Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وإن حَدَثَ الغراسُ والبناءُ بعد الوقف والصلح مِنْ مالِكِ لَهُ- جاز رهنُ البناء والغراسِ.
ولو رهن الأرض مع الغراس والبناء- لا يصحُّ فى الأرض.
وفى الغراسِ والبناءِ قولان؛ كما لو رهن شيئين وأحدهما ليس له- هل يصحُّ فيما له؟ فيه قولان.
وكذلك لو رهن الأرضَ مطلقًا, ولم يعترض للغراس والبناء, وقلنا: إن الغراسَ والبناء يتبع الأصل. فهل يصحُّ الرهنُ فى البناء والغراس؟ فيه قولان.
وإذا صحَّ الرهنُ فى الغِراسِ والبناء- فالخراج يكونُ على الرَّاهن, فلو أدى المرتهنُ الخراجَ بغير إذن الراهن- فهو متبرع. لا يرجع عليه, فإن أدى بإذنه رجع عليه, سواء شَرَط الرجوع, أو لم يشترط؛ كما لو اكترى دارًا, ثم أكْراها من غيره, والمكترى الثانى أدى الكِراءَ عن الأول بغير إذنه- لا يرجع عليه, وإن أدَّى بإذنه رجع عليه.
فإن قال الرَّاهنُ: أدِّ الخراج على أن ترجع, والغراس والبناء مَرهونٌ منك بالحَقَّين- فهو كما لو زاد فى الدَّين على رهنٍ واحدٍ.
وفيه قولان.
ويجوز رهنُ العبدِ المرتدِّ؛ كما يجوز بيعُه, ثم إن كان عالمًا, لا خيار فى فسخ البيع المشروط فيه, وإن كان جاهلًا, فإن قتل قبل القبضِ انفسَخَ البيعُ, وإن قتل بعده فمن ضَمَان من يكون؟ فيه وجهان؛ كما فى البيع.
فإن جعلناه من ضَمانِ الرَّاهنِ, فللمرتهن فَسْخُ البيع. وإن جعلناه من ضَمانِ المرتهنِ- فلا فَسخَ له, ولا أرشَ؛ كما لو مات فى يده وعلى هذا: لو رهنَ عبدًا, وجب عليه القطعُ فى السَّرقة, والمرتهنُ جاهلٌ, فقطع قبل القبض- له فسخُ البيعِ المشروطِ فيه.
وإن قطع بعده فوجهان.
ولو رهن عبدًا فى عنقه جِنايةٌ, نظر: إن كانت موجبةٌ للمال, أو عفا على مالٍ - نظر: إن رَهنَهُ بعد اختيار الفداء- جاز, وإن رهنه قبله فهو كبيعه, إن كان الرَّاهنُ معسرًا لا يَصِحُّ الرهن, وإن كان موسرًا فعلى قولين:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه كالمرهون فى حَقِّ المجنى عليه, ورهن المرهون لا يَصِحُّ, بل حَقُّ الجناية أقوى من حَقِّ المرتهن, بدليل أن العبدَ المرهونَ إذا جنى يُقدَّم حَق المجنىِّ عليه على حَقِّ المرتهن, وسواء كانت قيمته مستغرقةٌ بالدَّينِ أو لم تكن.
والثانى: يصحُّ, ويصير مختارًا للفداءِ.
стр. 1332
فإن قلنا: لا يصحُّ, فلو عفا المجنىُّ عليه عن حقه لا ينقلب الرَّهنُ صحيحًا؛ لأنه وَقَعَ فاسدًا.
وإن كانت الجنايةُ موجبةٌ للقصاص, فقد قيل: فيه قولان, كالموجبة للمال. وقيل: يصحُّ قولًا واحدًا؛ لأنه ليس فى الإستحقاق القتل, كرهن المرتدِّ, وقيل: ينبنى على أن مُوجِبَ العمدِ ماذا؟
وفيه قولان: إن قلنا: موجب العمد القَوَدُ, فيصح كرهن العَبدِ المرتدِّ, وإن قلنا: موجبه أحدُ الأمرين, فعلى قولين, كالجنايةِ الموجبة للمال.
فَصْلٌ
إذا رهن عَينًا بدين, ثم رهن بذلك الدين عينًا أُخرى- يجوز ولا يفتكُّ شئٌ منها إلا بعد أداء جميع الحقِّ؛ كما لو رهنها معًا.
وإذا رهن عينًا بدين, ثم استقرض من المرتهن مالًا آخر, وجعله مَرهونًا بِالحقّين جميعًا- نظر: إن تفاسخا الرهنَ الأول, ثم رَهنهُ بالحقَّين جميعًا- جاز.
وإن لم يتفاسخا, فقولان: قال فى القديم, وهو اختيار المُزنىِّ: يجوز؛ كما لو زادَ رهنًا آخرَ على دَينٍ واحد.
وقال فى الجديد, وهو الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن الرهنَ مشغولٌ بدينٍ, فلا يجوز شغله بدينٍ آخر قبل فِكاكه؛ كما لو رَهنهُ من غير هذا المرتهن لا يجوزُ, وليس كما لو زاد فى الرهن؛ لأن الرهنَ لا يشغل الدينَ, بدليل أن تَصرُّفَ رَبِّ الدين ينفذ فى الدَّين بعد الرَّهن؛ كما لو كان ينفذ قبل الرَّهن, وتصرف الراهن لا ينفذ فى الرَّهن قبل أداءِ الدَّين.
فإن قلنا: لا يجُوز, فلو اختلفا, فقال الراهن: رَهنْتُ بألفٍ, ثم زدنا ألفًا أُخرى, وقال المرتهن: بل رهنت بألفين مَعًا.
فالقول قولُ المرتهن مع يمينه؛ لاتفاقهما على صِحَّةِ الرَّهن, ولو اتفقا على أنه كان مرهونًا بألف, غير أن المرتهنَ يقول: تفاسخنا العقد الأول فيه, وعقدنا بعده على ألفين.
فقال الراهن: بل زدنا ألفًا على العَقد الأول- فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه؛ لأن الأصلَ عَدَمُ الفسخِ, وقيل: القولُ قولُ المرتهن؛ لأن الظاهر أن العقدَ الثانى لا يكون إلا بعد فسخ الأول, والأول أصحُّ, حتى لو شَهد شاهِدان أنه بألف ثم بألفين- فلا يحكم أنه رَهنٌ بألفين بعد فسخ الأول ما لم يُصرح الشُّهود أن الثانى كان بَعدَ فسخِ الأول.
стр. 1333
ولو رهن بألف, ثم زاد ألفًا, وجعله رهنًا بهما, وأشهدَ شاهدين؛ أنه رهن بألفين, وعلم الشَّاهدان حال الرهن فى الباطن- فإن كان اعتقادهما أنه لا يجوز ذلك- لا يجوز أن يشهدا إلا بما جرى فى الباطن, فإن اعتقد جوازه, فهل لهما أن يَشهدا أنه مرهونٌ بألفين؟ -: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لاعتقادهما جوازه.
والثانى: لا يجوز إلا بما عليه الأمر فى الباطن؛ لأن الاعتبارَ فى الحكم باجتهاد الحاكم لا باعتقاد الشَّاهد.
فَصلٌ
وإذا رهن عبدًا وأقبضه, ثم أقرَّ أنه كان قد جنى جنايةً موجبةً لمال, أو أتلف مَال إنسانٍ- نظر: إن لم يدعه المقرُّ له, لم يقبْل قبولُ الراهن, وهو رَهْنٌ بحاله.
وإن ادَّعاهُ المقر له, نظر: إن صدقه المرتهن, سلّم فى الجِنايةِ, وللمرتهن الخيارُ فى فَسخِ البيع المشروط فيه ذلك الرَّهن, وإن كَذَّبه المرتهنُ, هل يقبل قولُ الرَّاهنِ؟
فيه قولان:
أصحهما؛ وبه قال أبو حنيفة, واختاره المزنى: لا يُقبل لتعلُّق حَقِّ المرتهن به؛ كما لو باع عبْدًا, ثم أقر عليه بجنايةٍ لا يقبل:
والثانى: يقبل؛ لأنه يقرُّ فى ملك نفسه فلا تُهمة.
فإن قلنا: لا يقبل, فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه, يحْلِفُ بأنه لا يعلم أنه قد جنى, ويحلف على نَفْى العلم؛ لأنه يمينٌ على نفى العلم لِفِعل الغير, فإذا حلف بقى العبدُ مَرهونًا.
وهل يعرمُ الرَّاهن حَقَّ المجنىِّ عليه؟ - فيه قولان:
أحدهما: يغرم, وهو اختيار المزنى؛ لأنه حال بين العبد والمجنى عليه لعقد الرَّهْن؛ كما لو قتله.
فإن كان موسرًا يغرم فى الحَالِ؛ وإن كان معسرًا فحتى يُوسرَ.
والثانى: لا يغرم, لأنه لم يقرَّ بشئٍ فى ذمته, بل أقر فى رَقَبةِ العبدِ, والعبد ليس فى يَدهِ؛ كما لو أقرَّ بعبدِ الغير لإنسان, لا يلزمه شَئٌ.
وكذلك لو أقر بأن المرهون مَغْصوبٌ هل يقبل؟
فيه قولان: فإن قلنا: لا يقبل, فهل يغرم قيمته لِلمغْصُوبِ منه؟
стр. 1334
فيه قولان:
قال الشيخ القفال: إذا أقر بأنه مغصوبٌ يغرم القيمةَ؛ لأنه متعدٍ بالغَصْبِ, غير معتدٍ بجناية العبد.
فإن قلنا: يغرم حَقَّ المجنى عليه, يغرم أقل الأمرين من أرْشِ الجناية, أو قيمة العبد.
وإن قلنا- وفيه قول آخر, يغرم كَمَالَ أرْشِ الجِنايةِ.
والأول أصَحُّ, فإن قلنا: يغرم, فإذا افتكَّ الرهنُ بعد ما غرم- لا يجب تسليمه فى الجناية؛ لأنه قد فدى, إلا أن يكون قد أقر بِغَصْبِ, فيجب ردُّه على مالكه, ويسترد ما غرم.
و'ن قلنا: لا يغرم القيمة, فإن بيع فى الدين لا شئَ عليه, وإن افتك الرهن, أو بيع فى الدين, ثم مَلَكَه بعده- عليه تسليمُه فى الجنايةِ.
وكذلك لو قلنا: عليه الغرمُ, فقبل أن يغرم عاد إليه- يجب عليه تسليمثه فى الجنايةِ.
هذا إذا حلف المرتهنُ, فإن نًكَل, فعلى مَنْ تُردُّ اليمين؟
فيه قولان:
أحدهما: على الرَّاهن؛ لأن الملك فى العبد له؛ كمن مات وعليه دَيْنٌ, فادعى وارثه من جهته مالًا على إنسان, فأنكر المدَّعى عليه, ونَكَل عن اليمين, فرد اليمين على الوارث, لا عَلَى الغُرَماءِ.
والثانى: يردُّ على المجنىِّ عليه؛ لأن الحقَّ له, والراهن لا يدَّعى لنفسه شيئًا, بخلاف وارث الميت, يحلف دون الغُرماء؛ لأن الأصلَ هناك هو الوارث؛ بدليل أن دعواه لا تَسقطُ بتكذيب الغرماء.
والأصل ههنا هو المجنىُّ عليه؛ بدليل أن تكذيبه يُسقِطُ إقرارَ الرَّاهن.
فإن قلنا: يرد على الراهن, فإن حلف بيع العبد فى الجناية, لا خِيار للمرتهن؛ لأن بزعمه أن الرَّهن صحيحٌ, وإنما أخرج من يده بنُكوله, وهو معنى طَرَأ بعد القَبض.
قال الشيخ: وفيه إشكالٌ من حيث إن النُّكُول وردَّ اليمين؛ إما أن يكون بمنزلة إقرار المدعى عليه, أو بمنزلة البَيِّنة, من جهة المدعى, وأيهما وجد يثبت الخيار.
ثم إن كان الأرشُ يستغرق جميع قيمته يباع كله, وإلا يباع بقدر الأرْش, والباقى هل يكون رَهْنًا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون رَهْنًا؛ لأنا حكمنا بصحَّةِ الرهن, وأخرجنا بعضه عن الرهن بسبب
стр. 1335
الجناية, فصار كما لو جَنَى بعد الرَّهن, يباع بقدر الجناية؛ والباقى يكون رَهنًا.
والثانى, وهو الأصح: لا يكون رهنًا؛ لأن نْكُول المرتهنِ, ويمينَ الراهن كالإقرار من المرتهن بأنه كان جانبًا؛ فلم يصحَّ الرهنُ فى شَئٍ منه؛ كما لو قامت بيّنة عَلى جنايته. وإن نَكَل الرَّاهنُ عن اليمين, هل ترد اليمينُ على المجنى عليه؟ -:
فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لأن الحقَّ له.
والثانى: لا؛ لأن يمينَ الرد لا ترد.
فإن قلنا: تُرد, وقلنا فى الإبتداء: عند نُكول المرتهن تُرَدُّ على المجنى عليه, فإن حَلَفَ, بيع العبدُ فى الجناية, ولا خيار للمرتهن, وإن نكل بَطَل حقُّه, والعبدُ مرهونٌ.
هذا كله تفريغ على قولنا: (إن إقرار الرَّاهن لا يقبلُ)
فإن قلنا: يقبل إقراره, فهل يَحْلِفُ؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يحلف؛ لأن التحليفَ للتخويف؛ لعله يرجع عن قوله إن لم يكن صادقًا, ورجوعه هاهنا لا يُقبل.
والثانى: يحلف لحق المرتهن.
فإن قلنا: لا يحلف, يباع العبد فى الجناية, وللمرتهن الخِيارُ فى فَسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن, إن قلنا: يحلف, يحلف على البت أن العبد جَانٍ؛ لأنه يمين على الإثبات, فإن حَلف يباعُ العبدُ فى الجناية إذا لم يَفد السيد.
فإن لم يستغرق الأرش قيمته يُباع بقدر الأرشِ.
والباقى هل يكون رَهْنًا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا؛ كما لو قامت بينةٌ على الجناية, فعلى هذا لو فَدَى السيد لا يعود رَهْنًا إلا بعقدٍ جديدٍ.
والثانى: يكون رهنًا؛ لأن إخراجه عن الرَّهن بسببِ الجنايةِ. فما فضل عن الأرش يبقى رَهْنًا؛ كما لو جنى بعد الرهن.
وإن نَكَل الراهنُ عن اليمين حلف المُرتَهِنُ, وكان العبدُ رهنًا, وإن نكل بيعَ فى الجناية, ولا خيار له, هذا إذا أقرَّ الراهنُ أن المرهونَ جَنَى قبْلَ الرَّهْنِ.
أما إذا أقر أنه جنى بعد الرهن والتسليم, فَكَذَّبه المرتهنُ لا يقبل قول الراهن, سواء
стр. 1336
وافقة العبد, أو خالفه؛ لأن الأصلَ بقاءُ الرهن, فلا يقبل قَوْلُ من يَرُومُ إبطاله.
ثم إن بيع فى الدَّين لا شئ للمجنىِّ عليه على الراهن؛ لأنه أقرَّ بجنايته بعد الرهن؛ فلا يصير متلف الرهن عليه شَئٌ.
فإن بيعَ فى الدَّين, ثم مَلَكه يومًا- يلزمه تسليمه فى الجناية, بخلاف ما لو أقر أن أُمَّ ولد جنت, يجب عليه الغرمُ للمجنى عليه, وإن كان الاستيلادُ سابقًا على الجنايةِ؛ لأن جناية أم ولده تكونُ عليه, لو قامت عليها بينةٌ, وجناية المرهون لا تكُونُ عليه, لو قامت عليها بَيِّنَةٌ.
ولو أقرَّ المرتهنُ عليه بِدَيْنِ جِنايةٍ- لا يقبلُ قولهُ على الراهن, وإن صَدَّقَهُ العبد.
وإن بيعَ فى الدين يسلم الثمن إلى المرتهن, ولا يلزمه دفْعُ الثمن إلى المجنىِّ عليه؛ لأنه لم يقر بعين العبدِ؛ إنما أقرَّ بحقِّ فى رقبته, والعبد لغيره.
فإذا بيع فى دَين مالكه, لا يلزمه دَفْعُ الثمن إلى غيره.
والورعُ أن يَدفعَ الثَّمنَ إلى المجنىِّ عليه.
وإقرارُ العبدِ المرهون على نفسه, كإقرار غير المرهون, إن أقر بعقوبة تُقام عليه. ثم إذا قتل فى الجناية, هل للمرتهن الخيارُ فى فَسخ البيع المشروط فيه؟:
قال الشيخ: ينظر: إن أقر أنه لزمه قبل الرهن, أو قبل التَّسليم- فله الخيار. وإن أقر أنه لزمه بعد القبض- فلا خيار له.
وإن أقرَّ بدين إتلاف يتعلَّق بذمته, إن كذبه المولى أو صَدَّقَه- فهو كما لو أقر عليه المولى هل يقبل؟
فيه قولان.
فَصْلٌ فى جِنايةِ المَرْهُونِ
إذا جَنَى العبدُ المرهونُ قبل القبض- يبطُلُ الرَّهْن على الأصَحِّ؛ كما لو جنى قبل الرهن.
وإن جَنى بعد القبض, لا يبطل الرَّهن, ولكن يُقَدَّم حَقُّ المجنىِّ عليه على حق المرتهن؛ لأن حَقَّه يتعين فى ذمة العبد يسقط بهلاكه, وحقَّ المرتهن فى ذِمَّة الراهنِ لا يسقط بهلاكِ الرَّهنِ.
ثُم إن كانت الجنايةُ موجبةٌ للقصاص- فللمجنى عليه أن يَقْتَصَّ, ويبطل الرَّهن, ولا خيار للمرتهن فى فَسْخ البيع المشروط فيه؛ لأنه حدث بعد القبْضِ.
стр. 1337
وإن كانت الجنايةُ موجبةٌ للمال, أو عفى على مال- يباع فى الجِنايةِ, فإن لم يستغرق الأرْشُ جميعَ قيمته يُباع بقدر الأرش, والباقى يَكُونُ رَهْنًا.
وإن دَخَلَهُ نقصٌ بالتَّشْقِيصِ يباع كُلُّهُ, وما فضل من قيمته عن الأرش يكون رَهْنًا, وما بيع فى الدَّيْنِ إذا عاد إلى مال الراهن لا يكون رَهْنًأ إلا بِعقْدٍ جَدِيدٍ؛ لأن الرهنَ قد بطل فيه.
ولو عفا المجنىُّ عليه عن الأرْش, أو فَداهُ الراهنُ- بقى العبدُ رهنًا.
ولو فدى المرتهنُ, نظر: إن قال: فدى بغير إذن الرَّاهِن- لا يرجع عليه.
وإن فدى بإذنه رجع عليه؛ ولا يكون العبدُ رهنًا بما فدى. ولو قال الرَّاهِنُ للمرتهن: افْدِ حتَّى يكونَ العبدُ مرهونًا بالحقَّين جميعًا- نص على جوازه, فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو زاد فى الدَّين على رَهْنٍ واحِدٍ, فأجاب على أحد القولين.
ومنهم من قال, وهو الأصحُّ: يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه من مَصلحةِ الرَّهن, فإن فدَى الرهن فى فدائه.
ولو جنى العبدُ المرهونُ على سيده؛ نظر: إن كان عمدًا فله القِصاصُ إن كان طرفًا, ولوارثه إن كان نَفسًا.
وإن كان خطأ, أو عَفَا على مال فهو هَدرٌ, والرهن بحاله؛ لأن المولى لا يثبت له على عبده مال, سواء كانت الجنايةُ على الطرف, أو على النفس, وسواء قلنا: يثبتُ المالُ للوارثِ ابتداء, أو قلنا: يثبتُ للمورثِ, ثم ينتقل إلى الوارثِ.
وإن جنى على ابن السَّيد أو على أخيه, وهو وارثه, فإن كان عمدًا فللسيد أن يقتص, طرفًا أو نفسًا.
وإن كان خطأ, أو عفا على مال, نظر: إن كان طرفًا يُباع فى الجناية, كما لو جنى على أجنبىِّ.
وإن كان نفسًا فهذا يبنى على أن دِيةَ النفس تثبت للوارث ابتداء, أم تثبت للموروثِ ثم تنتقل إلى الوارث؟
وفيه قولان: إن قلنا: تثبت للوارث ابتداء فهو هَدرٌ, والرهن بحاله.
وإن قلنا: تثبت للموروث, ثم تنتقل إلى الوارث, فصار أرْشُ الجنايةِ لمالك العبد- هل يسقط؟
فيه وجهان, بناء على أن المجنىَّ عليه إذا ملك العبد الجانى هل يَسْقُط الأرشُ؟
فيه وجهان: إن قلنا: يسقط, فالرهنُ بحاله.
стр. 1338
وإن قلنا: لا يسقط, فله إخراجه من الرَّهن.
أما إذا جنى العبدُ المرهونُ على عبد آخر للرَّاهن؛ نظر. إن لم يكن المجنىُّ عليه مرهونًا- فللسيد أن يقتصَّ, إن كان موجبًا للقِصاصِ. وإن كان خطأً, أو عفا على مال- فلا يثبتُ المال, والرهن بحالهِ؛ لأنه لا يثبت للمولى على عبده مَال.
وإن كان الجنىُّ عليه مرهونًا أيضًا, نظر: إن كان مَرهونًا عند غير مرتهن العبد الجانى, فإن كان عمدًا- للمولى أن يقتص, وبطل الرَّهْنانِ جميعًا.
وإن كان خَطَأٌ, أو عفا على مال- يثبت المالُ لحقِّ المرتهن, ثم إن كانت قيمة القاتل والمقتول سواء, أو كانت قيمةُ القاتل أقلَّ- فيه وجهان:
أحدهما: ينقل القاتلُ إلى مرتهن المقتول؛ لأنه لا فائدة فى بيعه.
والثانى: يُباعُ العبدُ القاتل, ويرهن ثمنه عند مرتهن المقتول.
وإن كانت قيمةُ القاتل أكثر؛ فعلى الوجه الأول, ينقل من العبدِ القاتل بقدر قيمة المقتول إلى مُرتَهَن المقتولِ.
وعلى الوجه الثانى: يباع بقدرِ قيمةِ المقتول, ورُهن عند مرتهن المقتولِ, والباقى مَرهونٌ عند مرتهن الجانىِ.
وإن عفا السَّيدُ مطلقًا, إن قلنا: مطلق العفو يوجب المال, فيثبت كما ذكرنا فيما لو عّفا على مالٍ.
وإن قلنا: لا يوجب, صَحَّ العفو, وهو رهن عند مرتهنه كما كان, وبطل حَقُّ مرتهن المقتول, كما لو كان القتلُ موجبًا للقصاص, وقتله السيدُ.
ولو عفا مجانا إن قلنا: مطلق العفو لا يوجبُ المالَ, لا يثبت المال, وإلا فوجهان:
أصحهما: لا يجب؛ لأن القتلَ لا يوجبه, فعفوه على المال بمنزلةِ اكتساب المالِ, ولا يجب الاكتسابُ لحقِّ المرتهن, فيكون العبدُ رهنًا عند مُرتهِنِهِ, كما كان.
وإن كان القاتلُ والمقتولُ مرهونين عند رجُلٍ واحد - قال الشافعى ﵀ عليه-: كانت الجنايةُ هدرًا.
قال أصحابنا: إن استوت قيمةُ العبدين, واتفق الدَّينان فى القدر والحلول التأجيل- ترك على حاله؛ لأنه لا فائدة فى النقل, سواء اتفق الدينان فى الجنس أو اختلفا.
وإن اختلف الدَّينان فى التأجيل, فإن كان المقتول مرهونًا بالدَّين الحالِّ, والقاتل بدينٍ مؤجَّلٍ- فيبيعه فى الدَّين الحالِّ؛ لأن له فيه فائدةً, وهو الوصولُ إلى الدَّينِ الحالِّ.
وكذلك إذا كان المقتولُ مرهونًا بِدين حالِّ, أو كان XXX
стр. 1339
مؤجلين, والقاتل مرهون بأجل أطول- له نقل القاتل إليه, ويطالبه بالدين الحالِّ فى الوقت, أو عند حُلُولِ الأجل الأقصر.
وإن اختلف الدَّينان فى القدر, واستوت قيمةُ العَبْدين, نظر: إن كان المقتولُ مرهونًا بالأقل- فلا فائدة فى النَّقلِ.
وإن كان المقتولُ مرهونًا بالأكثر- فله نقلُ القاتِل إلى الأكثر؛ لأن له فيه فائدة.
وإن اختلفت قيمةُ العبديْن, والدَّينان سواء- نظر: إن كان قيمةُ المقتول أكثر- لا ينقل, وإن كانت قيمةُ القاتل أكثر؛ بأن كانت قيمته عشرون, وقيمة المقتول عشرة- له نقلُ نصفه إلى الدَّين الآخر, وباقيه على ما كان.
وإن كانت قيمةُ القاتل عشرون, وهو مرهونٌ بخمسةَ عشَر, وقيمةُ المقتولِ خمسة, وهو مرهون بخمسة- له نقل رُبُعِهِ؛ فيصير القاتل مرهونًا بعشرين.
فكلُّ موضع قلنا: ينتقل ببيعه, فيحفظ ثمنه أم يحفظ عَيْنُهُ بالدَّين الآخر؟
فيه وجهان:
ولو أمر السيد عبده المرهونَ بالجنايةِ, فجنى- نظر: إن كان العبدُ مميزًا, يعلم أنه لا يجوز له طاعةُ سيده فى الجناية- فهو كما لو جنا يغير إذن السيد, سواء كانَ العبدُ بالغًا أو صبيًا إلا أن السيد يأثَمُ بأمره.
وإن لم يكن مميزًا؛ لصغره, أو جنونه, أو كان أعجميًا يَرى طاعةَ سيده فرضًا فيما يأمره به- فالجانى هو السيدُ؛ فعليه القصاص إن كانت الجنايةُ موجبةٌ للقصاص, والعبد رهْنٌ كما كان.
وإن كانت الجنايةُ موجبةً للمال, أو عفا على مال- فالضَّمان على المولى, وهل له تعلُّق برقبة العبد؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه كالآلة, ولا يجوز بيعُه فى الجناية.
والثانى: له تعلُّق برقبته؛ لأنه من أهله, فإنه لو جنى من غير إذن السيد- يتعلَّق الأرشُ برقبته.
فعلى هذا, إن بيع فى الجناية, فعلى السيد أن يرهن قيمَتَهُ مكانه, وإن كان السيد مُفلسًا, فحقُّ المجنى عليه يقدم فى قيمته على سَائرِ الغُرماءِ.
ولو جنى هذا العبدُ الصغيرُ على اجنبىِّ, فقال السيدُ: أنا أمرتُه- لا يقبل قولُه فى حق المجنى عليه عن رقبته, بل تباعُ رقبته فى الجناية, وعلى السَّيد أن يرهن قيمته
стр. 1340
مكانه, لإقراره, وإن كان أرشُ الجناية أكثرَ من قيمته فَعَلَيه الفَضْلُ.
ولو جَنى على العبد المرهون, فالخصمُ فيه هو السيدُ؛ لأنه مالِكٌ للعبد, ومالك بدله؛ كما لو غصبت العين من يدِ المستأجر, فالخصمُ هو الأخيرُ.
فإن أحب المرتهن يحضر خصومته, فإن عَفَا على مالٍ أخذه رَهنًا.
فلو قعد الرَّاهنُ عن الخصومة, هل للمرتهن أن يخاصم؟
فيه قولان:
كوارث الميت إذا أقام شاهَدًا على دَيْن الميتِ, ولم يحلف, هل يحْلِفُ الغريمُ؟:
فيه قولان:
أصحهما: لا يحلف.
وإن ادعى الرَّاهن على رجُلً, فأنكر المدَّعى عليه_ فالقولُ قولُه مع يمينه, فإن نكل حَلَفَ الرَّاهنُ. فإن نَكَل الرَّاهن عن اليمين, فهل يحلف المرتهنُ؟
فيه قولان: بناء على أن المفلس إذا نَكَل عن يمين الرَّدِّ, هل يحلفُ الغريمُ؟ فيه قولان:
فإذا أقرَّ المدَّعى عليه, أو قامت عليه بَينَةٌ, أو حَلفَ الرَّاهنُ بعد نُكُول المدَّعى عليْه- تثبت الجنايةُ.
ثم إن ثبتت موجبة القصاص- للراهن أن يُقتَصَّ, وبطل الرَّهنُ. وإن عفا على المالِ يثبت الملكُ, ويكون مَرْهونًا.
ولو قال الراهن: لا أقتصُّ ولا أعفو. فهل للمرتهن إجباره على اختيار أحدهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن له حقًّا فيه.
والثانى: هذا يبنى على أن مُوجِبَ العمدِ ماذا؟
وفيه أقوال: إن قلنا: موجبه أحدُ الأمرين, يجبر على التَّعيُّن. وإن قلنا: موجبه القَودُ, فلا يُجبَرُ؛ لأنه يملك إسقاطه؛ فلأن يملك تأخيره أولى.
ولو عَفا الراهِنُ عن القصاص مطلقًا؛ إن قلنا: مطلقُ العفو يُوجبُ المالَ- يجب المال.
وإلا فلا, وهو الأصحُّ. ولو عفا على أن لا مال عليه, هذا يبنى على أن مُوجبَ العمدِ ماذا؟: إن قلنا: موجبه أحدُ الأمرين؛ لا يصحُّ العفوُ عن المال, وإن قلنا: موجبه القودُ, إن
стр. 1341
قلنا: مطلقُ العفو لا يوجب المال- لا يجب شئٌ, وبطلَ الرهنُ. وإن قلنا: مطلق العفو يُوجِبُ المال: ففيه وجهان:
أحدهما: يجبُ المال لتعلُّق حَقِّ المرتهن به.
والثانى, وهو الأصحُ: لا يجب؛ لأن القتل لم يوجبه, إنما يَجِبُ بعفو الرَّاهن, أو عفا على مالٍ, وعفوه على المال بمنزلة اكْتِسابِ المالِ.
ولا يجب عليه الاكتسابُ لحقِّ المرتهن, فحيث قلنا: يَجِبُ المال, أو كانت الجناية خَطَأً.
ولو عفا الرَّاهنُ عن المال لا يصح عَفْوُه لتعلُّق حَق المرتهن به. وفيه قول: أنه يكون موقوفٍا, فيؤخذ من الجانى ويرهن. فإن افتك الرهن بإبراء أو قضاء- يحكم بِصِحَّة العفو, ويرد المال على الجانى, وإن بيع فى الدين بان أن العفو كان باطلًا.
فلو أراد الرَّاهنُ أن يُصالح الجانى عن الأرشِ على حيوان أو غيره- لا يجوز من غير رِضا المرتهن.
كما لا يجوزُ إبدالُ الرهن بغيره من غير رِضاهُ, فإن صالحَ بإذنِ المرتهن- صحَّ الصُّلح.
وما أخذه يكون مَرْهونًا, فيوضع عند مَنْ كان الرهن موضوعًا عنده, ومنفعة الرهن ونَمَاؤُهُ خارج من الرهن؛ كأصل الرهن.
ولو عفا المرتهنُ عن الأرش, لا يصح عفوه؛ لأنه ليس بِمِلكِ له.
وهل يسقطُ بهذا العفو حقُّه عن الوثيقة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يسقط كما لو صرّح, فقال: أسقطت حَقِّى عن الوثيقة, فكان الأرشُ للراهن.
والثانى: لا يسقطُ؛ لأن الذى وجد منه هو العفوُ, والإبراءُ عن الأرْشِ؛ وذلك لم يصح فلا يصحُّ الذى فى ضمنه.
وإن كان المرهونُ جاريةٌ, فجنى عليها إنسان, فأسقطت جَنِينًا مَيِّيتًا- يجب على الضَّارب عُشْرُ قيمة الأم, ولا يكون رَهْنًا؛ لأنه بدل الولد, وولد الرهن لا يكون رَهْنًا. فإن دخل الأمِّ نقصٌ فبقدر أرش الُّقصان يكون مرهونًا.
وإن كانت بهيمةٌ, فألقت جَنينًا مَيِّتًا, يجب على الضَّارب ضمانُ ما نقص من قيمة الأم, ويكون رهنًا, ولا يصحُّ عفوُ الرَّاهِن.
стр. 1342
وإن كانت جاريةٌ, فجنى عليها, فألقت جنينا حيًا, ومات- ماذا يَجِبُ على الجانى؟ فيه قولان:
أحدهما وهو الأصحُّ: قيمة الجنين حيًّا, وأرش نقص [ما] دخل الأم, ثم قيمة الجنين للراهن وأرش النُّقصانِ.
والثانى: عليه أكثرُ الأمرين من أرْش النقصان, أو قيمة الجنين؛ فعلى هذا إن كان أرشُ النُّقصانِ أكثر يكون رَهْنًا, ولا يجوز عفوُ الراهن عنه.
وإن كانت قيمةُ الجنين أكثر, فبقدر أرْشٍ يكون رَهنًا. ولو جنى على العبدِ المرهونِ, ولم يُعرف الجانى, فأقر رَجُلٌ أنه هو الجانى, فإن صَدَّقَةُ الراهنُ دون المرتهن- فالأرش للراهن, ولا حَقَّ للمرتهن فيه.
وإن صدقَة المرتهنُ دون الرَّاهن- كان الأرشُ مرهونًا, فإن لم يَقْضِ الراهنُ دينه صُرِف الأرشُ إلى دينه, وإن قضى الدين, أو أبرأه المرتهن- ردالأرش إلى المقرِّ.
قال الشيخ وهو صاحب الكتاب: قد ذكر الشافعى - رضى الله عنه -: أن الخَصْمَ فيما جَنَى على العَبْدِ, سيدُه.
وذكر أصحابنا: أن السَّيد إذا لم يخاصم المرتهنُ على الأصحِّ.
وقال الشيخ القفال ورأيته بِخَطِّ شيخى فيما سأل عنه: أنه لو ادعى على رجل أن هذه العين التى فى يدك ملكُ فلان رهنها منِّى المرهون, فهلك فى يدك, فيلزمك قيمته, كما تُسمع الدَّعوى على المالِك.
قلت: القياس عندى أن تسمع الدَّعوى, وبعد تلفها تُسْمَعُ دَعْوى القيمة, وفى الإجازة [لا] تسمع دعوى القيمة بعد تَلَف العَيْنِ؛ لأنه لا حَقَّ للمستأجر فى القيمة.
وكذلك كُلُّ موضع تعلَّق له حَقٌّ بعين, فتسمع دعواه على صاحِبِ العين؛ كما يدعى على المالك, بخلاف ما لو ثبت له دَيْنٌ فى ذمَّةِ إنسان, فلا دعوى له على غريمه؛ لأنه لم يتعلق حَقُّه بعينٍ من أعيانِ مال الغْرِيمِ.
فإن مات من عليه الدَّينُ والتركة, فى يد إنسان, وحَجَر عليه القاضى, وماله فى يد غيره- فله أن يدعى عليه. والله أعلم.
стр. 1343
فَصْلٌ: تَغَيُّرُ المرْهونِ فى يَدِ المُرْتَهِنِ
إذا رَهَنَ عصيرًا حلوًا وسلّم, فصار خلًّا فى يد المرتهن- فهو رهْنٌ, وإن صار خمرًا بَطل الرهنُ؛ لأنه لا يمكنُ استيفاءُ الحقِّ من ثمنها؛ كالحيوان يموت, ولا خيارَ للمرتهن؛ لأنه حدث فى يده.
فلو عاد خلّا بعده, يعودُ الرهنُ كما يعود الملكُ, ولو رهنه شاة, فماتت فى يد المرتهن, ثم دبغ جلدها, هل يَعُودُ الرهنُ فى الجلد؟ فيه وجهان:
قال ابن خيران: يعودُ, كالخمر يَتَخَلَّلُ.
وقال أبو إسحاق: لا يعود؛ لأنه صار مالًا بمعالجته وصنعته, بخلاف الخمر يَتَخَلَّلُ.
ولو صار العصيرُ خمرًا قبل التسليم, ثم عاد خلّا- هل يعودُ الرهنُ؟
ذكر القاضى الإمام ﵀ وَجْهين:
أحدهما: بلى؛ كما لو تَخَلَّل فى يَدِ المرتهنِ.
والثانى: لا؛ لأنه بطل قبل تمامه, وللمرتهن الخيارُ فى فَسْخِ البيع المشروط فيه, سواء قلنا: يعودُ الرهنُ, او لا يعود؛ لأن الخلَّ يكونُ أنقصُ من العصير.
والرهن إذا انتقص قبل القبض يثبت للمشترى الخيار, ولو كان الرهنُ مشروطًا فى البيع, فاختلفا, فقال المرتهنُ: أقبضتنى خَمْرًا على الخيار.
وقال الراهن: بل أقْبَضْتُكَ عصيرًا, أو تخمر عندك, ولا خيار لك- نظر: إن اتفقا على أنه كان عصيرًا يوم العَقْدِ- فالقولُ قولُ من يكون؟
فيه قولان:
أصحهما: القولُ قولُ الراهن مع يمينه؛ لأن المرتهن يَرُوم فسخ العقد, والأصلُ بَقاؤُه؛ كما لو وجد بالرهن عَيبًا, فقال: كان موجودًا يوم العقد ويوم التسليم قبل الفسخ, [فلى الفسخ] , وقال الراهن: بل حَدَثَ عندك, فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه.
والقول الثانى: قولُ المرتهن مع يمينه, بخلاف العيب؛ لأنه لا يمنع صِحَّة العقدِ والقبض.
وكونه خمرًا يمنع صِحة العقد والقبض, والمرتهن ينكر أن يكُون قبض مالًا, والأصلُ عدمُ القبض. فإن قلنا: القولُ قولُ الراهن, فإذا حَلَف لا خيار للمرتهن. وإذا قلنا: القولُ قولُ المرتهن, فإذا حلف له فَسْخُ البيع. وإن اختلفا فى حالة العقد, فقال المرتهن: كان
стр. 1344
خمرًا يوم البيع, وقال الرَّاهن: بل كان عصيرًا فتَخَمَّرَ عندك, فهذا يبنى على أن فَسَادَ الرهن, هل يوجب فَسَادَ البيعِ؟ وفيه قولان:
إن قلنا: يوجب فساده, فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه؛ لأنه يُنكِرُ البَيْعَ, والأصلُ عدمه.
وإن قلنا: لا يوجب فساد البيع, فالقولُ قولُ مَنْ يكونُ؟ فعلى قولين.
وكذلك لو رَهَنَةُ عبدًا فسلمه مَلْفوفًا فى ثوب فوجده ميتًا, واختلفا, فقال [له] الراهن: ماتَ عندك.
وقال المرتهن: بل كان ميتًا- ففيه قولان, خرّجه القاضى حسين, وعلى هذا, لو باع لَبنا فى إناء, فبقى عند البائع ليلة, ثم أتى المشترى بإناء فَصَبَّ فيه, فعلتْهُ فأرةٌ ميتةٌ.
واختلفا؛ فقال البائع: كانت فى إنائك فَعَلتْ. وقال المشترى: بل كانت فيه عندك, نظر: إن قال: كانت فيه وقت العقد, فالقولُ قول المشترى مع يمينه؛ لأنه ينكرُ البيعَ.
وإن قال: وقعت فيه بعد البيعِ عندك, فالقولُ قولُ من؟
فعلى هذين القولين.
فَصلٌ
إذا رَهَنَ نخلةٌ مثمرةٌ؛ نظر: إن كان بعد تأبير الثَّمرةِ- فالثمرة لا تدخلُ فى مطلق الرَّهن؛ كما لا تدخل فى مُطلق البيعِ. وإن كانت الثمرة طُلعا, ففيه قولان:
أحدهما: يدخل فى الرَّهن كما يدخُلُ فى البيع.
والثانى- وهو الأصحُ: لا يدخل؛ لأن الرَّهن [ضعيف] لا يزيل الملك, فلا يستنبع الثمرة, بخلاف البيع؛ بدليل أن ما خَرَّج من الثمار بعد الرَّهن لا يكون مرهونًا, وما يخرج بعد البيعِ يكون للمشترى وكذلك حكم الهِبَةِ.
ولو رهن حيوانًا حاملًا, فوضعت الحَمل, فالولدُ هل يكون رهنًا؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كما لو باعها يدخلُ الولدُ فى البيع.
والثانى: لا؛ كالولد الحَادِثِ من بعده.
ولو رهن شاةً, وفى ضَرعِها لَبنٌ, لا يدخل اللبنُ فى الرَّهنِ, وإن كان على ظهرها
стр. 1345
صُوفٌ, هل يدخل [فى الرهن]؟: فيه قولان:
أحدهما: يدخل؛ كأغصان الشَّجرة, وأوراقها, تدخل فى مُطلقِ رَهْنِ الشَّجرة.
والثانى- وهو الأصحُّ: لا يدخلُ؛ لأن العادة فيه الجَزُّ كالثمرة. وكَاللَّبنِ فى الضَّرعِ, بخلاف الأغصان والأوراق.
فإن رهن شجرة تُقطع أغصانها فى العادة, ثم تخلفه, كالخلاف. أو تُقطع أوراقها كالفِرصادِ, والآسِ - هل يدخل الغصنُ والورقُ فى الرهن؟ - فعلى القولين.
أما إذا رَهَنَ شاةً, ولا صوف على ظهرها فحدث بعده- يكون خارجًا عن الرهن؛ كاللَّبن الحادثِ, والثَّمرة الحادثةِ.
ولو رهن أرضًا, وفيها أبنيةٌ وأشجارٌ- لا تدخلِ الأبنيةُ والأشجارُ فى الرَّهْنِ على ظاهر المذهب. إلا أن يَرْهَنَ معها, ولو رَهَن الأشجارِ لا تدخل مَغَارُها, ولا البياضُ الذى بين الأشجار فى الرَّهنِ.
ولو رَهَنَ أرضًا وفيها أشجار, فاختلفا, فقال الرَّاهن: رَهنتُك دون ما فيها, وقال المُرتَهنُ: بل رَهَنتنِى بما فيها؛ نظر: إن كان الرهنُ مشروطًا فى البيع يَتَحالفانِ, ويُفسخ البيعُ بينهما, وإن كان رَهْن تبرع, فالقول قولُ الرَّاهن مع يمينه.
ولو رَهنها مع الأشجار, ثم أشارَ الراهنُ إلى شَجَرَةِ, وقال: هذه حَدَثَت بَعْدَ الرَّهن فهى خارجةٌ عن الرَّهنِ.
وقال المرتهن: بل كانت موجودةً يَومَ الرَّهنِ, وكلُّ واحد محتملٌ- فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه, فإذا حلف هل للمرتهن قلعُ تلك الشجرة؟ حكمه حكم الحادث من بعده.
ولو رَهَنَ أرضًا بيضاءَ, فحمل الماء إليها النَّوى, فنبت فيها نَخيلٌ. أو دفن الراهن فيها نَوّى, أو غرس أشجارًا, وكانت تَحْتّ التراب فنبتت- فالأشجار خارجةٌ عن الرهن, وليس للمرتهن قَلْعُها قبل محِلُ الدَّين؛ لأن الراهن ربما يَقضى الدَّين عند المَحلُ.
فإذا حَلَّ الدينُ؛ نظر: إن كان بالقلع لا تزداد قيمة الأرض, أو تزداد لكن قيمة الأرض
стр. 1346
إذا بيعت وفيها الأشجارُ, يفى بدينه- فليس له قَلْعُها.
وإن كانت قيمةُ الأرض إذا بيعت وفيها الأشجار- لا يفى بدينه, وتزداد قيمتها بالقلع, سواء وفت بالدين أو لم تف- فللمرتهن قَلْعُها, إلا أن يَأذن الراهن فى بيعها مع الأشجارِ. وأن يدفعَ إلى المرتهنِ من ثمنها قيمةَ الأرض فارغةٌ لا شجر فيها؛ فحينئذ لا يقلع.
وإن كان الراهنُ محجورًا عليه بالفَلَس, فليس للمرتهن قلعُ الأشجار؛ لتعلق حقِّ الغير بها, بل ينازعُ الأرض مع الأشجار, فما يقابل من الثمن يكون للمرتهن, فيقدم له على سائر الغُرَماء- وما يقابل الأشجار لسائر الغرماءِ.
ثم إن كانت قيمةُ الأرض والشجرة عند الاجتماع, مثل قيمة كُلِّ واحدٍ عند الانفراد؛ فيُدفع ثَمَنُ الأرض إلى المرتهن, وثمن الشجر إلى الغُرماءِ.
وإن انتفضت قيمة الأرض بالاجتماع, فيحسب النُّقصانُ على الأشجار؛ مثل إن كانت قيمةُ الأرض فارغةٌ عشرون, وقيمة الأشجار عَشَرةٌ, وعند الاجتماع يشترى بخمس وعشرين. فيباع بخمس وعشرين: عشرون منها للمرتهن؛ لأن حَقَّه فى أرض فارغة, وكان قَلعُ الأشجار ثابتًا له؛ لنقصان حَقِّه, فمنع منه لحقِّ الغرماءِ, وكان النقصانُ محسوبًا عليهم.
وإن زادتِ القيمةُ, بالاجتماع فتقسط الزيادةُ عليها, فتكون أثلاثًا: الثلثان من تلك الزيادة مع قيمةِ الأرض للمرتهنِ.
أما إذا رهن أرضًا, وكان المالكُ قد دَفَن فيها نويات قبل الرهن, فتثبت فى يد المرتهن- ليس له قَلعُها بحالٍ, سواء كانت الأرضُ تفى بدينه أو لا تفى, بل هو كعيبٍ يجده بالرهن.
فإن كان جاهلًا به له فسخ البيع المشروط فيه, فإذا أجاز وحلّ الحق, وينعت الأرض مع الأشجار, فيوزع الثمن على الأرض والأشجار, وللمرتهن قيمة أرض مَشغُولةٍ بالأشجار؛ لأنها كانت موجودةٌ يوم العقد, وقد رَضِى به.
وعلى هذا, لو رهن جاريةٌ ولها ولدٌ صغيرٌ, فإذا بيعت فى الدَّين, وقلنا: لا يجوز التفريقُ بين الأمِّ والولد- تباع مع الولد, والراهن مُفلِسٌ يوزع الثَّمن على قِيمةِ الأمِّ والولد, وللمرتهن فيها قيمة جارية ذات وَلدٍ.
فإن حدث الولد بعد الرهن والتسليم من زوج أو زِنا, وبيعت مع الولد- فللمرتهن قيمةُ جارية لا وَلَد لها.
стр. 1347
فَصلٌ: رَهْنُ مَا يَتَسَارعِ إلَيه الفَسادُ
إذا رَهَنَ شيئًا يتسارع إليه الفساد من طعام رَطْبٍ, أو ثمرة لا تَتَجَفَّفُ أو جَمْدًا أو بَقْلًا- نظر: إن رهنه بدين حالِّ, أو بدينٍ مُؤجَّلٍ يتحقق حلوله قبل فَسَادهِ- يصح الرهن, ويباعُ فى الدَّينِ قبل فسادَهِ.
وإن لم يبع حتى فَسَد, نظر: إن كان الراهنُ قد أذِنَ للمرتهنِ فى بيعه, فلم يبع- ضمن. وإن لم يأذن, فلا يضمن. وإن رهنه بدينٍ مؤجلٍ يتحقَّق فساده قبل المَحِلِّ- نظر: إن أذِنَ لَهُ فى بيعِهِ عند خوف الفساد- جاز.
وإن شرط ألا يبيعه لم يَجُز. وإن أطلق فقولان:
أحدهما: لا يَصِحُ؛ لأن المقصودَ من الرهن بيعُه عند المَحلِّ, وهذا لا يبقى إلى المَحِلِّ.
والثانى: يصحُّ: فإذا خيف الفسادُ, يباع, ويكون ثمنه رهْنًا مكانه, وعليه نص, بخلاف رهن المدير لم يجز على الأصحِّ؛ لأنه قربة, والظاهر أنه لا تَبْطُلُ قربتُه. والغالبُ من الطَّعامِ أن المالك لا يَدَعَهُ للفسَادِ, بل يبيعُه.
فإن قلنا: لا يصحُّ؛ فإن احتمل الفساد قبل المحلِّ, واحتمل حُلُول الدَّين قبل الفساد- ففيه وجهانِ.
ولو رهن ثمرةً يمكن تجفيفها- يصحُ الرهنُ, ومؤنةُ التَّجفيفِ على الرَّاهِنِ, فإن تعذَّر منه- باع الحاكمُ بعضه, وأنفق على تَجفيفِ الباقى, أما إذا رَهَنَ الثمرةَ على الشَّجرةِ, لا تخلو؛ إما أن يرهنها مع الشَّجرةِ أو دونها.
فإن رهنها مع الشجرة, نظر: إن كانت الثمرة يمكن تجفيفها- حاز, سواء كان الحقُّ حَالًا أو مؤجلًا, وسواء كان بعد بُدُوِّ الصلاح أو قبله.
وإن كان لا يمكن تجفيفها, وقلنا: لا يصحُّ رهن ما يتسارع إليه الفسادُ- فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يصحُّ الرهنُ فى الثَّمرة, وفى الشجرة قولان.
ومنهم من قال: يصِحُّ فيهما قولًا واحدًا, وتكون الثمرةُ تبعًا للشَّجرة, وإن رهنها دون الشجرة نظر: إن كان لا يمكنُ تجفيفُها, فهو كما لو رَهَنَ ما يتسارعُ إليه الفسادُ على وجه الأرض.
стр. 1348
وإن أمكن تجفيفها ينظر: فإن كان بعد بُدُوِّ الصَّلاح- يجوزُ مطلقًا, وإن كان قبل بُدُوِّ الصَّلاحِ هل يحتاجُ إلى شَرْطِ القطْعِ؟:
فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كما لو باعها, لا يجوز إلا بشرط القطْعِ.
والثانى: لا يَحتاجُ؛ لأن بِتَلَفِها لا يبطُل حقُّ المرتهن, وفى البيع يبطل حقُّ المشترى بتلفِها.
فإن قلنا: لا يحتاج إلى شَرطِ القطع وهو الأصحُّ, أو كان بعد بُدُوِّ الصَّلاحِ, فذلك إذا كان الحقُّ حالًا؛ فيؤمر ببيعه.
أو كان الحقُّ مؤجلًا, ويحلُّ الأجل مع بلوغ الثمرة أوان الجِذاذِ, أو يحل بعد بلوغه أوانَ الجِذاذِ؛ فإن كان يحلُّ قبل بلوغه أوانَ الجِذاذِ, فإن شَرَطَ قَطْعَها عند المحلِّ- جاز.
وإن أطلق فقولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن العادة فى الثمار التبقية إلى أوان الجِذاذ ومطلق العقد, يُحْمَلُ على العادَةِ.
فإذا أطلق يصير كأنه رهن على ألا يبيعه عند المَحِلِّ, إن امتنع الراهنُ من فَكَّهِ, فيصير كأنه شرط بيعه؛ كما لو رهنه بِدَيْنٍ حالِّ.
ولو رهن زرعًا بَقْلًا فى الأرض, فهو كرهن الثمرة على الشجرة قبل بُدُوِّ الصَّلَاحِ, فيصح, وهل يحتاجُ إلى شَرْطِ القطعِ؟
فيه قولان: هذا هو المذهب.
وقال صاحب (التلخيص): لا يجوز رهنُ الزرع البقل بِحقِّ مُؤجَّل, وإن شرط القطع عند المَحِلِّ قولًا واحدًا, بخلاف الثمرة؛ لأن زيادة الثمرة فى عظم الجثة فيتبع الرَّهن, كَسَمنِ الدابة, وكبر الودِىِّ, فجاز.
وزيادة الزرع بالطول, فهو كثمرة أخرى تخرج, فيختلط بالمرهونِ ولا يتميز؛ ولأن للزرع حالةٌ لا يجوز بيعه فيها, وهو إذا تَسَنْبَل, فربما يصادف حُلولُ الحقِّ تلك الحَالَةَ.
أما إذا رَهَن الزرع بعد اشتداد الحَبِّ, فإن كان زَرعًا تُرى حباته فى السنبلةِ- جاز رهنُه.
стр. 1349
وإن كان لا يُرى, ففيه قولان, كالبيع, والأصح: أنه لا يجوز.
وكُلُّ موضع جَوَّزنا رَهْنَ الثمرة على الشَّجرةِ- فعلى الرَّاهنِ مؤنةُ السَّقْى والجِذاذِ والتَّجفيفِ كَنَفَقَةِ المرهُونِ.
فإن لم يكن للراهن شَئٌ, باع الحاكم جزءًا منه, وأنفق عليه, فإن اتفق المُتراهنان على تَركِ الَّقى- جاز, بخلاف نفقة الحيوان حيث يجبرُ عليه؛ لحُرمة الحيوان.
وإن أراد أحدهما قطعَ الثمرة دون الآخر, فإن كان قبل أوان الجِذاذِ, لا يجاب إليه, إلا أن يَتَراضيا عليه.
وإن كان بعد أوان الجِذاذِ يُجابُ إليه, فتقطع ويباع فى الدين, إن كان حالًا, إن كان مؤجلًا يمسكه رهنًا.
وإذا رهن ثمرةٌ على شجرة بثمرٍ فى سنة مرتين, وتختلط الثانيةُ بالأولى- نظر: إن كان الحقُّ حالًا أو كان مُؤجلًا, ولكن يتحقق حلولُ الأجلِ قبل خروج الثمرة الثانية, أو بعد خروجها قبل اختلاطها بالأولى- وصح الرهن.
وإن كانت تختلطُ الثانيةُ بالأولى قبل حُلول الأجل- نظر: إن شرط قطع الأولى قبل اختلاط الثانية بها- يصحُّ الرهنُ, وإن شرط ألا يقطع: لا يصح, وإن أطلقَ, فعلى قولين:
أصحهما: لا يصحُّ الرهنُ؛ كما لا يصحُّ البيع.
والثانى: يَصحُّ, فإذا خيف الاختلاط يُقطعُ, ويباعُ.
فإن قلنا: يصحُّ, أو رهن بشرط القطع, فلم يتفق القطع حتى خرجت الثانية, واختلطت بالأولى, فهل يَبْطُل الرهنُ؟
فعلى قولين, كالبيع.
فإن قلنا: لا يبطل: فإن سمح الراهن بأن تكون جميعُ الثمرة رهنًا, وتباع فى الدَّين, أو اتفقا على أن يكون نصفُ الكلِّ أو ثلثه رهنًا, والباقى خَارجٌ عن الرَّهنِ- يجوز.
وإن لم يتفقا, واختلفا فى القدر المرهون- فالقولُ قولُ الرَّاهن مع يمينه؛ كما لو رهنه حِنطةٌ فاختلطت بحِنطةٍ أُخرى للراهن, واختلفا- فالقولُ قولُ الرَّاهن مع يمينه.
وقال المزنى: القولُ قولُ المرتهن مع يمينه؛ لأن اليدَ له؛ كما لو تنازعا فى مِلكٍ. فالقولُ قولُ صاحب اليد.
قلنا: اليد لا تدلُّ على الرهن, وإنما تدلُّ على الرهن, وإنما تدلُّ على الملك؛ بدليل أنهما لو تنازعا فى أصلِ الرَّهن, فقال مَنْ فى يده: رهنتنى, وأنكر المالك- فالقول قول المالك مع يمينه.
стр. 1350
فصل
رُوي عن سَعيد بْنِ المسيب أنَّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ قالَ: (لاَ يُغلقُ الرَّهنُ مِنْ صَاحبِهِ الذى رَهَنَهُ, لَهَ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ).
وروى موصولًا عن ابن المسيب عن أبى هريرة عن النبى ﷺ .
стр. 1351
الرهنُ أمانةٌ فى يدِ المرتهن, لا يسقط بهلاكه شئٌ من الدَّين, إلا أن يتَعدَّى المرتهنُ فيه, فيصير ضَامنًا.
وعند أبى حنيفة والثورى: الرهن مضمونٌ بالأقلٌ من قيمته أو الدين, فإن كانت قيمتُه
стр. 1352
أقل من الدَّين يسقط بهلاكه من الدَّين بقدر قيمته، وإن كان قيمته أكثر من الدين، يسقط الدين بهلاكه، ولا يضمن الزيادة.
وقال الشعبي، والنخعي: هو مضمون بجميع الدَّين بالغاً ما بلغ، والحديثُ حجَّة عليهم؛ حيث قال: "له غنمه" يعني: للراهن زيادته، "وعليه غرمه" يعني: نقصانه:
ولأن ما تبرع وثيقة للدَّين لا يسقط الدين بهلاكه، كالكفيل إذا مات.
ولو رهن شيئاً بشرط أن يكون مضموناً على المرتهن- كان فاسداً، ولا يكون مضموناً
стр. 1353
عليه؛ لأن ما كان أمانة لا يصير بالشرط مضموناً؛ كما لو دفع إليه وديعة، أو دفع إليه مالاً قراضاً، أو أجَّر داره بشرط الضمان؛ لا يكون مضموناً، وما لا يكون صحيحه مضموناً، لا يكون فاسده مضموناً.
ولو رهن منفعة دار لا يصح، فلو سلم الدار لا تكون مضمونة على المرتهن، لا عينها ولا منفعتها؛ لأنها مقبوضة بحكم الرهن الفاسد، بخلاف ما لو أجر إجارة فاسدة وسلم- يضمن المستأجر منفعتها؛ لأنه تبرع منه على شرط ضمان المنفعة، فإن سكن المرتهن الدار، أو أسكنها غيره- يضمن أجرة المثل؛ لأنه يتعدى بإتلاف المنفعة.
ولو دفع عبداً أو شيئاً إلى رب الدين، فقال: خذ هذا بحقك، فقبل- ملكه رب الدين؛ كما لو باعه منه، ولو لم يقبل دخل بالأخذ في ضمانه بحكم البيع الفاسد.
ولو قال: استوف حقك من ثمنه، فهو أمانة في يده. ولو قال: خذ هذا الكيس بحقك، فإن كان ما فيه معلوماً، وكان جنس حقه وقدره- ملكه. وإن كان أكثر لا يملكه، ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد.
وكذلك إذا كان ما فيه مجهولاً، ولو قال: خذه واستوف حقك منه، فهو أمانة في يده قبل أن يستوفي منه حقه، فإذا استوفى دخل في ضمانه ما أخذه بحقه.
ولو دفع إليه شيئاً، فقال: رهنتك هذا بحقك، فإذا حل الأجل فهو مبيع منك.
أو إذا لم أقضك حقك فهو مبيع منك؛ فهذا فاسد؛ كالرهن المؤقت، وهو أن يقول: رهنتك شهراً، يعني: إذا مضى الشهر يخرج عن الرهن، ثم هو أمانة في يده قبل حلول الحق؛ لأنه يمسكه بحكم الرهن الفاسد.
وبعد حلول الحق يكون مضموناً عليه؛ لأنه في يده بحكم البيع الفاسد.
فإن كان ذلك أرضاً غرس فيها المرتهن، نظر: إن غرس قبل حلول الأجل، يقلع مجاناً، وإن غرس بعده نظر:
إن كان عالماً بفساده يقلع مجاناً، وإن كان جاهلاً، لا يقلع مجاناً، ولكن الراهن [فيها] بالخيار بين ثلاثة أشياء:
إما أن يتملكها بالقيمة، أو يقرها بالأجرة، أو يقلعها، ويضمن أرش النقصان.
стр. 1354
فصل ما يشترط لبيع الرهن
لا يجوز للمرتهن بيع الرهن عند المحل إلا بإذن الراهن، فإن أذن له في بيعه عند المحل، فباع بحضرة الراهن- صح. وإن باع بغيبته: فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: يصح لوجود إذن المالك.
والثاني وعليه نص: أنه لا يصح؛ لأنه يبيعه في حق نفسه، فيكون متهماً؛ لأنه ينظر لنفسه أكثر مما ينظر لمالكه.
فحيث قلنا: يصح، إنما يصح إذا باع لمالكه، فإن باع لنفسه لا يصح؛ لأنه ليس بمالك له، ولا يجوز أن يبيع مال الغير لنفسه.
ولو قال الراهن: بعه لنفسك، لا يصح التوكيل، ولو قال: بعه لي، واقبض الثمن لنفسك، صح بيعه، ولا يصح قبضه لنفسه، فإن قال: اقبضه لي، ثم اقبض مني لنفسك، صح قبضه للراهن، وهل يصح قبضه منه لنفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح، فإن امتنع الراهن من أن يبيع، أو يأذن في البيع- أجبره الحاكم على أن يبيع، أو يأذن في بيعه، فإن لم يفعل، باعه الحاكم.
وعند أبي حنيفة: لا يبيعه الحاكم، بل يحبسه حتى يبيع.
فإن حل الحق، والراهن غائب، أثبت بالبينة عند الحاكم حتى يبيعه، فإن لم يكن له بينة، له أن يبيعه بنفسه؛ كمن ظفر بغير جنس حقِّه من مال المدينون، ولا حجة له عليه- يجوز أن يبيعه بنفسه، كمن ظفر بغير جنس حقه من مال المديون، ولا حجة له عليه- يجوز أن يبيعه بنفسه، ويستوفي حقه من ثمنه. ولو وضعا الرهن عند عدل، فالعدل حافظ لهما جميعاً، لا يجوز له دفعه إلى أحدهما إلا بإذن الآخر.
فإن فعل كان ضامناً، ويسترد إن كان قائماً. وإن تلف عند من دفعه إليه؛ فإن كان دفعه إلى المرتهن، فإن كان الحق حالاً، والقيمة من جنس الدين، يتقاصان، وإن لم يكن من جنسه، أو كان الحق مؤجلاً- يؤخذ منه قيمته، والراهن إن شاء غرم العدل، وإن شاء غرم المرتهن، وقرار الضمان على المرتهن.
فإذا أخذت القيمة كان رهناً عند العدل، وإن دفعه العدل إلى الراهن، فالمرتهن يرجع بكمال قيمته.
стр. 1355
وإن كان أكثر من حقه، فيغرم أيهما شاء، والقرار على الراهن، فتؤخذ القيمة منه، وتوضع عند العدل رهناً.
فإن غصب المرتهن الرهن من العدل- كان ضامناً، فلو رده إلى العدل برأ؛ لأنه أمين الراهن، فيده في الحفظ كيد الراهن؛ كما لو غصب الوديعة من المودع، أو العين المستأجرة، ثم رده إليهما- يبرأ عن الضمان.
وكذلك لو غصبه من المرتهن، ثم رده إليه- يبرأ، ولو غصب من المستعير أو المستام، ثم رد إليه- هل يبرأ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يبرأ؛ لأن المالك قد رضي كونه في يده.
والثاني: لا يبرأ؛ لأن يد المستعير والمستام، يد ضمان؛ فلا تحصل براءة الغاصب بالرد غليهما؛ كما لو غصب من الغاصب، ثم رده إليه- لا يبرأ.
ولو جعلا الرهن على يدي عدلين، هل ينفرد أحدهما بحفظه؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه يشق اجتماعهما على حفظه.
والثاني: لا؛ لأن الاعتماد كان عليهما؛ كما لو وكل رجلين بالبيع لا ينفرد به أحدهما، وهذا أصح.
فإن قلنا: لا ينفرد يجعلانه في حرز لهما.
وإن قلنا: ينفرد، فإن اتفقا على أن يحفظه أحدهما- كان عنده، وإن تشاحا، فإن كان الشيء مما لا ينقسم- يحفظ هذا مدة وذلك مدة.
وإن كان مما ينقسم، يقسمان، فيحفظ كل واحد نصفه، فإن فعلا، ثم سلم أحدهما إلى الآخر نصفه- جاز.
ولا يجوز للعدل بيعُ الرهن إلا بإذن المتراهنين، فإذا أذن له الراهن في بيعه، إذا حل الحق- يجوز بيعه، وهو وكيل من جهته، ولكن لا يبيع إلا بإذن المرتهن.
وإذا أذنا له يجوز له بيعه في غيبتهما؛ لأنه لا يبيع لنفسه، وإذا رجع أحدهما عن الإذن قبل البيع- لم يجز البيع.
وكذلك لو مات أحدهما قبل البيع ينعزل في حقه، ولا يجوز للعدل إذا باعه، حيث جوزنا أن يبيعه إلا بنقد البلد حالاً، فلو باع بغير نقد البلد، أو نسيئة، أو بدون ثمن المثل-
стр. 1356
لا يصح، فإذا سلم إلى المشتري صار ضامناً، فإن كان قائماً يسترد، ويكون مضموناً على العدل. ولكن يجوز له بيعه؛ لأن الإذن لم يرتفع، فإذا باعه وأخذ الثمن- فالثمن لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
وإن هلك في يد المشتري في البيع الفاسد- فالراهن بالخيار؛ إن شاء ضمن العدل، وإن شاء ضمن المشتري، وقرار الضمان على المشتري؛ لأن الهلاك كان في يده.
ولو باعه العدل بثمن المثل، ثم جاء آخر وطلبه بأكثر- نظر: إن كان بعد التفرق عن المجلس- لا يردُّ البيع الأول.
وإن كان قبل التفرق، عليه أن يبيع من الثاني، فإن لم يفعل، فالبيع الأول مردود.
وقيل: لا يلزمه البيع من الثاني، ولكن يستحب ذلك؛ لأنه لا تتحقق هذه الزيادة؛ لجواز أن يكون قصد الزائد، إفساد العقد الأول.
والأول المذهب؛ لأن مجلس العقد، كحالة المعاقدة، ولا يجوز العقد بثمن المثل، وثمَّ من يطلب بأكثر.
فلو رجع الثاني نظر: إن كان قبل التمكن من البيع منه- فالبيع الأول بحاله، وإن كان بعد التمكن فقد انفسخ الأول؛ فعليه تجديد العقد مع الأول أو مع غيره.
وإن باعه العدل بإذنهما، فأخذ الثمن- فهو من ضمان الراهن. وعند أبي حنيفة: من ضمان المرتهن.
ولو تلف في يد العدل، ثم خرج الرهن مستحقاً- فالمشتري بالخيار، إن شاء رجع بالثمن على العدل، وإن شاء على الراهن، والقرار على الراهن.
حتى إذا أخذ من العدل يرجع [العدل على الراهن، ولو مات الراهن فأمر الحاكم العدل] أو غيره ببيعه، فباع وتلف الثمن، ثم خرج مستحقاً- فالمشتري [بالخيار] يرجع بالثمن في تركة الراهن، والعدل هل يكون طريقاً في الضمان؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه نائب الحاكم، والحاكم لا يطالب به، كذلك نائبه.
والثاني: يكون طريقاً؛ كما لو باعه بإذن الراهن يكون طريقاً.
стр. 1357
ولو قال العدل: تلف الثمن في يدي، قبل قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، ولو قال: دفعته إلى المرتهن، وأنكر المرتهن- فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلف رجع على الراهن بحقه.
والراهن يرجع على العدل؛ لأنه متعد بترك الإشهاد.
ولو قال أحد المتراهنين للعدل: بعْ بالدراهم، وقال الآخر: بالدنانير- لا يبيع بواحد منهما، بل المتراهنان يرفعان الأمر إلى الحاكم؛ ليبيعه بنقد البلد، ولا يجب على العدل أن يأتي الحاكم.
وإن رأى الحاكم أن يبيعه بجنس حق المرتهن- جاز.
وليس لأحد المتراهنين نقل الرهن من العدل الذي اتفقا عليه إلى عدل آخر، إلا أن يتفقا عليه.
وإن تغير حال العدل فأيهما دعا إلى إخراجه من يده- له ذلك، ولكن لا يفعل بنفسه إلا باتفاقهما، فإن لم يتفقا ترافعا إلى الحاكم حتى يضعه عند عدل آخر.
وكذلك لو مات العدل، أو كان الرهن في يد المرتهن، فمات المرتهن- لا يترك الرهن في يد وارثه، إلا أن يتفقا عليه، وإن لم يتفقا، وضعه الحاكم عند عدل.
إن أتلف العدل الرهن عمداً- أخذت قيمته ووضعت عند آخر.
وإن أتلفه مخطئاً، لا يخرج به عن العدالة، فتأخذ القيمة منه وتوضع عنده؛ كما لو أتلفه متلفٌ.
ولو أتلفه متلفٌ في يد العدل بعد ما أذنا له في بيعه- فليس للعدل بيع قيمته؛ لأن من أمر ببيع شيء لا يكون مأموراً ببيع بدله، ومن استحفظ شيئاً كان مستحفظاً بدله.
ولو أراد العدل رد الرهن- له ذلك، ثم إن كانا حاضرين أو وكيلهما رد غليهما، فإن دفع إلى أمين، أو إلى الحاكم مع حضورهما- ضمن، وإن كانا غائبين نظر: إن أراد العدل سفراً، فدفعه إلى الحاكم- لم يضمن، وعلى الحاكم قبوله إذا دفع إليه.
وإن دفعه إلى أمين بغير أمر الحاكم- وثمَّ حاكم- يصمن، وإن لم يكن ثمَّ حاكم، لا يضمن.
وإن لم يرد سفراً، فدفعه إلى غير الحاكم- ضمن، سواء كان ثمَّ حاكم أو لم يكن، وإن دفعه إلى الحاكم هل يضمن؟ فيه وجهان، وكذلك الوديعة.
ولو ادعى العدل هلاك الرهن في يده- يقبل قوله مع يمينه، وكذلك لو ادعى الرد غليهما؛ كالمودع إذا ادعى هلاك الوديعة، أو ردها- يقبل قوله، وكذلك المرتهن لو ادعى
стр. 1358
هلاك الرهن، يقبل قوله مع يمينه، سواء خفي هلاكه أو ظهر.
وعند مالك: إذا خفي هلاكه لا يقبل. ولو ادعى رده هل يقبل؟
فيه وجهان:
أحدهما: يقبل؛ لأنه أمين كالمودع.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه كان يمسكه لمنفعة نفسه؛ بل القول قول الراهن مع يمينه، والله أعلم.
فصلٌ
إذا رهن عبد الغير بدين نفسه بإذن المالك- يجوز، بخلاف ما لو باع مال الغير لنفسه لا يجوز؛ لأن البيع إزالة الملك بعوض؛ فلا يجوز أن يملك هو الثمن، والمثمن ليس له.
أما الرهن فاستيثاق، والاستيثاق يحصل بما لا يملك؛ كما يحصل بالكفالة وبالإشهاد، فإذا رهن مال الغير بدينه، يسلك به مسلك العارية، أو مسلك الضمان؟
فيه قولان:
أحدهما: مسلك العارية؛ لأنه نوع انتفاع بمال الغير.
والثاني وهو الأصح: يسلك به مسلك الضمان؛ لأنه ضمن دين الغير في رقبة عبده، وذمته فارغة؛ كما لو أذن لعبده في ضمان دين ففعل- صح، وليس كالعارية، لأن منفعة العارية تكون للمستعير، وههنا منفعة الرهن تكون للمالك لا لمن رهنه.
وهل يجب بيان ما يرهنه به؟
إن قلنا: عارية، لا يجب؛ لأن جهة الانتفاع معلومة، وإن قلنا: ضمان، يجب أن يبين الجنس والقدرُ المرهون منه والأجل. وعلى القولين، لو بين لا يجوز أن يتجاوزه، فإن قال: ارهن بعشرة- لا يجوز أن يرهن بأكثر.
فإن رهن بأقل جاز، ولو قال: ارهن بدراهم- لا يجوز أن يرهن بدنانير، وقال: بدنانير- لا يجوز أن يرهن بدراهم.
ولو قال: ارهن من فلان- لا يجوز أن يرهن من غيره.
ولو قال: بدين حال- لا يجوز [بدين مؤجل]؛ لأنه لا يمكنه مطالبته بفكه في الحال، ولو قال: بمؤجل- لا يجوز أن يرهن بحال؛ لأنه يباع في الدَّين في الحال.
стр. 1359
قلت: ولو استعار ليرهن من واحد، فرهن من اثنين- لا يجوز؛ لأنه رهنه من غير من أمره.
ولو استعاره ليرهن من اثنين، فرهن من واحد- لا يجوز؛ لأنه إذا رهن من اثنين يفتكُّ نصفه بأداء نصف الحق، وإذا رهن من واحد لا يفتك شيء منه إلا بأداء جميع الحق.
ولو استعار عبداً من رجلين، فرهنه من واحد- جاز. فإذا قضى نصف الحق عن نصيب أحدهما بعينه، هل يفتك بنصيبه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يفتك؛ كما لو كان العبد لواحد، ورهنه من واحد، فأدى نصف الحق- لا يفتك شيء من الرهن.
والثاني: يفتك؛ كما لو رهن رجلان من رجل، فأدى أحدهما نصيبه- يفتك نصفه. فإن قلنا: يفتك، فهل للمرتهن الخيار في فسخ البيع، إن كان الرهن مشروطاً فيه، وكان جاهلاً به؟
فيه قولان، لابن سريج:
أحدهما: لا خيار له؛ لأنه لا ضرر عليه.
والثاني: له الخيار؛ لأن قضية الرهن ألا يفتك شيء منه إلا بعد أداء جميع الحق، وها هنا لم يحصل له مقتضاه.
وإذا رهن عبد الغير بدينه، فإن قلنا: عارية- للسيد أن يطالب بفكاكه، ويسترده متى شاء، حل الدين أو لم يحُل ثم إن كان الرهن مشروطاً في البيع- يجوز للمرتهن فسخ البيع إن كان جاهلاً بالحال.
وإن قلنا: ضمان، ليس للمالك أن يسترده، بل إن كان الدين حالاً يطالب الراهن بفكه، وإن كان مؤجلاً فلا مطالبة له حتى يحلَّ الأجل، كمن ضمن ديناً مؤجلاً، ليس له مطالبة المضمون عنه بتعجيله حتى تبرأ ذمته.
فإذا حل الأجل فأراد المرتهن إنظار الراهن- فللمالك أن يقول: إما أن تطالبه بحقك حتى يفتك الرهن، أو ترد إلي مالي، كما في الضمان، إذا مات المضمون عنه، حل الدين عليه، ولا يحل على الضامن.
ثم إن لم يطلب ربُّ الدين حقه من التركة- للضامن أن يقول له: إما أن تطلب حقك من التركة، أو تبرئ ذمتي؛ لأني أخاف فوات التركة عند المحل، ولو بيع الرهن في الدين، رجع المالك على الراهن بقيمته على القولين جميعاً، ولو بيع بأكثر من قيمته، فإن قلنا، عارية، ليس للمالك إلا قيمته، والباقي للراهن.
стр. 1360
وإن قلنا: ضمان، رجع بالثمن، سواء بيع بقدر قيمته، أو أقل أو أكثر، ولو باعه المالك، أو أعتقه، إن قلنا: عارية- يصح بيعه وإعتاقه، وكان رجوعاً، وإن قلنا: ضمان، فلا يصح بيعه وإعتاقه، كإعتاق المرهون.
فإن قلنا: ينفذ. فعلى المالك أن يرهن قيمته مكانه.
ولو هلك في يد المرتهن؛ إن قلنا: عارية- تجب القيمة على الراهن؛ كما لو هلك في يد الراهن، وإن قلنا: ضمان لا شيء عليه.
ولو جنى العبد، فبيع في الجناية، إن قلنا: عارية- فعلى الراهن قيمته للمالك، وإن قلنا: ضمان، لا شيء عليه.
ولو قال المديون لإنسان: ارهن عبدك من فلان بديني، ففعل- جاز، وكان نائباً عنه؛ كما لو أخذه ورهنه، ولو رهن المالك عبد نفسه بدين الغير دون إذنه- جاز، وهو متطوع.
فلو بيع في الدين لا رجوع على المديون بشيء؛ كما لو قضى دينه بغير إذنه، والله أعلم.
بابُ الرهن والحميل في البيع
لا يصح الرهن ولا الضمان إلا مقترناً بثبوت الحق، أو متراخياً عنه، فإن باع بشرط أن يرهن منه شيئاً- عينه بالثمن، أو بشرط أن يتكفل فلان بالثمن- جاز، سواء كان الثمن حالاً أو مؤجلاً.
وكذلك لو شرط المشتري أن يعطيه البائع فلاناً كفيلاً بالعهد- يجوز، ثم إن لم يرهن لا يجبر عليه.
وكذلك إن لم يتكفل فلان، ولكن ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع، إن لم يعط المشتري الرهن والكفيل؛ فإن أجاز العقد، فلا خيار للمشتري؛ لأنه لا نفع له في الرهن والكفيل، إنما النفع للبائع بتوسيع محل طلب الحق عليه.
وإذا تكفل غير من عينه، أو دفع إليه عيناً أخرى رهناً- لا يسقط به خيار البائع. وإذا باع بشرط الرهن، هل يشترط أن يذكر أنه يكون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط، قطعاً للنزاع، حتى لو تركا ذكره لا يصح الرهن.
والثاني: لا يشترط، ثم إن لم يتفقا على شيء، وضعه الحاكم عند عدل، ولو باع بشرط أن يرهن منه شيئاً، ولم يعيِّن، أو أحد عبديه ولم يعين، أو على أن يتكفل الثمن رجل، ولم يعين- فالشرط فاسد للجهل، وهل يصح البيع؟
стр. 1361
فيه قولان:
وكذلك لو شرط رهناً فاسداً من خمر، أو خنزير، أو ميتة- ففي صحة البيع قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه أمر يرتفع به أحد المتعاقدين، فشرطه مع الجهالة يفسد البيع كالأجل، والخيار المجهول.
والثاني، وهو اختيار المزني: يصح؛ لأنه من جملة الزوائد في العقد؛ بدليل أنه يجوز إفراده عن البيع، ففساده لا يوجب فساد البيع؛ كالصداق في النكاح، لا يوجب فساده فساد النكاح.
فإن قلنا: يصح البيع، فللبائع الخيار إن كان جاهلاً.
ولو باع بشرط أن يرهن عبد فلان- لا يصح الشرط؛ لأن العادة لم تجزه، بخلاف ما لو شرط كفالة فلان- جاز، ثم في صحة البيع قولان:
ولو باع بشرط أن يشهد شاهدين وعينهما- جاز. وإن لم يعينهما هل يصح الشرط؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح كما لو شرط رهناً أو كفيلاً مجهولاً، فعلى هذا هل يفسد البيع؟
فيه قولان.
والثاني، وهو المذهب: يصح الشرط بخلاف ما لو شرط رهناً أو كفيلاً مجهولاً، لأن أعيان الشهود غير مقصودة، وإنما المقصود عدالتهما، بحيث يمكن إثبات الحق بشهادتهما. والأغراض تختلف باختلاف المرهون والكفلاء لاختلافهم في الأمانة.
فلو شرط شاهدين معينين فلم يتحملا، هل له الخيار أم لا؟
إن قلنا: لو لم يعين الشاهدين يصح الشرط، فلا خيار له؛ لأنه لا يمكنه إشهاد آخرين. وإن قلنا: لا يصح الشرط فله الخيار.
ولو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض، أو تعيب، أو وجد به عيباً قديماً، فله فسخ البيع.
ولو حدث العيب بعد القبض، فلا فسخ له.
ولو اختلفا فقال الراهن: حدث بعد القبض، وقال المرتهن: بل قبله، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن المرتهن يروم فسخ البيع، والأصل سلامته.
ولو قبض الرهن فتلف أو تعيب عنده ثم وُجد به عيباً قديماً، فلا أرش له؛ لأنه لم
стр. 1362
يتملكه [بعوض]، وهل له فسخ البيع المشروط فيه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه لم يسلم له جميع الرهن.
والثاني: وهو الأصح والمنصوص: أنه لا فسخ له؛ لأن فقد الصفة لا يثبت حق الفسخ بعد التلف كما لو هلك المبيع عنده ثم وجد به عيباً، لا يثبت له فسخ البيع.
ومن قال بالأول، قال: في البيع يستدرك الظلامة بأخذ الأرش، ولا أرش ههنا فكان له الفسخ.
والثاني، وهو المذهب: لا يثبت الفسخ؛ لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رد العين كما أخذ، حتى فرع أصحابنا عليه: وقالوا: لو رهن شيئين فسلم أحدهما، فتلف في يده- لا يجب على الراهن تسليم الثاني؛ لأنه رهن غير مقبوض، ولا خيار للمرتهن؛ لأنه لا يتمكن من رد ما قبضه.
ولو باع شيئاً، وشرط أن يكون المبيع نفسه رهناً بالثمن- لا يصح البيع؛ لأن الثمن إن كان مجهولاً لا يجوز له حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وإن كان حالاً فحبس المبيع له ثابت لاستيفاء الثمن.
فلا معنى للحبس بحكم الرهن، وبين الحبسين اختلاف، من حيث إن هلاك الرهن لا يسقط الدين، وبهلاك المبيع المحبوس يسقط الثمن، والمالك ينتفع بالرهن، والمشتري لا ينتفع بالمبيع قبل القبض.
وكذلك لو شرط أن يقبض المبيع، ثم يرده إليه رهناً- لا يصح البيع.
أما إذا لم يشرط ذلك في البيع، بل رهنه بالثمن، من غير شرط أن يرهنه بعد القبض- جاز.
وإن رهنه قبل القبض، والثمن مؤجل. قلت: فهو كما لو رهن منه بدين آخر، وإن كان حالاً، فلا؛ لأن الحبس له ثابت.
فصلٌ في الاختلاف
إذا اختلفا في الرهن، فقال رب الدين: رهنتني عبدك، وأنكر المالك. أو قال الراهن: رهنتك عبدي، وقال المرتهن: بل دارك؛ فإن كان الرهن مشروطاً في البيع يتحالفان.
ثم إن لم يوافق أحدهما الآخر، يفسخ العقد بينهما. وإن كان رهن تبرُّع، فالقول قول الراهن مع يمينه.
стр. 1363
وكذلك لو قال الراهن: رهنتك عبدي بألف، وقال المرتهن: بل بألفين- فالقول قول الراهن مع يمينه، ولا ينظر إلى قيمة العبد.
ولو ادعى رجل على رجلين، وقال: رهنتماني عبدكما هذا بألف، وقبضته منكما، فكذباه- فالقول قولهما مع يمينهما.
وإن صدَّقه أحدهما، وكذَّبه الآخر- فنصيب المصدِّق رهن بخمسمائة، والقول قول المكذب مع يمينه في نصيبه.
ولو شهد المصدق للمدعي على شريكه- تقبل شهادته، ويحلف المدعى معه؛ ويكون الكل مرهوناً.
ولو كذبه كل واحد في حق نفسه، وصدق في حق شريكه، فشهد على شريكه- هل يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأن المدعي يقول: كل واحد كاذب.
والثاني: تقبل؛ لأن كذبه غير معلوم، ويجوز أن يكون نسي، ثم يحلف المدعي مع كل واحد منهما، ويكون العبد رهناً عنده.
ولو ادعى رجلان على واحد، وقالا: رهنتنا عبدك هذا بألف، وقبضناه؛ فإن كذَّبهما حلف يمينين، فإن صدق أحدهما، وكذب الآخر- فنصفه مرهون عند المصدق، ويحلف في حق المكذب.
ولو شهد المصدق للمكذب تُقبل شهادته؛ لأنه لا يجرُّ نفعاً إلى نفسه؛ كما لو كانت داراً في يد رجلين، وجاء ثالث، وادعى نصيب أحدهما، فشهد له الشريك الآخر- تقبل.
هذا إذا أنكر الرهن، فإن أنكر المال، فشهادة المصدق هل تقبل أم لا؟
نظر: إن ثبت المال إرثاً، لا تقبل؛ لأنه ما من جزء من الميراث إلا وهو مشترك بين جميع الورثة، ولا تقبل شهادة بعض الورثة للبعض في الميراث؛ لأنه يشهد لنفسه، إن ثبت المال قرضاً، أو إتلافاً، أو بيعاً- تقبل.
ولو دفع شيئاً إلى رجل؛ ليرهنه عند آخر، فيستقرض له شيئاً ففعل، ثم اختلفا، فقال الراهن: أمرته أن يرهنه بخمسة، وقال المرتهن: بل بعشرة؛ نظر: إن صدّق الوكيل الراهن، فللمرتهن أن يدعي خمسة على الوكيل، ويحلف الوكيل، وإن صدق الوكيل المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلف كان رهناً بخمسة، على الراهن أداؤها، وعلى الوكيل خمسة.
وإذا كان لرجل على آخر ألفان، أحدهما بها رهنٌ، أو ضمانٌ، والأخرى لا رهن بها
стр. 1364
ولا ضمان، أو أحدهما ثمن مبيع محبوس لاستيفائها، أو أحدهما حالة والأخرى مؤجَّلة، فأدى من عليه إحدى الألفين- نظر: إن دفع عن التي بها الرهن، أو الضمين، أو ثمن المبيع- افتكَّ الرهن، وبرئ الضمين، وخرج المبيع عن الحبس.
وإن دفع عن الأخرى فلا يفتكُّ ولا يبرأ. فإن دفع عنهما وقع النصف عن هذا، والنصف عن ذاك.
وإن اختلف الدينان، أحدهما بألف والآخر خمسمائة، يقع أثلاثاً. وإن دفع مطلقاً، فوجهان:
أحدهما: يقع عنهما.
والثاني: قاله أبو إسحاق: للدافع أن يصرفه إلى أيهما شاء.
فلو اختلفا، فقال الدافع: دفعت عن الذي به الرهن والضمين. وعن ثمن المبيع المحبوس، وقال القابض: بل عن الآخر- فالقول قول الدافع مع يمينه، والاعتبار ببينة الدافع لا بينة القابض. ولو أبرأ رب الدَّين عن أحد الدينين، ثم اختلفا، فقال المدينون: أبرأت عن الذي به الرهن أو الكفيل، وقال رب الدين: عن الآخر- فالقول قول رب الدين مع يمينه.
ولو كان له عبدٌ فجاء رجلان، فادعى كل واحد منهما أنك رهنت مني جميع هذا العبد، وأقبضتني؛ فإن كذبهما- فالقول قوله مع يمينه يحلفُ يمينين. وإن صدق أحدهما يسلم إلى المصدق، وهل للآخر تحليفه؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يحلفه؛ لأن اليمين لطلب الإقرار، وهو لو أقرَّ للثاني بعدما أقر للأول- لا يقبل إقراره.
والثاني: له تحليفه، بناء على ما لو قال: غصبت هذا من فلان، لا بل من فلان آخر، يسلم إلى الأول، وهل يغرم قيمته للثاني؟
فيه قولان:
إن قلنا: يغرم قيمته للثاني، فههنا للثاني تحليفه، فإن نكل حلف المكذِّب، وعلى المالك أن يرهن قيمته مكانه.
وإن قلنا هناك: لا يغرم للثاني شيئاً، فههنا: هل له تحليفه أم لا؟ هذا يبني على أن النكول وردَّ اليمين بمنزلة الإقرار، أم بمنزلة البيِّنة. إن قلنا: بمنزلة الإقرار، ليس له تحليفه، وإن قلنا: بمنزلة البينة، له تحليفه، فإن نكل حلف المكذب، وعلى المالك أن يرهن قيمته.
وقيل: إن قلنا: كالبينة، يسلم العين إلى الثاني، وليس بصحيح؛ لأن النكول ورد
стр. 1365
اليمين بمنزلة البينة في حق المتداعيين لا في حق ثالث، وههنا تعلق به حق الأول.
وإن صدقهما جميعاً، نظر: إن لم يدَّعيا السبق أو ادعيا. وقال المدعى عليه: لا أعلم السابق منهما- ففيه وجهان:
أحدهما: الرهن باطل في حقهما؛ كالنكاحين إذا تعارضا؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل العبد مرهوناً عند كل واحد منهما.
والثاني: يرهن من كل واحد نصفه؛ لأنه يقبل التشريك، بخلاف النكاح. فإن صدق أحدهما في السبق فهو له، والاعتبار بالقبض، حتى لو صدّق أحدهما بسبق العقد، وصدّق الآخر بسبق القبض- فهو لمن سبق قبضه.
هذا إذا كان العبد في يد المصدق، أو في يد المالك، أو في يد ثالث؛ فإن كان في يد المكذِّب- ففيه قولان:
أحدهما: هو لمن في يده لا للمصدق.
والثاني، وهو الأصح: (هو) للمقرِّ له بالسبق؛ لأن اليد لا تدل على الرهن.
فإذا أرجحنا باليد، فقال الذي في يديه: قد قبضه كل واحد منا- يبطل حقه، ويسلم الكل إلى المصدق؛ لأن صاحب اليد أقر للمصدق بقبض ما بعد.
وإن كان العبد في أيديهما جميعاً، ففي النصف الذي في يد المصدق- يرجح جانبه، وفي النصف الآخر، قولان.
ولو قال: رهنت هذا العبد من زيد، وأقبضته بعد ما كنت رهنته من عمرو وأقبضته، فلمن يكون؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون لزيد لتقدمه في اللفظ.
والثاني: لعمومه؛ لأن آخر الكلام يدل على أن قبضه كان سابقاً، وهذا أصح.
والوجهان يبنيان على تبعيض الإقرار، إن قلنا: يبعض، فهو لزيد، وإن قلنا: لا يبعَّض فلعمرو. والله أعلم.
باب الزيادة في الرهن
روي عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "الظهر يركب إذا كان مرهوناً، ولبنُ الدَّرِّ يشرب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته".
стр. 1366
منافع الرهن للراهن، فيسكن الدار المرهونة، ويركب الدابة، ويستخدم العبد، ويلبس الثوب.
وإذا انتفع بالحيوان نهاراً ردَّه إلى المرتهن، أو إلى العدل الموضوع على يده بالليل؛ لأنه لا يطيق العمل دائماً.
وعند أبي حنيفة- ﵀: تعطل منافع الرهن، ويرش لبنه على ضرعه حتى يجف، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي- ﷺ جعل منفعته لمن عليه نفقته، ونفقته بالاتفاق على الراهن، فدل على أن منافعه له.
وإنما يجوز أن ينتفع به على وجه لا تنتقص به قيمته، ولا يتضرر به المرتهن. فإن أراد أن يسافر على الدابة، أو يكريه ممن يسافر به- ليس له ذلك، وإن كان ثوباً تنتقص باللبس قيمته- لا يجوز أن يلبسه.
وللمرتهن ألا يدفع الرهن إليه للانتفاع إلا بشاهدين إذا خاف إنكاره، وإن خاف خيانته دفعه إلى الحاكم حتى يؤاجره عليه، ويدفع الأجرة إليه.
وإن كان أرضاً لا يجوز له أن يغرسها، ولا أن يبني فيها؛ لأنها تنتقص قيمتها بالغراس والبناء.
ولا يجوز أن يزرع زرعاً ينقص قيمتها. فإن أراد زرع ما لا ينتقص قيمتها؛ نظر: إن كان الدَّين حالاً، أو مؤجلاً يحل قبل استحصاد الزرع- لا يجوز، وإن كان يستحصد الزرع قبل حلول الأجل- جاز.
ثم إذا تأخَّر استحصاده لآفة، ليس للمرتهن قلعه، بل يبقى إلى أوان الحصاد. وحيث قلنا: ليس له أن يزرع ففعل، أو غرس أو بنى، فلا يقلع قبل حلول الأجل، ويقلع بعده إذا كانت قيمة الأرض مشغولة لا تفي بدينه، ويزداد قيمتها بالقطع.
وكذلك لا يجوز أن يؤاجر الرهن إذا كان الدَّين حالاً، أو مؤجلاً، ولكن يحل الأجل قبل انقضاء مدة الإجارة.
فإن أجر مدة تقضى قبل حلول الأجل- جاز، وتجوز الإعارة؛ لأنه يجوز له أن يرجع فيها متى شاء.
ولا يجوز تزويج الجارية المرهونة؛ لأنه تنتقص قيمتها، ولا يجوز له وطؤها إن كانت بكراً، أو كانت ثيباً، ولكن يخشى منها العلوق، شابَّة كانت أو عجوزة؛ لأن العجوزة قد
стр. 1367
تحبلُ، سواء عزل أو لم يعزل؛ لأن الماء قد يسبق إلى رحمها فتحبل.
وإن كانت صغيرة لم تبلغ مبلغ العلوق فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن العلوق ليس له وقت معلوم بل يحصل بغتة.
والثاني: قاله أبو إسحاق: يجوز؛ لأنه لا ضرر عليه.
فحيث قلنا: لا يجوز الوطء، فليس للسيد أخذها للخدمة؛ خوفاً من أن يطأها، إلا أن تكون ممن لا يحل له وطؤها.
ويكره رهن الجواري، إلا من امرأة أو محرم لها، أو كانت صغيرة لا تشتهى؛ فلا يكره، فإن كانت كبيرة رهنها من رجل توضع على يد امرأة ثقة، أو على يد رجل عدل له امرأة ثقة؛ حذراً من وطء المرتهن.
وإن كان الرهن حيواناً فحلاً، يجوز أن ينزيه على الإناث؛ لأنه لا ضرر فيه، كالركوب، وإن كان أنثى أراد أن ينزي عليها فحلاً؛ نظر: إن كانت تلد محلَّ الدين، أو يحل الدين قبل ظهور الحمل- يجوز، ولو كان يحلُّ بعد ظهور الحمل قبل الولادة، إن قلنا: الحمل لا يعرف- يجوز؛ لأنها تباعُ مع الحمل.
وإن قلنا: يعرف فلا يجوز؛ لأن الحمل لا يكون رهناً، ولا يمكن بيعها دون الحمل.
ويجوز أن يفعل به ما فيه مصلحة الملك من حجامة العبد، وفصده، وسقي الدواء، وودج الدابة، وتبزيغها. ولا يجبر الراهن عليه، بخلاف النفقة يجبر عليها؛ لأنها لا تعيش بدونه، وتعيش من غير حجامة وفصدٍ، وشرب دواء، ولا يتحقق الشفاء منها.
وله ختان العبد المرهون، إذا كان في سن يحتمل، ويندمل الجرح قبل حلول الأجل، فإن لم يندمل لم يجز.
وإن كانت بيده أكلة يخاف من تركها، ولا يخاف من قطعها- جاز له قطعها، وإن كانت يخاف من تركها ومن قطعها- لم يجز قطعها، وإن كانت ماشية، إذا كان يخرج بها في طلب فلاة- نظر: إن كان الموضع الذي فيه مخصباً- لا يجوز؛ لأنه مخاطرة بها من غير حاجة، وإن كان الموضع الذي فيها مجدباً- جاز.
وإن اختلفا في موضع النجعة واختار الراهن جهة، والمرتهن جهة أخرى- فاختيار الراهن أولى؛ لأنه يملك العين والمنفعة جميعاً.
وإن كانت أرضاً، وفيها نخلات، فأراد الراهن تحويل بعضها إلى مكان آخر، يسأل
стр. 1368
أهل البصر، فإن قيل: لا يثبت ما يحول، ليس له ذلك.
وإن قيل: يثبت، وكان يزداد به ثمن الأرض، أو ثمن النخل- له ذلك.
وكذلك لو قيل: الأكثر لثمن الأرض قطع بعضهن- له ذلك، وما قطن فرهن، ومؤنة الرهن تكون على الراهن؛ مثل نفقة العبد وكسوته، وكفنه إذا مات، وعلف الدابة، وسقي الكرم، ونحوها.
وإن احتاج إلى بيت يحفظ الرهن فيه، ولم يتبرع به المرتهن أو العدل الذي عنده- فعلى الراهن مكان الحفظ وكراء البيت، فإن لم يكن للراهن شيء، أو كان غائباً يبيع الحاكم جزءاً منه، فيكتري به بيتاً.
فلو أعطاه المرتهن بإذن الراهن على أن يرجع عليه، ويكون الرهن محبوساً- فهو كما لو فدى جناية الرهن على أن يكون الرهن محبوساً به، وفيه طريقان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: مؤنة الحفظ، وسقي الكرم على المرتهن. فوافقت في نفقة العبد، وعلف الدابة.
فصلٌ في الزوائد
إذا حصلت في الرهن زوائد متصلة، مثل سمن الدابة، وكبر الودي والثمار- فهي مرهونة؛ لأنها تتبع الأصل.
وإن كانت منفصلة، مثل إن رهن جارية أو دابة حائلاً فولدت، أو حصل منها لبنٌ أو صوف، أو كانت شجرة حائلاً فأثمرت، أو طائراً فباضت، أو جارية فوطئت بشبهة وأخذ المهر- فالولد واللبن والثمرة والصوف والبيض والمهر كلها للراهن خارجة عن الرهن.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: زوائد الرهن مرهونة؛ كما لو باع شيئاً تكون زوائده للمشتري.
قلنا: لأن البيع يزول، فكانت الزوائد تبعاً للملك، وبالرهن لا يزول الملك، بل يثبت للمرتهن حق حبس، فهو كما لو أجر حيواناً، لا يثبت حكم الإجارة في الولد، وكذلك ولد الجانية لا يتعلق ضمان الجناية برقبته، وولد الضمين لا يكون مؤاخذاً بالضمان؛ كذا هذا [مثله].
стр. 1369
ولو رهن حاملٌ، واحتيج إلى بيعها، وهي حامل بذلك الحمل- تباعُ كذلك في الدَّين، وإن كانت حاملاً يوم الرهن فولدت- هل يكون الولد رهناً؟
فيه قولان:
إن قلنا: الحمل يعرف، يكون رهناً، يباع الولد مع الأم كما لو رهن شيئين، فإن قلنا: لا يعرف، فالولد خارج عن الرهن، كالحادث.
وإن كانت حائلاً يوم الرهن، فحبلت، هل تباعُ حاملاً أم لا؟ إن قلنا: الحمل يعرف، لا تباع حتى تضع، وإن قلنا: لا يعرف فتباع، وهو كزيادة متصلة. ولو رهن نخلة حائلاً فأطلعت، هل تباع مع الطلع في الدَّين؟ قيل: فيه قولان:
كالحمل، وقيل: الطلعُ خارجٌ عن الرهن، لأنه زيادة تقبلُ الإفراد بالبيع، بخلاف الحمل، فعلى هذا يجوز بيع النخل في الدين، ويستثنى الطلع، بخلاف الجارية الحامل لا تباع، إذا لم يجعل الحمل رهناً حتى تضع؛ لأن استثناء الحمل، لا يجوز.
ولو رهن نخلة مطلعة، وقلنا: الطلع يدخل في الرهن، ورهنها مع الطلع، فإذا حل الحق والثمر طلع- يباع مع الطلع.
وإن أبر الطلع- قطع أو لم يقطع- هل يباع الطلع في الدين؟
قيل: فيه قولان، كالحمل يخرج، وقيل: يباع قولاً واحداً؛ لأنه كان مشاهداً يوم الرهن، يجوز أن يفرد بالعقد؛ كما لو رهن عينين.
ولو جنى على الرهن، فأرش الجناية مرهون مع الأصل؛ لأنه بدل نقص قائم بالرهن، ليس في باب الزوائد.
ولو وطئت وهي بكرٌ، فنقدر أرش الافتضاض من المهر يكون رهناً، والباقي للراهن.
باب رهن رجلين
إذا رهن رجلان شيئاً من رجل يجوز. ثم إذا أدى أحد الراهنين ما عليه، أو أبرأه المرتهن- افتكَّ نصيبه دون نصيب صاحبه.
وكذلك لو رهن [رجل] من رجلين شيئاً، وسلم إليهما، ثم أدَّى حق أحدهما، أو أبرأه أحدهما- يفتكُّ نصيبه.
стр. 1370
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا رهن رجل من رجلين، ثم أدى حق أحدهما- يبقى الكل مرهوناً عند الآخر.
قلنا: هو لم يرهن من كل واحد إلا نصفه، فلا يصير كله مرهوناً عند واحد؛ كما لو باع من رجلين، لا يستبدُّ بكله أحدهما.
ولو رهن رجلان شيئاً مشاعاً من رجل، وأدى أحدهما ما عليه وافتكَّ نصيبه- يجوز له مقاسمة شريكه إن كان الشيء منقسماً، وهل يحتاج في القسمة إلى إذن المرتهن أم لا؟
هذا ينبني على أن القسمة بيع، أم إفراد حق؟
ففيه قولان: إن قلنا: بيع، يشترط إذنه، لأن بيع المرهون لا يجوز إلا بإذنه. وإن قلنا: إفراد حق لا يشترط.
وكذلك قبل أداء أحدهما حقه، أراد الراهنان القسمة، أو رهن واحد من اثنين، فأدى نصيب أحدهما، وأراد مقاسمة الآخر، هل يشترط رضاه؟
فعلى قولين، وقد ذكرنا بقية مسائل هذا الباب في "باب الرهن يجمع بين شيئين". والله أعلم.
بابُ ما يفسد الرهن
إذا شرط في الرهن ما هو قضية الرهن؛ بأن قال: رهنتك على أن تحبسه إلى أداء الحق، أو تتقدم بثمنه على سائر الغرماء، أو لا يبيعه إلا بإذنه، ونحو ذلك- يصحُّ العقد، سواء كان الرهن مشروطاً في البيع، أو لم يكن.
وإن شرط خلاف قضية العقد؛ نظر: إن لم يكن فيه نفعٌ للمرتهن؛ بأن قال: رهنتك على ألا تبيعه عند [محل الدَّين]، أو لا تبيعه إلا بما يرضاه الراهن، أو لا تبيعه بعد المحل إلا بعد شهر، أو لا يكون لك فيه حقُّ الحبس، أو لا تتقدم بثمنه على [سائر] الغرماء، أو إن بعته تبيعه بأكثر من [ثمن المثل]- فالرهن فاسد، وهل يفسد به البيع المشروط فيه؟ فعلى قولين؛ فإن قلنا: يصح البيع، فللبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له الرهن.
وإن شرط شرطاً فيه نفع للمرتهن، سواء شرطه الراهن، أو شرطه المرتهن بنفسه؛ مثل إن شرط أنه إن أدى الحق لا يفتكُّ الرهن، أو أن منفعة الرهن تكون للمرتهن- فالشرط فاسدٌ، وهل يفسد الرهن؟
следующие страницы →