← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وإن كان حالاً، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، ويسلم في الحال. والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يتعذر. ولو بيَّن الكيل، وقال: كل كيل كذا وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك. وكذلك لو أسلم في ثوب وصفه، وقال: وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك. ويشترط أن يكون موصوفاً بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ فإن أسلم في شيء يدق معرفتهن كالدبابيج المنقشة والأدوية ونحوها؛ إن لم يعرف المتعاقدان أو أحدهما صفته - لم يجز. وإن عرفا جاز، إذا كان في البلد من يعرف ذل الوصف، من أهل تلك الصنعة وأقله عدلان. حتى إذا تنازعا يرجعان إليه، نص عليه. وقيل: لا يشترط ذلك، وذكره الشافعي احتياطاً. ولو أخرج صاعاً من حنطة، فقال: أسلمت إليك مائة من مثل هذه الحنطة، أو ثوباً، وقال: أسلمت إليك في هذا- يجوز، وكان كما لو وصفه. ويشترط أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط. وإن كان قد أسلم حالاً ففي الحال، وإن أسلم مؤجلاً وهو في الحال منقطع، أو ينقطع قبل حلول الأجل، ويوجد عند المحل -يجوز. وعند أبي حنيفة: لا يجوز، حتى يكون عام الوجود من وقت العقد إلى المحل. وحديث ابن عباس حجة عليه؛ لأنهم كانوا يسلفون في الثمار سنتين أو ثلاث، والثمر لا يبقى سنتين بل ينقطع، دل على أن الوجود عند المحل شرط. فلو انقطع المسلم فيه عند المحل، هل ينفسخ العقد؟ فيه قولان: أحدهما: بلى، كالمبيع إذا تلف قبل القبض. والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه لم يتعين ثمر هذا العام، والعقد لاقى الذمة، فأشبه المشتري إذا أفلس بالثمن، لا ينفسخ العقد، ولكن يثبت للبائع الخيار؛ كذلك هاهنا يثبت للمسلم الخيار. فإن فسخ، وقلنا: ينفسخ، يسترد رأس المال إن كان قائماً.

стр. 1297

وإن كان تالفاً فمثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان متقوماً، وإن أجاز العقد، ثم بدا له أن يفسخ قبل الوجود - له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة. ونعني بالانقطاع، أن لا يوجد في تلك البلدة ونواحيها. فإن كان يوجد في نواحيها على أقل من مسافة القصر - يجب حملها من مسافة القصر. وقيل: إنما يجب حملها من مسافة القصر لو خرج إليها بكرة يمكنه الرجوع إلى أهله ليلاً. فإن كان فوق ذلك فهو منقطع، وإن كان موجوداً في البلد مع بعض الناس، ولكن لا يبيعه مالكه - فهو منقطع. ولو أسلم في حنطة ضيعة بعينها، أو حنطة قرية صغيرة - لا يجوز؛ ما لو أسلم في ثمرة رجل بعينه؛ لأن الغالب فيه الانقطاع، فإن أسلم في حنطة قرية كبيرة، لا ينقطع غالباً - جاز. فصل ويجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها. وفي الدراهم والدنانير وجهان: أصحهما: يجوز السلم فيها؛ كسائر الأموال. وقيل: لا يجوز؛ لأنهما ثمنان فلا يجعلان مثمنين. ولا يجوز في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود. فلابد من بيانه، وإذا بين المكان يتعين، والسلم في المعين لا يجوز. ويجوز السلم في الحيوان، آدمياً كان، أو دابة، أو طائراً. وعند أبي حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان. والدليل على جوازه ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله ﷺ "أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل".

стр. 1298

ويجب بيان أوصافه، وإن كان عبداً أو جارية يبين نوعه أنه تركي أو هندي. ويبين أي نوع من التركي، ويبين لونه إن أبيض أو أسود. ويصف سواده بالصفا أو الكدورة. ويصف شعرهن ويبين سنه، أنه ابن سبع، أو أصغر أو أكبر، وأنه محتلم أو غير محتلم. ويصف قامته بالطول والوسط. وإذا بين سنه، فأتى بما يقرب منه - يجب قبوله؛ لأنه لا يوقف على حقيقته، حتى لو شرط سبع سنين، لا يزيد عليه ولا ينقص - لا يصح العقد؛ لأنه يندر وجوده. ويعتمد في معرفة سنه على قول بائعه، إن كان ولد في الإسلام، أو كان جليباً؛ فنرجع إلى النحاسين. وقيل: لا يجوز في الجليب؛ لأنه لا يعرف سنه، ولا يقبل فيه قول الكفار. ولو أسلم في عبد وجارية وصفها - جاز، ثم إذا أتى بها والغلام ولد الجارية - يجب القبول. ولو شرط ذلك في العقد - لم يجز؛ لأنه يندر وجوده. ولا يجوز السلم في نادر الوجود. ولو أسلم في جارية حبلى أو دابة لبون أو حامل - لا يجوز؛ لأنه يندر وجودها حاملاً، أو لبوناً مع سائر الوصاف. ويصف البعير بأنه من نعم بني فلان، ويبين نوعه ولونه وسنه، وكذلك سائر الدواب. ويصف التمر بأنه برني أو صيحاني أو جعرور، ويصف الحنطة بأنها شامية أو (ميسانية) أو نجشية، ويصفها بالزالة والدقة. وإن اختلفا حصاد عام أو عامين - يبين. ولا يشترط ذكر الجيد؛ لأن مطلقه يقتضي الجيدة، ولو ذكر يجوز، ولو شرط الأجود لا يجوز؛ لأنه ما من جيد يأتي به إلا ويمكنه أن يقول: قد يكون أجود من هذا، فلا ينقطع (النزاع). ولا يجوز في الرديء؛ لأنه ما من رديء يأتي إلا ويكون فوق هذا رديئاً.

стр. 1299

وهل يجوز في الأرديء؟ نص على أنه لا يجوز، كالأجود، والأصح جوازه، ويجبر على قبول ما يأتي به من ذلك النوع. ولا يجوز السلم في المعيب، ويجوز في العسل المصفى بالشمس، ويوصف بالبياض والصفرة، أو الخضرة، ويبين وزنه. وهل يجوز في المصفى (في النار)؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية المصفى بالشمس، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن النار تعيبه. ويجز في الشهد، وإن كان فيه شمع؛ لأنه خلقة، كالنوى في التمر، ويجوز في الشمع. ويبين في اللحم أنه لحم بقر، أو إبل، أو غنم ضائن، أو ماعز ذكر أو أنثى، خصي أو غيره، رضيع ام فطيم، راعية أو معلوفة. ويبين موضعه من يد أو رجل أو ظهر، أحمر أو أبيض، ويبين وزنه. ولا يجوز في الأعجف؛ لأنه عيب. ولا يجب أن يشترط بلا عظم؛ لأن العم خلقة فيه، فإن أتى به وفيه عظم على العادة - يجب قبوله. ولو شرط بلا عظم يجوز، ولا يجب قبول العظم، ويجوز في لحم الصيد إذا كان عام الوجود ويبين موضعه وجنسه. ويجوز في الطيور الصغار من الحمام والعصافير، ويبين نوعه ووزنه. وكذلك في السمك، ولا يجوز عدداً، إلا أن يسلم في الحي منها؛ فيجوز عدداً. ويجوز في اللحم المملح والقديد إذا لم يكن عين الملح عليه، ويجوز في الشحم والآلية. ويجوز في اللبن، ويصفه كما يصف اللحم، أنه لبن أي نوع، راعية أو معلوفة.

стр. 1300

وكذلك في السمن والزبد [الفائتة، الحلوب من يومين]، ومطلق ذكر اللبن يقتضي حلب يومه، فإن الفائتة لعيب لا يجوز السلم فيه. ولا يجوز في كل ما هو مختلط بغيره كالأقط والجبن والحلواء؛ لأنه لا يمكن وصف ما فيه. وقيل: يجوز فيما خالطه غيره للحاجة مثل: خل الثمر وفيه الماء، واللبن وفيه الإنفحة، والسمك المالح وفيه الملح؛ لأنه من مصلحته. ولا يجوز السلم فيما مسته النار؛ كاللحم المطبوخ، والمشوي؛ لأنه لا نهاية للنار فيه. ولا يجوز في الدبس والسكر والفانيذ والرانب واللبأ على أصح الوجهين؛ لتأثير النار فيها؛ كاللحم المشوي. وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأن للنار فيها نهاية السمن، ويجوز في الرقيٌ. ويجوز في الثياب [والديباج النفيس] ن ويبين في الثوب أنه من قطن أو كتان، او أبريسم، وأنه نسج بلد كذا، ويبين طوله وعرضه بالذرعان، ودقته وصفاقته. ولا يجوز في العتابي؛ لأنه قطن وأبريسم. وما عمل عليه بالإبرة، فإن كان من أبريسم وعمل عليه بالأبريسم - جاز. وإن كان من قطن عمل عليه بالأبريسم - لم يجز، وإن أسلم في ثوب مصبوغ: نظر؛ إن صبغ غزله ثم نسج- جاز، وإن صبغ بعد النسج لم يجز؛ لأنه لا توقف عليه. ويجوز في الصوف والشعر والوبر، ويبين أنه ربيعي أو خريفي، فحل أو أنثى، ويبين لونه وقبائله ووزنه. وفي الشعر يذكر أنه طويل أو قصير، ومطلقه يقتضي النقي من البعر. ويجوز في المغسول إذا كان لا يعيبه الغسل. وبين في القطن بلده، وأنه لين أو خشن، أبيض أو أسمر، حليج أو غير حليج.

стр. 1301

ويجوز في حب القطن، وفي الجوزق المشقوق، وفي الأبريسم، ويذكر غلطه، ودقته، ولونه، ووزنه. ويجوز في النحاس، ويبين وزنه ولونه. وكذلك في الشبه. ويجوز في الحديد، ويبين أنه ذكر، أو أنثى، ويذكر بلده، ومقصوده أنه يريد آلة الحرث، أو الحرب، ويذكر وزنه. ويجوز في الخشب، ثم إن كان المقصود منه الوقود يذر نوعه، وأنه دقاق أو غلاظ من جثة الشجر ة أو أغصانه. ويذكر وزنه، ومطلقه يقتضي الجاف، ويجب قبوله، وإن كان معوجاً. وإن أراد للبناء كالجذوع، والإسطوانات، يبين طولها وغلظها ونوعها، ولا يجب بيان الوزن؛ لأن العادة لم تجر بوزنها. ولا يجب في المخروط؛ لأنه يختلف أعلاه وأسفله. ويجوز في الخشب التي يُعمل منها القسي والسهام ويبين طوله وغلظه، ولا يجوز في القسي المعمولة؛ لأنها تشتمل على أشياء مختلفة. ولا في السهام؛ لاختلاف طرفيها ووسطها، في الدقة والغلظة، فلا يمكن ضبطها بالصفة، وإن كان عليها ريش أو عصب فهو أفسد. ويجوز السلم في الأشجار الصغار للغراس عدداً، يبين نوعه، وطوله، وغلظه. ويجزو في أغصان الخلاف للغرس وزناً، كالحطب. ويجوز في حجار الأرحى، والأواني، والأبنية قبل النحت، ويذكر النوع، والطول، والعرض، والغلظ. ولا يجب بيان الوزن، ولا يجوز في الحجارة المنحوتة للرحى. ولا يجوز في البرام المعمولة، والطناجير والقماقم؛ لأنه قل ما يتفق وزنها

стр. 1302

وسعتها على ما صفان من الصفات، إلا أن يكون لهم قالب يصوغون عليه، ولا يختلف؛ فيجوز. ويجوز في الجص والنورة والطين والزجاج. ويجوز في اللبن والآجر، ويبين الوزن والعدد، فيقول: كذا لبنة وزنها كذا، ثم ذل على التقريب، فإذا أتى بما يقرب منه يجب قبوله. ويجوز فيما يعم ووده من أنواع العطر؛ كالمسك، والكافور، والعنبر. ويذكر وزنه ونوعه، ويذكر في العنبر أنه أشهب أو أخضر فتات أو قطاع. ولو شرط القطاع لا يجب قبول الفتات. ولا يجوز في التد، والغالية والمعجونات؛ لأنها أشياء مختلطة. ويجوز في الدهن والطيب؛ مثل دهن البنفسج، والورد، إن ربى السمسم فيه، ثم استخرج منه الدهن، فإن طرح الورد في الدهن - لم يجز. ويجوز في متاع الصياد له، كالإهليلج والبليلج ونحوها. ويجوز في الترياق إذا كان من نبات لم يخالطه شيء، فإن خالطه شيء لا يجوز السلم فيه. وهل يجوز بيعه؟ نظر: إن خالطه شيء طاهر - يجوز، وإن خالطه شيء نجس من لحوم الحيات، ولبن ما لا يؤكل لحمه - فهو نجس، لا يجوز بيعه. وأما السم: إن كان يقتل قليله وكثيره - فلا يجوز بيعه. وإن كان ينفع قليله كالسقمونيا يجوز بيعه والسلم فيه.

стр. 1303

فصل فيما لا يجوز السلم فيه لا يجوز في القسي المعمولة، ولا في السهام، ولا يجوز في اللآليء الكبار، واليواقيت والجواهر والمرجان؛ لأنه يحتاج أن يصف كل واحدة كونها لؤلؤة مدحرجة صافية وزنها كذا، فيندر وجودها. فإن أسلم في اللآليء الصغار كيلاً أو وزناً، وكان عام الوجود - جاز. ويجوز السلم في الثمار والفواكه من الجوز واللوز، والرانج، والبطيخ، والقثاء، والرمان، ونحوها وزناً، ولا يجوز عدداً. وكذلك البيض. ولو أسلم في بطيخة أو سفرجلة - لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن يصف جثتها ووزنها، وقلما توجد. ولا يجوز في البقول حزماً حتى يبين وزن كل نوع، ويصفه بالصغر والكبر. ولا يجوز في الرؤوس والأكارع؛ لأنها تشتمل على أباعض مختلفة، كلها مقصودة، ولا يمكن وصفها بخلاف الحيوان؛ لأن المقصود جملته. وفيه قول آخر؛ أنه يجوز السلم فيها كالحيوان، فعلى هذا: إنما يجوز بعد التنقية وزناً. ولا يجوز في الجلود على خلقها؛ لأن بعضها يكون أدق، وبعضها أغلظ؛ فلا يمكن ضبطها، والوقوف على عطفاتها. ويجوز في قطع الجلود والأديم وزناً. ويجوز في مربعات الصرم وزناً. ولا يجوز في الخفاف والنعال لأنها طاقات تشتمل على أشياء مختلفة من الجبس، والغرى، والخيط، وغيرها.

стр. 1304

ويجوز في النعال السبتية التي هي طاقة واحدة، ويجوز في البياض عدداً، ويبين طوله وعرضه. والله أعلم. باب التسعير روي عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله: سعر لنا، فقال: "إن الله هو المسعر، القابض الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة دم ولا مال".

стр. 1305

التسعير: أن يقول الإمام: بيعوا من طعام كذا كل من بكذا، فالأولى ألا يفعل ذلك، وهل يجوز؟ نظر: إن كان [في] وقت رخص الأسعار، وسون الأسواق - لا يجوز، وإن كان في وقت الغلاء واضطراب الأسواق: فعلى وجهين: أحدهما: وبه قال مالك: يجوز، نظراً للناس. والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم، فلا يجوز الحجر عليهم فيها. والدليل عليه ما رُوي عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة وبين يديه غرارتان فيهما زبيباً، فسأله عن سعره، فأخبره، فقال عمر ﵁: إما أن ترفع في السعر، وإما أن تُدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر ﵁ حاسب نفسه، ثم أتى حاطباً في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني، إنما هو [شيء] لسبب أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع. فإذا جوزنا إنما يجوز في الأطعمة، ويحتمل في علف الدواب أيضاً، أما في غيرها فلا يجوز. والاحتكار في الجملة حرام. قال النبي ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطيء".

стр. 1306

والاحتكار هو: أن يشتري صاحب المال الكثير الطعام في وقت الغلاءن والضيق، ولا يدعه للضعفاء، ثم يحبسه حتى يبيعه منهم بأغلى، إذا انتهت بهم الحاجة. أما من اشترى في الرخص وكساد الأسواق، وحبسه ليبيع في وقت الغلاء بأغلى - فلا بأس به، وهو كالجالب، وقد جاء في الحديث: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون". ولو اشترى شيئاً لنفقته ونفقة عياله في وقت الغلاء وفضل منه شيء فباعه بأغلى جاز، وكذلك لو حبس غلة ضيعة ليبيع بأغلى - لا يدخل تحت الوعيد، لكن الأولى أن يمسك نفقة سنة لنفسه وعياله ومؤناته، فإن خاف غلاء فنفقته سنتين، ويبيع الفضل. وهذا الوعيد فيما هو قوت في الحبوب، وفي الثمر، والزبيب دون سائر الأطعمة.

стр. 1307

باب امتناع ذي الحق من أخذه إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه بعد المحل؛ كما أسلم فيه جنساً ونوعاً ووصفاص - يجب على المسلم قبوله، ولا يجوز قبول غير جنسه؛ لأن الاستبدال عن المسلم فيه قبل القبض - لا يجوز. ولو أتى بجنسه ونوعه، غير أنه رديء لا يجبر على القبول، ولو قبل جاز، ولو كان أجود أجبر على القبول. ولو أتى بجنسه من نوع آخر؛ مثل إن أسلم في عنب أبيض فأتى بأسود، أو في زبيب طائفي، فأتى بنوع آخر، وفي ثوب هروي فأتى بمروي، أو في عبد تركي فأتى بهندي - لا يجبر على القبول. وهل يجوز له قبوله؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه استبدال كما لو أتى بجنس آخر. والثاني: يجوز، لأن الجنس واحد؛ كما لو رضي بالرديء عن الجيد. ولا يجوز أخذ الدقيق عن الحنطة. وإذا أسلم في شيء يوصف، فأتى بأقل مما يقع عليه اسم ذلك الوصف - يجبر على قبوله، ولا يشترط النهاية فيه. ويجب أن يسلم الحنطة نقية من الفصل، والزوان، والترابن والمدر، إلا القليل الذي لا يؤثر في طعمه، ولا يؤثر في كيله، فيجب القبول معه؛ لأنه قل ما يخلو عنه. ويجب أن يسلم الثمر جافاً، والرطب صحيحاً غير متشدخ. ولو أسلم في لحم طير - ليس له أن يزن عليه الرأس، والرجل من دون الفخذين. وفي لحم الحيتان لا يزن عليه الرأس، والذنب من حيث لا لحم عليه، وإن أسلم في الحيتان الصغار يجوز أن يزن عليه الرأس والذنب. وفي الطيور الصغار، كالفراخ وكالعاصفير - يزن عليه الراس دون الرجلين؛ لأن رءوسهما تؤكل، ويجب تسليمها بعد تنقية الأجواف من الأحشاء. ولو أسلم في شيء وزناً، لا يجوز أن يأخذه كيلاً، ولو أسلم كيلاً لا يجوز أن يأخذه وزناً.

стр. 1308

وعند الكيل لا يزلزل الصاغ، ولا يضع الكف على جوانبه، بل يسوي مع رأس المكيال، ولو أتى بالمسلم فيه قبل محله، أو له على آخر دين مؤجل، فأتى به قبل محله - هل يجبر صاحب الحق على قبوله نُظر: إن كان له غرض في الامتناع، بأن كان أيام نهب، أو عند خوف غرقن أو كان حيواناً يحتاج إلى علفه، ويخاف هلاكه. أو كانت ثمرة يريد أكلها عند المحل طرياً - لا يلزمه قبوله، وإن لم يكن له غرض، نظر: إن كان للدافع غرض صحيح؛ كالمكاتب يعجل نجومه ليعتق، أو كان بالدين رهن، وهو يريد - فكاكه، أو به ضامن يريد إبراره - يجبر على القبول. فإن لم يكن لواحد منهما غرض ففيه قولان: أصحهما: يجبر على القبول؛ لأن فراغ ذمة المدين غرض ظاهر. وإن كان الحق حالاً يجبر على القبول، ولا يراعي غرض صاحب الحق، فكل موضع أوجبنا القبول، فلم يقبل أخذه الحاكم. وإن كان رب الدين غائباً، فأتى به الحاكم - هل يجب أن يقبله؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب كالبيع إذا أتى به؛ يجب على الحاكم قبضه. والثاني: لا يجوز أن يقبل؛ لأنه لا نظر للغائب فيه، من حيث إن الدين في الذمة لا يخشى عليه الهلاك، وإذا صار عيناً يُخشى عليه الهلاك. والله أعلم. تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وأوله: "كتاب الرهن"

стр. 1309

التهذيب في فقه الإمام الشافعي تأليف الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي المتوفي سنة ٥١٦ هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية الرهن - التفليس - الحجر- الصلح- الحوالة- الضمان- الشركة الوكالة - الأقرار- العارية- الغصب- الشفعة- القراض- المساقاة الأجازة- إحياء الموات- العطايا والحبس- اللقطة منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

стр. 1310

سم الله الرحمن الرحيم كِتابُ الرَّهْنِ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] , أي: ارهنوا واقبضوا. وروي عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ : "اشترى طَعَامًا منْ يَهوديً إلى أجلٍ ورهنهُ دِرعًا منْ حديدٍ". والرهنُ جائز لتوثيق الدَّين في السفر والحضر جميعًا, والمرهون يشترطُ أن يكون عَيْنًا.

стр. 1311

والمرهونُ به يشترط أن يكون دَينًا, حتى لو أخذ رَهنًا عن المغصوب أو المستام أو المُستعار - لا يجوز؛ لأن المقصود من الرّهن بيعُه, واستيفاء حقه من ثمنه عند تَعذرٍ الاستيفاءِ, ولا يمكن استيفاء العين من ثَمنِ الرّهن. ثم كل دين هو لازم؛ مثل: أروش الجنايات, وبدل المتلفات والقرضِ, والثمن في البيع, والمسلم فيه, والأجرة في الإجارة - ومال الصُّلح -؛ والصَّداق في النكاح, وبدل الخلع, يجوز أخذُ الرّهن بها. وإن كان بعضها يعرض للسقوط؛ كالثمن قبل قبض المبيع, والأجرة قبل العمل, وقبل استيفاء منفعة العين؛ فإنها تَسقط بهلاك المبيع, وهلاك العين الُمستأجرة. وكذلك الصّداق قبل الدخول يسقط الطلاق نصفه, وتردّه المرأة, ويجوز الرهن به.

стр. 1312

وكذلك ما ليس بلازمٍ, ولكنه يُفضي إلى اللزوم؛ كالثمن في زمان الخيار - يجوز الرهنُ به. أما ما لا يُفضي إلى اللزوم؛ كالدية على العاقلة, ونجوم الكتابة - لا يجوز الرهن به؛ لأن الرهن يرادُ لتوثيق الدّين, ومال الكتابة لا يمكن توثيقه؛ لأن المكاتب يملك إسقاطه. وكذلك الديةُ تسقط بإعْسار العاقلة؛ فلا يمكن توثيقه, وكذلك بدل الجَعَالة لا يجوز الرهن به قبل الفراغ من العمل, وبعده يجوز؛ لأنه قد لزم. وقيل: تجوزُ بعد الشروع في العمل, قبل الفراغ منه, والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يصيرُ لازمًا بنفسه إلا بالعمل, بخلاف الثّمن في زمان الخيار. أما مال المسابقة والمناضلة, إن جعلناه إجارةً, جاز الرهنُ به, وإلا فكالجعالة. أما العملُ في الإجارة, نظر: إن كانت الإجارة على عمل الأجير لعينه - لا يجوز الرهن به؛ لأن استيفاء عمله من غيره لا يمكن. وإن كان على عملٍ في الذمة - يجوز؛ لأنه يمكنه استيفاؤه من الرهن بأن يباع؛ فيستأجر من ثمنه من يعمل. ولا يجوز الرهن قبل ثبوت الحق؛ بأن قال: رهنتك هذا بألف أستقرضه منك, أو بثمن عبد أشتريه منك, وكذلك الضّمان, وجوز أبو حنيفة الرّهن والضمان قبل ثبوت الحق. وإذا قبضه قبل ثبوت الحق يكون مأخوذًا على جهة سوم الرّهن, فإذا أقرضه بعده صَارَ رهنًا, قلت: لا يصير رهنًا حتى يقول: رهنت به, ولو اقترن الرهن بوجوب الدّين - يجوز؛ مثل أن يقول: بعتك هذا العبد بألف, وارتهنت دارك, فقال المشتري: اشتريت ورهنتُ, أو قال: أقرضتك هذه الألف, وارتهنت عبدك, فقال: استقرضتُ ورهنتُ, أو قال المشتري: اشتريت عبدك بألف, ورهنتك داري, فقال البائع: بعتُ وارتهنت. وشرطه: أن يوجد أحد مصراعي الرّهن بين مصراعي البيع. والثاني: بعد مصراعي البيع, فإن تقدم أحدُ مصراعي الرهن على مصراعي البيع؛ بأن قال البائع: ارتهنت وبعت, وقال المشتري: اشتريت ورهنت, أو وجد مصراعا الرهن بين مصراعي البيع؛ بأن قال البائع: بعت وارتهنت, وقال المشتري: رهنت واشتريت - لم يصح.

стр. 1313

وكذلك في القرض, لو قال: أقرضتك وارتهنت, فقال المستقرض: رهنتُ واستقرضت - لايصح, ولو قال: بعتك هذا بكذا على أن ترهنني دارك. فقال: اشتريت ورهنت - هل يشترط لفظ الارتهان بعده من البائع؟: فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو قال: اشتر داري بكذا, وارهن منّي دارك, فقال: اشتريت ورهنت - صحَّ, ولا يشترط أن يقول بعده: ارتهنت. والثاني - وهو الأصح: يشترط أن يقول بعده: ارتهنت؛ لأن الذي وُجد منه شرط الإيجاب لا الاستيجاب؛ كما لو قال: افعل كذا لتبيعني دارك؛ يكون استجابًا. فصلٌ ولا يلزم الرهنُ إلا بالقبض, سواء مشروطًا في البيع, أو كان رهن تبرع؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] , وعند مالك: يلزم قبل القبض؛ كما يقول في سائر التبرعات.

стр. 1314

وقبض المنقول يكون بالنقل, وقبض العقار, وما لا ينقل؛ كالأشجار الثّابتة يكون بالتّخلية. فإن امتنع الراهن عن تسليم الرهن - لا يجبرُ عليه؛ لأنه لم يأخذ عليه عوضًا, إلا أن الرهن إذا كان مشروطًا في البيع, ولم يسلم الراهن الرهن - يثبت للبائع فسخ البيع. وإذا سلم الراهنُ إلى المرتهن لزم من جهة الرّاهن, سواء كان مشروطًا في البيع, أو كان رهن تبرع؛ فلا يجوز أن يسترد الرهن ما دام شيئًا من الحق باقيًا, وهو جائزٌ من جهة المرتهن متى شاء رده. ولو رهن شيئين, وسلّم أحدهما - كان ما سلم مرهونًا بجميع الحق. وقال أبو حنيفة: يكون مرهونًا بحصّته. وبالاتفاق: لو سلمها إليه, ثم أدى نصف الحق - لا يفتكُّ أحدهما. وكذلك لو تلف أحدهما بع التسليم - يكون الآخر مرهونًا بجميع الحَقِّ. ولو رهن دارًا, وسلم فانهدمت تكون العُرصة وآلات البناء مرهونة بجميع الحق, ويشترط أن يكون المتراهنان مُكلفين مطلقين, حالة الرّهن وحالة القبض. فلو رهن في حال الإطلاق, ثم جُنَّ أحدهما؛ أو حُجر عليه بالسّفه أو بالفلس, فقبض في تلك الحالة - لا يصح القبض, سواء كان أذن له في القبض حالة الإطلاق, او لم يأذن. ولو كانا مُكلفين مطلقين حالة الرهن والقبض, ولكن تخلل بينهما حالة جُنُون أو إغماءٍ أو حجرٍ - لايبطل الرّهن.

стр. 1315

ويصح القبض بعد زواله, بخلاف الشركة والوكالة, يبطلان بالجنون والإغماء؛ لأنهما لا يُفضيان إلى اللزوم. والرهن يفضي إلى اللزوم؛ كالبيع في زمان الخيار, لا يبطل بجنون أحد المتابيعين؛ لأنه يفضي إلى اللزوم بمضيّ الخيار. ثم إذا جُنّ أحدهما, أو حُجر عليه بعد الرهن وقبل القبض - فالقبض ينصب قيّمًا في ماله. فإن جن المرتهن, أو حجر عليه فقيّمه يقبض الرهن إن سلم إليه. وإن لم يسلم, وكان الرهن مشروطًا في البيع, فإن رأي النظر في فسخ البيع - فسخ, وإلا فلا. وإن جنَّ الراهن؛ أو حجر عليه, ليس لقيّمه تسليم الرهن, إن لم يكن مشروطًا في البيع. وإن كان مشروطًا في البيع, ولم يخف الفسخ من المُرتهن, أو كان نظره في الفسخ - لا يسلم الرهن, وإن خاف الفسخ ونظره في الإجارة - يُسلم الرهن. وإن مات أحدُ المتراهنين فوارثه يقوم مقامه في التسليم والقبض, ولو قبض المرتهن الرهن بغير إذن الراهن - لا يصح, وعليه ردُّه, ولو أذن له في قبضه, ثم رجع قبل قبضه - لا يجوز أن يقبضه بعده, ولو جُنّ أو أغمي عليه بعد الإذن - بطل الإذن. ولو أودعه الراهن, أو أعاره من المرتهن - لا يحصل به قبض الرهن. ولو دفع إليه مطلقًا؛ فيه وجهان: أحدهما: يقع عن الرهن, كما لو باع شيئًا, ثم سلم إلى المشتري - يقع عن البيع. والثاني: يكون وديعة بخلاف البيع؛ لأن التسليم تم واجبٌ, فوقع مطلقه عن الواجب, وتسليم الرهن غير واجب؛ فلم يقع مطلقه عنه. فإذا كان الرهن في يد المرتهن, فقال الرّاهن: ما أقبضتك رهنًا بل أودعتك, أو أكريتك, أو أجرت من فلان فأسكنك, أو قبضت بغير إذني. وقال المرتهن: [لا] , بل أقبضتني رهنًا, فالقول قول الرّاهن مع يمينه, فإن اتفقا على الإذن, فقال الرّاهن: رجعت قبل القبض, وقال المرتهن: لم ترجع - فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأًصل بقاء الإذن, وعدم الرجوع.

стр. 1316

فإن اتفقا على الإذن, فقال الراهن: لم يقبض, وقال المرتهن: بل قبضت - نظر: إن كان الرهنُ في يد المرتهن - فالقول قوله مع يمينه. وإن كان في يد الراهن, فالقول قوله مع يمينه؛ لأن اليد تصدقه. ولو شرطًا وضع الرّهن علي يدي عدلٍ, فقال الرّاهن: دفعته إلى العدل, وصدقه المرتهن, وأنكر العدل - فالقول قولُ العدل مع يمينه, ولا خيار للمرتهن؛ لأنه مقرٌّ بحصول المرتهن التسليم. ولو كان الرهنُ في يدَ أحد المتراهنين, واتفقا على التسليم إلى العدل, وأنكر العدلُ - فلا معنى لإنكار العدل بعد اتفاقهما على لُزوم الرّهن. فإن اتفقا على إقراره في يد المرتهن, وإلا وضعه الحاكم على يدي عدلٍ. ولو أن الراهن باع الرهن قبل التسليم, أو رهنه من غيره, وأقبضه, أو رهنه فسلّمه, أو جعله صَدَاقًا لزوجته, أو جعله أجرة دار ليستأجر بها, أو كان عبدًا فأعتقه أو كاتبه, أو كانت جارية فوطئها وأحبلها - بطل الرهن. ولو أجره, أو كانت أمة فزوّجها - صحَّ التوزيج والإجارة, ولا يبطل الرهن. وكذلك لو وطئها ولم يحبلها - فالرهن بحاله, ولو دبره قبل التسليم. قال الشافعي: يبطل الرهن. وقال الربيع: تخريجًا لا يبطل؛ لأنه يمكنه الرجوع عن التدبير, والأول المذهب؛ لأن مقصود التَّدبير منافٍ لمقصود الرَّهن, فصار بالتدبير راجعًا عن الرهن. ولو رهنه من غيره, ولم يقبضه, أو وهبه فلم يسلم - فعلى قياس ما قال الشافعي؛ يبطل الرهن الأول, وعلى ما خرَّجَه الربيع, لا يبطل. ولو رهن جزءًا شائعًا من شيءٍ, يجوز, ويكون تسليمه بتسليم كله. وعند أبي حنيفة: رهنُ المشاع لا يجوز, سواء رهن من شريكه أو من غيره.

стр. 1317

وبالاتفاق: والإشاعة الطارئة لا تبطل الرّهن, بأن يبيع نصف الرّهن من المرتهن؛ فيبقى الرهنُ في الباقي شائعًا. وإذا كان بين رجلين دار, فرهن أحدهما نصيبه من بيت فيها بغير إذن شريكه - فيه وجهان: قال الشيخ: والمذهب عندي: أنه لا يجوز. وكذلك لو باعه؛ لأنهما إذا اقْتسما ربما يقع هذا البيع في نصيب شريكه, فإن رهن بإذن شريكه جاز. ولو أن الراهن أعار الرّهن من المرتهن, أو أكراه منه - يجوز. ولا يبطل الرهن. وكذلك لو أكرى دارًا من إنسان, ثم رهنها منه - يجوز. ولا يمنع اجتماع الإجارة - والرّهن. وعند أبي حنيفة: الإجارة والرهن لا يجتمعان, فأيهما تأخَّر رفع الأول. وبالاتفاق: لو أعار من المرتهن لا يرتفع الرّهن. وإن كانت الإجارة قبل تسليم الرهن, ثم سلم إليه من جهة الإجارة - لا يحصل به قبض الرهن.

стр. 1318

فإن سلم عنهما جميعًا - جاز وتمَّ الرهن. وإن سلم عن الرهن دون الإجارة - جاز عنهما؛ لأن التسليم عن الإجارة مستحقٌ؛ فيقع عنه. ولو أن المرتهن أودع الرهن من الراهن بعد ما قبضه - لا يبطل الرهنُ. وإقرار الراهن بإقباض الرهن مقبول عند الإمكان. فإن قال: رهنت اليوم دارًا ببلد كذا من فلان وأقبضته - وهو غائب عن تلك البلدة - لا يصحُّ الإقرار؛ لأنه لم يمض زمان إمكان القبض. فلو أقر في موضع الإمكان ثم أنكر, وقال: ما أقبضت - لم يقبل قوله, وهل له تحْليف المرتهن؟ اختلف أصحابنا فيه, فمن أصحابنا من قال: له تحليفه على أنه أقبضه؛ لأنه يحتمل أن يكون إقرار الراهن بالإقباض وعدًا منه بأن يقبضه لا في حقيقة. وقال أبو إسحاق: ليس له تحليفه, وهذا أصح؛ لأنه يكذب نفسه بالإنكار, إلا أن يؤول الإقرار الأول تأويلًا, فيقول: كنت أقبضتُ باللسان, وظننت أنه صحيحٌ فأقررت, أو ورد على كتاب من وكيلي أنه أقبضه فأقررت بذلك, فبان أنه كان مزورًا؛ حينئذٍ تُسمع دعواه, ويحلف المُرتهن. ولو رهن شيئًا, وهو في يد المرتهن حالة العقد, أو وهب منه وهو في يد المُتهب - فيشترط مُضي إمكان القبض. وقيل: لا يشترط الإذنُ في القبض؛ كما في البيع. والأول المذهب بخلاف الجميع: لا يشترط فيه الإذن؛ لأن الإقباض تمَّ واجب؛ فوقع القبض المُستديم عن الواجب. وفي الرّهن والهبة - لا يجب الإقباض, فيشترط الإذنُ في القبض؛ لأن القبضَ المستدام ليس قبض ولا هبةٍ. فإن لم يشترط الإذن في القبض - فمضيُّ الإمكان من وقت العقد, وإن شرطنا فيكون مضى إمكان القبض من وقت الإذن في القبض, حتى يجوز - للرّاهن الرجوع فيه قبله. ولو تلف الرهنُ قبله - كان للمرتهن فسخ البيع, إن كان الرهن مشروطًا فيه؛ كما لو تلف في يد الرّاهن. ومضي إمكان القبض, هو أن يمضي من الزمان قدر ما يمكنه المصير إليه, ونقله حيث ما كان.

стр. 1319

وهل يشترط أن يحضره ويشاهده, أو يبعث إليه وكيله ليشاهده؟ - فيه وجهان: أحدهما: يشترط, وهو ظاهر النَّص ليعلم بقاؤه. والثاني - وهو الأصح: لا يشترط؛ لأن الأصل بقاؤه, والنص محمول على الاحتياط. فإن قلنا: يشترط أن يحضره, هل يشترط أن ينقله؟ -: فيه وجهان: أحدهما: يشترط؛ لأن قبض المنقول يكون بالنقل. والثاني - وهو الأصح: لا يشترط؛ لأن النقل للإخراج من يد الراهن والعين ههنا في يد المرتهن؛ فلا معنى للنقل. فَصْلٌ ولو غصب شيئًا, ثم رهنه المالك من الغاصب - صح الرهن؛ ولا يزول ضمان الغصب. وقال أبو حنيفة: يزول ضمان الغصب, وهو اختيار المُزني؛ كما لو أودع المغصوب من الغاصب - يزول ضمان الغصب. قلنا: لأن الوديعة مع الضّمان لا تجتمعان؛ بدليل أن المرتهن لو تعدّى في الرهن يصير مضمونًا عليه مع بقاء الرّهن, فإذا لم يمنع دوام الرهن ابتداء الضّمان مع قوة الدوام, فلأن لا يرفع ابتداء الرهن دوام ضمان الغصب مع ضعف الابتداء - أولى. وكذلك لو وَكَّل المالك الغاصب ببيع المغصوب أو إعتاقه, أو أجره منه أو قارضه, أو كانت جاريةً فزوجها منه - يصح التوكيل, والإجارة, والتزويج؛ ولا يزول ضمان الغصب. وكذلك المقبوض بحكم شراء الفاسد, أو بحكم العارية, والسوم إذا وهبه المالك منه - يصحُّ الرهن. وإذا أذن في قبضه تمَّ الرهن, ولا يزول ضمان الغصب. فصْلٌ يجوز للحاكم والوليَّ أن يرتهن للصبي, وللمجنون, وللمحجور عليه بالسفه, وأن يرهن ماله, بشرط النظر. وصورة الارتهان بشرط النّظر: أن يكون له دينٌ مؤجلٌ في ذمة إنسان ورثه, فتبرع من

стр. 1320

عليه الدين برهنٍ سلمه إليه؛ يجوز أن يرتهن. أما إذا كان الدين حالًا, فلا يجوز أن يؤخره بالارتهان. وكذلك لو أقرض ماله عند ضرورة, فارتهن, أو باع من ماله شيئًا نسيئةً, وارتهن بالثمن - يجوز. أما إذا باع ماله نسيئةً بثمن النقد, أو أقرض ماله من غير ضرورةٍ فارتهن - فلا يجوز. وإذا سلم: فالولي والآخذ ضامنان للمال يطالبان به, والقرار على من تلف في يده. والارتهان فاسدٌ, غير أنه أمانةٌ في يده. وصورة الرهن على النظر, أن يكون الصبي محتاجًا إلى النفقة والكسوة, أو أداء حقٍّ وجب عليه, أو مؤنة ضيعةٍ, فاستقرض له وليه شيئًا إلى أن يُدرك - فله ضيعته, أو له دينٌ مؤجلٌ على إنسان ينتظر حلول أجله, أو له متاعٌ كاسدٌ يرجو إنفاق سوقه, ورهن بما استقرض شيئًا من ماله - يجوز. فإن لم يكن له مالٌ منتظرٌ يؤدي منه الدّين - فبيع ما نريد رهنه من ماله في الحال لنفقته - أولى من الاستقراض؛ لأنه ربما يتلف الرهن؛ فيبقى الدَّين عليه. وكذلك لو وجد الوُّلي ضيعةً تباع, وللصبي في شرائها غبطةٌ, ولا ثمن له في الحال, فاشترها بدين ورَهَن شيئًا من ماله, أو كان زمان نهب, فاشترى له عقارًا, أو رهنه بثمنه, أو اشترى له ما يساوي ألفين بألف نسيئةً, ورهن من ماله ما يساوي ألفًا, إذا كان لا يُباعُ إلا بالرهن - فكل ذلك جائزٌ؛ لما فيه من النظر. ولو رهن بألفٍ للثمن ما يساوي ألفين - لا يجوز. وكلُّ موضع جوزنا الرَّهن يجب أن يرهن من أمين, يجوز الإيداع عنده, ولا فرق بين الأب والجد, وغيرهما من الأولياء, غير أن الأب والجد يجوز لهما أن يرهنا لأنفسهما من مال الصبي ويرهنا منه. ويتولّيان طرفي العقد, ولا يجوز ذلك لغيرهما من الأولياء. وهل يشترط لفظان؟ فيه وجهان: كما قلنا في البيع. وهل يشترط مُضي إمكان القبض أم لا؟ إن قلنا: يشترط لفظان, يشترط مضيُّ إمكان القبض, وإلا فلا. فإن قلنا: لا يشترط مُضي إمكان القبض لا يشترط النَّقل, وإن قلنا: يشترطُ فهو كما

стр. 1321

لو رهن شيئًا هو في يد المُرتهن. ولو كان له على ولده الصغير دينٌ - فلا يجوز أن يرتهن به شيئًا؛ لأنه رهنُ تبرُّع, وليس له أن يتبرع بمال الطفل, إلا أن يشتري له من نفسه شيئًا بشرط الرهن - فيجوز. ويجوز للمكاتب أن يرهن ماله بشرط النظر؛ كولي اليتيم, وهل له الارتهان؟ ظاهر نصَّه ههنا يدلُّ على أنه يبيع بالدين ويرتهم, وقال في الكتابة: غير أن المكاتب لا يبيع بالدّين. واختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: لا يجوزُ أن يبيع بالدين ويرهن؛ لأنه أحسن حالًا من المولى عليه؛ فإن المولى عليه لا ينفذ تصرفه, والمكاتب ينفذ تصرفه, وحيث قال: لا يبيع بدينٍ, أراد به إذا لم يأخذ رهنًا. ومنهم من قال: ليس له أن يبيع بالدين, وما قال ههنا أراد به إذا باع بثمن مُعجَّلٍ, فقال المشتري: خذ رهنًا حتى آتيك بالثمن من البيت - فيجوز. والعبد المأذون له في التجارة؛ كالمكاتب إن دفع إليه السيد مالًا يتجر فيه. وإن لم يدفع إليه مالًا, بل قال: اتجر بجاهك - فله أن يبيع ويشتري في الذمة حالًا ومؤجلًا, ويرهن ويرتهن؛ لأنه لا ضرر فيه على المولى, فإن حَصَلَ فيه فضل فهو للسيد, ثم هو فيه كالمكاتب. فصْلٌ ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ كالحر؛ وأم الولد, والمكاتب, والوقف؛ لأن المقصود من الرهن بيعه عند المحل, واستيفاء الحقَّ من ثمنه, ولا يجوز بيع هذه الأشياء. وكذلك لا يجوز ما لا يقدر على تسليمه, كالعبد الآبق, والطَّير المنفلت. ولا رهن المجهول؛ كما لا يجوز بيعه, إلا المبيع قبل القبض؛ فإنه لا يجوز بيع, ويجوز رهنه في قول. وكذلك بيع الأم, ولها ولد صغير دون سبع سنين - لا يجوز دون الولد في قول, ويجوز رهنًا؛ لأنه لا تفريق فيه, فإن منفعة الرّهن تكون للراهن؛ فيمكنها تعهَّد الولد. ثم إذا احتيج إلى بيع الأم في الدَّين - تباع مع الولد, ويوزع الثمن على قيمتها, فما قابل الأم يصرف إلى دين المرتهن, وما قابل الولد للرّاهن. وكذلك لو جُنَّت الأم ولها ولد صغير - تُباع مع الولد بقدر قيمة الأم للمجني عليه.

стр. 1322

وكذلك لو باع عبدًا مسلمًا من كافر - لا يجوز على أصح القولين. ولو باع منه مصحفًا, أو شيئًا من أخبار النبي ﷺ لا يصحُّ على ظاهر المذهب. ويجوز الرهنُ على ظاهر المذهب, فيوضع على يد مسلم عدلٍ, وكل ما جاز رهنه إلا المدبر, والمعلق عتقه بصفة - يجوز بيعه, ولا يجوز رهنه في قولٍ. وكذلك المنافع يجوز بيعها بلفظ الإجارة, ولا يجوز رهنها. وكذلك لو كان له دينٌ في ذمة - إنسان - جاز بيعه منه, والاستبدال عنه, ولا يجوز رهنه. ولو رهن عبدًا, ثم أعتقه الرّاهن بعد التسليم - هل يعتق؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يعتق؛ وبه قال أبو حنيفة, سواء كان موسرًا أو معسرًا؛ لأنه أعتق ملك نفسه؛ كما لو أجر عبده, أو زوج أمته, ثم أعتقهما عتقًا. والثاني: لا يعتق؛ لأن العتق يلاقي محل الرهن؛ بدليل أن رهن الحر لا يجوز, ولا يلاقي محل الإجارة والتزويج؛ بدليل أن إجارة الحر, وتزويج الحرة - يجوز؛ ففي تنفيذ العتق إبطال حق المرتهن؛ فلم يجز. والثالث - وهو الأصح: إن كان الراهن معسرًا لا يعتق؛ لأن فيه إبطال حق المرتهن, وإن كان موسرًا يعتق, وعليه أن يرهن قيمته مكانه؛ كالعبد المشترك بين اثنين أعتقه أحدهما؛ فإن كان معسرًا لا يعتق نصيب الشريك, وإن كان موسرًا يعتق وعليه قيمته. وإن قلنا: ينفذ إعتاقه على الإطلاق؛ فإن كان موسرًا عليه أن يرهن قيمته باعتبار يوم الإعتاق. وإن كان معسرًا ينظر حتى يوسر؛ فيرهن قيمته مكانه. أما إذا وطئ الراهن الجارية المرهونة بعد التسليم - يعزَّر. ثم إن لم يحبلها فالرهن بحاله, ولا مهر عليه, ولا حد؛ لأنها ملكه, فإن كانت بكرًا فافتضها - يجب عليه أرش الافتضاض, ويكون رهنًا معها, وإن أحبلها فالولد حرُّ ثابت النسب, ولا يجب عليه قيمة الولد؛ لأن ولد المرهونة لا يكون رهنًا. وهل تصير الجارية أم ولدٍ؟ فيه ثلاثة أقوال؛ كما في العتق. فإن قلنا: ينفذ الاستيلاد, عليه أن يرهن قيمتها مكانها, فإن كان معسرًا فحتى يوسر. وإذا قلنا: لا ينفذ عتق الراهن, فلو بيع العبد في الدّين, ثم عاد إلى ملك الراهن - لا يحكم بعتقه, وإن قضى الدين وافتك الرهن, هل يعتق؟

стр. 1323

فيه وجهان: أحدهما: لا يعتق؛ كالمحجور عليه بالسفه, إذا أعتق عبدًا, ثم زال الحجرُ عنه - لا يحكم بنفوذ عتقه. والثاني: يعتق؛ لأن الراهن من أهل الإعتاق, إلا أن عتقه ههنا لم ينفذ لحق المرتهن, فإذا زال حقه عتق؛ كالمريض إذا أعتق عبدًا, وعليه دينٌ - لا يعتق. فإذا أبرأه صاحب الدين عتق, بخلاف المحجور عليه بالسفه؛ لأنه لا حكم لتصرفه, كالصبي. وقيل: إذا افتكَّ الرهن عتق قولًا واحدًا. وإذا بيع في الدين, ثم عاد إليه - هل يعتق؟ فيه قولان كالاستيلاد. والأول أصحُّ, بخلاف الاستيلاد فإته - فعل, فكان أقوى من العتق الذي هو قول؛ بدليل استيلاد المجنون, والمحجور عليه بالسفه ينفذ, وعتقهما لا ينفذ. أما الاستيلاد: إن قلنا: لا ينفذ فلا تباع في الدين ما دامت حاملًا؛ لأن في بطنها ولدًا حرًا, ولو وضعت الحمل حينئذ تباع في الدين, فإن دخلها نقصٌ بالولادة - فعلى الراهن أرش النقصان, يجعله رهنًا معها. وإن ماتت في الطلق يجب أن يرهن قيمتها مكانها, باعتبار يوم الوطء؛ لأنه سبب التلف؛ كما لو جرحها, وبقيت ضمنةً إلى أن ماتت - يجب قيمتها باعتبار يوم الجُرح. وقيل: بيوم الموت. وقيل: أكثر ما كانت من وقت الوطء إلى الموت. والأول المذهب. وإن سلمت عن الولادة, فإن قُضي الدين وافتك الرهن - كانت أم ولدٍ للراهن. وإن احتيج إلى بيعها, فإن كان الدينُ يستغرق جميع قيمتها تباع كلها, وإن لم يستغرق, تباع بقدر الدين. وإن كان في التشقيص نقصانٌ؛ بأن كانت قيمتها ألفًا, والدين مائة - يباع عُشرها, فإن كان العشر لا يشتري بمائة لأجل التشقيص - يزاد بقدر ما يشترى بالمائة, بخلاف العبد القنَّ إذا كان عشره لا يُشترى بمائة ويشترى جملته بألفٍ - يباع كله؛ دفعًا للضرر عن المالك, وههنا بَطَلَ حق المالك بالاستيلاد, فيراعى حق العتاق. فإذا بيعت في الدين, ثم ملكها الرهن بعده - هل تكون أمَّ ولدٍ؟ -: فيه قولان: كما لو استولد جارية الغير بالشبهة, ثم ملكها هل تكون أم ولدٍ له؟

стр. 1324

فيه قولان: وقيل ههنا تكونُ أُمَّ ولد له قولًا واحدًا؛ لأن الاستيلادُ وجِدَ فى الملك, بخلاف الموطوءة بالشُّبهة. ولو رَهَنَ مديره, نُصَّ على أن الرّهن مَفْسُوخٌ. واختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قالَ: لا يصحُّ الرَّهنُ؛ لأن المولى قد يموتُ فجأةٌ؛ فيعتق المديرُ, ويبطلُ مقصودُ الرَّهنِ. ومنهم من قال: فيه قولان؛ بناء على أن التدبيرَ وَصيةٌ, أم تعليقُ عتق بصفة؟ وفيه قولان: فإن قلنا: وَصِيَّةٌ يصحُّ الرهنُ, ويكون رُجوعًا على التَدبيرِ. وإن قلنا: تعليق عتق بصفة, فهو كما لو رَهن المعلقُ عتقه بصفة, ويحتمل وجود الصفة قبل محلِّ الدَّين وبعده. ولو رَهَنَ المعلقُ عتقه بصفة- نُظرَ: إن عتقه بدين حالِّ, أو بِدَينٍ مُؤجلٍ, ويعلم حلول الأجل قبل وُجود الصفة- يصحُّ الرهنُ, ويباع فى الدَّين عند المحلِّ. فلو لم يتفق البيعُ حتى وجدت الصِّفة هل يعتقُ أم لا؟ هذا يُبنى على أن الاعتبارَ فى العِتقِ المعلقِ بحالة التعليق, أم بحالةِ وجودِ الصِّفةِ؟ فيه قولان: إن قلنا: بحالة التعليقِ, يعتقُ, وللمرتهن الخِيارُ فى فَسْخِ البيع المشروطِ فيه. وإن قلنا: الاعتبارُ بحالةِ وجودِ الصفَةِ, فهو كما لو أنشأ إعتاق المرهونِ. ولو كان يتحقق وجودُ الصفة قبل محل الدين- لا يصحُّ الرهنُ؛ لأنه إذا أعتق قبل مَحلِّ الَّين لا يحصُلُ مقصودُ الرَّهْنِ. وخرج قول مَن رهن ما يتسارع إليه الفساد؛ أنه يصح الرهن, إذا أشرف على وُجودِ الصِّفة يباع, ويكون ثمنه رَهنًا. والأولُ المذهب. وإن كان يحتملُ وجود الصِّفة قبل حُلولِ الدين, ويحتملُ حُلول الدَّين قبل وجود الصفة- ففى صِحةِ الرَّهْن قولانِ: أصحهما: لا يَصحُّ؛ لأنه قد توجد الصِّفة قبل المحلِّ, ولا يحصلُ مقصودُ الرَّهنِ. والثانى: يَصِحُّ؛ لأن الأصلَ بقاؤه؛ كما لو رَهَن حيوانًا يَجوزُ, وإن كان يتوهَّم موته قبل المَحِل.

стр. 1325

ولو دبر المرهونُ يجوز؛ لأنه يمكن بيعُه عند المَحلِّ, فإذا حل الدَّين يباع بقدر الدَّين, والباقى مدبرِّ. ولو علق عتق المرهونِ بصفة فهو كإفشاء الإعتاقِ. ولو وقف المرهونُ: ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالعِتقِ؛ لأنه حَقٌّ لله تعالى لا يمكن إسقاطه. والثانى: لا يَصحُّ؛ لأنه تصرفٌ لا يقبل السِّرايَةَ, كالبيعِ وَالهِبةِ. فَصْلٌ إذا آلت المرهونة بِولدٍ فادَّعى الرَّاهنُ أنى كنت وَطئتُها قَبلَ الرهن, أو بعد الرهن قبل التَّسليمِ, وهذا الولدُ مِنى- نظر: إن صدقه المرتهن, أو قامت عليه بينة - فالرهنُ باطلٌ سَواءٌ آلت لأقل من ستةِ أشهرٍ من وقتِ الإقباض أو أكثر, إذا كان لدون أربع سنين من وقتِ الإقباض, وهى أُمُّ ولد له. ولا يَجبُ أن يرهن قيمتها؛ لأنه بان أن الرَّهن لم يكن صحيحًا, وللمرتهن فسخُ البيع المشروطِ فيه الرهْنُ. وإن كذَّبه المرتهنُ, ولم يكن له بينة- هل يُقبل قوُل الراهنِ؟ فيه قولان: وكذا لو ادَّعى: أنى كنتُ أعتقها قبل الرَّهنِ, أو قبل التَّسليم- هل يقبل؟: فيه قولان: أصحُّهما: لا يقبل؛ لما فيه من إبطالِ حَقِّ المرتهنِ, كما لو باعَ جاريةٌ, ثم ادَّعى أنه كان قد أعتْقها أو استولَدَها- لا يقبلُ. والثانى: يقبل؛ لأنه غيرُ متهمٍ فى هذا الإقرار, فإنه يقرُّ فى مِلكِ نفسِهِ, بخلاف ما لو باعها ثم ادعى العتق او الاستيلاد- لا يقبل؛ لأن إقراره فى مِلكِ الغيرِ. فإن قلنا: يقبل كانت أم ولد. وإن ادعى العتق كان حرًا, وللمرتهن الخيارُ فى فَسْخِ البيع المشروط فيه هذا الرهن. وإن قلنا: لا يقبلُ, فهو كإنشاء هذا الاستيلادِ والعِتقِ. وقد نص على أنه لو أقرَّ بعتقه لم يَضرَّ المرتهن. فإن كان موسرًا أخذت منه قيمته, وكان رَهنًا. وإن كان معسرًا بيع فى الرَّهنِ ومتى رجع إليه عتق؛ لأنه مقرٌّ أنه حرٌّ, أجاب على قولنا: إن إعتاق المرهون ينفذ إذا كان المعتق موسرًا.

стр. 1326

وكذلك لو ادَّعى الرَّاهنُ: أنَّى كنتُ قد بِعتُهُ قبل التَّسليم, أو وَهَبْتُهُ وأقبضتُه, أو رَهنتُهُ من آخر وأقبضته, أو هو مَغصُوبٌ من فُلانٍ, أو أقر بجنايةٍ- مُوجبةٍ للمالِ, أو رهن عَبدًا مجهول النسب وسلم, ثم ادعى أنه ابنه- هل يقبلُ قولهُ فى إبطال الرَّهنِ؟ فيه قولان: وكذلك لو أجرَّ دارًا, ثم ادعى أنى كنت أجرتُها من غيره, أو بِعتها, أو أجر عبدًا ثم ادعى أنى كنت أعْتَقْتُهُ- هل يقبلُ؟ فيه قولان: فإن قلنا: لا يقبل فافتكَّ الرهنُ, أو بيع فى الدَّين, ثم عادَ إليه- يحكم بنِفوذِ الاستيلادِ والعتقِ. وإن كان قد أقرَّ به لإنسان سلّم إليه؛ كمن أقرَّ بحريةِ عبد الغير ثم ملكه- يحكم بِحُريتهِ. فِصْلٌ ولو أذِنَ المرتهنُ للراهن فى بَيع المرهون أو إعتاقه, أو فى وطءِ الجارية المرهونةِ؛ فباع أو أعتق- صَحَّ البيعُ والعتق, وبَطَلَ الرهنُ, ولو وطئها ولم يُحبلها لا يبطلُ الرَّهْنُ. ولو أذن, ثم رجع قبل أن يبيع أو يعتق, او أذن فى الوطء, فرجع قبل أن يَطأَ, أو بعد الوطء قبل الإحبالِ- صَحَّ رجوعُه, فلو باعه بعدما رجع- لا يَصِحُّ البيعُ. ولو أعتقَ واستولدَ فهو كإنشاءِ العتقِ والاستيلاد بغير الإذنِ. ولو لم يعلم برجوعه, فباعه أو أعتقه, أو استولدها- هل ينفذ؟ فيه وجهان: بناء على أن الوكيلّ إذا عزل, هل ينعزل قبل بلوغ الخَبَرِ إليه؟ فيه قولان: أصحهما: ينعزلُ, وحكمه حكم ما لو أنشأ هذه التَّصرفاتِ بغير الإذن. وإن قلنا: لا يَنعزلُ فهو كما لو فعل بالإذنِ. وإذا باعَ أو اعتَقَ أو استولدَ, ثم اختلفا, فقال الرَّاهنُ: أذنت لى فيه, وأنكر المرتهنُ- فالقولُ قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عَدَمُ الإذن. فإذا حَلَف فهو كما لو فَعَلَ بغير إذنِهِ, وإن نَكَل حلفَ الراهنُ, وهو كما لو فعل بإذنه.

стр. 1327

وإن نكلَ الراهنُ, هل يردُ اليمين على الجاريةِ والعبْدِ؟ فيه قولان: بناء على أن وَارثَ الميتِ إذا نَكَلَ عن يمين الرَّدِّ هل يحلفُ الغريم؟ فيه قولان: ولو اتفقا على الإذن, واختلفا فى الرُّجوع, فقال المرتهن: كنت رجعت, وأنكر الرَّاهنُ- فالقول قولُ الرَّاهنِ مع يمينه؛ لأن الأصلَ عدمُ الرُّجوع. ولو اتفقَا على الرُّجوعِ, غير أن الراهن يقول: كنت قد بِعْتُ وأعتقتُ, أو وَطئتُ قبل رجوعك. وقال المرتهنُ: رجعتُ قبل ذلك. نظر: إن قال الرَّاهن أولًا: وطئت, أو اعتقت, أو بِعتُ, ثم قال المرتهن: كنت رجعت قبل ذلك- فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه, وجعل كأنه رجع بعد بَيعه وإعتاقه. وإن قال المرتهنُ أولًا: رجعت, ثم قال الرَّاهنُ: كنت قد بعت أو اعتقت- فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه؛ كالوكيل بالبيع, إذا قال: بَعتُ, فقال الموكل: قد عَزَلتُك, فالقولُ قولُ مَنْ سبق قوله. ولو اتفقا على الإذن, واختلفا فى الوَطءِ, فقال الراهن: وطئت, وأنكر المرتهنُ فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه. وكذلك لو اتفقا على الوَطءِ - واختلفا فى المُدَّة - فقال الراهنُ: مضت مدة إمكان الولد منه, وأنكر المرتهنُ أو اتفقا على مُضى مدةِ الإمكان, ولكن قال المرتهنُ: هذا الولدُ ليس منها, إنما التقطتهُ أو استعارتْهُ - فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه, لأن الأصلَ بقاءُ الرَّهْنِ. ولو اتفقا على الوَطء - ومضى المدة والولادة, واختلفا, فقال الراهنُ: هذا الولدُ مِنِّى, وقال المرتهنُ: بل من زوج أو زِنا - لا يقبل قولُ المرتهنِ, بل القولُ ما يقولُه الرَّاهنُ, بلا يمين. فَصْلٌ فى وَطْءِ المُرْتَهِنِ إذا وطئ المرتهنُ الجاريةَ المرهونةَ- نُظِرَ: إن وطئها بغير إذن الراهن, فهو كما لو وطئ غير المرهونة. فإن كان عالمًا عليه الحدُّ, والمهر إن كانت مُكرَهةً, وإن كانت طائعة, فلا يجب على الصَّحيح من المذهب. والولدُ رقيقٌ للرَّاهن غيرُ ثابتِ النَّسبِ. وإن ادّعى الجهل بالتحريم, فلا يقبل إلا أن

стр. 1328

يكون قريبَ عهدٍ بالإسلام, أو نَشِأ بباديةٍ بعيدةٍ من المسلمين؛ كما لو زنى بامرأة, ثم ادَّعى الجَهْلَ بتحريم الزِّنا. ولو وَطِئها بالشُّبهة فلا حدَّ, ويجب المهرُ, وإذا أولدها فالولدُ ثابتُ النسب, وعليه قيمتهُ للراهن كوطءِ غير المرهونةِ. أما إذا وطئها بإذن الراهن- نظر: إن كان عالمًا بالتحريم, فالمذهبُ: أن عليه الحَدَّ؛ كما لو وطئ بدون إذنه, وقيل: لا حَدَّ؛ لاختلافِ العلماءِ. فإن عطاء كان يُجوزُ وطءَ جاريةِ الغير بإذن مَالِكِهَا. وليس بصحيح؛ لأن صورةَ الاختلاف لا تصيرُ شبهةٌ من غير دليلٍ. فلو وطئها عالمًا, أو ادَّعى الجهل بالتخريم عند وُجودِ الإذن من المالك- يقبل ويُدرأ عنه الحَدُّ, وإن طال عهدُه بالإسلام, او نشأ فيما بين المسلمين فقيل: لا يقبل, إلا أن يكون قَريبَ عَهْدِ بالإسلام, أو نشأ فى باديةٍ, أو موضعَ بَعيدٍ من المسلمين؛ كما لو وطئها بغير إذن الراهن وادَّعى الجَهَالةَ. والأول أصحُّ, بخلاف ما لو وطئ بغير إذن الرَّاهنِ؛ لأن أمرَ التحريمِ يَخْفى على العوام عند وُجودِ الإذن؛ كما خفى على إعطاء مع علمه؛ فقبل قوله. وعند عَدَم الإذن لا يخفى, إلا على مَنْ كان قريبَ العهدِ بالإسلام, فلم يقبلْ قولُه إلا فى هذه الحالةِ. فإذا ادَّعى الجَهالة ودَرَأنا الحدَّ- فإن أولده الولدُ حرٌّ ثابتُ النَّسبِ وعليه قيمته, وهل يجبُ المهرُ؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأن الإذنَ من الحرِّ المستوجِب للمهر فى الوطء- يوجب سُقُوطَ المهرِ؛ كالحرَّة إذا زَنَتْ لا مَهْرَ لَهَا. والثانى: وهو الأصحُّ؛ وبه قال أبو حنيفة: يجب المهرُ؛ كما تجب قيمة الولد؛ ولأن وجودَ المهرِ بالوطءِ حيث لا يَجبُ الحدُّ- حق الشرع, فلا يسقطُ بالإذن, كالمُفوضةِ تستحقُ لمهر بالدخول فإن قلنا: يجب المهرُ بذلك إذا لم تكُنِ المرأةُ طائعةٌ, فإن كانت طائعةٌ, وقلنا بطواعيتها- يسقط المهرُ؛ فلا يَجِبُ. فكل موضع أثبتنا النَّسب, فالجارية لا تصير أُمَّ ولدِ له فى الحال. فإذا مَلَكَها بعده فعلى قولين.

стр. 1329

ولو ادَّعى المرتهنُ أن الراهنُ قد بَاعها منه, أو أ'مرها, أو وهبها وأقبضها, وأنكَرَ الرَّاهنُ- فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه. فإن حَلَفَ فالأمُ والولدُ رقيقان له, وإن نَكَلَ وحلفَ المرتهن كانت أمَّ ولدِ له, والولد حُرٌّ. فإن حلف الراهنُ, وحكمنا برقهما, ثم ملكهما المرتهنُ بَعْدَه- كان الولد حُرّا, والأمُّ أمَّ وَلَدٍ له, لا يختلفُ القولُ فيه؛ لإقراره السابق, أنه استولَدَها فى المِلْك؛ كمن أقرَّ بحرية عبد الغيْرِ, ثم ملكه- يحكم بحريته. فَصْلٌ إذْنِ المُرتَهِنِ لِلرَّاهِنِ بالتَّصرُّفِ بالمَرْهُونِ إذا أذن المرتهنُ لِلرَّاهنِ فى بيع العبدِ المرهونِ مطلقًا, أو فى إعتافهِ على مالٍ, فباع أو أعتق- صَحَّ وبَطَل الرهنُ. ولا يجب أن يرهنَ ثمنه مكانِهِ, سواء كان الدَّيْنُ حالًا أو مؤجلًا. غير أن الدَّينَ إذا كان حالًا عليه أداء الدَّين من ثمنه, أو من مَوضِعٍ آخَرَ. وعند أبى حنيفة: يجب أن يرهنَ ثمنه مكانه إن كان الدَّينُ مُؤجَّلًا. وبالاتفاق لو أذن له فى إعتاقه مطلقًا, فأعتق - لا يجب أن يَرْهَنَ ثمنه مكانه, وهذا بخلاف ما لو باعَ المولى العبدَ الجانى بإذن المجنىِّ عليه- لا يبطل حَقَّه من الأرْشِ؛ لأن الأرشَ هناك نظيرُ الدَّينِ- ههنا؛ فلا يسقط بالإذن فى البيعِ. ولو أذن له فى بيعه, بشرط أن يُؤدِّى حقَّه من ثَمَنِهِ- والحقُّ حالٌ - يجوز؛ لأنه قضيةُ الرهن. وإن أدَّى من موضع آخر- يجوز. وإن كان الحقُّ مؤجلًا, فأذن له فى بيعه, بِشرطِ أن يعجِّل حَقَّهُ من ثمنه- فالإذن فاسد, ولا يصحُّ البيعُ. وقال المزنىُّ: يصحُّ البيع لوجود الإذن, فيلغو الشرط, وعليه أن يَرْهَنَ ثمنه مكانه؛ وبه قال أبو حنيفة؛ كما لو وكل وكيلًا بِبيعِ شَئٍ, على أن له عُشرَ ثمنه, أو شرط له جُعلًا مَجهولًا فباع- يصح الإذن, والبيع صحيح, ويلغو الشرط, وللوكيل أجرُ المثلِ. قلنا: لأن الفسادَ هناك ليس فى الإذن, بل فى جَهالةِ الجُعلِ, والجعلُ فى مقابلة منفعةِ الوكيل, لا فى مُقابلة الإذن؛ لأنه شرطه على نفسه؛ فلم يفسِدِ الإذْنُ. وههنا الشرط فاسد فى مقابلة الإذن, لأنه شرط تعجيل الحقِّ لنفسه؛ كأنه قال: لاَ إذنَ

стр. 1330

لك حتى تُعَجَّلَ حقَّى؛ فيفسد الإذنُ. أما إذا أذن له فى بيعه, وشرط أن يَرْهَنَ ثَمَنَهُ مكانه, سواء كان الحقُّ حالًا أو مؤجلًا - ففيه قولان: أحدهما: الإذن فاسِدٌ, ولا يصحُّ البيع؛ كما لو شَرَطَ تعجيلَ الحقِّ. والثانى: يَصِحُّ الإذن والبيع, وعليه أن يرهن ثمنه؛ لأنه لم يشترط لنفعه زِيادةٌ لم تكن, فإنَّ نَقْل الحقُ من غير الرهن إلى بَدَلِهِ من قَضيَّة العقدِ, ألا ترى لو قيل: المرهونُ قاتل يغرم قيمته, ويكون رهنه مكانه. فلو باعه الراهنُ ثم اختلفا, فقال المرتهن: أذنت لك, بِشَرْطِ أن تَرْهَنَ ثمنه, فقال الراهن: لا بل مطلقًا. فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا فى أصْلِ الإذن- كان القولُ قَوْلَه. ثم إن كان هذا الاختلافُ قبل البيع- لا يجوزُ للراهن بيعه بعده. ولو باعه لا يَصحُّ, فإن كان بعد البيع, وحلف المرتهن- إن قلنا: الإذنُ صحيحٌ, يجب على الراهن أن يرهن ثمنه. وإن قلنا: الإذن فَاسدٌ, فإن صدق المشترى المرتهن, ردَّ البيع, وكان رَهْنًا. وإن كذبه قال الشيخ: نُظِر: إن أقَرَّ أنه كان موضع مرهونًا, ويدعى أن الإذنَ كان مطلقًا؛ كما يقول الراهن - فيمينُ المرتهنِ حُجَّةٌ عليه, وعليه رَدُّهُ. وإن أنكر كونه مرهونًا, حلف, وعلى الراهن أن يَرْهَن قيمتَهُ. فَصْلٌ فى رهن أرض الخراج رَهْنُ أرْضِ الخَرَاجِ لاَ يجوزُ. وهو أن: يفتحَ الإمامُ بلدًا عَنوةٌ, وصارت الأراضى لِلغانِمينَ, فاستطاب الإمام أنْفُسَ الغانمين بمال أعْطاهُمْ, وأخذها منهم فوقفها, وضرب عليها خراجًا معلومًا؛ كما فعل عمر بسواد العراق. أو فتح بلدًا صُلحًا على أن الأراضى للمسلمين, والكفار يَسكُنونَها بخراجٍ مَعلومٍ, فلا يجوز رَهْنُ هذه الأراضى؛ كالأرض الموقوفة. فإن كانَ فيها غِراسٌ من أصل تلك الأشجارِ, أو بناء من تلك التُّربة- فلا يصحُّ رهنُ ذلك الغرس والبناء, كالأصل.

стр. 1331

وإن حَدَثَ الغراسُ والبناءُ بعد الوقف والصلح مِنْ مالِكِ لَهُ- جاز رهنُ البناء والغراسِ. ولو رهن الأرض مع الغراس والبناء- لا يصحُّ فى الأرض. وفى الغراسِ والبناءِ قولان؛ كما لو رهن شيئين وأحدهما ليس له- هل يصحُّ فيما له؟ فيه قولان. وكذلك لو رهن الأرضَ مطلقًا, ولم يعترض للغراس والبناء, وقلنا: إن الغراسَ والبناء يتبع الأصل. فهل يصحُّ الرهنُ فى البناء والغراس؟ فيه قولان. وإذا صحَّ الرهنُ فى الغِراسِ والبناء- فالخراج يكونُ على الرَّاهن, فلو أدى المرتهنُ الخراجَ بغير إذن الراهن- فهو متبرع. لا يرجع عليه, فإن أدى بإذنه رجع عليه, سواء شَرَط الرجوع, أو لم يشترط؛ كما لو اكترى دارًا, ثم أكْراها من غيره, والمكترى الثانى أدى الكِراءَ عن الأول بغير إذنه- لا يرجع عليه, وإن أدَّى بإذنه رجع عليه. فإن قال الرَّاهنُ: أدِّ الخراج على أن ترجع, والغراس والبناء مَرهونٌ منك بالحَقَّين- فهو كما لو زاد فى الدَّين على رهنٍ واحدٍ. وفيه قولان. ويجوز رهنُ العبدِ المرتدِّ؛ كما يجوز بيعُه, ثم إن كان عالمًا, لا خيار فى فسخ البيع المشروط فيه, وإن كان جاهلًا, فإن قتل قبل القبضِ انفسَخَ البيعُ, وإن قتل بعده فمن ضَمَان من يكون؟ فيه وجهان؛ كما فى البيع. فإن جعلناه من ضَمانِ الرَّاهنِ, فللمرتهن فَسْخُ البيع. وإن جعلناه من ضَمانِ المرتهنِ- فلا فَسخَ له, ولا أرشَ؛ كما لو مات فى يده وعلى هذا: لو رهنَ عبدًا, وجب عليه القطعُ فى السَّرقة, والمرتهنُ جاهلٌ, فقطع قبل القبض- له فسخُ البيعِ المشروطِ فيه. وإن قطع بعده فوجهان. ولو رهن عبدًا فى عنقه جِنايةٌ, نظر: إن كانت موجبةٌ للمال, أو عفا على مالٍ - نظر: إن رَهنَهُ بعد اختيار الفداء- جاز, وإن رهنه قبله فهو كبيعه, إن كان الرَّاهنُ معسرًا لا يَصِحُّ الرهن, وإن كان موسرًا فعلى قولين: أصحهما: لا يصح؛ لأنه كالمرهون فى حَقِّ المجنى عليه, ورهن المرهون لا يَصِحُّ, بل حَقُّ الجناية أقوى من حَقِّ المرتهن, بدليل أن العبدَ المرهونَ إذا جنى يُقدَّم حَق المجنىِّ عليه على حَقِّ المرتهن, وسواء كانت قيمته مستغرقةٌ بالدَّينِ أو لم تكن. والثانى: يصحُّ, ويصير مختارًا للفداءِ.

стр. 1332

فإن قلنا: لا يصحُّ, فلو عفا المجنىُّ عليه عن حقه لا ينقلب الرَّهنُ صحيحًا؛ لأنه وَقَعَ فاسدًا. وإن كانت الجنايةُ موجبةٌ للقصاص, فقد قيل: فيه قولان, كالموجبة للمال. وقيل: يصحُّ قولًا واحدًا؛ لأنه ليس فى الإستحقاق القتل, كرهن المرتدِّ, وقيل: ينبنى على أن مُوجِبَ العمدِ ماذا؟ وفيه قولان: إن قلنا: موجب العمد القَوَدُ, فيصح كرهن العَبدِ المرتدِّ, وإن قلنا: موجبه أحدُ الأمرين, فعلى قولين, كالجنايةِ الموجبة للمال. فَصْلٌ إذا رهن عَينًا بدين, ثم رهن بذلك الدين عينًا أُخرى- يجوز ولا يفتكُّ شئٌ منها إلا بعد أداء جميع الحقِّ؛ كما لو رهنها معًا. وإذا رهن عينًا بدين, ثم استقرض من المرتهن مالًا آخر, وجعله مَرهونًا بِالحقّين جميعًا- نظر: إن تفاسخا الرهنَ الأول, ثم رَهنهُ بالحقَّين جميعًا- جاز. وإن لم يتفاسخا, فقولان: قال فى القديم, وهو اختيار المُزنىِّ: يجوز؛ كما لو زادَ رهنًا آخرَ على دَينٍ واحد. وقال فى الجديد, وهو الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن الرهنَ مشغولٌ بدينٍ, فلا يجوز شغله بدينٍ آخر قبل فِكاكه؛ كما لو رَهنهُ من غير هذا المرتهن لا يجوزُ, وليس كما لو زاد فى الرهن؛ لأن الرهنَ لا يشغل الدينَ, بدليل أن تَصرُّفَ رَبِّ الدين ينفذ فى الدَّين بعد الرَّهن؛ كما لو كان ينفذ قبل الرَّهن, وتصرف الراهن لا ينفذ فى الرَّهن قبل أداءِ الدَّين. فإن قلنا: لا يجُوز, فلو اختلفا, فقال الراهن: رَهنْتُ بألفٍ, ثم زدنا ألفًا أُخرى, وقال المرتهن: بل رهنت بألفين مَعًا. فالقول قولُ المرتهن مع يمينه؛ لاتفاقهما على صِحَّةِ الرَّهن, ولو اتفقا على أنه كان مرهونًا بألف, غير أن المرتهنَ يقول: تفاسخنا العقد الأول فيه, وعقدنا بعده على ألفين. فقال الراهن: بل زدنا ألفًا على العَقد الأول- فالقولُ قولُ الراهن مع يمينه؛ لأن الأصلَ عَدَمُ الفسخِ, وقيل: القولُ قولُ المرتهن؛ لأن الظاهر أن العقدَ الثانى لا يكون إلا بعد فسخ الأول, والأول أصحُّ, حتى لو شَهد شاهِدان أنه بألف ثم بألفين- فلا يحكم أنه رَهنٌ بألفين بعد فسخ الأول ما لم يُصرح الشُّهود أن الثانى كان بَعدَ فسخِ الأول.

стр. 1333

ولو رهن بألف, ثم زاد ألفًا, وجعله رهنًا بهما, وأشهدَ شاهدين؛ أنه رهن بألفين, وعلم الشَّاهدان حال الرهن فى الباطن- فإن كان اعتقادهما أنه لا يجوز ذلك- لا يجوز أن يشهدا إلا بما جرى فى الباطن, فإن اعتقد جوازه, فهل لهما أن يَشهدا أنه مرهونٌ بألفين؟ -: فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لاعتقادهما جوازه. والثانى: لا يجوز إلا بما عليه الأمر فى الباطن؛ لأن الاعتبارَ فى الحكم باجتهاد الحاكم لا باعتقاد الشَّاهد. فَصلٌ وإذا رهن عبدًا وأقبضه, ثم أقرَّ أنه كان قد جنى جنايةً موجبةً لمال, أو أتلف مَال إنسانٍ- نظر: إن لم يدعه المقرُّ له, لم يقبْل قبولُ الراهن, وهو رَهْنٌ بحاله. وإن ادَّعاهُ المقر له, نظر: إن صدقه المرتهن, سلّم فى الجِنايةِ, وللمرتهن الخيارُ فى فَسخِ البيع المشروط فيه ذلك الرَّهن, وإن كَذَّبه المرتهنُ, هل يقبل قولُ الرَّاهنِ؟ فيه قولان: أصحهما؛ وبه قال أبو حنيفة, واختاره المزنى: لا يُقبل لتعلُّق حَقِّ المرتهن به؛ كما لو باع عبْدًا, ثم أقر عليه بجنايةٍ لا يقبل: والثانى: يقبل؛ لأنه يقرُّ فى ملك نفسه فلا تُهمة. فإن قلنا: لا يقبل, فالقولُ قولُ المرتهن مع يمينه, يحْلِفُ بأنه لا يعلم أنه قد جنى, ويحلف على نَفْى العلم؛ لأنه يمينٌ على نفى العلم لِفِعل الغير, فإذا حلف بقى العبدُ مَرهونًا. وهل يعرمُ الرَّاهن حَقَّ المجنىِّ عليه؟ - فيه قولان: أحدهما: يغرم, وهو اختيار المزنى؛ لأنه حال بين العبد والمجنى عليه لعقد الرَّهْن؛ كما لو قتله. فإن كان موسرًا يغرم فى الحَالِ؛ وإن كان معسرًا فحتى يُوسرَ. والثانى: لا يغرم, لأنه لم يقرَّ بشئٍ فى ذمته, بل أقر فى رَقَبةِ العبدِ, والعبد ليس فى يَدهِ؛ كما لو أقرَّ بعبدِ الغير لإنسان, لا يلزمه شَئٌ. وكذلك لو أقر بأن المرهون مَغْصوبٌ هل يقبل؟ فيه قولان: فإن قلنا: لا يقبل, فهل يغرم قيمته لِلمغْصُوبِ منه؟

стр. 1334

فيه قولان: قال الشيخ القفال: إذا أقر بأنه مغصوبٌ يغرم القيمةَ؛ لأنه متعدٍ بالغَصْبِ, غير معتدٍ بجناية العبد. فإن قلنا: يغرم حَقَّ المجنى عليه, يغرم أقل الأمرين من أرْشِ الجناية, أو قيمة العبد. وإن قلنا- وفيه قول آخر, يغرم كَمَالَ أرْشِ الجِنايةِ. والأول أصَحُّ, فإن قلنا: يغرم, فإذا افتكَّ الرهنُ بعد ما غرم- لا يجب تسليمه فى الجناية؛ لأنه قد فدى, إلا أن يكون قد أقر بِغَصْبِ, فيجب ردُّه على مالكه, ويسترد ما غرم. و'ن قلنا: لا يغرم القيمة, فإن بيع فى الدين لا شئَ عليه, وإن افتك الرهن, أو بيع فى الدين, ثم مَلَكَه بعده- عليه تسليمُه فى الجنايةِ. وكذلك لو قلنا: عليه الغرمُ, فقبل أن يغرم عاد إليه- يجب عليه تسليمثه فى الجنايةِ. هذا إذا حلف المرتهنُ, فإن نًكَل, فعلى مَنْ تُردُّ اليمين؟ فيه قولان: أحدهما: على الرَّاهن؛ لأن الملك فى العبد له؛ كمن مات وعليه دَيْنٌ, فادعى وارثه من جهته مالًا على إنسان, فأنكر المدَّعى عليه, ونَكَل عن اليمين, فرد اليمين على الوارث, لا عَلَى الغُرَماءِ. والثانى: يردُّ على المجنىِّ عليه؛ لأن الحقَّ له, والراهن لا يدَّعى لنفسه شيئًا, بخلاف وارث الميت, يحلف دون الغُرماء؛ لأن الأصلَ هناك هو الوارث؛ بدليل أن دعواه لا تَسقطُ بتكذيب الغرماء. والأصل ههنا هو المجنىُّ عليه؛ بدليل أن تكذيبه يُسقِطُ إقرارَ الرَّاهن. فإن قلنا: يرد على الراهن, فإن حلف بيع العبد فى الجناية, لا خِيار للمرتهن؛ لأن بزعمه أن الرَّهن صحيحٌ, وإنما أخرج من يده بنُكوله, وهو معنى طَرَأ بعد القَبض. قال الشيخ: وفيه إشكالٌ من حيث إن النُّكُول وردَّ اليمين؛ إما أن يكون بمنزلة إقرار المدعى عليه, أو بمنزلة البَيِّنة, من جهة المدعى, وأيهما وجد يثبت الخيار. ثم إن كان الأرشُ يستغرق جميع قيمته يباع كله, وإلا يباع بقدر الأرْش, والباقى هل يكون رَهْنًا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون رَهْنًا؛ لأنا حكمنا بصحَّةِ الرهن, وأخرجنا بعضه عن الرهن بسبب

стр. 1335

الجناية, فصار كما لو جَنَى بعد الرَّهن, يباع بقدر الجناية؛ والباقى يكون رَهنًا. والثانى, وهو الأصح: لا يكون رهنًا؛ لأن نْكُول المرتهنِ, ويمينَ الراهن كالإقرار من المرتهن بأنه كان جانبًا؛ فلم يصحَّ الرهنُ فى شَئٍ منه؛ كما لو قامت بيّنة عَلى جنايته. وإن نَكَل الرَّاهنُ عن اليمين, هل ترد اليمينُ على المجنى عليه؟ -: فيه قولان: أحدهما: بلى؛ لأن الحقَّ له. والثانى: لا؛ لأن يمينَ الرد لا ترد. فإن قلنا: تُرد, وقلنا فى الإبتداء: عند نُكول المرتهن تُرَدُّ على المجنى عليه, فإن حَلَفَ, بيع العبدُ فى الجناية, ولا خيار للمرتهن, وإن نكل بَطَل حقُّه, والعبدُ مرهونٌ. هذا كله تفريغ على قولنا: (إن إقرار الرَّاهن لا يقبلُ) فإن قلنا: يقبل إقراره, فهل يَحْلِفُ؟ فيه قولان: أحدهما: لا يحلف؛ لأن التحليفَ للتخويف؛ لعله يرجع عن قوله إن لم يكن صادقًا, ورجوعه هاهنا لا يُقبل. والثانى: يحلف لحق المرتهن. فإن قلنا: لا يحلف, يباع العبد فى الجناية, وللمرتهن الخِيارُ فى فَسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن, إن قلنا: يحلف, يحلف على البت أن العبد جَانٍ؛ لأنه يمين على الإثبات, فإن حَلف يباعُ العبدُ فى الجناية إذا لم يَفد السيد. فإن لم يستغرق الأرش قيمته يُباع بقدر الأرشِ. والباقى هل يكون رَهْنًا؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ كما لو قامت بينةٌ على الجناية, فعلى هذا لو فَدَى السيد لا يعود رَهْنًا إلا بعقدٍ جديدٍ. والثانى: يكون رهنًا؛ لأن إخراجه عن الرَّهن بسببِ الجنايةِ. فما فضل عن الأرش يبقى رَهْنًا؛ كما لو جنى بعد الرهن. وإن نَكَل الراهنُ عن اليمين حلف المُرتَهِنُ, وكان العبدُ رهنًا, وإن نكل بيعَ فى الجناية, ولا خيار له, هذا إذا أقرَّ الراهنُ أن المرهونَ جَنَى قبْلَ الرَّهْنِ. أما إذا أقر أنه جنى بعد الرهن والتسليم, فَكَذَّبه المرتهنُ لا يقبل قول الراهن, سواء
следующие страницы →