Полный текст (1 232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
١٣ - أبو عمرو أحمد بن محمد بن سعدي. أصله أندلسي إشبيلي، كان فقيهًا شيخًا صالحًا، دخل العراق، ولزم أبا بكر الأبهري. سمع من جماعة في مصر والعراق. لقي من المالكية أبا القاسم الجوهري، وأبا بكر الباقلاني وجماعة. نزل المهدية وأفتى فيها، وتوفي بها بعد سنة ٤١٠ هـ.
١٤ - أبو علي الحسن بن شاذان: ولد سنة ٣٣٩ هـ، وتوفي سنة ٤٢٦ هـ. كان حنفي المذهب في الفروع وأشعريًا في الاعتقاد. ذكره ابن عساكر في تلاميذ الباقلاني، وقال: كان صدوقًا صحيح الكتاب، يفهم الكلام على مذهب الأشعري.
١٥ - أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي. ولد سنة ٣٥٥ هـ وتوفي سنة ٤٣٥ هـ. محدث حافظ، روي عن القطيعي، ثم أخذ عن الباقلاني,
١٦ - أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس الحنبلي: ولد سنة ٣٣٨ هـ، وتوفي سنة ٤١٢ هـ. حافظ، ثقة، كان مشهورًا بالصلاح، خرج للباقلاني، وأخذ عنه.
١٧ - صمصام الدولة بن مؤيد الدولة: ولد سنة ٣٥٣ هـ وتوفى سنة ٣٨٨ هـ وعمره خمسًا وثلاثين سنه خلف أباه على الملك، كانت له مشاركة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وأخلاق وإلاهيات. ألف له الباقلاني كتابه التمهيد أثناء طلبه العلم عليه.
стр. 37
ذكر الباقلاني في كتبه طائفة أخرى ممن أخذ عنه، منهم ابن المعتمر الرقي الذي ذكره في الصفحة الخامسة من كتابه "البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر". وما ذكرناه كافٍ في إظهار شخصيته العلمية، وبيان مدى إقبال طلاب العلم على حلقات درسه ﵀.
стр. 38
المبحث السادس
مذهبه العقدي والفقهي
مذهبه العقدي:
الذي عليه عامة أصحاب كتب التراجم أن أبا بكر الباقلاني كان أشعريًا. ومصنفاته قاطبة تؤيد ذلك. بل كان أعظم أتباع أبي الحسن الأشعري على الإطلاق. وكان المنافح عن مذهبه في زمانه، والمناظر لخصوم الأشاعرة، فلا تجد فصلًا من كتبه إلا وفيه رد على المعتزلة أو نقص لمذهبهم، سواء في كتبه الكلامية أو كتبه الأصولية. وألف العديد من الكتب في تأصيل مذهب الأشاعرة، أو إتمام الجوانب التي لم تكن واضحة في مذهبهم.
ولكن ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم يريان أن القاضي الباقلاني يخالف الأشاعرة في بعض القضايا العقائدية الهامة، منها أنه كان يثبت الصفات الخبرية، ومنها إثبات اليد والوجه.
ذكر ابن تيمية ﵀ في كتاب "الفتاوي الحموية الكبرى" أن أبا بكر الباقلاني قال في كتابه "الإبانة" تصنيفه: "فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا".
стр. 39
ونقل ابن القيم ﵀ في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما نسبه ابن تيمية للباقلاني، ولكن نسبه لكتابه التمهيد.
وفعلًا فقد وجدت في التمهيد ما نسبه له ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حيث قال: "باب في أن لله وجهًا ويدين. فإن قال قائل: فما الحجة في أن لله وجهًان ويدين؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدين" ثم أنكر الباقلاني قول من أول اليد في هذه الآية بالقدرة أو النعمة.
وبناء على ما تقدم من نقل شيخ الإسلام عنه من كتابه "الإبانة" المفقود حتى الآن. وما هو موجود فعلًا في كتابه "التمهيد" يظهر أن الباقلاني لا يوافق الأشاعرة في نفي بعض الصفات. ولا يؤول النصوص الواردة فيها.
ولكن عدم تأويله للنصوص لم يطرد فقال في كتابه "التمهيد" بالنسبة لصفتي الغضب والرضى "فإن قال قائل: فهل تقولون إنه تعالى غضبان، راض، وأنه موصوف بذلك؟ قيل له: أجل، وغضبه على من غضب عليه ورضاه على من رضي عنه هما: إرادته لإثابة المرضى عنه، وعقوبته للمغضوب عليه لا غير ذلك".
ونقل ابن تيمية ﵀ عن الباقلاني في كتابه "الفتاوى الحموية" أن الباقلاني ذكر في كتابه "الإبانة": "فإن قيل، فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو عل عرشه، كما أخبر
стр. 40
في كتابه، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية".
أما كتاب الإبانة للباقلاني فلا يعلم مكانه للتأكد من صحة النقل. ولكنه يوجد له كتاب اسمه الإبانة على ما في ترتيب المدارك. وما نقلاه موجود في كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري والموجود في كتب الباقلاني المطبوعة يخالف ما نقله ابن تيمية وتلميذه - رحمهما الله.
يقول الباقلاني في الإنصاف: إن الله جل ثناؤه مستو على العرش مستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة. وأنه في السماء إله وفي الأرض إله.
وقال الباقلاني في الصفحة الرابعة والستين من الإنصاف: إنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود ... إلى أن قال: ولا نقول: إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان".
وبناء على ما تقدم فإن كتب الباقلاني التي بين أيدينا تخالف ما نقله عنه ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله تعالى. ولو صح نقلهما عنه لأثلج صدر
стр. 41
كل مؤمن يعتقد المعتقد الصحيح. والذي يظهر لي إما أن يكون ما نقلاه موجود فعلًا في كتابه الإبانة، ويكون بذلك قد رجع عما في كتبه التي بين أيدينا إن كان متأخرًا عنها. أو أنه رجع عما في الإبانة إن كانت الإبانة متقدمة. أو أنهما التبس عليهما كتاب أبي الحسن الأشعري الموجود فعلًا فيه هذا الكلام بكتاب الباقلاني. وهذا الاحتمال هو الأرجح في ظني. والله أعلم. لأن أتباعه لم ينسبوا هذا القول له مع شدة حرصهم على نقل أقواله وتدوينها.
وما نسبة ابن تيمية ﵀ للباقلاني من مخالفته للأشاعرة، وأنه أقل نفيًا منهم في الصفات يوضح سر قوله عنه في الفتاوي: وهو أفضل المتكلمين المنتسبين للأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده".
وبهذا يتضح أن الأشاعرة اليوم لا يوافقون الباقلاني في كل شيء حيث إنه يثبت لله وجهًا ويدًا وهم لا يثبتون. كما أنهم لا يوافقون إمامهم أبا الحسن الأِشعري معتقدة، الذي انتهى إليه ودونه في كتابه "الإبانة"، بل بعضهم ذهب لعدم صحة نسبة الكتاب إليه.
بقي خطأ وقع فيه أحد المعاصرين لا يستحق الإشارة إليه لوضوحه من العام والخاص من طلاب العلم، وهو أن الدكتور عبد الكريم بلبع في كتابه "النثر الفني وأثر الجاحظ فيه" قال عندما تكلم عن السجع ومنكريه في القرآن: إنها فكرة قديمة وسائدة منذ أزمان تشبث بها المعتزلة، ومنهم الباقلاني". فالباقلاني وعدواته للمعتزلة يعرفها القاصي والداني، ويشهد لها كل صفحة من كتبه. فهو لا يهادن المعتزلة لا في سفر ولا حضر ولا ليل ولا نهار. ولكن لعل ما ذكره الدكتور زلة قلم.
стр. 42
مذهبه الفقهي:
أكثر مصادر ترجمة القاضي الباقلاني ذكرت أنه كان مالكيًا في الفروع، وهو الصحيح، ومن هؤلاء ابن الأثير وابن العماد وابن فرحون واليافعي وابن تغري بردى والقاضي عياض حيث ذكر أنه كان شيخ المالكيين في عصره، وأنه انتهت إليه رئاستهم.
ومع هذا فإن ابن كثير في البداية والنهاية ذكر أنه اختلف في مذهبه. فقيل إنه شافعي، وقيل إنه مالكي ونسبته للشافعية وهم نتج عن شدة انتسابه للأشعري، وكان الأشعري شافعيًا. وكذلك نسبه للشافعية ابن السبكي في طبقاته.
وذكر ابن كثير أنه كان يكتب على فتاويه كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، واستغرب ذلك. وأكد هذه النسبة ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الاسلامية". فنقل عن شيخه ابن تيمية أنه قال: " ما بين أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لاسيما بين الباقلاني وبين أبي الفضل التميمي حتى كان الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي".
وقال ابن تيمية ﵀ في كتابه "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" ما نصه: وأبو الحسن علي بن مهدي الطبري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأمثالهما أقرب إلى السنة، واتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب".
стр. 43
وما تقدم يدل على أن المقصود من نسبته لأحمد بن حنبل ﵀ أنه في العقيدة وليس في الفروع الفقهية. فابن تيمية ﵀ يرى أن الباقلاني أشد أتباعًا لأحمد بن حنبل في العقيدة من بعض الحنابلة الخراسانيين الذين مالوا لطريقة ابن كلاب، أو مالوا لآراء المعتزلة.
وبهذا اتضح أن أبا بكر الباقلاني كان مالكيًا في الفروع بلا ريب، بل كان رئيسًا لمالكية المشرق.
стр. 44
المبحث السابع
صفاته وأخلاقه
كان الباقلاني ﵀ رجلًا عالي الهمة، واسع الاطلاع، سريع الخاطر، حاضر البديهة، قوى الذاكرة، مهيبًا، معروفًا بالورع والتدين، والحياة الجادة الهادفة، فلم ينغمس فيما انغمس فيه غيره من رجال دولة بني بويه من ترف ومجون، بالرغم من اتصاله ببلاط عضد الدولة وابنه صمصام الدولة. وسنذكر ما يدلل على اتصافه بهذه الصفات من كتب التأريخ والتراجم:
١ - علو همته وشدة اعتزازه بنفسه:
روى القاضي عياض في ترتيب المدارك من لفظ القاضي الباقلاني حادثة شخوصه لمجلس عضد الدولة فيقول القاضي الباقلاني: "دخلت على الملك والناس قد اجتمعوا والملك قاعد على سرير، وبين غلمان بأيديهم السيوف المحلاة، وعن يمينه ويساره مراتب، وما عن يمينه خالٍ، لا يقعد هناك إلا وزير أو ملك، فكرهت أن أقعد بآخر الناس للمذلة، فمضيت وقعدت عن يمينه بحذاء قاضي القضاة عن يساره. فنظر الملك إلى قاضي القضاة نظرًا منكرًا. ولم يكن في المجلس من يعرفني إلا واحدًا. وقد فزعوا لفعلتي وجنايتي. فقال لقاضي القضاة: هذا الرجل الذي طلبه الملك من البصرة، فأعلم الملك بذلك، والتفت إلى، وأومأ بعينه إلى الحجاب فصاروا عني".
стр. 45
وذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك قصة أخرى تدل على نفس الصفة وهي: لما وصل إلى ملك الروم بالقسطنطينية قال من تلقاه ومن معه: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها، وحتى تنزعوا أخفافكم. فرفض الباقلاني، وقال: فإن رضيتم وإلا فخذوا الكتب تقرؤونها ويرسل بجوابها الملك وأعوذ بها، فأخبر بذلك الملك. فقال: أريد معرفة سبب هذا وامتناعه مما مضى عليه رسمي مع الرسل. فسئل القاضي عن ذلك، فقال: أنا رجل من علماء المسلمين وما تريدوه منا ذلك وصغار والله - تعالى - قد رفعنا بالإسلام، وأعزنا بنبينا محمد ﵇. وأيضًا، فإن من شأن الملوك إذا وصلتهم رسل من ملك آخر أن يرفعوا قدرهم لاسيما إذا كان الرسول من أهل العلم. فعرف الترجمان الملك بذلك. فقال: دعوه يدخل ومن معه كما يشتهون.
٢ - طول نفسه في المناظرات وسعة ثقافته:
ذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري .. حيث قال: "ناظر الباقلاني أستاذه أبا عبد الله بن مجاهد الطائي إلى أن انفجر عمود الصبح، وظهر كلام القاضي عليه".
وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان "أن الباقلاني كان طويل النفس في المناظرة مشهورًا بذلك، فجرى يومًا بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة فأكثر فيها القاضي الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا على إنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب، أراد بذلك تعجيز خصمه".
стр. 46
وقال علي بن محمد الحنائي على ما في ترتيب المدارك وتاريخ بغداد "كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر لسعة علمه وحفظه. وما صنف أحد كلامًا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين غير أبي بكر، فإن جميع ما يذكره من حفظه".
٣ - فصاحته وبلاغته:
نقل صاحب ترتيب المدارك أن أبا محمد البابي الشافعي قال: "لو أوصى رجل بثلث ماله لأفصح الناس لوجب دفعه إلى أبي بكر الأشعري".
٤ - ذكاؤه وسرعة بديهته:
ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك نقلًا عن الخطيب البغدادي أنه قال: "حضر ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضي أبو بكر الباقلاني. فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه، وقال لهم: قد جاءكم الشيطان. فسمع القاضي الكلام، وكان على بعدٍ من القوم. فلما جس أقبل على ابن المعلم وأصحابه، وقال لهم: قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًا﴾.
ومما يدل على ذكائه وفطنته - أيضًا - ما ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الباقلاني دخل على ملكن الروم يومًا فقال له الملك قاصدًا توبيخه: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم، وما قيل فيها. فقال له
стр. 47
الباقلاني: هما اثنتان قيل فيهما ما قيل، زوج نبينا ومريم ابنة عمران. فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها. وقد برأهما الله مما رميتا به فانقطع الملك، ولم يجر جوابا.
ومما يدل على قولة حجته وذكائه - أيضًا - ما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك وابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الباقلاني حضر مجلسًا ضمه مع البطاركة في حضرة ملك الروم، وبولغ في الاستعداد لذلك المجلس، وحضر البطريك متأخرًا في حاشيته، واستقبله الملك بالتعظيم، فسلم عليه القاضي، ولكن أراد كسر هذا الاحتفاء والأبهة، فقال للبطريك: كيف الأهل والولد؟ فعظم هذا السؤال على الحاضرين. فقال الملك - وقد عجب من قول الباقلاني - ذكر من أرسلك في رسالته أنك لسان الأمة، ومتقدم على علماء الملة. أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الأهل والولد؟ - فقال القاضي: رأيناكم لا تنزهون الله - سبحانه - عن الأهل والأولاد، فهل المطارنة عندكم أقدس وأجل وأعلى من الله فسقط في أيديهم، ولم يردوا جوابًا. ثم قال الملك للبطريك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟ قال: تقضي حاجتهن وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج هذا العراقي من بلدك من يومك هذا إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة به على النصرانية، ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، وبعث معه عدة من أسارى المسلمين الذين كانوا لدى ملك الروم.
стр. 48
٥ - تدينه وكثرة عبادته:
نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك عن أبي عبد الله الصيرفي أنه قال: "كان صلاح القاضي أكثر من علمه، وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم إلا بحسن نيته، واحتسابه بذلك".
ونقل عن الخطيب البغدادي أنه قال: "إن ورد القاضي كل ليلة كان عشرين ترويحه، ما تركها في حضر ولا سفر".
هذه أبرز صفات الباقلاني التي استطعت إثباتها بالنقل عمن ترجم له. وعدلت عن ذكر كثير من الحوادث التي تثبت هذه الصفات خشية من التطويل.
стр. 49
المبحث الثامن
(أ) ثناء العلماء عليه:
لقد ذكرت في مبحث صفاته بعض ما أثني به عليه أهل العلم، وسأضيف لما تقدم بعض ما وصفه به العلماء في ترجمتهم له. فالباقلاني ﵀ قام بتثبيت مذهب الأشاعرة، وشارك في تأصيله وانتشاره، فكان أكثر انتاجه العلمي يتصل بعلوم الدين وعقائد الإسلام. فكان تارة يؤصل الأصول ويوضح المذهب، وتارة ينافح عنه من هجوم المعتزلة، ويرد على أصحاب الآراء المخالفة، ويبين زيف عقائدهم، وسيظهر ذلك جليًا في المبحث الذي سأعقده لمصنفاته. ولم يقتصر الباقلاني في دفاعه عن الإسلام من هجوم النصارى، وعن مذهبه من هجوم المعتزلة على التأليف والتصنيف، بل كان يصارعهم وجهًا لوجه في المناظرات. وسنذكر بعض ما ورد في كتب التراجم مما يبين منزلته بين علماء زمانه، ومن ذلك:
١ - نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك عن أبي الحسن بن جهضم الهمذاني أنه قال: "كان الباقلاني شيخ المالكيين في وقته، وعالم عصره المرجوع إليه فيما أشكل على غيره".
ونقل عن غيره أنه قال: إليه انتهت رئاسة المالكيين في وقته، وكان حسن الفقه عظيم الجدل، وكانت له بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة وكان ينزل الكرخ".
ونقل عن أبي عبد الله بن سعدون الفقيه قوله: إن سائر الفرق رضيت بالقاضي أبي بكر في الكم بين المتناظرين".
стр. 50
ونقل عن أبي عمار الميورفي أنه قال: "كان ابن الطيب مالكيًا فاضلًا متورعًا ممن لم تحفظ له قط زلة، ولا نسبت إليه نقيصة، وكان يلقب بلقب بشيخ السنة، ولسان الأمة، وكان فارس هذا العلم مباركًا على هذه الأمة، وكان حصنًا من حصون المسلمين، وما سر أهل البدعة بشيء مثل سرورهم بموته. ولي القضاء بالثغر، حسبت مؤلفات القاضي وإملاآته فقسمتها على أيام عمره من مولده إلى موته، فوجدت أنه يقع لكل يوم منها عشر ورقات أو نحوها".
٢ - ونقل القاضي عياض في ترتيب المدارك وابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن شيخ الحنفية أبي بكر الخوارزمي أنه قال: "كل مصنف في بغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوى علمه وعلم الناس".
٣ - يقول الخطيب البغدادي في تاريخ: "إنه كان أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم خاطرًا، وأجودهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم".
٤ - ونقل القاضي عياض وابن عساكر عن الخطيب البغدادي أنه قال: "كان يدرس نهاره وأكثر ليله، وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضي ورده - وكان ورده عشرين ترويحه ما تركها في حضر ولا سفر - وضع الدواة - وكان ورده عشرين ترويحه ما تركها في حضرة ولا سفر - وضع الدواة بين يديه، وكتب خمسًا وثلاثية ورقة تصنيفًا من حفظه. فإذا صلى الفجر دفعها إلى بعض أصحابه، وأمره بقراءتها عليه، وأملى عليه الزيادات.
стр. 51
٥ - نقل ابن عساكر عن الصاحب بن عباد أنه كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلاني وابن فوركن والاسفرائيني، وكانوا متعاصرين من أصحاب الأشعري، قال لأصحابه: "ابن الباقلاني بحر مغدق، وابن فورك صل مطرق والاسفرائيني نار تحرق".
٦ - ونقل ابن عساكر أن الإمام أبا عبد الله الحسن بن أحمد الدامغاني قال: "لما قدم القاضي أبو بكر الأشعري بغداد دعاه الشيخ أبو الحسن التميمي الحنبلي، وذلك سنة ٣٧٠ هـ. وكان الحنبلي إمام عصره في مذهبه، وشيخ مصره في رهطه، وكان بحضور أبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسين محمد بن سمعون شيخ الوعاظ وأبي الحسن الفقيه وأبي بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبي القاسم الداركي شيخ الشافعية، وأبي الحسن طاهر بن الحسن شيخ المحدثين. وكانوا قمة العلم في زمانهم وتناظر ابن مجاهد والباقلاني في مسألة الإجتهاد وتعلق الكلام بينهما إلى الفجر، وظهر كلام القاضي على ابن مجاهد. وكان أبو الحسن التميمي يقول لأصحابه: "تمسكوا بهذا الرجل، فليس للسنة عنه غنى".
٧ - قال ابن خلدون في مقدمته عن الباقلاني: "تصدر للإمامة في طريقتهم - يعني الأشاعرة - وهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك".
٨ - نقل اليافعي في مرآة الجنان عن أبي القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان النحوي قوله: من سمع مناظرة القاضي أبي بكر لم يستلذ
стр. 52
بعدها بسماع كلام من المتكلمين والفقهاء والخطباء لطيب كلامه وفصاحته، وحسن نظمه وإشارته".
٩ - قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في الفتاوي: "وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسين إلى الأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده".
وقال في الفتاوى - أيضًا - "فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم - يعني عند الحنابلة - أعظم من أتباعه. والقاضي أبو بكر بن الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره".
وقال ابن تيمية في موضع آخر من الفتاوي: "والباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري في الإبانة، وبعد الباقلاني ابن فورك فإنه أثبت بعض ما في القرآن".
١٠ - ذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري: "أن أبا الفضل التميمي الحنبلي حضر يوم وفاة الباقلاني العزاء حافيًا مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين. هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردًا على الملحدين. وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام، فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار".
١١ - رثاه طائفة من الشعراء ومن ذلك:
стр. 53
أنظر إلى جبل تمشي الرجال به وانظر إلى القبر مايحوي من الصلف
وانظر إلى صارم الإسلام منغمدًا وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
هذا غيض من فيض ذكرته ليدل على العديد من كلمات الثناء التي كان الباقلاني أهلاها، والتي لو سطرتها كلها في هذا الفصل لناء عن اتساعها وستتضح منزلته بين العلماء بصورة أبهى وأجلى عند ذكر مصنفاته ومناظراته، فهي خير شاهد له على منزلته العالية ومرتبته الباهرة.
الطعون التي قيلت فيه:
الباقلاني ﵀ كسائر الناس يوجد من يُعجب به فيثنى عليه، ويوجد من يبغضه أو لا يوافقه فيطعن فيه. وسننقل بعض ما قيل فهي محاولًا بيان وجهة من الصحة وعدمها. فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول ﷺ ، الذي لم تثبت العصمة لأحد من أمته بعده إلا لمجموعها. وممن طعن فيه:
١ - أبو حامد الاسفرائيني الفقيه الشافعي الكبير القدر المتوفي سنة ٤٠٦ هـ.
نقل السيد أحمد صقر عن فتاوى ابن تيمية في مقدمة كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاني: أن أبا حامد الاسفرائيني كان ينهى أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني. وكان يقول: إنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة. وقال: إنه كان أبو حامد إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي، ويقول لمن حضر: اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله أحمد بن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه في جمعات وكان يقول: أنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته.
стр. 54
والناظر في هذا الكلام قد يفهم منه أن الباقلاني يقول بأن كلام الله مخلوق مطلقًا. وهذا منافٍ لما عرف من مذهبه. فالباقلاني يقول بأن الكلام النفسي صفة من صفات الله - سبحانه - غير مخلوق. وأما القرآن المكتوب في المصاحف مخلوق، ولهذا نسب الشيخ أبو حامد الباقلاني للابتداع، ونهى عن الدخول عليه، والكلام معه لأجل هذه البدعة. وأبو حامد معروف بشدة الإنكار على أصحاب الكلام عمومًا والأشاعرة والباقلاني خصوصًا. وكان الباقلاني ﵀ يخرج إلى السوق متبرقعًا خشية من الشيخ أبي حامد لهيبته وعلو منزلته.
وهذا الطعن من أبي حامد ووصفه للباقلاني بالابتداع مع التحذير من الدخول عليه فيه تطرق في الإنكار. وهو أعظم الطعون تأثيرًا، نظرًا لأنه من كبار علماء المسلمين في زمانه، الذين لهم أهمية ووزن علمي.
٢ - أبو حيان التوحيدي المتوفي سنة ٤١٤ هـ.
يقول في كتابه "الامتاع والمؤانسة" عن الباقلاني: "إنه يزعم أنه ينصر السنة، ويفحم المعتزلة، وينشر الرواية، وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة".
ونقدم على نقض هذا الكلام لمحة عن حال أبي حيان حتى يعرف أنه ممن تقبل شهادته أو ممن ترد.
يقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء: "كان أبو حيان مجبولًا على الغرام بثلب الكرام".
стр. 55
ونقل ابن السبكي في طبقاته عن الذهبي قوله: "كان أبو حيان سيئ الاعتقاد، وكان كذابًا قليل الدين والورع عن القذف، والمجاهرة بالبهتان، والقدح في الشريعة، وكفاه ما كان يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيف إلى السلف الصالح من الفضائح".
ونقل الذهبي عن أحد العلماء أنه قال: "لم أزل أرى أباحيان التوحيدي في زمرة أهل الفضل حتى صنع رسالة منسوبة إلى أبي بكر وعمر. وقال: إنهما راسلا بها عليًا. قاصدًا بذلك الطعن على الصدر الأول".
ونقل طاش كبرى زادة في كتابه مفتاح السعادة عن ابن الجوزي قوله: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الرواندي والتوحيدي وأبو العلاء المعري، وشرهم على الإسلام التوحيدي، لأنهما صرحا ولم يصرح".
وما نقله من الكلام في أبي حيان التوحيدي يجعله مردود الشهادة. فمن يتجرأ على الصحابة وسلف الأمة لا يردعه دينه عن الوقوع فيمن هم دونهم. ومن وصف بالزندقة، فإن كان كما وصف فقد خرج من الدين، ولا يقبل قوله في أحد.
وما وصف به التوحيدي الباقلاني ليس بغريب ولا عجيب إذا علمنا أنه وقع في صحابة رسول الله، وفي كبار علماء زمانه ورعًا وفضلًا، فقد وقع في العالم الجليل أبي القاسم الداركي شيخ فقهاء الشافعية المتوفي سنة ٣٥٧ هـ. وهو من الفضل والورع والوقار مما لا يخفى على أحد، حتى عده بعضهم أنه المجدد على رأس المائة الرابعة. فقال التوحيدي فيه: "أما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبًا، وهو يأكل الدنيا بالدين، ويغلب عليه اللواط، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة، وهو خبيث قليل اليقين".
стр. 56
ورمى جميع المتكلمين بقلة الدين فقال: "ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه خوفًا، أو أقلع عن كبيرة رغبة، يتناظرون مستهزئين ويتحاسدون متعصبين، ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح البلاد والعباد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفاتهم على صغار الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو أن لا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعًا".
أفبعد هذا يقبل لأبي حيان قول؟ لأن أظن أحدًا يعلم حاله حق العلم يصدقه فيما يقول.
وكتب الباقلاني كلها دليل ساطع على عظم فريته على الباقلاني.
فالخرمية التي اتُهم بها الباقلاني فرقة مبتدعة، لا يعدها أحد من مؤرخي الفرق من زمرة المسلمين، لأنها تستحل كل محرم، وتذهب إلى شركة الناس جميعًا في الأموال والنساء، ويجتمع رجالها ونساؤها في ليال ويعكف كل واحد منهم على المرأة التي اتفق جلوسها بجانبه. ويدينون بألوهية بابك الخرمي. ولا أدري كيف يكون الباقلاني من هذه الفرقة ويخفي أمره على جميع الناس عدا أبا حيان. وكيف يتركه حساده المتربصين به، ولا يرفعون أمره للسلطان فيهدر دمه ويصلبه كما فعل ببابك الخرمي. ففرية أبي حيان على الباقلاني فرية مفضوحة، لا تستحق كل هذا الاهتمام والرد.
وأما الدوافع على فعل أبي حيان هذا - فيما أظن - هو إشباع نهمه في نهش أعراض المسلمين الذي عليه يجيته. فهو متأس بالحطيئة الذي لا ينطق لسانه إلا بهجاء الناس، فلما لم يجد من يهجوه هجا نفسه.
стр. 57
وقد تكون أسباب لوقوع اختياره للمتكلمين عمومًا والقاضي الباقلاني خصوصًا. ولعل منها بغضه لعلم الكلام والمتكلمين. أو يكون فعله هذا انتصارًا لأستاذه أبي سليمان المنطقي الذي يعادي القاضي الباقلاني. والله أعلم.
٣ - أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي المتوفي ٤٤٦ هـ. ألفن الأهوازي كتابًا في مثالب أبي الحسن الأشعري خصوصًا وأصحابه عمومًا ورد عليه ابن عساكر بكتابه "تبين كذب المفتري" وممن ناله طعن الأهوازي القاضي الباقلاني، فقال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وهو ينقل طعن الأهوازي على الباقلاني ويرد عليه: "وأما ما ذكره في حق القاضي أبي بكر الباقلاني ﵀ من أنه كان أجير الفامي، وأنه إنما ارتفع قدره بمداخلة السلاطين لا بالعلم، فهو عين الجهل والتعامي وهل ينكر فضل القاضي في العلم والفهم من شم أدنى شمة من العلم؟ فتصانيفه في الخلق مبثوثة، وعلومه عنه مستفادة موروثة، وقد كان يدرس المدة الطويلة في دار السلام، ويصنف الكتب الجليلة في قواعد الإسلام، فقوله في حقه قول من لا يتحاشى من الكذب".
وتعليق ابن عساكر على طعن الأهوازي كاف في الجواب إلا إني أضيف أن الأهوازي مثل التوحيدي مردود الشهادة لعدم تزيكة أهل العلم له من محدثين وغيرهم. ويكفيه قبحًا تجرؤه على وضع الأحاديث على رسول الله ﷺ .
قال عنه تلميذه الخطيب البغدادي: أبو علي الأهوازي كذاب في الحديث والقرآن جميعًا"، وقال عنه ابن العماد الحنبلي: "الأهوازي ضعيف".
стр. 58
وذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الأهوازي كان سالميًا مشبهًا مجسمًا حشويًا، ألف كتابًا سماه " البيان في شرح عقود أهل الإيمان" شحنه بأحاديث الصفات، ومن اطلع على ما فيه من الآفات، ورأى ما فيه من الأحاديث الموضوعة، والروايات المستنكرة المدفوعة، والأخبار الواهية الضعيفة، والمعاني المتنافية السخيفة، كحديث ركوب الجمل وهو: "رأيت ربي يوم عرفة بعرفات على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم". وحديث عرق الخيل، وهو: "إن الله - تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق" قضى عليه في اعتقاده بالويل.
والسالمية التي ينتمي لها الأهوازي تقول: "إن الله سبحانه يرى في صورة آدمي" ويعتقدون أن الميت يأكل في قبره ويشرب. وأن الله سبحانه يقرأ القرآن على لسان كل قارئ.
ومن هذا حاله كيف يقبل قوله في علماء المسلمين؟
٤ - ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. نسب له أقوالًا معظمها لم يقلها الباقلاني، ولا توجد في كتبه، ومن ذلك:
(أ) قال في كتابه "الدرة فيما يجب اعتقاده": "قال الباقلاني: إن جميع المعاصي جائزة من جميع الأنبياء حاش الكذب في البلاغ فقط".
والذي وجدته في كتابه "التقريب والإرشاد" موضوع التحقيق في هذا الكتاب أنه جوز عليه التورية والمعاريض في غير البلاغ إذا احتاج إليهما، وجوز السهو والنسيان والمعاصي فيما يخصه من الفرائض" ووضح
стр. 59
إمام الحرمين في البرهان قول الباقلاني فنسب له القول بامتناع الفواحش والموبقات والأفعال المعدودة من الكبائر، وحصر الخلاف في الصغائر، وارتضى قول الباقلاني. ونقل الشوكاني في إرشاد الفحول عن الباقلاني أنه نقل الإجماع على عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكبائر. ونقل الآمدي في الإحكام عن الباقلاني مثل ما نقل الشوكاني. وبهذا يظهر مدى التجني في النقل من ابن حزم على أبي بكر الباقلاني.
(ب) قال ابن حزم في الدرة: "وما قال أحد من أهل الإسلام أن الإيمان عقد بالقلب دون نطق باللسان إلا طائفة من أهل البدع والشذوذ كجهم بن صفوان وأتباعه وابن الباقلاني وابن فورك، ومن وافقهم".
والذي وجدته في كتابه الأنصاف: "واعلم أننا لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان على ما جاء في الأثر، لأنه إنما أراد ﷺ بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة". ولكن الباقلاني في كتابه التمهيد عرف الإيمان بأنه التصديق بالله تعالى، وهو موجود في القلب. ثم بين أن هذا هو الإيمان في اللغة، وهو عل أصله يرى أن المشرع لم يغير معاني الكلمات في اللغة إلى الشرع. فأجمل في التمهيد الكلام مما حدا بابن حزم وغيره إلى نسبة الباقلاني للإرجاء بدون بيانه المراد بالإرجاء في كتابه الفصل: حدث قال: "ذهبت طوائف من الخوارج وطوائف من المعتزلة وطوائف من المرجئة
стр. 60
منهم محمد بن الطيب الاقلاني ومن تبعه" والأمانة العلمية تقتضي أن يفصل مقالة الباقلاني حتي لا يظن ضان أنه يقول: " لا تضر مع الإيمان معصية" كما يقول جهم وغيره.
(ج) قال ابن حزم في الفصل بعد أن ذكر الشاعرة وأن ابن الباقلاني كبيرهم: "فرقة مبتدعة تزعم أن محمداً ﷺ ليس الآن رسول الله، ولكن كان رسول الله. وهذا قول ذهب إليه الأشعري، وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله تعالي ورسوله، ولما أجمع عليه أهل الإسلام ونعوذ بالله من هذا القول، فإن صراح".
والذي وجدته في الإنصاف للباقلاني: "ويجب أن يعلم أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل ولا تتخرم بخروجهم عن الدنيا، وانتقالهم إلي دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم، إما بأكل أو شرب أو قضاء وطر" ففرية ابن حزم هذه وضحت بهذا النقل وضوح الشمس.
وقد كذب نسبة هذا القول للشاعرة عموما أبو القاسم القشري في رسالته لأهل العراق التي أرسلها من خراسان وشرح فيها ما نال الشاعرة وأهل السنة من البلاء، ونفي هذا القول وقع من احد من الشاعرة في مجلس مناظرة، ولا جد في كتاب لهم، والرسالة بطولها نقلها ابن السبكي في طبقاته.
(د) يقول ابن حزم في كتابه الفصل: "ذهبت طوائف من الخوارج وطوائف من المعتزلة وطوائف من المرجئة منهم محمد بن الطيب
стр. 61
الباقلاني، وجميع الرافضة من الشيعة إلي أنه لا يجوز إمامة من يوجد في الناس أفضل منه".
والذي وجدته في كتابة التمهيد قولمنها: قال قائل: خبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم؟ قيل لهم: يجب أن يكون علي أوصاف: منها: أن يكون قرشياً من الصميم.
ومنها: أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً منقضات المسلمين.
ومنها: أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسد الثغور، وحماية البيضة، وحفظ الأمة، والانتقام من ظالمها، والأخذ لمظلومها، وما يتعلق به من مصالحها.
ومنها: أن يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود، ولا جزع لضرب الرقاب.
ومنها: أن يكون أمثلهم في العلم، وسائر هذه الأبواب إلي يمكن التفاصيل فيها إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفصول". ثم أقام الأدلة علي كل ما قاله فقال:
"وإما ما يدل علي جواز العقد للمفصول وترك الأفضل لخوف الفتنة والتها رج فهو أن الإمام ينصب لدفع العدو وحماية البيضة، وسد الخلل، وإقامة الحدود، واستخراج الحقوق، فإذا خيف بإقامة أفضلهم الهرج والفساد والغالب وترك الطاعة، واختلاف السيوف، وتعطيل الأحكام والحقوق، وطمع عدو المسلمين في اهتضامهم، وتوهين أمرهم، صار ذلك عذراً واضحاً في العدول عن الفاضل إلي المفصول.
стр. 62
ويدل على ذلك أيضا علم عمر-﵁ وسائر الأمة والصحابة بأن في الستة فاضلاً ومفضولا، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدي إلي صلاحهم وجمع كلمتهم من غير إنكار أحد علي عمر ذلك.
وفريته علي الباقلاني خاصة والشاعرة عموما وضحت بهذا النقل.
(هـ) قال ابن حزم في كتابه الفصل "قال الشاعرة في كتبهم: الروح تنقل عند خروجها من الجسم إلي جسم آخر، هكذا نص الباقلاني في أحد كتبه، وأظنه الرسالة المعروفة بالحرة".
والذي وجدته في الإنصاف للباقلاني. والذي جزم السيد أحمد صقر في مقدمة إعجاز القرآن أنه كتاب "الحرة" "ويجب أن يعلم أن كل ما ورد به الشرعة من عذاب القبر، وبسؤال منكر ونكير، ورد الروح إلي الميت عند السؤال، ونصب الصراط والميزان والحوض والشفاعة للعصاةة من المؤمنين، كل ذلك حق وصدق". فأثبت رجوع الروح للميت.
ثم هذا المذهب لم أجد من نسبه لأحد من الشاعرة، ولكن نسب هذا المذهب للقائلين بالتناسخ وهم السمينة وطائفة من الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون، ونسب للمنوية وبعض اليهود. وعرف في دولة الإسلام عن السبئية، الذين قالوا: إن عليا حلت روح الإله فيه، وعن البيانية والجناحية والخطابية والراوند من الروافد الحولية، ونسب لبعض القدرية كأحمد ابن خابط ومن تابعه. وينظر في ذلك الفرق بين الفرق للبغدادي.
стр. 63
(و) يقول ابن جزم في كتابه الفصل: ومن شنعهم- بعني الشاعرة- قول هذا الباقلاني في كتابه المعروف بالانتصار لنقل القرآن: "إن تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع سوره شيء فعله الناس، وليس من عند الله، ولا من أمر رسول الله ﷺ ".
والموجود في مخطوطة الانتصار اللوحة الرابعة: "ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وأن ترتيبه ونظمه ثابت علي ما نظمه الله تعالي ورتبه عليه رسوله م آي السور، لم يقد من ذلك آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت منه نفس القراءات، وأنه يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتب سوره علي ما انطوي عليه مصحف عثمان، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلي الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه، وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقاً".
فالباقلاني يري أن ترتيب الآيات في السور توقيفي من الرسول ﷺ من غير شك. ونقل الإجماع علي ذلك الزركشي في البرهان، وحكاه السيوطي في الإتقان وإنما الخلاف في ترتيب السور، فذكر السيوطي علي أن جمهور العلماء غلي أنه اجتهاد من أصحابه، ولذا اختلف مصاحف الصحابة في ترتيبها، وقد ذكر السيوطي في الإتقان وجه الاختلاف بين مصاحف الصحابة في الترتيب، وبين أن للقاضي الباقلاني فيها قولان.
стр. 64
وأقول: ما مبرر التشنيع علي إمام اختار قولاً قال به معظم علماء، وله ذلك أدلة مقنعة؟.
(ز) نقل ابن حزم في الفصل عن الباقلاني أنه يقول: "جائز أن يكون في هذه الأمة من هو أفضل من رسول الله ﷺ ".
والذي وجدته في التمهيد للباقلاني في معرض الرد علي البراهمة الجاحدين للرسل:: "ثم يقال له: ما أنكرتم علي من قال من مثبتي نبوة الرسل أن الله تعالي ليس يفضل احد الشخصين علي الآخر المجانس له ابتداء، ولا لأجل جنسه، ولكن لأجل أنه مستحق للتفضيل بالرسالة وغيرها بعلمه والإخلاص في الاجتهاد .... فيكون التفضيل بالرسالة إذا أراد الله سبحان إرسال بعض عباده إلي باقي، لأنه أفضلهم وأكثرهم عملاً".
ويقول الإيجي في المواقف: "وأفضل الناس بعد رسول الله هو عندنا- يعني الشاعرة- وعند أكثر قدماء المعتزلة أبو بكر الصديق".
وابن حزم لم يبن أين وجد ما نقله حتي تعلم صحته من سقمه، مع أن ما وجدناه في التمهيد والمواقف يخالفه، فيغلب علي الظن أن ما نقله ابن حزم هو وهم أو تجنبي دفعته إليه سجيته. والله أعلم.
(ح) يقول ابن حزم في الفصل: "ومن العجيب أن هذا النذل الباقلاني قطع بأن داود خالف الإجماع في قوله بإبطال القياس. أفلا يستحي هذا الجاهل من أن يصف العلماء بصفته مع عظيم جهله؟ ولكن من يضلل الله فلا هادي له".
стр. 65
ولعل هذا هو السر في هجوم ابن حزم علي الباقلاني علي الخصوص والشاعرة علي العموم. ولكن الأمر لم يقف علي الشاعرة والباقلاني، فالسب والشتم والطعن لم يفلت فيه من لسان ابن حزم إلا النادر من علماء الأمة. وقد بين العلماء حاله، وحذروا من النظر في كتبه، ومن ذلك:
١ - قال ابن السبكي في طبقاته عن كتاب الفصل:"كتابة هذا من أشهر كتبه، وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه لما فيه من الازدراء بأهل السنة".
٢ - قال ابن العماد في شذرات الذهب: كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت منه القلوب، واستهدفت الفقهاء وقته، فتمالؤا علي بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا علي تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من قتنتة، ونهوا عواملهم عن الدنو منه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده. ونقل عن "العريف" قوله المشهور: "كلن لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين".
٣ - نقل سعيد الأفغاني في كتابه ابن حزم الأندلسي عن أبي بكر ابن العربي أنه قل: "نشأ ابن حزم وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلي داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأئمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، وينسب إلي دين الله مالي منه، ويقول عن العلماء مال يقولوا، تنفيرا للقلوب عنهم".
٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "ابن حزم خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل
стр. 66
الحديث في معاني مذهبهم ..... إلي أن قال: مضموما إلي ذلك كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوي متابعة الظواهر".
٥ - نقل لشوكاني في إرشاد الفحول عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه وصف ابن حزم بالمكابرة، لأنه أنكر حجية مفهوم الموافقة.
ولعل من أسباب افتراءات ابن حزم علي الباقلاني موقفه من أهل الظاهر. فقد إمام الحرمين في البرهان قوله الباقلاني في أهل الظاهر وهو: هؤلاء داود وطائفة من أصحابه، وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء، ولا يتخرق الإجماع بخروجهم عنه، وليسوا معدودين من علماء الشريعة".
وقال أبوا إسحاق الشيرازي في شرح اللمعة: " كان أبو بكر الباقلاني يقول: نحن نفسق نفاه القياس، فإنهم مخالفون إجماع الصحابة بنفي القياس".
وقال العطار في حاشيته علي شرح جمع الجوامع: "قال حبر الأصول أبو بكر الباقلاني: "إني لا أعدهم من علماء الأمة، ولا أبالي بخلافهم ولا فارقهم".
٥ - وممن طعن في الباقلاني الدكتور عبد الرحمن بدوي المعاصر ذكر في كتابة "مذاهب الإسلاميين": "إن الباقلاني لم يتعلم اصطلاحات أهل المنطق، ثم علل ذلك بأنه راجع إلي قلة بضاعته إن لم يكن جهله التام بالفلسفة الأرسطية بخاصة، والفلسفة اليونانية بعامة".
стр. 67
وهذا الكلام من تطاول الأقزام على العمالقة. فالباقلاني له كتب في نقض المنطق الارسطوطاليسي، وليس هو الوحيد في ذلك، فقد سلك هذا المسلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وألف في ذلك كتابين هما: ((نقض المنطق)) طبع بعناية الشيخ محمد حامد الفقي. وكتابه ((الرد على المنطقيين)) طبع برعاية إدارة ترجمان السنة في باكستان. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ((موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)) ((أن أبا بكر بن العربي وضع قانوناً مبنياً على طريقة القاضي أبي بكر الباقلاني)) وذكر ابن القيم في كتابه ((مفتاح دار السعادة)) في معرض نقض المنطق: ((ووقفت على رد متكلمي الإسلام عليه، وتبين فساده وتناقصه من أهل الكلام والعربية كالقاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي عبدا لجبار والجنائي وابنه وأبي المعالي، وخلق لا يحصون كثرة)).
فشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أن له طريقة تنسب إليه. وابن القيم نقل أنه نقض المنطق الارسطوطاليسي، وكيف يمكنه نقضه بدون علمه بدقائقه؟ هذا ما وجدته مما قيل في الباقلاني مدحاً وثناء، وطعنا وذماً. فما ورد مفصلاً مبرراً وظهر لنا غيره أجبنا عنه بما وجدناه في كتبه أو كتب أصحابه، وحكمت على ما قيل بالرد مع ذكر الدليل على فساد ما نسب إليه، لأنه يجب على المسلم أن يذب عن أعراض المسلمين ما استطاع لذلك سبيلاً.
والذي ظهر لي أن طعن ابن حزم، وأبو حيان التوحيدي، وأبو علي ألأهوازي، والدكتور عبد الرحمن بدوي كله باطل بل فيه افتراء متعمد من بعضهم لعدم الأمانة في النقل عنه. ويلتمس العذر لبعضهم بالجهل في حقيقة ما عليه الباقلاني.
стр. 68
وأما ما ذكره شيخ الشافعية أبو حامد الاسفرائيني في نقده للباقلاني ووصفه بالابتداع وتبرؤه من معتقده. فهي مسألة وافق فيها أبو بكر الباقلاني عامة الشاعرة بناء على تقسيمهم الكلام إلى نفسي وإلى صوت وحرف. بل هي أعظم مسألة خالف فيها الشاعرة طريقة السلف. وللإسفرائيني حق في إنكاره على من يخالفه. ولكن قد لا يكون الحق معه في الأسلوب الذي اختاره وما من عالم من علماء الأمة إلا وله وعليه، لعدم ثبوت العصمة لأحد من البشر عدا رسل الله وسلامه عليهم.
стр. 69
المبحث العاشر
مناظراته
ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك وأن أبا عبدا لله الأردي قال: ((كان الملك عضد الدولة يحب العلماء، وكان مجلسة يحتوي منهم على عدد عظيم من كل فن، وأكثرهم الفقهاء المتكلمون، وكان يعقد لهم مجالس للمناظرة. وكان قاضي قضاته -بشر بن الحسين- معتزليها فقال له: عضد الدولة يوماً: هذا المجلس عامر بالعلماء، إلا إني لا أرى فيه قاعداً من أهل الإثبات -يعني أهل الحديث- ينصر مذهبه. فقال له قاضيه: إنما هم أصحاب تقليد ورواية، يروون الخبر وضده، ويعتقد جميعاً، ولا أعرف منهم أحداً يقوم بهذا الأمر، ثم أقبل يمدح المعتزلة.
فقال له عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر له، فانظر أي موضع فيه مناظر نكتب له ويحضر مجلسنا، فلما عزم عليه قال القاضي: أخبروني أن بالبصرة شيخاً وشاباً: الشيخ يعرف بأبي الحسن البالي، وفي رواية أبي بكر بن مجاهد، والشاب يعرف بالباقلاني. فكتب الملك من حضرته يومئذ بشيراز إلى عامله بالبصرة ليبعثهما إليه، وأرسل مالاً لنفقتهما من طيب ماله.
فلما وصل الكتاب إليهما. قال الشيخ وبعض أصحابه: ((هؤلاء القوم كفرة فسقه -لأن بني بزيه من الديلم روافد- لا يحل لنا أن نطأ بسطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان خالصاً لله لنهضت)).
стр. 70
قال القاضي: فقلت لهم: كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن في عصرهم عن المأمون إنه فاسق لا نحضر مجلسه حتى ساق الإمام أحمد بن حنبل إلى طرطوس وجري عليه بعده ما عرف، ولو ناظروه لكفوه هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه من الحجة، وأنت -أيضاً- أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على الإمام أحمد، وبقولون بخلق القرآن ونفي الرؤية. وها أنا خارج أن لم تخرج. فقال الشيخ: إذ شرح الله صدرك لهذا فاخرج)).
فإذا السبب في إحضار البلقاني إلى مجالس عضد الدولة هو مشاركته في المناظرات الدائرة في مجالسة، والتي كانت قاصرة على علماء الدولة المعتزلة. ثم أرسل عضد الدولة الباقلاني إلى بلاد الروم في سفارة. وهناك عقد العديد من المناظرات.
والراغب في الإطلاع على مناظرات الباقلاني وما دار فيها يجدها في الكتب التالية: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك - الجزء السابع- والكامل لابن الأثير وتبين كذب المفتري لابن عساكر، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوي، والبداية والنهاية لابن كثير، وعيون المناظرات للسكوني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وطبقات الخضري مناظراته في بلاد الروم في رسالة سماها ((الباقلاني)).
ومناظرات الباقلاني تنقسم إلى قسمين:
فالقسم الأول هو الذي عقده مع المعتزلة وغيرهم في مجالس عضد الدولة وغيرها وهو كثير جداً يصعب حصره.
والقسم الآخر هو ما عقده في بلاد الروم أثناء سفارته إليها، وهو ممكن الحصر، نظراً لقصر المدة التي أقامها عندهم.
стр. 71
أما مناظراته في بلاد الروم فمواضيعها كما يلي:
١ - قصة الإفك. حاولوا فيها التشنيع على الرسول ﷺ ، وألزمهم فيها بما نسب لمريم ابنة عمران. وقد ذكرتها في مبحث صفاته كدليل على فطنته وحدة ذكائه.
٢ - سؤال البطريك الأعظم عن أهله وولده، لإلزامهم بنفي الولد عن الله، وقد ذكرتها في مبحث صفاته _أيضاً- كدليل على فطنته.
٣ - انشقاق القمر ومحاولة تكذيبهم لهذه الآية. وقد ألزمهم بالقول بها بنزول المائدة وبرؤية الكسوف في موضع دون موضع.
٤ - قول النصارى في عيسى ﵇ إنه ابن الله اعتماداً على إحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص. وبين لهم أنه عبد الله ورسوله، وأن ما ظهر على يديه هو بفعل الله .
٥ - قولهم باتحاد اللاهوت بالناسوت.
أما مناظراته في مجالس عضد الدولة وغيرها في دولة بني بويه فلا حصر لها، ونذكر منها:
١ - قصته مع ابن العلم المعتزل لما وصف القاضي ﵀ بأنه شيطان .. ذكرتها في مبحث صفاته، دليلاً على فطنته وسرعة بديهته.
٢ - التكليف بما لا يطاق. حدثت مع الأحدب رئيس المعتزلة البغداديين، وبرفقته عدد كبير من معتزلة البصرة منهم: أبو إسحاق النصيبي. وانتهت المناظرة بميل الملك القاضي الباقلاني.
٣ - مسألة الرؤية: أي رؤية الله يوم القيامة، التي ينكرها المعتزلة، وكانت بحضرة عضد الدولة ومعه أبو إسحاق النصيبي.
стр. 72
٤ - التنجيم: وكانت مع أبي سليمان المنطقي، وبحضور وزير عضد الدولة وابن الصوفي، قبيل سفر القاضي إلى بلاد الروم. وانتهت بانقطاع أبي سليم المنطقي.
٥ - الاجتهاد: حدثت مع شيخه أبي عبدا لله بن مجاهد الطائي، وبقيت إلى الفجر، وظهر كلام القاضي الباقلاني على شيخه. وكانت في محضر حافل من العلماء بيت أبي الفضل التميمي الحنبلي.
٦ - ناظر أبا سعيد الهاروني، وهي التي تحداه فيها أن يعيد كلامه ويعفيه من الجواب ولم توضح المصادر موضوع المناظرة.
٧ - طلب مناظرة قاضي قضاة المعتزلة عبد الجبار بن أحمد. فأرسل له أحد تلاميذه، وهو أبو القاسم البستي.
هذا ما استطعت الإشارة إليه من مناظراته، والمناظرات تعتبر من أهم النشاط العلمي، الذي لا تقل فائدته عن المصنفات.
стр. 73
المبحث العاشر
مؤلفاته
لقد تنوعت مصنفات الباقلاني فشملت شتي أنواع العلوم اللغوية والدينية. وقد أحصي منها القاضي عياض في ترتيب المدارك ما يزيد على خمسين مصنفاً بين كبير وصغير تناولت أصول الدين الفقه وأصول التفسير والفقه واللغة والجدل والسيرة والتاريخ. والذي بلغني أنه طبع منها خمسة فقط هي:
١ - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، المشهور بالتمهيد.
ألفه للأمير صمام الدولة بن عضد الدولة لما دفع والده به إلى القاضي ليؤدبه، ويبين له فيه ما يعتقد أهل السنة، والرد على أهل البدع والأهواء، وغيرهم، وخاصة المعتزلة. وقد بين فيه القاضي فساد عقائد هذه الطوائف، وذكر بعض فضائل الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة، وقد طبع هذا الكتاب أربع - فيما أعلم-
إحداها بتحقيق محمد عبد الهادي أبوريده ومحمود محمد الخضري طبع سنة ١٩٤٧ م.
وثانيها بتحقيق الأب اليسوعي رتشارد يوسف مكارثي.
وثالثها بتحقيق عماد الدين أحمد. صدر سنة ١٩٨٧ م.
ورابعتها بتحقيق الشيخ محمد عبد لرازق حمزة، شيخ دار الحديث المكية.
стр. 74
قال سزكين في "تاريخ التراث العربي": له شرح بعنوان ((التسديد في شرح التمهيد)) للقاضي عبد الجليل بن أبي بكر الربعي.
٢ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به.
ذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمة إعجاز القرآن أن الكتاب المطبوع باسم الإنصاف هو كتاب ((رسالة الحرة)) وقطع بذلك، واعتمد فيما ذهب إليه على أمرين: الأول: قال الباقلاني في مقدمته: ((قد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية)). الثاني: إن القاضي عياض جامع كتب الباقلاني لم يذكر كتاب الإنصاف في كتبه. وقد ورد باسم ((رسالة الحرة)) في الفصل، وفي كتاب ابن القيم)) اجتماع الجيوش الإسلامية. وطبع باسم الإنصاف مرتين: الأولي بتحقيق محمد زاهد الكوثري سنة ١٣٦٩ هـ. والثانية بتحقيق عماد الدين أحمد حيدر سنة ١٩٨٦ م، وموضوعه في أصول الدين.
٣ - إعجاز القرآن: وهو في بيان وجوه الإعجاز في القرآن، وخاصة بديع نظمه وبلاغته، وما يحتويه من الأمور الغيبية سواء ما سيحدث، أو ما حدث في العصور الغابرة، وفيه مقارنة بينه وبين بعض الشعر والخطب.
مع ذكر بعض مسائل علوم القرآن. وقد طبع في القاهرة على هامش كتاب الإتقان للسيوطي سنة ١٣١٥ هـ، وطبع مرة أخرى بتحقيق وتعليق السيد أحمد صقر سنة ١٩٥٤ م بالقاهرة.
٤ - كتاب الانتصار لصحة نقل القرآن والرد على من نحله الفساد بزيادة أو نقصان. طبع بتحقيق الدكتور محمد سلاما مذكورا سنة ١٩٧٣ م.
стр. 75
له مختصر بعنوان ((نكت الانتصار)) لأبي عبدا لله الصيرفي بترتيب عبد الجليل ابن أبي بكر الصابوني الربعي على ما في تاريخ التراث لسركين. نقل منه السيوطي في الإتقان في عدة مواضع وكذلك ابن حزم في الفصل.
٥ - كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر، طبع بتحقيق الأب اليسوعي رتشارد يوسف المكارتين سنة ١٩٥٨. وقد أحال عليه المصنف في كتابنا هذا. وذكره القاضي عياض باسم ((الكرامات)). وفيما يلي كتبه التي لم تطبع:
٦ - هداية المسترشدين والمقنع في معرفة أصول الدين.
ذكر سزكين في تاريخ التراث ١/ ٤/٥٠ أنه يوجد منه قسم في مكتبة الأزهر في ٢٤٨ ورقة، برقم ٢١ كلام. وذكر أنه يوجد له مختصر بعنوان ((تخليص الكفاية من كتاب الهداية)) لمحمد بن أبي الخطاب بن خليل الأشبيلي، وله نسخة في جامع القيروان. ووصفه القاضي عياض في ترتيب المدارك بأنه كبير الحجم، وذكره أبوا لمظفر الاسفرائيني في التبصرة في أصول الدين، وذكره الباقلاني في التمهيد.
٧ - كتاب نقض النقض على الهمذاني.
ذكره الاسفرائيني في التبصير، وأشار إليه ابن تيمية في كتاب النبوات. وذكر أن عبد الجليل بن أحمد قاضي قضاة المعتزلة صنف كتابا في نقض اللمع لأبي الحسن الأشعري. ورد عليه الباقلاني بكتاب سماه ((نقض اللمع)). وذكره القاضي عياض في مصنفاته، ووصف بأنه كبير.
следующие страницы →