، وأبي محمد الأصيلي، وكانا عالمين بالأصول. فلما حضرت مجلس القاضي أبي بكر، وسمعت كلامه في الأصول والفقه حقرت نفسي، ورجعت عنده كالمبتدئ. ٤ - أبو الحسن السكري: على بن عيسى الشاعر. ولد سنة ٣٥٧ هـ. كان يحفظ القرآن، ويجيد القراءات. كان شاعرًا أديبًا، أكثر من مدح الصحابة والرد على الرافضة والنقض على شعرائهم. درس على الباقلاني علم الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أختار منها.

стр. 34

اليعربي فصاحة وبلاغةً والأشعري إذا اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجى كشفت له الآراء كل مغيب مازال ينصر دين أحمد صادعًا بالحق يهدي للطريق الأصوب توفي سنة ٤١٢ هـ. ٥ - القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي الأشعري. ولد سنة ٣٦١ هـ كان عالمًا فاضلًا سخيًا، حسن الكلام. كان له في داره مجلس نظر يؤمه الفقهاء. مات بالموصل وهو على القضاء سنة ٤٤٤ هـ. ٦ - أبو طاهر محمد بن علي المعروف بابن الأنباري، المولود سنة ٣٧٥ هـ. كان واعظًا صالحًا، وعالمًا كبيرًا. درس على الباقلاني الفقه وأصوله وعلم الكلام. ثم توجه للمغرب، ونزل القيروان. أثنى عليه أبو عمران الفاسي، وقال: لا يجود عالم بالأصول في القيروان إلا وقد أخذ ذلك عن أبي طاهر، ولولاه لضاع العلم بالمغرب. توفي سنة ٤٤٨ هـ. ٧ - أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الحريري المالكي. ولد سنة ٣٥٦ هـ، وتوفي سنة ٤٣٧ هـ. كان محدثًا صدوقًا، حدث عنه الخطيب البغدادي. درس على الباقلاني أصول الدين وأصول الفقه. ٨ - أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الأزدي. كان رجلًا ذا علم وأدب. درس على الباقلاني أصول الدين وأصول الفقه. روي عن الباقلاني وصف مناظراته في بلاط الروم. أرسله الباقلاني إلى دمشق ليرد على بعض المخالفين، فعقد المجلس في جامع دمشق. فذكر التوحيد ونزه المعبود،

стр. 35

ونفى عنه التشبيه، وأقام بدمشق مدة. ثم تركها إلى القيروان، وانتفع به أهلها، وبقي فيها إلى أن مات. ٩ - ابن اللبان: القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني. كان أحد أوعية العلم، ومن أهل الدين والفضل. درس على الباقلاني كتاب "المقدمات في أصول الديانات"، وكتاب "أصول الفقه" ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الاسفرائيني، ومات بأصبهان سنة ٤٤٦ هـ. ١٠ - أبو عبد الرحمن السلمي: محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري. ولد سنة ٣٣٠ هـ، وتوفي سنة ٤١٢ هـ. شيخ الصوفية ومؤرخها. كان حافظًا عالمًا بالتفسير والتاريخ والحديث. كان له بنيسابور دويرة للصوفية. أخذ عن الباقلاني أثناء إقامته مع عضد الدولة بشيراز. فقرأ عليه كتاب "اللمع" لأبي الحسن الأشعري. ١١ - أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر. ولد سنة ٣٢٧ هـ. كان عالمًا ورعًا زاهدًا عدلًا مأمونًا ثقة، وكان يعرف بالشيخ. ذكر القاضي عياض أنه تفقه على الباقلاني وعلق عنه، وكتب في كتبه ما شاهده من مناظرات الباقلاني في الفقه بين يدي ولي العهد ببغداد للمخالفين، عاش ثلاثًا وتسعين سنة. وتوفي في جمادي الآخرة سنة ٤٢٠ هـ. ١٢ - أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري، المعروف بالقزويني. ولد بآمل، وتوفي بها. قدم بغداد، درس على الباقلاني أصول الفقه، كان حافظًا للمذهب والخلاف والأصول والجدل.

стр. 36

١٣ - أبو عمرو أحمد بن محمد بن سعدي. أصله أندلسي إشبيلي، كان فقيهًا شيخًا صالحًا، دخل العراق، ولزم أبا بكر الأبهري. سمع من جماعة في مصر والعراق. لقي من المالكية أبا القاسم الجوهري، وأبا بكر الباقلاني وجماعة. نزل المهدية وأفتى فيها، وتوفي بها بعد سنة ٤١٠ هـ. ١٤ - أبو علي الحسن بن شاذان: ولد سنة ٣٣٩ هـ، وتوفي سنة ٤٢٦ هـ. كان حنفي المذهب في الفروع وأشعريًا في الاعتقاد. ذكره ابن عساكر في تلاميذ الباقلاني، وقال: كان صدوقًا صحيح الكتاب، يفهم الكلام على مذهب الأشعري. ١٥ - أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي. ولد سنة ٣٥٥ هـ وتوفي سنة ٤٣٥ هـ. محدث حافظ، روي عن القطيعي، ثم أخذ عن الباقلاني, ١٦ - أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس الحنبلي: ولد سنة ٣٣٨ هـ، وتوفي سنة ٤١٢ هـ. حافظ، ثقة، كان مشهورًا بالصلاح، خرج للباقلاني، وأخذ عنه. ١٧ - صمصام الدولة بن مؤيد الدولة: ولد سنة ٣٥٣ هـ وتوفى سنة ٣٨٨ هـ وعمره خمسًا وثلاثين سنه خلف أباه على الملك، كانت له مشاركة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وأخلاق وإلاهيات. ألف له الباقلاني كتابه التمهيد أثناء طلبه العلم عليه.

стр. 37

ذكر الباقلاني في كتبه طائفة أخرى ممن أخذ عنه، منهم ابن المعتمر الرقي الذي ذكره في الصفحة الخامسة من كتابه "البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر". وما ذكرناه كافٍ في إظهار شخصيته العلمية، وبيان مدى إقبال طلاب العلم على حلقات درسه ﵀.

стр. 38

المبحث السادس مذهبه العقدي والفقهي مذهبه العقدي: الذي عليه عامة أصحاب كتب التراجم أن أبا بكر الباقلاني كان أشعريًا. ومصنفاته قاطبة تؤيد ذلك. بل كان أعظم أتباع أبي الحسن الأشعري على الإطلاق. وكان المنافح عن مذهبه في زمانه، والمناظر لخصوم الأشاعرة، فلا تجد فصلًا من كتبه إلا وفيه رد على المعتزلة أو نقص لمذهبهم، سواء في كتبه الكلامية أو كتبه الأصولية. وألف العديد من الكتب في تأصيل مذهب الأشاعرة، أو إتمام الجوانب التي لم تكن واضحة في مذهبهم. ولكن ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم يريان أن القاضي الباقلاني يخالف الأشاعرة في بعض القضايا العقائدية الهامة، منها أنه كان يثبت الصفات الخبرية، ومنها إثبات اليد والوجه. ذكر ابن تيمية ﵀ في كتاب "الفتاوي الحموية الكبرى" أن أبا بكر الباقلاني قال في كتابه "الإبانة" تصنيفه: "فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا".

стр. 39

ونقل ابن القيم ﵀ في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما نسبه ابن تيمية للباقلاني، ولكن نسبه لكتابه التمهيد. وفعلًا فقد وجدت في التمهيد ما نسبه له ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حيث قال: "باب في أن لله وجهًا ويدين. فإن قال قائل: فما الحجة في أن لله وجهًان ويدين؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدين" ثم أنكر الباقلاني قول من أول اليد في هذه الآية بالقدرة أو النعمة. وبناء على ما تقدم من نقل شيخ الإسلام عنه من كتابه "الإبانة" المفقود حتى الآن. وما هو موجود فعلًا في كتابه "التمهيد" يظهر أن الباقلاني لا يوافق الأشاعرة في نفي بعض الصفات. ولا يؤول النصوص الواردة فيها. ولكن عدم تأويله للنصوص لم يطرد فقال في كتابه "التمهيد" بالنسبة لصفتي الغضب والرضى "فإن قال قائل: فهل تقولون إنه تعالى غضبان، راض، وأنه موصوف بذلك؟ قيل له: أجل، وغضبه على من غضب عليه ورضاه على من رضي عنه هما: إرادته لإثابة المرضى عنه، وعقوبته للمغضوب عليه لا غير ذلك". ونقل ابن تيمية ﵀ عن الباقلاني في كتابه "الفتاوى الحموية" أن الباقلاني ذكر في كتابه "الإبانة": "فإن قيل، فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو عل عرشه، كما أخبر

стр. 40

في كتابه، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية". أما كتاب الإبانة للباقلاني فلا يعلم مكانه للتأكد من صحة النقل. ولكنه يوجد له كتاب اسمه الإبانة على ما في ترتيب المدارك. وما نقلاه موجود في كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري والموجود في كتب الباقلاني المطبوعة يخالف ما نقله ابن تيمية وتلميذه - رحمهما الله. يقول الباقلاني في الإنصاف: إن الله جل ثناؤه مستو على العرش مستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة. وأنه في السماء إله وفي الأرض إله. وقال الباقلاني في الصفحة الرابعة والستين من الإنصاف: إنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود ... إلى أن قال: ولا نقول: إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان". وبناء على ما تقدم فإن كتب الباقلاني التي بين أيدينا تخالف ما نقله عنه ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله تعالى. ولو صح نقلهما عنه لأثلج صدر
следующие страницы →