Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وهل يشترط قبض البدل في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو ظاهر النص-: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فلو لم يقبض الثاني أشبه بيع الدين بالدين؛ كما يشترط قبض رأس مال السلم في المجلس.
والثاني - وهو الأصح -: لا يشترط؛ كما لو باع ثوباً بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس. والنص محمول على ما إذا استبدل من مال الربا شيئاً يوافقه في العلة.
ولو استبدل شيئاً في الذمة، هل يجوز أم لا؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: فإن جوزنا يشترط التعيين في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبلا لتعيين بطل العقد. وهل يشترط القبض؟ فيه وجهان:
ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال، ويجوز استبدال الحال عن المؤجل، ويصير كأن من عليه المؤجل عجله، هذا في بيع الدين ممن عليه.
أما إذا باع الدين من غير من عليه؛ مثل إن كان له على زيد عشرة دراهم؛ فاشترى من عمرو ثوباً بتلك العشرة، أو قال لعمرو: بعتك العشرة التي في ذمة زيد لي بثوبك هذا؛ فاشتراه عمرو - فالمذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه غير قادر على تسليمه.
وفيه قول آخر: أنه يجز على حسب ما يجوز ممن عليه؛ فعلى هذا يشترط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن عليه، وبائعه يقبض العوض في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل.
ولو كان لرجلين لكل واحد على ثالث دين؛ فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه - لا يجوز؛ سواء اتفقا في الجنس أو اختلفا؛ لأن بيع الدين بالدين ممن عليه لا يجوز؛ فمن غير من عليه أولى؛ وذلك لأن النبي ﷺ "نهى عن الكاليء بالكاليء".
стр. 1157
ولو كان لرجلين لكل واحد منهما على صاحبه دين من جنس واحد، ووصف واحد؛ سواء كانا سلمين أو قرضين، أو أحدهما قرض والآخر بدل إتلاف أو سلم - ففيه أقوال:
أحدها: بنفس الوجوب يتقاصان ويسقطان؛ كما لو كان له على مورثه مال؛ فمات المورث سقط.
والثاني: لا يسقط؛ حتى يتراضيا؛ بأن يجعل أحدهما بالآخر قصاصاً؛ فإن لم يفعلا، فلكل واحد منهما مطالبة صاحبه بما عليه؛ لأن المقاصة كالحوالة، وفي الحوالة يشترط رضا المُحيل والمحتال.
стр. 1158
والثالث: إذا رضي أحدهما صار قصاصاً؛ لأنه إذا رضي أحدهما، فقد رضي بأداء ما عليه مما له في ذمة الآخر؛ فليس للآخر أن يمتنع؛ لأنه يجز لمن عليه الدين أداء الدين من حيث يشاء من ماله.
والرابع: لا يصير قصاصاً؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه، ويسلم إلى الآخر، ثم يأخذه عما عليه؛ حتى لا يون بيع الدين بالدين.
أما إذا كان الدائنان مؤجلين؛ نظر: إن كانا مؤجلين بأجل واحد. قيل هو كما لو كانا حالين، والصحيح أن حكمه حكم ما لو كانا مؤجلين بأجلين مختلفين، أو أحدهما حال والآخر مؤجل -لا يصير قصاصاً، وكذلك لو كانا من جنسين، أو وصفين مختلفين لا يصير قصاصاً؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه ويسلم، ثم يشتريه بماله على الآخر.
وإذا كان له على رجل دراهم صحاحٌ؛ فقال من له الدين: أسقطت وصف الصحة لا يسقط. إن كان مؤجلاً؛ فقال من عليه أسقطت الأجل هل يسقط؟ فيه وجهان
أصحهما عندي: لا يسقط؛ كوصف الصحة.
والثاني: يسقط؛ لأن الأجل فسحة في العقد؛ فيسقط بالإسقاط؛ الخيار.
ولو كان له على رجل دين حال وهو مماطل فقال: أدِّ حقي؛ حتى أبيعك شيئاً؛ فأدى - لا يلزمه البيع، وليس للمعطي أن يسترد ما دفع؛ لأن الدفع كان واجباً عليه.
ولو قال: أعط أفضل أو أجود؛ حتى أبيعك ذا، ففعل - لا يجب البيع، وللمعطي أن يسترد ما أعطى، وإن أعطى أكثر يسترد الزيادة.
وكذلك لو كان الدين مؤجلاً، فقال من له الدين: عجل قبل المحل؛ حتى أبيعك شيئاً فعجل - لا يجب البيع، وله أن يسترد ما عجل.
وكذلك لو قال: عجل البعض؛ حتى أبرئك عن الباقي، فعجل - لا يجب الإبراء؛ وللمعجل أن يسترد ما أعطى.
وكذلك في السلم لو قال: أبرأتك عن نصفه؛ بشرط أن تعجل الباقي، والحق مؤجل - لا يصح الإبراء. أما من غير شرط لو أخذ بعضه، وأبرأه عن الباقي - يصح.
وقال مالك: لا يصح.
стр. 1159
باب بيع المُصراة
روي عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُصروا الإبل والغنم للبيع؛ فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر".
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال: "من اشترى شاة مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها صاعاً من طعام لا سمراء".
стр. 1160
فرع التصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو البقرة أو الشاة؛ فيترك حلابها أياماً؛ حتى يجتمع اللبن في ضرعها، ثم يبيعها؛ فينها المشتري كثيرة اللبن، مشتق من: صريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه.
فهي حرام، ويثبت بها الخيار للمشتري.
стр. 1161
وعند أبي حنيفة: لا يثبت بها الخيار، والخبر حجة عليه.
ولا جماعنا: على أنه لو باع طاحونة حبس ماءها زماناً، ثم أرسله حالة البيع؛ فإن المشتري أنها أبداً كذلك، ثم علم - ثبت له الخيار.
стр. 1162
ثم إذا ظهر على التصرية بعد ما حلب لبنها: إن شاء أمسكها، ولا شيء له، وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر بدل اللبن الذي حلب؛ قل اللبن أم كثر، ولا يرد اللبن إذا كان قائماً لذهاب طراوته بالحلب؛ نقص حدث به؛ ولأن ما حدث من اللبن بعد البيع كان للمشتري، فقد اختلط المبيع بغيره، ولا يعرف قدر حق كل واحد منهما؛ فأوجب الشرع صاعاً من تمر؛ قطعاً للخصومة بينهما؛ كما أوجب الغرة في إتلاف الجنين. فإن لم يكن حلب اللبن، لا شيء عليه.
فإذا أراد أن يعطي بدل التمر شيئاً آخر، اختلف أصحابنا فيه.
стр. 1163
قال ابن سريج: يجب في كل بلد صاع من غالب قوت ذلك البلد؛ تمراً كان أو حنطة أو شعيراً، والنبي ﷺ "أوجب التمر"؛ لأنه كان غالب قوت أهل "الحجاز"، وقوله: "لا سمراء" يعني: لا يجب السمراء.
وقال أبو إسحاق: التمر هو الأصل في جميع البلاد؛ فإن عدل إلى ما هو أعلى منه؛ بأن أعطى مكانه قمحاً - يجوز، وإن عدل إلى ما هو دونه لا يجوز؛ إلا برضا البائع.
стр. 1164
وقوله:"لا سمراء"؛ يعني: لا "يجبر" عليه، إلا أن يتطوع.
ولو أعطى مكانه ذهباً، أو ورقاً، أو شيئاً مما لا يُقتات، أو رد اللبن الذي حلبه - فيجوز برضا البائع على الوجهين، ولا يجوز دون رضاه.
ولو عز التمر؛ حتى بلغت قيمة صاع من التمر قيمة الشاة المبيعة - عليه التمر.
ولو اشترى شاة بصاع من تمر؛ فوجدها مُصراة بعد الحلب - يردها وصاعاً من تمر، ويسترد الصاع الذي هو الثمن.
فإذا علم بالتصرية قبل مُضي ثلاثة أيام، فالرد يكون على الفور، أم يمتد إلى ثلاثة أيام من يوم العقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون على الفور، كما لو علم بعد الثلاث.
والثاني: يمتد إلى ثلاثة أيام؛ لظاهر الحديث. والأول أصح.
وقوله في الحديث: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" بناء للأمر على الغالب؛ لأن الغالب أنه لا يقف على التصرية قبل ثلاثة أيام، ويحمل نقصان اللبن في اليومين على تبدل المكان، وتفاوت العلف وغير ذل، ويخرج عليه: أنه لو اشترى شاة - وهو عالم بأنها مُصراة - فهل له "الخيار"؟ فعلى هذين الوجهين: الأصح: لا يثبت.
ويثبت خيار التصرية في النعم، وفي كل حيوان مأكول اللحم، ويجب رد صاع من التمر.
стр. 1165
ولو اشترى جارية، فوجدها مُصراة له الرد بعد حلب اللبن، وهل يجب رد صاع من التمر؟ فيه وجهان:
أحدهما- يجب؛ كالنعم.
والثاني- وهو الأصح: لا يجب؛ لأن لبن الآدمية لا يُعتاض عنه في العادة.
وقيل: لا ترد الجارية بعيب التصرية، بل يأخذ الأرش.
ولو اشترى أتانا؛ فوجدها مصراة؛ هل له ردها؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى. لأن لبنها مقصور لتربية الجحش.
والثاني: لا؛ لأن لبنها غير مشروب.
فإن قلنا: ترد، لا يجب بسبب اللبن شيء؛ لأنه نجس.
ولو اشترى مصراة؛ فزال عيب التصرية، ودام لبنها على القدر الذي ابتاعها - يسقط حقه من الرد، ولو لم يزل ولكن المشتري رضي بالتصرية، ثم وجد به عيباً آخر بعد ما حلب لبنها، له ردها بالعيب الذي وجد، وعليه صاع من تمر.
ولو لم يوجد من البائع قصد إلى التصرية، بل لم يتفق حلابُها أياماً؛ فاجتمع اللبن في ضرعها، أو ربط أجنبي ضرعهما - فيثبت الخيار للمشتري؛ على أصح الوجهين؛ فيرد صاعاً
стр. 1166
[من التمر]؛ كما لو كان بالمبيع عيب لا يعلمه البائع.
ولو اشترى لبوناً غير مُصراة؛ فحلب لبنها، ثم وجد بها عيباً وردها -عليه صاع من التمر بدل ما حلب من اللبن.
ولو أرسل الزنبور في ضرع الشاة؛ فانتفخ؛ فنها المشتري لبوناً، فلم يكن-هل له الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لوجود التدليس؛ كما لو حمر وجه الجارية المبيعة.
والثاني- وهو الأصح-: لا رد له؛ لأنه لا لبن فيها؛ فلم يوجد التدليس؛ كما لو اشترى بقرة منتفخة البطن نها المشتري حاملاً؛ فلم يكن -لا خيار له.
ولو أرسل الزنبور في خد الجارية؛ حتى انتفخ؛ فظن المشتري أنها سمينة - له الرد؛ كما لو حمر وجهها.
ولو أعلف الدابة؛ حتى انتفخ بطنها؛ فنها حُبلى - فوجهان. والله أعلم.
باب الخراج بالضمان والرد بالعيب
روى عن مخلد بن خفاف؛ أنه ابتاع غُلاماً فاستغله، ثم أصاب به عيباً - فقضى له
стр. 1167
عمر بن عبد العزيز ﵀ برده وغلته. فأخبر عروة ﵀ عمر عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ قضى في مثل هذا "أن الخراج بالضمان" فرد عمر قضاءه، وقضى لمخلد بن خفاف ﵀ بالخراج.
стр. 1168
من باع شيئاً؛ وبه عيب، وهو عالم به - يجب عليه أن يعلم به المشتري؛ فإن كتم، فقد غش.
وقد قال النبي ﷺ : "من غشنا فليس منا".
غير أن البيع صحيح، وللمشتري الخيار إذا علم بالعيب؛ بدليل حديث المصراة.
стр. 1169
فصل هل الفسخ بالعيب يرفع العقد من أصله أم من حينه
والفسخ بالعيب لا يرفع العقد من أصله؛ حتى لو كان المشتري قد استخدمه، أو أجره وأخذ الأجرة، أو كان عبداً قد اكتسب في يده، أو شجرة قد أثمرت، أو بهيمة ولدت، أو جارية وُطئت بشبهة، وأخذ مهرها - فجميع هذه الزوائد تبقى للمشتري؛ فيرد الأصل، ويسترد جميع الثمن؛ سواء حصلت تلك الزوائد قبل القبض أو بعده، وسواء رد الأصل قبل القبض أو بعده.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما -: الرد بالعيب يرفع العقد من أصله.
ثم عند ابن أبي ليلى يرد الأكساب، والزوائد معه.
وعند أبي حنيفة: الولد والثمرة يمنعان رد الأصل بالعيب، والكسب والغلة لا يمنعان الرد، لكن إن رد قبل القبض رد معه الغلة والكسب، وإن رد بعده يبقى له.
والحديث حجة عليهم؛ ولأن حدوث الزوائد معنى لا يدخل نقصاً في المبيع، ولا يتضمن رضاً بالعيب، فلا يمنع الرد بالعيب؛ كالاستخدام.
أما الزوائد المتصلة؛ كالسمن في الحيوان، وكبر الشجر، وتعلم القرآن، والحرفة للعبد-تكون تبعاً للأصل، فإذا رد الأصل لا شيء للمشتري بسببها.
ولو اشترى جارية أو شاة حاملاً، ثم وجد به عيباً - وهي حامل بذلك الولد - ردها كذلك.
ولو وضعت الولد، ثم علم بها عيباً؛ هل عليه رد الولد معها؟
فيه قولان؛ بناء على أن الحمل هل يعرف؟ وهل له قسط من الثمن؟ فيه قولان:
أصحهما: يعرف، وله قسط من الثمن؛ بدليل أن تصح الوصية بالحمل وللحمل، ويجوز إعتاقه، وتجب الكفارة بقتل الجنين، وترد الجارية المشتراة بسبب الحمل، ولا تؤخذ الحامل في الصدقة، وتجب الخلفة في الدية، ولولا أنه يعرف، لم تتعلق به هذه الأحكام، وأنه ينفصل عن الأم؛ فينتفع به؛ كاللبن في الضرع.
والثاني: لا يعرف، وليس له قسط من الثمن؛ لأنه متصل بها؛ كعضو من أعضائها؛ ولأنه لا يفرد بالبيع، ومن قتل امرأة حاملاً لا يُفرد الجنين بالضمان.
فإن قلنا: له قسط من الثمن، يرد الولد مع الأصل؛ كما لو اشترى عينين.
وإن قلنا: ليس له قسط من الثمن، يرد الأصل، ويبقى له الولد؛ كالحادث بعد البيع.
стр. 1170
ويخرج على هذا: أنه هل يجوز للبائع حبس ذلك الولد؛ لاستيفاء الثمن؟ وأنه لو هلك ذل الولد قبل القبض هل يسقط شيء من الثمن؟
إن قلنا: له قسط من الثمن، له حبسه؛ لاستيفاء الثمن، وإذا هل يسقط بحصته من الثمن.
وإن قلنا: لا قسط له، لا يجوز حبسه، ولو تلف لا يسقط شيء من الثمن، وهو أمانة في يد البائع ما لم يطالبه المشتري بتسليمه؛ فيمتنع؛ كالولد الحادث بعد البيع.
وكذلك هل يجوز للمشتري بيع ذلك الولد قبل القبض؟ إن قلنا له قسط من الثمن لا يجوز، كالأم، وإلا فيجوز؛ كالزوائد الحادثة بعد البيع.
ولو اشترى نخلة مطلعة فأبرها، ثم وجد بها عيباً وردها - فالثمر لمن يكون؟ فيه قولان؛ كالحمل يخرج.
وقيل: يرد مع الأصل؛ لأنه كان مشاهداً يوم البيع قابلاً للإفراد بالبيع؛ فكان مع الأصل كالعينين بخلاف الحمل.
أما إذا اشترى نخلة حائلاً فأطلعت، ثم وجد بها عيباً وردها -هل يبقى الطلع للمشتري؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرد مع الأصل؛ كالجارية إذا حبلت بعد البيع، ثم ردها بالعيب.
والثاني: يبقى الطلع للمشتري؛ لأنه يقبل الإفراد بالبيع، كالثمرة المؤبرة.
ولو اشترى شاة على هرها صوف؛ فجزه، ثم استنجز، فاطلع على عيب بها - نظر: إن لم يجز الصوف الثاني، ردها ذلك مع الصوف الذي جزه، وإن كان قد جز الثاني ردها مع الأول، ويبقى له الثاني؛ لأنه حدث في ملكه، بخلاف ما لو باع أرضاً، وفيها كُراثٌ أو قثٌ مجزوز؛ فنما في يد المشتري، ثم اطلع على عيب بالأرض - ردها ويبقى الكراث والقث الظاهر للمشتري؛ لان الصوف بمنزلة جزء من الحيوان، فلا يجوز إفراده بالتملك؛ بخلاف القث؛ بدليل أنه لو باع الشاة يدخل في البيع الصوف الذي على ظهرها، ولو باع أرضاً وفيها كراث أو قث ظاهر - لا يدخل في البيع.
ولو زاد المشتري في البيع شيئاً يصنعه؛ بأن كان داراً؛ فعمرها، أو ثوباً؛ فصبغه، ثم اطلع على عيب به - نظر: إن أمكنه نزع الزيادة من غير أن يدخله نقص، نزعها ورد الأصل، وإن لم يمكنه، بأن رضي البائع بأن يرده، ويون معه شريكاً في الزيادة رده، وإن أبى أمسكه وأخذ أرش العيب.
ولو تلف المبيع قبل القبض بعد حصول الزوائد، انفسخ العقد وسقط الثمن، وتلك
стр. 1171
الزوائد لمن تكون؟ فيه وجهان:
أصحهما - وبه قال ابن سريج -: يرتفع العقد من حينه، وتكون للمشتري؛ ما لو فسخ بالعيب.
والثاني - يرتفع العقد من أصله، والزوائد للبائع؛ بخلاف الرد بالعيب؛ لأنه فسخ بالاختيار.
ولو باع عبداً بثوب؛ فقبض الثوب، ولم يسلم العبد - جاز له بيع الثوب، وإن كان لا يجوز لمشتري العبد بيعه.
فإذا باع الثوب، ثم هلك العبد قبل القبض، بطل العقد في العبد، ولا يبطل في الثوب، لخروجه عن ملكه؛ سواء كان سلمه إلى مشتريه، أو لم يسلم، ويغرمه قيمة الثوب لبائعه.
وكذلك لو باع عبداً بألف؛ فقبل تسليم العبد اشترى بتلك الألف ثوباً، ثم هلك العبد قبل التسليم - انفسخ العقد فيه، ولا ينفسخ في الثوب.
ولو اشترى جارية ثيباً؛ فوطئت، ثم اطلع على عيب بها - نظر: إن وطئت بعد القبض بشبهة، أو وطئها المشتري - - ردها بالعيب ولا شيء عليه.
وعند أبي حنيفة وطء الثيب يمنع الرد بالعيب.
وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها المهر؛ ويروي ذلك عن عمر ﵁.
ووافقنا أبو حنيفة في أن البائع لو وطيء قبل القبض الجارية "مكرهة"، لا يثبت للمشتري الخيار، وما لا يثبت به الخيار للمشتري إذا وجد من البائع قبل القبض لا يمنع المشتري من الرد بالعيب، كالاستخدام.
أما إذا وطئها أجنبي، أو البائع؛ وهي طائعة - فهو زنا يمنع الرد بالعيب القديم، إلا برضا البائع؛ لأن الزنا عيب حدث في يده.
فإن وطئت قبل القبض؛ لا يخلو إما عن وطئها المشتري، أو البائع، أو الأجنبي.
فإن وطئها المشتري لا يصير قابضاً، وله الرد بالعيب القديم، ولا مهر عليه؛ فإن تلفت الجارية قبل القبض، انفسخ العقد وهل عليه المهر للبائع إن قلنا: يرتفع العقد من حينه، لا يجب.
وإن قلنا: من أصله، يجب.
وإن وطئها أجنبي؛ نظر: إن كانت الجارية مُكرهة أو جاهلة، لا خيار للمشتري بسبب
стр. 1172
هذا الوطء، وعلى الواطيء المهر للمشتري، وإن كانت طائعة فللمشتري الخيار؛ لأنه زنا حدث قبل القبض.
وإن وطئها البائع، عليه الحد إن كان عالماً؛ كالأجنبي، وللمشتري الخيار عن كانت عالمة طائعة، وألا فلا خيار له، ولا مهر على البائع؛ على المذهب الصحيح الذي يقول: إن جناية البائع قبل القبض كآفة سماوية.
فأما إذا كانت الجارية بكراً؛ فافتضت، نظر:
إن افتُضت بعد القبض الرد للمشتري بعيب قديم يجده إلا برضا البائع؛ لأن زوال البكارة نقص حدث في يده، سواء افتضها البائع، أو المشتري، أو أجنبي.
وإن افتضت قبل القبض، فهو كجناية جنيت على المبيع قبل القبض؛ فينظر:
إن افتضها المشتري، استقر عليه من الثمن بقدر ما انتقص من قيمتها، ثم إن سلمت الجارية؛ حتى قبضها، فليس عليه إلا الثمن.
وإن هلكت قبل القبض، انفسخ العقد وعلى المشتري بقدر نقص الافتضاض من الثمن.
وهل عليه مهر مثل الثيب؛ إن افتضها بآلة الافتضاض؟ فعلى وجهين:
إن قلنا: يرتفع العقد من حينه، لا يجب، وألا فيجب.
وإن افتضها أجنبي؛ نظر إن افتضها بغير آلة الافتضاض، عليه ما انتقص من قيمتها، وإن افتضها بآلة الافتضاض فعليه المهر.
وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل عليه مهر مثل بكر، ويدخل فيه أرش الافتضاض.
والثاني: يفرد، فعليه أرش الافتضاض، ومهر مثل ثيب ثم المشتري إن أجاز العقد فالكل له، وإن فسخ فبقدر أرش الافتضاض للبائع، لأن الجارية عادت إليه ناقصة، وباقي المهر للمشتري؛ كالزوائد.
وإن افتضها البائع، فللمشتري الخيار؛ فإن فسخ العقد، لا يجب على البائع أرش الافتضاض؛ لأنها عادت إليه ناقصة.
وهل يجب عليه مثل مهر الثيب إن فعل بآلة الافتضاض؟
إن قلنا: جنايته كافة سماوية، لا يجب؛ وهو المذهب.
وإن قلنا: كجناية أجنبي، يجب.
стр. 1173
وإن أجاز العقد، فلا شيء على البائع إن قلنا: جنايته كآفة سماوية.
وإن قلنا: كجناية أجنبي، يجب عليه أرش الافتضاض؛ وإن فعل بآلة الافتضاض، فالمهر.
وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ وجهان.
فصل في تفريق الصفقة في الرد بالعيب
إذا اتحد العاقد والمعقود عليه، لا يجوز تفريق الصفقة؛ مثل: إن اشترى عبداً أو داراً؛ فوجد به عيباً، وأراد رد بعضه - ليس له ذلك؛ لما فيه من الإضرار بالبائع بتشقيص ملكه عليه، فإن رضي به البائع، يجوز؛ على أصح الوجهين؛ لأنه حقه، وقد رضي به.
وإذا قال: فسخت في نصفه، فيه وجهان:
أحدهما: كان فسخاً في الكل؛ لأن الفسخ أغلب؛ بدليل أنه لو فسخ أحد المتبايعين، وأجاز الآخر - كان فسخاً.
والثاني: كان مجيزاً في الكل؛ لأنه رضي بالعيب في بعضه.
стр. 1174
أما إذا اشترى شيئين صفقة واحدة، ثم وجد بهما أو بأحدهما عيباً- فله فسخ العقد فيهما، ولم يكن له رد الصحيح دون المعيب؛ فإن أراد رد المعيب وحده، أو كانا معيبين؛ فأراد رد أحدهما - هل يجوز أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الصفقة وقعت مجتمعة؛ فلا يجوز تفريقها؛ كما لو كان المبيع واحداً، فأراد رد بعضه.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا يتبعض الملك عليه في عين واحدة.
هذا إذا لم يكن منفعة أحدهما متصلة بالأخرى، فإن كانت منفعة أحدهما متصلة بالأخرى؛ مثل: زوج خف أونعل أو مصراعي باب؛ فأراد رد أحدهما، فلا يجوز قولاً واحداً؛ لأن فيه إضراراً بالبائع؛ العين الواحدة يرد بعضها.
وقيل: فيه قولان أيضاً.
ولا فرق بين أن يرد قبل القبض أو بعده.
وقال أبو حنيفة- ﵀: لا يجوز التفريق قبل القبض، ويجوز بعده، إلا أن تتصل منفعة أحدهما بالآخر.
فلو تلفت إحدى العينين والقائمة معيبة؛ فإن جوزنا التفريق، يرد القائمة، ويسترد بحصتها من الثمن.
فلو اختلفا في قيمة التالفة؛ مثل: إن كانت قيمة القائمة ألفاً، فقال البائع: قيمة التالفة ألف؛ فلا يلزمني إلا رد نصف الثمن، وقال المشتري: بل خمسمائة؛ فعليك رد ثلثي الثمن - فالقول قول من؟ فيه قولان:
أصحهما: القول قول البائع مع يمينه؛ لأنه غارم؛ كالغاصب مع المال إذا اختلفا في
стр. 1175
قيمة المغصوب، كان القول قول الغاصب؛ ولأن البائع ملك جميع الثمن بالبيع، فلا يرجع عليه إلا بما يقر به.
والثاني: القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الهلاك كان في يده.
وإن قلنا: لا يجوز التفريق، ماذا يفعل؟ فيه قولان:
أحدهما: يغرم قيمة التالفة [الألف] ويردها مع القائمة، ويفسخ العقد. فعلى هذا: لو اختلفا في قيمة التالفة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الهلاك وجد في يده، وهو الغارم.
والقول الثاني - وهو الأصح-: لا فسخ له، بل يرجع بأرش العيب؛ لأنه لو حدث عنده عيب بالمبيع، لا يمكنه الرد بالعيب القديم؛ فالهلاك أكثر منه. فعلى هذا: لو اختلفا في قيمة التالفة، مثل: إن كانت قيمة القائمة ألفاً، والعيب ينقص عشر قيمتها؛ فقال البائع: قيمة التالفة ألف؛ فعليَّ رد عشر نصف الثمن، وقال المشتري: بل خمسمائة؛ فعلي رد عشر ثلثي الثمن - فالقول قول من يكون؟
فيه قولان: أصحهما: القول قول البائع مع يمينه.
فأما إذا تعدد العاقد، مثل: إن باع رجلان عبداً من رجل صفقة واحدة، ثم اطلع على عيب به - يجوز له رد نصيب أحد البائعين.
وكذلك لو اشترى رجلان عبداً من رجل صفقة واحدة، ثم وجدا به عيباً - يجوز لأحد المشترين رد نصيبه.
وعند أبي حنيفة ﵀: لا يجوز لأحد المشترين رد نصيبه. وحكاه أبو ثور عن الشافعي ﵁. والأول المذهب؛ لأن تعدد العاقد يوجب تعدد الصفقة في حق الرد؛ كما لو تعدد البائع، يجوز رد نصيب أحد البائعين.
ولو اشترى رجلان عبداً من رجلين، فقد اشترى كل واحد ربع العبد من كل واحد من البائعين؛ فلكل واحد أن يرد الربع إلى أحدهما.
ولو اشترى رجلان عبدين من رجلين، فكل واحد منهما اشترى من كل واحد ربع كل عبد؛ فإذا وجدا بهما عيباً، فلكل واحد منها رد جميع ما اشترى من أحدهما عليه.
ولو أراد أحدهما رد ربع أحد العبدين على أحدهما - فعلى قولين؛ لأنه تتبعض الصفقة على واحد في عبدين.
стр. 1176
ولو وكل رجلان رجلاً بالبيع أو بالشراء - فالاعتبار في تعدد الصفقة بالعاقد، أم بالمعقود له؟ اختلف فيه:
منهم من قال - وبه قال ابن الحداد، وهو الأصح: الاعتبار بالعاقد؛ لأن أحكام العقد تتعلق به.
وقال الشيخ أبو زيد والخضري: الاعتبار بالمعقود له؛ لأن الملك يقع له.
وقال الشيخ أبو إسحاق: في جانب البائع الاعتبار بالمعقود له؛ لأنه لا تعلق للعقد بوكيل البائع؛ بدليل أنه لو خالف موكله لا يصح البيع؛ ولو أنكر "المالك" وكالته، كان البيع باطلاً. وفي جانب المشتري الاعتبار بالعاقد؛ لأن العقد له تعلق بوكيل المشتري؛ بدليل أنه لو خالف موكله، يقع العقد للوكيل، ولو أنكر الموكل وكالته كان العقد لازماً للمشتري.
خرج من هذا أنه لو وكل رجلان رجلاً ببيع عبد لهما، أو أحد الشريكين وكل صاحبه؛ فباع الكل - فعلى الوجه الأول: لا يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما؛ وهو أحد الموكلين، لأن العاقد واحدٌ، وعلى الوجهين الآخرين: يجوز.
ولو وكل رجلان رجلاً بشراء عبد، أو وكل رجلاً بشراء عبد له ولنفسه؛ ففعل - فعلى قول ابن الحداد، وأبي إسحاق: لا يجوز لأحد الموكلين رد نصيبه.
وعلى قول أبي زيد والخضري: يجوز؛ لتعدد المعقود له.
وقيل في هذه الصورة: إذا كان البائع عالماً أنه يشتري لرجلين، يجوز لأحدهما رد نصيبه؛ لأن البائع قد رضي به، وإن كان جاهلاً فلا.
ولو وكل رجلان رجلاً ببيع عبد، ووكل رجلان رجلاً بشرائه؛ فباع أحد "الوكيلين" من الآخر - فعلى قول ابن الحداد: حكمه حكم ما لو باع واحد من واحد لا يجوز التفريق.
وعلى قول أبي زيد: حكمه حكم ما لو باع اثنان من اثنين.
وعلى قول أبي إسحاق: حكمه حكم ما لو باع رجلان من واحد. وقس عليه تعدد الوكيل، دون الموكل.
ولو اشترى شيئاً من رجل، ومات الرجل المشتري عن ابنين، ووجدا به عيباً؛ فأراد أحدهما الرد دون الآخر - ليس له ذلك؛ لأن الصفقة وقعت متحدة.
وهل له أخذ الأرش لنصيبه؟ نظر:
стр. 1177
إن وقع اليأس من رد صاحبه؛ بأن رضي به، له أخذ الأرش، إلا أن يرضى البائع بقبول نصفه فيرده.
وإن لم يقع اليأس من رد صاحبه، فإن كان غائباً أو جاهلاً فوجهان:
أصحهما: له أخذ الأرش؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه ربما يوافقه صاحبه في الرد.
وكل لو اشترى رجل بوكالة رجلين لهما شيئاً، وقلنا: الاعتبار بالعاقد - ليس لأحد الموكلين رد نصيبه [بالعيب].
وهل له أخذ الأرش؟ فعلى هذين الوجهين:
ولو اشترى شيئاً واحداً بصفقتين: نصفه بصفقة، والنصف الآخر بصفقة أخرى من ذلك الرجل، أو من غيره- جاز له رد أحد النصفين بالعيب دون الثاني؛ لتعدد الصفقة.
فصل فيما يثبت الرد من العيوب والخلف
إذا اشترى شيئاً؛ فوجد به عيباً كان موجوداً يوم العقد، أو حدث قبل القبض - له الرد.
والعيب: ما ينقص القيمة عند التجار؛ مثل: الجنون والجُذام والبرص والشلل، والعرج، والعمى، والعور، والصمم، وكونه مقطوع إصبع أو أنملة. أو كونه "أخفش"، أو أعمش، أو أعشى، أو أجهر أو أفقم، أو أخشم أو مُتدرد الأسنان،
стр. 1178
أو لا يعرف طعم الأشياء، أو يجده خُنثى أو خصيا، أو له إصبع زائدة، أو سن شاغية، أو وجد الجارية مستحاضة، أو وجده سارقاً أو آبقاً أو شرباً، أو مقامراً، أو وجده زانياً، أو وجد به بخراً أو صناناً؛ عبداً كان أو جارية - فله الرد.
وعند أبي حنيفة تُرد الجارية بكونها زانية أو بالبخر والصنان، ولا يرد الغلام؛ أنه يستفرش الجارية؛ فيتضرر بهذه العيوب منها.
قلنا: يتضرر أيضاً بزنا الغلام؛ فإنه يجلد هره، ولا يأتمنه على أهله، ويتضرر بصنُانه وبخره عند المكالمة ويعافه.
ولو زنى مرة في يد البائع، ثم تاب، وحسنت حالته -يجوز للمشتري رده به؛ بخلاف الشرب المتقادم لا يثبت الرد إذا كان تاب عنه؛ لأن سمة الزنا لا تزول عنه؛ بدليل أنه لا يحد قاذفه إذا كان حراً، وإن كان تائباً، وسمة الشرب نزول.
ولو وجده يبول في الفراش؛ فإن كان صغيراً دون سبع لا رد له، وإن كان كبيراً له الرد.
وعند أبي حنيفة: ترد الجارية دون الغلام.
ولو وجد العبد يمكن من نفسه يرده؛ صغيراً كان أو كبيراً.
وقال أبو حنيفة: لا يرد به الصغير؛ لأنه يخدع.
قلنا: إذا اعتاده في الصغر يستمر في عادته في الكبر.
ولو وجده مغنياً أو حجاماً، لا رد له؛ لأنه يمكنه [رده و] منعه عنه.
ولو وده ولد زنا، لا رد له؛ لأن نسب المملوك لا يقصد؛ فإن الغالب منهم لا يُعرف نسبهم.
ولو وجده أقلف أو مختوناً لا رد له.
وقيل: يرد العبد الكبير إذا كان أقلف؛ لأنه يخاف عليه؛ فإن كان صغيراً، أو كانت أمة صغيرة كانت أو كبيرة - لايرد.
فإن شرط أنه مختون؛ فبان أقلف، له الرد، ولو شرط أنه أقلف؛ فبان مختوناً، لا رد
стр. 1179
له؛ حتى لو باع عبداً أقلف؛ فختنه البائع قبل التسليم، أو له سن شاغية؛ فقلعها، أو إصبع زائدة، فقطعها؛ فاندمل -لا خيار للمشتري.
ولو قلعه المشتري بعد القبض، فاندمل، ثم وجد به عيباً قديماً - له الرد؛ كما لو اشترى عبداً؛ فحجمه أو فصده أو دابة؛ فبزغها، ثم وجد بها عيباً - له الرد.
ولو اشترى جارية؛ فوجدها لا تحيض؛ نظر: إن كانت صغيرة، أو بلغت سن الآيات، فلا رد له. وإن بلغت سناً تحيض فيها أكثر النساء؛ بأن بلغت عشرين سنة، ولم تحض، أو كانت لها عادة؛ فجاوزت عادتها - له الرد.
ولا تُرد لكبر السن، وترد الجارية والدابة بكونها حاملاً، ولا ترد الجارية بكونها عقيماً، ولا الغلام بكونه عنيناً.
ولا يرد واحد منهما بونه أكولاً أو زهيداً، وترد الدابة بكونها زهيدة؛ لأنه نقص في الدواب، ولا ترد بونها أكولة، وترد بونها جموحاً لا تركب إلا بمشقة.
ولو اشترى داراً؛ فوجدها مثقلة بالخراج أو منزل الجنود - لا رد له إن كانت الدور التي بقربها مثلها؛ فإن كانت هذه أكثر خراجاً أو أكثر نزولاً، له الرد؛ فإن لم يكن على ما بقربها خراج، فله الرد، وإن قل خراجها.
ولو وجد الجارية مزوجة، أو وجد العبد ذا زوجة - له الرد؛ لأن التزويج ينقص القيمة؛ لأن منفعة بُضع الأمة تكون مشغولة بالزوج، ومكاسب العبد مصروفة إلى نفقة الزوجة ومهرها.
ولو علم العبد ذا زوج، ولكن لم يعلم أن عليه مهراً، أو لم يعلم قدره- فله الرد؛ كما لو اشتراه عالماً بالعيب، ولم يعلم مقداره له الرد.
ولو لم يعلم الجارية مزوجة؛ حتى وطئها الزوج بعد القبض - نظر:
إن كانت ثيباً، فله الرد. ووافق فيه أبو حنيفة، وإن كانت بكراً؛ فافتضها، فنقص الافتضاض من ضمان من يكون فيه وجهان.
стр. 1180
أحدهما - من ضمان البائع؛ لأن سببه؛ وهو النكاح قد وجد في يده.
والثاني -: وهو الأصح عندي: يكون من ضمان المشتري؛ لحدوثه في يده.
فإن قلنا: من ضمان البائع يجوز للمشتري الرد بسبب التزويج، فإن تعذر الرد؛ لحدوث عيب، أو هلاك - يرجع بما بين قيمتها بكراً غير مزوجة، ومزوجة مفتضة من الثمن.
وإن قلنا: يكون من ضمان المشتري، فلا رد له بسبب التزويج؛ لنقص الافتضاض، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمتها بكراً غير مزوجة، وبكراً مزوجة من الثمن.
وإن كان عالماً بالتزويج أو علم ورضي به، ثم وجد بها عيباً بعد ما افتضها الزوج في يد المشتري؛ فهل له الرد بهذا العيب؟
إن قلنا: الافتضاض من ضمان البائع، له الرد بالعيب القديم، وإلا فلا رد له إلا برضا البائع، فإن لم يرض، رجع بالأرش، وهو ما بين قيمتها مزوجة ثيباً سليمة، ومزوجة ثيباً معيبة.
ولو اشترى جارية ثيباً من أبيه أو ابنه، فوطئها، ثم علم بها عيباً - له الرد؛ ون حرمت بوطئه على البائع؛ لأن التحريم على البائع ليس بنقص.
وكذلك لو اشترى جارية رضيعة؛ فأرضعتها أم البائع أو ابنته، ثم علم بها عيباً - له الرد؛ "كما" لو أرضعت امرأة رجل أمته بلبنه، لا شيء عليها، وإن حرمت الجارية على المولى.
وكذل لو اشترى جارية؛ فوجدها أخته من الرضاع، أو من النسب أو موطوءة ابنه -لا رد له؛ لأنها إن لم تحل له تحل لغيره.
ولو وجدها أمه، أو اشترى عبداً؛ فوجده أباه، فقد عتق عليه، ولا رد له.
ولو وجد الجارية مجوسية، أو وثنية، أو مرتدة - له الرد؛ لأنها محرمة على كافة الناس.
ولو وجدها كتابية، أو وجد العبد كافراً أصلياً أي كفر كان - نظر:
إن كان قريباً من بلاد الكفر لا تقل الرغبات فيه، بسبب كفره -لا رد فيه.
وإن كان في بلاد الإسلام؛ بحيث تقل الرغبات في الكافر- له الرد. أما إذا وجد العبد مرتداً، فله الرد.
ولو اشترى عبداً؛ بشرط أنه مسلم، فبان كافراً - له الرد. ولو شرط أنه كافر؛ فبان
стр. 1181
مسلماً، قيل: له الرد؛ لأن الكافر يرغب في شرائه المسلمون والكفار، والمسلم لا يرغب فيه إلا المسلمون، وقلة الرغبات تنقص القمية؛ كمن اشترى عبداً؛ بشرط أنه خصي، فبان فحلاً، له الرد.
وقال أبو حنيفة ﵀، وهو اختيار المزني: أنه لا رد له.
ومن أصحابنا من قال: إن كان قريباً من بلاد الكفر، له الرد، وإلا فلا.
ولو وجد الجارية معتدة، له الرد، ولو وجدها محرمة أو وجد العبد محرماً، له الرد إن أحرم بإذن المولى.
وإن أحرم دون إذنه، فلا رد له؛ لأن له تحليله.
ولو اشترى جارية، فوجدها بكراً أو ثيباً، لا رد له؛ لأنه ليس بعيب؛ فإن وجدها رتقاء أو قرناء له الرد؛ لأنه عيب.
ولو شرط أنها بكرٌ، فكانت ثيباً، له الرد.
ولو شرط أنها ثيب؛ فبانت بكراً، لا رد له؛ على أصح الوجهين؛ لأنه زيادة منقبة فيها، كما لو شرط في العبد أنه غير كاتب؛ فبان كاتباً لا رد له.
وقيل: له الرد بالبكارة لأنه قد يضعف عن مباشرة البكر؛ فيرغب في الثيب. والأول المذهب؛ لأنه لا اعتبار برغبته، إنما الاعتبار بزيادة القيمة، وبالبكارة تزداد القيمة، وتكثر الرغبات فيها.
ولو اشترى جارية مزوجة، على أنها بكر؛ فكانت ثيباً- هل له الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا رد له؛ لأنه لا غرض للمشتري فيها، وأن منفعة بضعها مستحقة للزوج.
والثاني- وهو الأصح: له الرد؛ لأن رقبة بضعها مملوكة له؛ بدليل أنها لو وطئت يكون المهر له.
ولو وجد الجارية جعدة أو سبطة الشعر، لا رد له؛ لأنه ليس بنقص.
стр. 1182
ولو شرط أنها جعدة؛ فإذا هي سبطة، له الرد. ولو شرط أنها سبطة؛ فبانت جعدة، فعلى وجهين:
أصحهما: لا رد له؛ لأن الجعودة في الشعر زيادة.
وإن كان شعرها أحمر، لا رد له. وإن كان أبيض؛ نظر: إن كان لكبر السن، لا رد له، وإن كان أبيض قبل أوانه فله الرد؛ لأنه علة.
ولو سود البائع شعرها أو جعده؛ فظنه المشتري كذل، فظهر عليه بعده - له الرد؛ للتدليس.
وكذلك لو حمر وجهها؛ وظنها حسناء، له الرد؛ بخلاف ما لو ألبسه ثوب الكتبة، أو الخبازين؛ فظنه المشتري كاتباً أو خبازاً فلم يكن - لا رد له؛ على ظاهر المذهب؛ لأن الإنسان قد يلبس ثوب غيره عارية؛ فلم يكن فهي تدليس، بل هو اغترار من جهة المشتري، واللون لا يستعار، فكان تغييره تغريراً من البائع.
فرع: ولو شرط في العبد أنه كاتب أو خباز؛ فلم يكن له الرد؛ فإن كان يحسن منه ما يقع عليه الاسم، لا رد له، ولا تشترط النهاية فيه.
ولو شرط في العبد، أنه فحل؛ فبان خصياً - له الرد، وكذلك لو شرط؛ أنه خصي؛ فبان فحلاً؛ لأن الأغراض تختلف بهما.
وكل موضع أثبتنا له حق الرد بالعيب أوب الخلف في الشرط - فهو على الفور؛ حتى لو أخر الفسخ بعد العلم مع الإمكان لبطل حقه من الرد.
ثم إن كان البائع حاضراً أو وكيله، رد عليه بنفسه، أو بوكيله، ولايحتاج إلى حضور مجلس الحاكم.
وإن كان البائع غائباً، رده بمحضر الحاكم؛ حتى يضعه الحاكم عند عدل، فإن علمه في الليل؛ فأخر إلى طلوع النهار، لا يبطل حقه في الرد.
وهل يشترط الإشهاد إن أمكنه؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يشترط، ولا أن يقول بلسانه: فسخت.
ولو استعمل المبيع بعد العلم بالعيب، أو قال للعبد: اسقني - بطل حقه.
ولو ركب الدابة؛ لسقي أو للرد، بطل حقه، إلا أن تكون جموحاً لانتقاد للسقي.
وقال ابن سريج: لا يبطل، وبه قال أبو حنيفة.
ولو علفها، لا يبطل حقه، وكذل لو حلبها: لأن اللبن له.
стр. 1183
قال صاحب "التلخيص": لو اشترى دابة؛ فضرب عليها سرجاً أو إكافاً أو أعذرها أو أنعلها، ثم اطلع على عيب بها؛ فإن ترك السرج والإكاف عليها، بطل حقه من الرد، وإن ترك العذار لا يبطل؛ لأن يترك السرج والإكاف مستعمل، وبترك العذار غير مستعمل؛ لأنه يحتاج غليه لقودها.
ولو نزع النعل يبطل حقه؛ لأن نزعه يعيب الدابة بالنقبة التي تبقى، فإن كانت النقبة موجودة عند البائع، فأنعلها المشتري - فبالنزع لا يبطلحقه من الرد؛ فحيث قلنا: لا ينزع النعل؛ فلو ردها مع النعل يجبر البائع على قبولها.
ثم ترك النعل إليه تمليك، أم لا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: تمليك؛ فإذا نزعه البائع، لايجب رده إلى المشتري، وإلا فيجب.
فحيث أثبتنا له الرد بالعيب؛ فقال البائع لا ترد؛ حتى أغرم لك أرش العيب، فله الرد، فلو صالحه عن الرد على شيء أو على حط بعض الثمن - لا يصح؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه خيار فسخ؛ فلا تجوز المصالحة عنه على مال؛ خيار المكان والشرط.
وقال ابن سريج؛ يجوز؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه حق يئول إلى المال؛ بدليل أنه إذا تعر الرد يأخذ الأرش، فهو كحق القصاص تجوز المصالحة عنه على مال.
فإن قلنا: لا تجوز المصالحة على مال، يجب على المشتري رد ما أخذ؛ وهل يبطل حقه من الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه أخر - الرد مع الإمكان.
والثاني - وهو الأصح-:لا يبطل؛ لأنه ترك بمقابلة عوض؛ فإذا لم يسلم له العوض، كان على حقه من الرد؛ كمن باع عبداً بثوب، فإذا لم يسلم له الثوب، لا يبطل حقه من العبد.
وإذا زال العيب قبل العلم، أو بعد العلم قبل الرد- سقط حق الرد؛ لأن الضرر قد زال.
[أما إذا صالح عن العيب على مال، وجوزنا؛ فزال العيب - لا يجب رد المال؛ لأنه أخذ على جهة المعاوضة].
ولو اشترى شاة سمينة؛ فهزلت قبل القبض، ثم سمنت - هل للمشتري الفسخ؟ فيه
стр. 1184
وجهان؛ بناء على ما لو غصب شاة سمينة؛ فهزلت، ثم سمنت، ثم ردها - هل يجب ضمان السمن الأول، أم ينجبر بالثاني فيه وجهان:
إن قلنا: ينجبر بالثاني، فلا فسخ له، وإلا فله الفسخ.
وإذا رد البيع بالعيب، يسترد الثمن إن كان قائماً، فإن كان معيناً أخذ عينه، وإن كان في الذمة؛ فنقده هل يتعين حقه فيه، أم للبائع أن يعطي مثله؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يعطي مثله؛ لأن حق البائع لم يكن متعيناً فيه حالة العقد؛ فحق المشتري لا يتعين فيه عند الفسخ.
والثاني: يتعين فيه حقه؛ لأنه تعين بالقبض؛ فصار كالمتعين في العقد.
وإن كان الثمن تالفاً، أخذ مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان متقوماً أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض؛ لأن قيمته إن كانت يوم العقد أقل؛ فزادت، فتلك الزيادة لمشتريه. وإن كانت أكثر؛ فانتقصت، فذلك النقصان حصل في ضمنا بائعه ولو أراد أن يستبدل منه شيئاً يجوز؛ كالقرض.
وإن كان الثمن قد خرج عن ملكه ببيع أو هبة، أو كان شقصاً مشفوعاً أخذه الشفيع - فهو كالتالف يأخذ قيمته.
وإن كان قد خرج "عن ملكه"، ثم عاد إليه، أو كان عبد؛ فكاتبه، ثم عجز - له أن يأخذ عينه؛ على أصح الوجهين؛ لأنه وجد عين ماله.
وقيل: يأخذ بدله، ولا يتعين حقه فيه؛ لأن البائع ملكه من غيره.
وإن كان الثمن ناقصاً؛ نظر:
إن كان نقصان جزء بأن كان قد اشترى داراً بثوب وعبد، وتلف الثوب عند البائع؛ فإذا رد المشتري الدار، يسترد العبد، وقيمة الثوب.
وإن كان نقصان وصف من شلل أو عور ونحوه، فلا يغرمه الأرش؛ على الأصح.
ولو كان زائداً بزيادة متصلة، أخذها، ولا شيء عليه.
فصل فيما يثبت الرجوع بالأرش
إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً بعد ما هلك في يده؛ بموت أو قتل، أو كان طعاماً أكله أو عبداً أعتقه أو جارية قد استولدها، أو داراً أوقفها -يرجع بالأرش؛ وهو أن ينر كم انتقص من قيمته بسبب العيب؛ فيرجع بتلك النسبة من الثمن.
стр. 1185
مثل: إن انتقص عُشر قيمته، فيرجع بعشر الثمن؛ سواء كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل؛ لأن المبيع مضمون على البائع بالثمن.
وكيف تعتبر قيمته؟
قيل: تعتبر قيمته بيوم عقد البيع؛ لأن الثمن قابل المبيع يومئذ والأصح: أنه تعتبر بأقل القيمتين من يوم البيع إلى يوم القبض.
وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع طعاماً؛ فأكله، أو عبداً؛ فقتل: أنه لا يرجع بالأرش.
أما إذا كان المبيع قائماً، لنه تعلق به حق الغير، لا يخلو: إما إن خرج عن ملكه، أو لم يخرج:
فإن خرج عن ملكه؛ نظر: إن خرج بعوض؛ بأن باعه، أو وهبه؛ بشرط الثواب - فلا يرجع بالأرش؛ لمعنيين:
أحدهما: لأنه استدرك الظلامة؛ بأن باعه كما اشتراه.
والثاني: لأنه ربما يعود إليه؛ فيرده.
وفائدة المعنيين: تتبين فيما لو وهبه مطلقاً، فهل يرجع بالأرش؟ فيه وجهان:
إن قلنا بالمعنى الأول، يرجع؛ لأنه لم يستدرك الظُلامة.
وإن قلنا بالثاني: فلا؛ لأنه ربما يعود إليه فيرد؛ حتى قال بعض أصحابنا: لو كان وهبه من ابنه، فلا يرجع بالأرش؛ لأنه يمكنه أن يرجع في الهبة، ثم يرد؛ كما لو لم يخرج عن ملكه. والصحيح: أنه خارج عن ملكه.
فلو باعه [المشتري]، ثم المشتري الثاني رد عليه بالعيب - فله رده على الأول.
وإن كان علم بالعيب في يد الثاني؛ حتى ولو كان باعه بشرط الخيار، وعلم بالعب في زمان الخيار، فلم يفسخ حتى فسخ المشتري، أو رده بالعيب - له أن يرد على الأول، ويترك الفسخ لا يبطل حقه من الرد.
ولو أراد المشتري الثاني أن يرد على البائع الأول - لم يكن له ذلك؛ لأنه لم يتلق الملك منه؛ ولأن البائع الثاني ربما يرضى به؛ فلا يرد.
وإن تلف المبيع في يد المشتري الثاني، أو كان عبداً؛ فأعتقه، ثم علم بالعيب - له أن يرجع بالأرش على البائع الثاني، ثم البائع الثاني يرجع على الأول.
стр. 1186
فإذا اختلف الثمنان جنساً أو قدراً، فكل واحد يرجع بما نقصه العيب من ثمنه؛ حتى لو كان ثمن الأول عشرة، وثمن الثاني عشرون، والعيب يُنقص عُشر قيمته - فالمشتري الثاني يرجع بدرهمين على بائعه، ثم بائعه يرجع على الأول بدرهم.
وهل للبائع الثاني أن يرجع على الأول بالأرش قبل أن يغرم للمشتري الثاني؟ فيه وجهان؛ بناء على المعنيين:
إن قلنا: عدم الرجوع بالأرش؛ لاستدراك الظلامة، فلا يرجع على الأول ما لم يغرم للمشتري الثاني الأرش، حتى لو أبرأه المشتري الثاني على الأرش، لارجوع للبائع الثاني على الأول بشيء.
وإن قلنا: المعنى فيه: أنه ربما يعود إليه؛ فيرد هاهنا وقع اليأس عن العود إليه؛ فيرجع بالأرش، وإن أبرأه المشتري الثاني.
ولو حدث بالمبيع عيب في يد المشتري الثاني، ثم ظهر على عيب قديم - فنه يعرض الرأي على البائع الثاني؛ فإن قبله مع العيب الحادث أخذه، ثم يعرض الرأي على البائع الأول؛ فإن قبله وألا أخذ أرش العيب القديم منه.
فلو أن البائع الثاني لم يقبله مع العيب الحادث، بل غرم الأرش- هل يرجع بالأرش على البائع الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأنه يقول: كان عليك أن تقبله مع الحادث، ثم تعرض الرأي عليَّ لعلِّى أقبله.
والثاني: يرع؛ كما لو تلف في يد المشتري الثاني، ورجع بالأرش على البائع الثاني، يرجع هو على الأول.
أما إذا باع المشتري المبيع، ثم عاد إليه لا بطريق الرد؛ بأن اتهبه أو ورثه، أو قبل الوصية؛ أو كان باعه بعوض، ثم وجد بالعوض عيباً فرده، واسترد المبيع - هل له رده بالعيب على الأول؟ فيه وجهان
أحدهما: لا؛ لأنه استدرك الظلامة بالبيع.
والثاني: يرد؛ كما لو رد عليه بالعيب يرده.
وإن عاد إليه بطريق الشراء، ثم وجد به عيباً قديماً كان في يد البائع الأول - فعلى من يرد؟ فيه أوجه تنبني على المعنيين:
إن قلنا: استدرا الظلامة، فهاهنا يرد على الثاني؛ لأنه استدرك ظلامة البيع الأول.
وإن قلنا: بالمعنى الآخر، فيه وجهان:
стр. 1187
أحدهما: يرد على الأول؛ لأن المبيع قد عاد إليه.
والثاني: يرد على أيهما شاء؛ لأن كل واحد من العقدين مثبت للرد؛ فعلى هذا عن رد على الثاني، ثم هو رد عليه - له أن يرد على الأول.
فأما إذا خرج المبيع عن ملكه بغير عوض؛ بأن وهبه، ثم عاد إليه -نظر: إن عاد إليه بغير عوض:
فإن قلنا: ليس له أخذ الأرش؛ لأنه ربما يعود إليه، فهاهنا يرد.
وإن جوزنا له أخذ الأرش، فوجهان:
أحدهما: لا رد له، وحقه في الأرش.
والثاني: له الرد؛ لأن أخذ الأرش كان لتعذر الرد، وقد زال.
وإن عاد إليه بعوض؛ بأن اشتراه ثانياً:
فإن قلنا: إذا عاد إليه بغير عوض، لا رد له؛ فهاهنا يرد على الثاني.
وإن قلنا: إذا عاد إليه بغير عوض، له الرد على الأول؛ فهاهنا من يرد؟ فيه ثلاثة أوجه
أحدها: على الأول.
الثاني: يرد على الثاني.
والثالث: يتخير بينهما؛ فعلى أيهما شاء رد.
ولو باع عبداً من رجل، ثم اشتراه منه، ثم اطلع على عيب حدث في يد مشتريه - له أن يرد عليه.
وإن اطلع على عيب كان في يده؛ نظر:
إن كان مشتريه قد علم به، له أن يرد عليه؛ لأنه قد رضي به؛ فلا يمكنه أن يرده عليه.
وإن لم يعلم؛ نظر:
إن اشتراه بغير جنس ما باعه، أو بأكثر؛ له رده؛ لأن مشتريه إن رد إليه، يحصل له فائدة؛ وهو عود الثمن الأكثر إليه.
وإن اشتراه بمثل الذي باعه، فهل له الرد؟ فيه وجهان
أحدهما: لا؛ لأن مشتريه يرده عليه؛ فلا فائدة له في رده.
والثاني - وهو الأصح-: له الرد؛ لأن مشتريه ربما يرضى به؛ فلا يرده.
قلت: ولو تلف في يده، ثم ظهر على عيب قديم به؛ هل يرجع بالأرش على مشتريه؟
стр. 1188
فكل موضع أثبتنا له رد المبيع، لو كان قائماً، فله أن يرجع بالأرش، وإلا فلا.
ولو اشترى شيئاً؛ فباع نصفه، ثم وجد به عيباً، لم يكن له رد النصف الآخر؛ لما فيه من التشقيص على البائع، ولا له أخذ الأرش للنصف الذي باعه؛ لأنه استدرك ظُلامته.
وهل له أخذ الأرش للنصف الثاني؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه ربما يعود إليه النصف الآخر؛ فيرد الكل إليه. والأول أصح؛ كما لو حدث عنده عيبٌ؛ وود به عيباً قديماً، ولم يرض البائع بأخذه - فللمشتري أن يأخذ الأرش، ولا ينتظر زوال العيب الحادث.
ولو باع نصفه من بائعه، ثم وجد به عيباً؛ هل هـ رد النصف الثاني؟ قيل: له ذلك؛ لأنه ليس فيه تبعيض الملك عليه.
والصحيح من المذهب: أن ليس له ذلك؛ لأن فيه تبعيض الصفقة. وهل له أخذ الأرش للنصف الثاني؟ فعلى وجهين؛ كما لو باع نصفه من غير بائعه.
ولو اشترى عبداً؛ فباع نصفه، ثم مشتري النصف عتق ما اشترى، ثم وجد به عيباً قديماً - نظر:
إن كان موسراً عتق كله، وعليه قيمة نصيب البائع الثاني، ثم البائع الثاني يرجع بأرش النصف الذي لم يبعه على بائعه؛ لأنه لم يتخلص عن ظلامته بالبيع، بل يقوم على المعتق ناقصاً؛ كما لو تلف عليه المبيع يرجع على بائعه بالأرش؛ وإن أخذ قيمته من المتلف، ثم المعتق إن رجع عليه بأرش نصيبه، يرجع هو على بائعه، وإن لم يرجع، هل له أن يرجع على بائعه؟ فوجهان، كما لو أتلف المبيع في يد المشتري الثاني.
وإن كان المعتق معسراً، يوقف العتق على نصيبه، ويرجع البائع بأرش نصيبه. وهل يرجع بأرش النصف الذي باعه. فإن رجع عليه مشتريه رجع، وإلا فوجهان.
أما إذا تعلق بالمبيع حق الغير، ولم يخرج عن ملكه، ثم وجد به عيباً؛ مثل: إن كاتبه، أو رهنه وسلمه، لم يكن له رده لحق الكتابة والرهن.
وهل له أخذ الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا يأخذ؛ لأنه قد يخرج عن الكتابة والرهن؛ فيمكنه رده؛ فعلى هذا: إذا عجز المُكاتب، أو افتك الرهن رده، وإذا عتق بأداء النجوم أخذ الأرش؛ لأنه عتق على
стр. 1189
حكم ملكه، وإن أخذ عليه عوضاً؛ كما لو أعتقه؛ بخلاف ما لو باعه.
وإن أجر المبيع، ثم وجد به عيباً؛ إن قلنا: بيع المُكراة لا يجوز، فهو كما لو رهنه.
وإن قلنا: يجوز، يعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي به مسلوب المنفعة مدة الإجارة، رد عليه، ويترك في يد المستأجر، حتى تمضي مدته، وإن لم يرض به فهل للمشتري أن يأخذ الأرش، أو يصبر؛ حتى تمضي مدة الإجارة؛ فيرد؟ فيه وجهان.
ولو غصب المبيع أو أبق، لايمكنه الرد؛ لأن الرد مع الحائل لا يصح. وهل له أخذ الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه لم يقع اليأس من العود إليه، بل يصبر؛ فإن عاد إليه رده، وإن هلك أخذ الأرش.
فصل في العيب الحادث مانع من الرد
إذا اشترى شيئاً؛ فحدث به عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب قديم به، سواء حدث الحادث بآفة سماوية، أو بجنايته، أو جناية غيره - يُعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي به مع العيب الحادث رده إن شاء، ون لم يرد فلا أرش له، وإن لم يرض به البائع رجع عليه بأرش العيب القديم.
وعرض الرأي على البائع يكون على الفور؛ فن أخر مع الإمكان، بطل حقه من الرد والأرش.
وإن لم يرض به البائع، أخذ الأرش لا يكون على الفور، بل متى شاء أخذ.
وإن قال البائع: رده مع أرش العيب الحادث، فللمشتري إمساكه، وتغريمه أرش العيب القديم.
ولو قال المشتري: أرده مع أرش العيب الحادث، فللبائع ألا يرضى، ويغرم أرش العيب القديم.
وقال مالك، وابن أبي ليلى: للمشتري رده مع أرش العيب الحادث.
وإن كان العيب الحادث مما يزول غالباً من: حُمى، أو صداع، أو رمدٍ - فهل له أن ينتظر زواله؛ حتى يرده سليماً، أو يعرض الرأي على البائع؟ فيه قولان:
стр. 1190
أحدهما: له ذلك؛ لأن الغالب أنه يزول.
والثاني: لا، بل يُعرض الرأي على البائع على الفور؛ فإن أخر، بطل حقه.
فلو زال العيب الحادث قبل العلم بالعيب القديم، أو بعد العلم به قبل عن قضى له بالأرش - له الرد.
وإن زال بعد ما قضى له بالأرش؛ أخذه أو لم يأخذه - هل له الفسخ، أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لأن المانع من الفسخ هو العيب الحادث، وقد زال.
والثاني- وهو الأصح عندي-: لا فسخ له؛ لأن قبول الأرش قد تأكد بالحكم؛ فسقط حق الفسخ.
وقيل: إن كان قبل أخذ الأرش له الفسخ، وإن كان بعد أخذه فلا فسخ له.
ولو زال العيب القديم فلا أرش له، وإن كان قد أخذه فعليه رده.
وقيل: في وجوب رده وجهان؛ بناء على ما لو نبتت سن المجني عليه بعد أخذ الدية، هل عليه رد الدية؟ فيه قولان.
ولو اشترى عبداً؛ فوجد بعينه بياضاً، وحدث عنده بياض آخر، ثم زال احد البياضين، واختلفا: فقال البائع: زال القديم؛ فلا شيء لك، وقال المشتري: بل زال الحادث؛ فلي الفسخ - تحالفا، وأخذ المشتري أرش أحد البياضين. فإن اختلف البياضان، أخذ أرش أقلهما؛ لأنه اليقين، والبائع يستفيد بيمينه رد الفسخ، والمشتري يستفيد بيمينه أخذ الأرش.
ولو اشترى عبداً محترفاً؛ فنسي الحرفة، أو نسي القُرآن، أو زوجه المشتري، أو كانت جارية فزوجها، ثم ود به عيباً قديماً - فهو كعيب حدث في يده؛ يعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي بهن وإلا أخذ أرش العيب القديم.
ولو اشترى عبداً؛ فأقر على نفسه بدين معاملة، أو أقر بدين إتلاف، وكذبه المولى، ثم وجد به عيباً قديماً - ل الرد؛ لأنه لا ضرر على المولى فيه؛ لأنه يتعلق بذمته لا برقبته.
وإن أقر "المشتري" عليه بدين الإتلاف، لا رد له بغير رضا البائع؛ فإن لم يرض أخذ الأرش.
فإن عفا المُقر له بعد أخذ المشتري الأرش، فهل له رد الأرش، وفسخ البيع؟
فيه وجهان.
وكذلك كل موضع حكمنا له بالأرش؛ لخروجه عن ملكه بغير عوضٍ؛ أو رهن، أو
стр. 1191
كتابة، أو إباقٍ؛ فأخذ الأرش، ثم زال المانع - هل له رد الأرش، وفسخ البيع؟
فيه وجهان. الأصح عندي: لا فسخ له.
وإن كان المشتري دبر العبد، أو علق عتقه بصفة، ثم وجد به عيباً - له الرد؛ لأنه لا يمنع البيع.
فصل في اختلاف المتبايعين في العيب
إذا اختلف المتبايعان في العيب؛ نظر:
إن اختلفا في أصل العيب، فقال المشتري به عيب خفي، وأنكر البائع - فالقول قول البائع، وعلى المشتري إثباته بالبينة؛ لأن الأصل سلامته.
وكذلك لو اختلفا في صفة به؛ هل هي عيب أم لا؟ فإن قال واحد من أهل العلم به: إنه عيب رده، وألا فالقول قول البائع؛ إنه ليس بعيب.
стр. 1192
ولو اتفقا على العيب، واختلفا: فقال المشتري: كان موجوداً يوم العقد، وقال البائع بل حدث عند المشتري، وكل واحد منهما محتمل - فالقول قول البائع؛ لأن المشتري يروم فسخ العقد، والأصل مُضية على السلامة؛ فيحلف البائع على البت لقد باعه بريئاً من هذا العيب، وإذا حلف لا رد للمشتري، ولا أرش له، وإن نكل حلف المشتري ورده.
وقال المزني ﵀: وجب أن يحلف لقد أقبضته بريئاً من العيب؛ لاحتمال حدوثه بعد البيع قبل القبضن ويكون ذلك من ضمان البائع.
قلنا: يمينه على وفق دعوى المدعي؛ فإن ادعى أنه باعه معيباً؛ يحلف على أنه باعه بريئاً، وإن ادعى أنه أقبضه معيباً، يحلف لقد أقبضه بريئاً.
ولو ادعى أنه باعه معيباً، أو قال: أقبضه معيباً، فأجاب البائع: إنه لا يلزمني تسليم
стр. 1193
شيء إليك، ولا تستحق بهذا العيب رداً، وحلف عليه - جاز، ولا يكلف أن يحلف أنه لم يبع، أو لم يقبض معيباً؛ لاحتمال أنه باعه معيباً، ولكن المشتري قد رضي به؛ فتكون يمينه جائزة؛ على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك.
فإذا حلف البائع أنه باعه، أو أقبضه بريئاً من العيب، ثم اختلف المتبايعان في الثمن - تحالفا وانفسخ البيع بينهما.
فلو قال البائع بعد الفسخ للمشتري: إني قد حلفت أني بعته بريئاً من العيب، فاغرم لي أرش العيب - ليس له ذلك؛ لأن كان في الدعوى الأولى مدعى عليه؛ فقبلنا قوله، والآن صار مدعياً فلا يقبل قوله، ولكن له تحليف المشتري على أنه لا يلزمه تسليم شيء إليه.
ولو اتفقا على أن العيب كان موجوداً يوم البيع، أو حدث قبل القبض؛ فقال البائع قد علمته ورضيت به، أو قال: أخرت الفسخ مع الإمكان، وأنكر المشتري - فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرضا، وبقاء حق الرد.
فصل في بيع ما مأكوله في جوفه وفيه عيب
إذا اشترى شيئاً مأكوله في جوفه؛ مثل: الرمان، والبطيخ، والرانج، والجوز، واللوز، والبيض، فكسره؛ فوجده فاسداً - نظر:
إن لم يكن لفاسده المكسور قيمة؛ كالبيضة يجدها مذرة بعد ما كسرها، أو شواها - يسترد جميع الثمن، وكان البيع باطلاً؛ لوروده على ما لا قيمة له.
وإن كان لفاسده المكسور - قيمة؛ كالرانج، وبيض النعامة - يمكن الانتفاع بقشره بعد الكسر؛ وكالبطيخ يخرج حامضاً أو مُراً، أو يجد بعضه مُدوداً- نظر:
إن كسره كسراً لا يمكن معرفة فساد باطنه إلا به، بأن كسر الجوز، وقور البطيخ تقويراً صغيراً؛ فوجده حامضاً أو شقه فوده مُدوداً؛ فإنه لا يمن معرفته إلا بالشق، أو ثقب موضع العلامة من الرانج - فهل له الرد؟ فيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا رد له إلا برضا البائع؛ كما لو اشترى ثوباً فقطعه، ثم وجد به عيباً، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته صحيحاً سليم اللب وفاسد اللب من الثمن.
والقول الثاني: له الرد؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفة العيب إلا به؛ كما لو اشترى ثوباً؛ فنشره أو مُصراة؛ فحلبها، ثم علم بالعيب - له الرد.
فإن قلنا: له الرد، فهل يغرم أرش الكسر؟ فيه قولان.
стр. 1194
أحدهما: بلى؛ كما في المُصراة إذا ردها يرد معها صاعاً من التمر.
والثاني - وهو الأصح-: لا يغرم؛ لأنه إذا لم يتوصل إلى معرفة العيب إلا بالكسر؛ فكأن البائع سلطه عليه.
وليس كالمصراة؛ لأن هناك يغرم الصاع بمقابلة ما بقي عنده من اللبن.
وإن قلنا: يغرم الأرش، يجب عليه ما بين قيمته صحيحاً فاسد اللب، ومكسوراً فاسد اللب، ويغرم من القيمة لا من الثمن؛ لأن العقد يرتفع بالرد.
أما إذا كسره كسراً يمكن معرفة العيب بدونه؛ بأن رض بيض النعامة، أو قور البطيخ تقويراً كبيراً، وأمكن معرفة حموضته بدونه، أو كسر الرانج، وأمكن معرفة فساد باطنه بفتح موضع العلامة، أو كسر البيضة، وأمكن معرفة فسادها بالقلقلة - فلا رد له، ويرجع بالأرض.
وكذلك لو اشترى ثوباً مطوياً؛ فنشره، ثم وجد به عيباً، وانتقص قيمته بالنشر، ولم يكن معرفة العيب بدون النر - فهل له الرد؟ فعلى قولين.
ولو اشترى رُماناً مطلقاً؛ فوجده حامضاً أو مُرا - لا رد له؛ لأنه ليس بعيب؛ بخلاف البطيخ يجده حامضاً؛ لأن حموضة البطيخ عيب.
فإن شرط في الرمان أنه حلو؛ فبان حامضاً، نظر:
إن عرف حموضته بغرز إبرة فيه، له الرد.
وإن شقه فلا رد له، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته حلواً وحامضاً من الثمن.
فإن عرف حموضته بغرز إبرة فيه، ثم بعد ذل شقه، بطل حقه من الرد والأرش جميعاً.
فصل في بيع العبد المرتد
بيع العبد المرتد جائز؛ لأن ردته لا تسلب ماليته، وليس فيه إلا خوف الهلاك؛ كالمريض المدنف يجوز بيعه.
ثم إن قُتل قبل القبض، انفسخ البيع، وإن قبضه المشتري: فإن كان عالماً بردته، أو علم ورضي به لا شيء له، وإن كان جاهلاً بردته فله الرد.
فلو لم يعلم حتى قتل. قال ابن سُريج: يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته مستحق القتل، وغير مستحق القتل من الثمن؛ كما في سائر العيوب، والقتل يكون من ضمان المشتري.
стр. 1195
ومن أصحابنا من قال: يرجع بجميع الثمن؛ وبه قال ابن الحداد؛ وهو الأصح؛ لأنه قتل حصل بسبب كان عند البائع، فيكون من ضمانه.
وكذلك إذا اشترى عبداً، وبه جرح سار، أو مرض مخوف فمات - نظر: إن مات قبل القبض فينفسخ البيع، وإن مات بعده فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: من ضمان البائع، فيرجع بجميع الثمن.
والثاني: من ضمان المشتري؛ فيرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته صحيحاً ومجروحاً جرحاً سارياً.
أما إذا كان به مرض غير مخوف [مثل: صُداع] أو حمى لم يعلمه المشتري، فازداد في يده ومات- فيرجع بالأرش؛ لأنه مات بزيادة مرض، لا بسبب كان في يد البائع.
ولو باع عبداً قتل في المحاربة نظر: إن تاب قبل القدرة فهو كبيع العبد الجاني، فإن أخذ قبل التوبة فهو كبيع - العبد المرتد؛ على الصحيح من المذهب لأن قتله حتم لا يقبل العفو.
وقيل: كبيع العبد الجاني.
ولو باع عبداً قد جنى جناية موجبة للمال أو أتلف مالاً لإنسان؛ فتعلق الضمان برقبته - نظر: إن باعه بعد اختيار الفداء جاز.
وإن باعه قبل ذلك، نظر:
إن كان البائع معسراً لا يصح البيع؛ لأنه تعلق برقبته حق المجني عليه، ففي بيعه إبطال حقه.
وإن كان موسراً فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه تعلق برقبته حق المجني عليه؛ كبيع المرهون لا يصح، بل هذا أولى؛ لأن حق الجناية آكد من حق الرهن؛ بدليل أن العبد المرهون إذا جنى يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ فيباع في الجناية.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني -: يصح البيع، ويصير السيد مختاراً للفداء؛ بخلاف المرهون؛ لأن هناك منع المالك نفسه من التصرف بعقده، وفي الجناية بخلافه.
следующие страницы →