Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
يقبل قوله إلا ببينة تقوم على هلاكه، فإن لم يكن له بينة-: له تحليف الغرماء؛ أنهم لا يعلمون تلف ماله.
وإن ادعى الإعسار- نُظر: إن لزمه ذلك الدين بعوض من ابتياع أو استقراض-: لا يقبل قوله، إلا ببينة تقوم على هلاكه، فإن لم يكن له بينة-: له تحليف الغرماء؛ أنهم لا يعلمون إعساره، وإن لزمه بغير عوض من ضمان أو أرش جناية أو صداق امرأة-: يقبل قوله؛ أنه معسر، ويحلف عليه، فإن كانت البينة على إعساره-: تسمع.
ويشترط أن تكون البينة من أهل الخبرة الباطنة؛ لأنه قد يكون له مال في الباطن ولا يعرف حاله إلا أهل الخبرة: يشهدون أنه معسر لا يملك إلا ثياب بدنه وقوت يومه، ولا يشترط أن يقولوا: هو من أهل الصدقة، ولو قالوا، لا يضر.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: لا تسمع الشهادة على الإعسار؛ لأنه شهادة على النفي.
قلنا: الشهادة على النفي، إنما لا تسمع إذا لم يغلب على الظن صدق الشهود، فإن غلب يسمع؛ كما إذا شهد أنه وارث فلان لا يعرف له وارثاً سواه، فإذا أقام البينة على الإعسار، هل يحلف مع البينة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحلف وجوباً بعد إقامة البينة؛ كما إذا ادعى ملكاً، وأقام بينة: لا يحلف معها، ولو حلف احتياطاً استحساناً-: يجوز، إذا قال صاحب الحق: إنه يعلم إعساري.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف؛ لأنه يجوز أن يكون له مال في الباطن لا يطلع عليه الشهود، فإن لم يكن له بينة، ولم يحلف على إعساره أو أقام بينة، وقلنا: يحلف معها وجوباً، فلم يحلف-: حُبِس.
وإن قلنا: لا يحلف مع البينة، أو قلنا: يحلف فحلف-: يخلَّى سبيله، وإذا خلينا سبيله-: لم يكن للغرماء ملازمته؛ لأنه لا يعامله الناس مع ملازمته الغرماء-: فلا يحصل له ما يؤدي ديونه.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: للغرماء ملازمته.
وعنه رواية أخرى: أنه بعدما أقام البينة على الإعسار أو هلاك المال-: يحبس شهراً.
ومنهم من يقول: يحبس حتى يضجر، فيظهر مالاً إن كان له، والله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ أمر بإنظار المعسر؛ فدل أنه لا يجوز ملازمته ولا حبسه.
وعندنا: إذا لم تقم البينة على إعساره، وحلف الغرماء أنهم لا يعلمون إعساره،
стр. 1402
وحبسناه-: فلا غاية لحبسه أكثر من انكشاف حاله عند الحاكم، ولا يغفل عن المساءلة عن حاله في الحبس، فادعى بعد الحبس أنه قد صح عند الغرماء إعساري-: له تحليفه ثانياً، وثالثاً، هكذا حتى يمضي زمان، وإذا خلَّى سبيله، هل ينفك الحجر عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينفكُّ عنه؛ لأنه كان سبب المال، وظهر أن لا مال له.
والثاني: لا ينفك حتى يرفعه الحاكم الذي حجر عليه، فإذا قلنا: ينفك إذا استفاد مالاً له أن يتصرف ما لم يحدث الحاكم عليه حجراً.
فإن قلنا: لا ينفك- فليس له أن يتصرف بما يستفيد، فلو ادعى الغرماء بعدما خلى سبيله: أنه قد استفاد مالاً- سُئل-: فإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه، وعلى الغرماء إقامة البينة.
ولو شهد شاهدان؛ أنا رأينا في يده مالاً يتصرف فيه-: أخذ ذلك الغرماء، وإن أقر بأنهم رأوا مالاً في يده أو شهد عليه الشهود، فقال: إنه لفلان أخذته مضاربة أو ادعيته-: كان لفلان إذا ادعاه، ولا حق للغرماء فيه، وإن أنكر فلان: أن يكون له-: صرف إلى الغرماء، وإن قال: هو لفلان الغائب-: وقف حتى يحضر فلان، فإن ادعاه له؛ وإلا صُرف إلى الغرماء، وهل يحبس الأبوان بدين الولد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحبسان بشيء من ديون الولد؛ نفقة كانت أو غيرها؛ لأن الحبس عقوبة، ولا يتعاقب الوالد بالولد.
والثاني: يحبس؛ لأنه يجب عليه الأداء، ويؤمر أن يعمل، ويكتسب نفقته.
وقال أبو حنيفة: لا يحبس إلا في نفقة الولد، إن كان صغيراً أو زمناً.
فصلٌ في سفر المديون
إذا أراد المديون السفر- نظر: إن كان الدَّين حالاً- فلرب الدَّين منعه حتى يقضي الدين، وإن كان الدين مؤجلاً- نظر: إن كان السفر مخوفاً- لم يكن له منعه، ولا مطالبته برهن ولا كفيل، وإن لم يكن بقي من الأجل إلا قليل، ويتحقق انقضاؤه قبل عوده؛ لأنه ضيَّع حظ نفسه، حيث أجَّل، ولم يشترط رهناً ولا كفيلاً.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان يعلم حلول الأجل قبل رجوعه- له منعه حتى يعطيه كفيلاً، وإن كان السفر مخوفاً من جهاد أو ركوب بخر، فهل لرب الدَّين منعه؟ فيه وجهان:
أصحهما: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال.
والثاني: له منعه؛ لأن الغالب من أمر هذا السفر الهلاك؛ فيضيع حق صاحب الحق.
وقيل: في السفر المخوف: إن لم يخلف وفاء- له منعه، وإن نخلف- فوجهان.
стр. 1403
كتابُ الحجر
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وقال جل ذكره: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 1404
فالسفيه: المبذِّر، والضعيف: الصبي، والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: هو المغلوب على عقله.
والحجر نوعان: حجرٌ على إنسان لحق نفسه، وحجرٌ عليه لحق غيره.
فالحجر لحق الغير خمسة: حجر المفلس لحق الغرماء، وحجر المريض لحق الورثة، والحجر على الراهن لحق المرتهن، وعلى العبد لحق المولى، وعلى المكاتب لحق الله- تعالى- وحق المولى.
وكل هذه الأنواع خاصة تكون في بعض الأشياء دون البعض؛ فإن إقرار هؤلاء بما يوجب العقوبة صحيح، ويصح منهم النكاح والطلاق، والمفلس يشتري والمريض يبيع ويشتري بثمن المثل، وينفذ تبرعه في الثلث، والراهن يتصرف في عين المرهون.
وأما الحجر لحق نفسه فثلاثة: حجر السفيه، وحجر الصبي، وحجر المجنون:
стр. 1405
فحجر السفيه خاص، وحجر الصبي والمجنون عام، وفكاك حجر المفلس يكون بقسمة ماله على الغرماء، وفكاك الحجر عن الراهن بقضاء دين المرتهن، وفكاك الحجر عن العبد والمكاتب بالعتق، وفكاك الحجر عن السفيه بإيناس الرشد وإطلاق القاضي، وعن المجنون بالإفاقة، وعن الصبي بالبلوغ.
стр. 1406
والبلوغ يحصل بأربعة أشياء: اثنان يشترك فيهما الرجل والمرأة؛ وهو: السن، والإنزال بالاحتلام أو غيره.
стр. 1407
واثنان تختص بهما المرأة، وهو: الحيض، والحبل.
أما السن: هو أن يستكمل خمسة عشر سنة قمرية؛ لما روي عن ابن عمر قال: "عرضت على رسول الله- ﷺ في جيش، وأنا ابن أربع عشرة سنة؟ فلم يقبلني"، ويُروى: "لم يرني"، و"عُرضت عليه من قابل في جيش، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فقبلني"، ويُروى: "ورآني بلغت".
و [هل] يحكم بالبلوغ بالطعن في الخامس عشر فيه؟ وجهان:
أصحهما: لا يحكم حتى يستكملها أو يطعن في السادس عشر.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: سن بلوغ الغلام ثماني عشرة سنة، وسن بلوغ الجارية سبع عشرة سنة، والحديث حجة عليه.
وأما الإنزال: فهو إنزال المَنِيِّ: فمتى وُجد من الرجل أو المرأة بتسع-: يحكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، ولا يكون ذلك قبل استكمال تسع سنين.
أما الحيض: فهو بلوغٌ؛ لقوله- ﷺ : "لا تُقبل صلاة حائض إلا بخمار"؛ فدل
стр. 1408
أنها تصير بالحيض من أهل وجوب الصلاة عليها، وإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين-: يحكم ببلوغها، فإن رأت الدم قبله-: لا يكون حيضاً، وقيل: إذا رأت الدم قريباً من التسع-: فهو حيض، والتسع للتقريب لا للتحديد:
فإن قلنا بالأول: فلو رأت الدم قبل تسع سنين، وامتد حتى زاد على تسع سنين، ولم يزد على أكثر الحيض-: اختلفوا فيه؛ منهم من قال: ما رأت قبل تمام التسع دم فسادٍ، وما رأت بعد تمامها حيضٌ، ومنهم من قال: الكل حيض؛ لاتصال بعضه بالبعض.
أما الحبل: فلا يتحقق حتى تضع، فإذا وضعت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستَّة أشهر وشيء؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، هذا إذا كانت ذات زوج، فإن كانت مطلقة، وأتت بولد يلحق الزوج، ويحكم ببلوغها قبل الطلاق، حتى لو أتت به لدون أربع سنين من وقت الطلاق-: يحكم بالبلوغ قبيل الطلاق.
والإنبات بلوغ في المشركين، وهو نبات الشعر الخشن حول الفَرْج، لا الزَّغب والشعر الضعيف.
والدليل عليه: ما روي عن عطية القرظي، قال: "عُرضنا على النبي- ﷺ يوم قريظة؛ فكان من أنبت قُتل، ومن لم يُنبت خُلِّي سبيله، وكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي".
ثم الإنبات في الكفار حقيقة بلوغ أم أمارة البلوغ؟ فيه قولان:
стр. 1409
إن قلنا: هو حقيقة بلوغ فيهم- فيكون بلوغاً في المسلمين.
وإن قلنا: أمارة بلوغ فيهم، فهل يكون في المسلمين أمارة بلوغ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون أمارة؛ كما في حق الكفار؛ لأن الإشكال حق نفع في حق المسلمين؛ كالنفع في حق الكفار.
والثاني- وهو ظاهر النص-: لا يكون أمارة في حق المسلمين؛ لأن المسلمين يمكن الوقوف على معرفة بلوغهم بالسن بالرجوع إلى آبائهم المسلمين، وفي الكفار: لا يقبل فيه قول الكفار.
وعند أبي حنيفة: الإنبات يكون بلوغاً في المسلمين وفي الكفار، ونبات شعر الإبط قريب من نبات شعر العانة.
أما نبات الشارب: فلا يحكم به، وكذلك: ثقلُ تراجع الصوت، ولغة نتوء طرف الحُلقوم، ونهود الثديين، وانفراق الأرنبة: لا يحكم بشيء منها.
أما الخنثى المُشكل: إن أمنى من الذكر والفَرج-: حكم ببلوغه؛ لأنه إن كان رجلاً فهو أمنى من الذكر، وإن كانت أنثى فقد أمنت من الفرج، ولو أمنى من الذكر دون الفرج، أو من الفرج دون الذكر-: لا نحكم ببلوغه؛ لاحتمال أن يحيض من الفرج، وكذلك: لو حاض من الفرج، ولم يُمن من الذكر، أو أمنى وحاض من الفرج-: لا نحكم ببلوغه، ولو أمنى من الذكر، وحاض من الفرج-: نحكم ببلوغه؛ لأنه إن كان رجلاً فقد أمنى من الذكر، وإن كانت امرأة فقد حاضت من الفرج.
وإذا بلغ الصبي لا يزال الحجر عنه، ولا يُدفع إليه ماله، حتى يختبر، فإن كان رشيداً- فُكَّ الحجر عنه، ودُفع المال إليه، ولا يُستدام الحجر عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
والاختبار: يختلف باختلاف أحوال الناس، وإن كان الصبي من أبناء التُّجار فيختبر في أمر البيع والشراء، وإن كان من أولاد الزراعيين ففي الزراعة والإنفاق على الأجراء والعبيد، وإن كان محترفاً ففي أمر تلك الحرفة، وإن كانت امرأة ففي أمر البيت وحفظ الأقمشة، ولا يحصل ذلك بمرة واحدة، بل مرتين فأكثر؛ لأن المرة الواحدة قد توافق الصواب، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يُصان عن السوق والاختلاط مع الناس؛ فاختباره أقرب ممن اعتاده، واختلفوا في وقت الاختبار، منهم من قال: بعد البلوغ؛ لأن المقصود منه نفود
стр. 1410
تصرفه، ولا يصح تصرفه قبل البلوغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى ....﴾ الآية [النساء: ٦]، واليتيم اسم لمن لم يبلغ، والولي يدفع إليه شيئاً يسيراً من المال، وينظر إليه في مساومته ومماكسته، وإذا آل الأمر إلى البيع عقده الولي، ولا يدفع المال إليه، ولا يصح تصرفها إلا بعد اجتماع أمرين: البلوغ، والرشد، وإذا اجتمعا دفع المال إليه، رجلاً كان أو امرأة، نكحت أو لم تنكح.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها حتى تنكح، فإذا نكحت دفع المال إليها، ولكن لا ينفد تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تصر عجوزاً.
والرشد: هو أن يكون مصلحاً في دينه وماله؛ فالصلاح في الدين ألا يرتكب من المعاصي ما تردُّ به شهادته، والصلاح في المال: ألا يكون مبذراً، والتبذير: أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنياوية، ولا مثوبة أخروية؛ مثل: أن ينفق في أنواع الفسق، أو يرمي في البحر، أو يغبن في البيع غبناً فاحشاً، نحو ذلك، فإن كان ينفق ماله في وجوه الخير؛ من الصدقة، وضيافة أهل الخير، وبناء المساجد-: فلا يكون مبذراً، وكذلك: إذا كان تصرفه في مباح بأن يشتري الجواري، وينكح أربع نسوة، ويلبس اللَّيِّن، ويأكل الطيب؛ لأن المال معد لهذه الوجوه، فإن بلغ مفسداً في دينه مفسداً لماله-: لا يزول الحجر عنه، ولا يُدفع المال إليه، ولا ينفذ تصرفه.
стр. 1411
وقال أبو حنيفة -رحمة الله عليه-: إن كان مصلحاً لماله يسلم إليه، وإن كان مفسداً في دينه، فإن كان مفسداً في المال لا يسلم إليه حق يبلغ خمساً وعشرين سنة.
قلنا: الله- جل ذكره- علق دفع المال إليه بالبلوغ، وإيناس الرشد، ولم يفصل بين من يبلغ خمساً وعشرين وبين من لم يبلغ.
وإذا بلغ رشيداً، ودُفع المال إليه، ثم صار مبذراً في ماله-: يعاد الحجر عليه.
وإن صار مفسداً في دينه، هل يعاد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يعادُ؛ كما يستدام في الابتداء.
والثاني: لا يعاد بخلاف الابتداء؛ لأن الأصل هناك الحجر، وههنا زواله.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا بلغ رشيداً، ثم عاد سفيهاً-: لا يحجر عليه.
стр. 1412
ومثل قولنا يُروى عن عثمان وعلي والزبير- ﵃ وذلك ما روي أن عبد الله بن جعفر اشترى سبخة بثلاثين ألفاً، فبلغ علياً- ﵁ فعزم أني سأل عثمان أن يحجر عليه؛ فجاء عبد الله بن جعفر إلى الزبير، فذكر أن علياً- ﵁ يُريد أن يسأل عثمان- ﵁ أن يحجر عليه، فقال الزبير- ﵁: أنا شريكك، فجاء علي إلى عثمان- ﵄ فسأله أن يحجر عليه، فقال: كيف أحجر على من كان شريكه الزبير؟!
وجه الدليل، منه: أنهم اتفقوا على جواز الحجر على المبذر.
وإذا بلغ الصبي غير رشيد-: يستديم الحجر عليه من كان ولياً له في الصغر من أب، أو جد، أو وصي أو قيم، وإن لم يكن له قيم فلا يزول الحجر عنه، والحاكم يستديم.
وإذا بلغ الصبي رشيداً، هل يزول الحجر عنه؟ فيه وجهان:
قال ابن سُريج: يزول؛ كالمجنون، إذا أفاق: يزول الحجر عنه بالإفاقة.
والثاني- وهو الأصح-: لا يزول حتى يرفع الحجر عنه.
ثم إن كان له أب أو جد: يرفع الحجر عنه؛ كما يستديم إذا لم يكن رشيداً، وهل يرفعه الوصي والقيم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرفعان، كالأب والجد.
والثاني: لا يرفعان؛ لأنهما يليان بالتفويض، وإنما فوض غليهما الحفظ والتصرُّف؛ لإزالة الحجر، بل يزيله الحاكم.
فإن قلنا: لا يزول عنه الحجر- فقبل أن يرفع الحجر عنه: حكم تصرفاته حكم تصرفات المحجور عليه بالسفه.
أما إذا بلغ الصبي رشيداً، أو زال الحجر عنه، ثم عاد سفيهاً-:
فقد قيل: يصير محجوراً عليه بنفس السفه وليس بصحيح.
والصحيح: أنه لا يعود الحجر حتى يحجر عليه الحاكم؛ لأنه مجتهد فيه، ولا يحصل من الأب والقيم؛ بدليل أن علياً- ﵁ أتى عثمان- ﵁ وسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر، وإذا عاد بعده رشيداً-: لا يزول الحجر عنه ما لم يرفعه الحاكم؛ لأن الحجر كان منه، ولا يرفعه الأب والجد.
стр. 1413
وإذا جنَّ الرجل-: يصير محجوراً عليه بنفس الجنون.
وإذا بلغ الصبي مجنوناً-: فأمره إلى من كان يلي أمره في الصغر من أب، أو جد، أو قيم، وإن بلغ عاقلاً، ثم جُن، وله أب أو جد-: فالصحيح من المذهب: أن أمره إلى الأب والجد دون الحاكم؛ كمن بلغ مجنوناً.
وقيل: أمره إلى الحاكم؛ لأن ولاية الأب قد زالت بالبلوغ، فلا يعود بعده كمن بلغ رشيداً، ثم عاد سفيهاً: كان أمره إلى الحاكم.
فصل في تصرفات السفيه
إذا حجر القاضي على رجل بالسفه-: ينبغي أن يُشهد عليه؛ حتى لا يعامله الناس، والإشهاد غير شرط لانعقاد الحجر، ولو اشترى المحجور عليه بالسفه شيئاً، سواء اشترى في الذمة أو بعين، أو باع شيئاً أو وهب أو اتهب أو أعتق، أو كاتب عبداً-: لا يصح شيء منها، ولو اشترى شيئاً، وقبضه، فتلف في يده، أو أتلفه-: لا ضمان عليه في الحال، ولا يعد فكاك الحجر عنه؛ كالصبي إذا اشترى، فهلك في يده، أو أهلكه وليه- له أن يسترد الثمن من البائع، إن كان قد قبض، وكذلك لو استقرض شيئاً، فهلك في يده: يتعلق الضمان بذمته حتى يعتق؛ لأن الحجر على العبد لحق المولى؛ فإذا زال حقه- ضمن، والحجر على السفيه لحق نفسه، فإذا لم يضمن في الحال-: لا يضمن بعده؛ كالصبي غير أن الصبي لا يكون مؤاخذاً بينه وبين الله تعالى، والسفيه: يكون مؤاخذاً؛ لأنه مُكلف.
ولو اشترى السفيه بإذن الولي، أو باع، وعيَّنه الولي، هل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ كالنكاح.
والثاني: لا يصح، وهو الأصح؛ بخلاف النكاح؛ لأن المقصود من النكاح الوصلة، والمال فيه تبعٌ؛ بدليل أنه ينعقد ذلك من غير المال، والحجرُ عليه لحفظ المال دون البدن، والمقصود من البيع: المالُ؛ فلم يصح منه.
ولو أتلف السفيه مالاً لإنسان، أو غصبه-: يلزمه الضمان؛ كما لو قتل إنساناً: يلزمه القصاص.
ولو أودع رجل منه شيئاً، فتلف في يده-: لا ضمان عليه، ولو أتلفه: فقولان، فكذلك الصبي.
أحدهما: يضمن؛ كما لو أتلف مالاً من غير إيداع.
والثاني: لا يضمن؛ لأن التفريط وجد من جهة المالك؛ حيث أودعه.
стр. 1414
ويقع طلاق السفيه، ويصح منه الخلع والمراجعة بغير إذن الولي، ويصح نكاحه بإذن الولي، ولا يصح بغير إذنه، ويصح إحرامه بالحج بغير إذن الولي، ثم إن كان حج التطوع-: للولي أن يحلله، إن كان ما يحتاج إليه للحج زيد على نفقته.
ولو نذر أن يتصدق-: تعين، ولا ينعقد نذره، ولو نذر في الذمة ينعقد، ولو حلف انعقد يمينه، وإذا حنث كفَّر بالصوم، فمن حيث إنه مكلف صح يمينه، ومن حيث إنه ممنوع من التصرف في المال-: كفَّر بالصوم كالعبد.
وإذا أقر لإنسان بمال-: لا يقبل إقرار؛ كالصبي سواء أقر بعين، أو بدين معاملة، أو بدين إتلاف، أو سرقة، أو جناية خطأ، أو عمد سواء أقر بدين لزمه قبل الحجر أو بعده، وإذا انفك الحجر عنه-: لا يطالب بما أقر؛ فلو ادعى عليه دين معاملة لزمه قبل الحجر، أو دين إتلاف لزمه قبل الحجر أو بعده- نُظر: إن كانت له بينة عليه-: تسمع، وإن لم تكن له بينة-: هل تسمع أم لا؟
إن قلنا: النكول وردُّ اليمين بمنزلة الإقرار-: لا تسمع، وإن قلنا: كالبينة-: تسمع.
وإن ادَّعى معاملة بعد الحجر-: لا تسمع، وإن كان عليه بينة، ولو أقر على نفسه بما يوجب عقوبة من حد أو قصاص-: يقبل، ويقام عليه.
ولو أقر بسرقة موجبة القطع-: يقبل قوله في القطع، وهل يقبل في المال؟ فيه قولان.
ولو أقر بقصاص، فعفا على المال-: ثبت المال، ولو أقر بنسب-: يثبت النسبُ؛ لأنه ليس بمال، ثم ينفق عليه من بيت المال؛ لأنه محجورٌ عليه في المال كالعبد، والله أعلم.
стр. 1415
كتاب الصُلح
روى عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً". ويُروى هذا مرفوعاً إلى النبي- ﷺ .
المصالحة عن المال جائزة، إذا كان المدعى عليه مقراً، ثم لا يخلو: إما أن كان المصالح عنه عيناً أو ديناً: فإن كان عيناً- نُظر: إن كان صلح معاوضة، مثل: إن ادعى داراً، فأقر له بها فصالحه على عبد أو ثوب-: صح، وهو بيع ثبت فيه خيار المكان، وخيار الشرط، والرد بالعيب، والشفعة.
стр. 1416
وإن كان المدعى به ديوناً، وصالحه على ما يوافقه في العلة؛ مثل: إن صالحه من الحنطة على الشعير، أو من الدراهم على الدنانير-: يشرط القبض في المجلس.
وما يفسد البيع من الغرر والجهالة والشرط الفاسد-: يفسد هذا الصلح.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا كان المصالح عنه مجهولاً-: جاز الصلح.
وبالاتفاق: لو كان المصالح عليه مجهولاً-: لا يصح؛ فنقيس عليه؛ لأن المصالح عنه أحد العوضين في الصلح؛ كالمصالح عليه.
ولو صالحه عنه على منفعة دار، أو خدمة عبد مدة معلومة-: جاز، فكأنه استأجر الدار أو العبد بالعين التي يدعيها، وإن كان صلح حطيطة؛ مثل [أن] ادعى عليه داراً أو عيناً أخرى، فصالحه على نصفها-: صح، وجعل كأن المدعي وهب منه نصفه؛ فيشترط منه ما يشترط فيما لو وهب من رجل شيئاً، وهو في يد المتَّهب من القبول ومضيِّ إمكان القبض، وفي الإذن في القبض قولان، وهل يصح بلفظ "الصلح"؛ بأن قال: صالحتك على نصفها-، أم يشترط أن يكون لفظ صالح للتمليك؛ كالهبة، والتمليك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح إلا بلفظ صالح للتمليك؛ لأنه هبة؛ فلا يصح بلفظ الصلح.
والثاني: يصح؛ لأن اللفظ موضوع له؛ كما يحصل التمليك في العُمرى بلفظ الإعمار.
أما إذا كان المُصالح عنه ديناً- نُظر: إن كان صلح معاوضة، مثل: إن ادعى عليه دراهم، فصالحه على عين-: جاز، وهل يشترط قبض المعيَّن في المجلس؟ - نُظر: إن كان المصالح عنه مال الربا، وصالحه على ما يوافقه في العلة-: يشترط؛ وإلا فعلى وجهين:
أحدهما: يشترط حتى لا يكون بيع دين بدين.
والثاني: لا يُشترط؛ لأنه بيع عين بدين؛ كما لو باع عيناً بثمن في الذمة.
ولا يشترط قبض العين في المجلس، وإن لم يكن ما صالح عليه معيناً حالة الصُّلح، هل يجوز؟ فيه وجهان:
стр. 1417
فإن جوزنا: يشترط التعيين في المجلس، وفي القبض وجهان؛ كما ذكرنا في الاستبدال عن الدين.
وإن كان صلح حطيطة؛ مثل: إن صالح عن ألف درهم على خمسمائة-: صح، ولا يشترط قبض الخمسمائة الباقية في المجلس؛ لأنه ليس بمعاوضة، وهل: يصح بلفظ الصلح؛ فيقول: صالحتك على خمسمائة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يصح.
والثاني: يشترط لفظ الإبراء؛ فيقول: صالحتك على خمسمائة، وأبرأتك عن الباقي، أو يقول من عليه: ابرئني عن خمسمائة، وخذ الباقي.
ولو صالح عن ألف درهم على خمسمائة معينة، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه بيع ألف بخمسمائة، وإن كان له على إنسان دينٌ، فصالحه من جنسه على أكثر؛ لم يصح، ولو صالح عن ألف صحاح على خمسمائة مكسرة-: جاز، ويسقط عنه خمسمائة، ولا يلزمه قبول المكسر في الخمسمائة الباقية، بل هو وعد إن شاء وفى به، وإن شاء لم يف.
ولو صالح عن ألف مكسَّرة على خمسمائة صحاح-: لم يجز، ولا يسقط شيء؛ لأنه شرط فضل الصحة في مقابلة ما أسقط؛ وكذلك: لو صالح عن ألف حالة على خمسمائة مؤجلة: جاز، وسقطت عنه خمسمائة، ولا يلزم الأجل في الباقي.
ولو صالح عن ألف مؤجلة على خمسمائة حالة-: لم يجز؛ لأنه جعل الحلول في الباقي بمقابلة ما أسقط من المال.
ولو مات عن اثنين، قال أحدهما لصاحبه: تركت نصيبي من الميراث إليك، فقبل-: لم يصح؛ لأنه حق لازم لا يترك بالترك، بل إن كان عيناً لابُد من تمليك وقبول، وإن كان ديناً فمن إبراء، وكذلك: لو قال أحد الشريكين للآخر أو رب الدَّين للمدينون: تركت الدين إليك؛ لأن معناه: تركت الخصومة.
ولو قال أحدهما: صالحتك من نصيبي على هذا الثوب-: صح إذا كانت التركة معلومة الجنس، والقدر، وإن كانت التركة ديناً في ذمة أحدهما، فصالحه من نصيبه على شيء-: جاز، وإن كان ديناً في ذمة أجنبي، فصالح أحدهما صاحبه من نصيبه على شيء-: لم يجز؛ لأن بيع الدين من غير من عليه-: لا يصح.
стр. 1418
ولو مات عن اثنين، وتركته ألفا درهم ومائة دينار في ذمة أحدهما، فصالحه الآخر من نصيبه على ألفي درهم-: جاز، نص عليه، فصار مستوفياً حقه من الدراهم، ومعتاضاً عن الدنانير بالألف الثانية، ويشترط قبض الألف التي اعتاضها عن الدنانير في المجلس، ولا يشترط قبض الأخرى.
وإن كان له في يد إنسان ألف درهم وخمسون ديناراً، أو مات رجل عن اثنين، وتركته ألفا درهم ومائة دينار، هي في يد أحدهما، فصالحه أخوه على ألفي درهم من نصيبه-: لم يجز؛ لأنه بيع ألف درهم وخمسين ديناراً بألفي درهم.
هذا كله في الصلح على الإقرار، أما إذا ادعى على إنسان مالاً، عيناً أو ديناً، فأنكر فصالحه على شيء-: لا يصح.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز؛ وقال: أجوِّز الصلح ما يكون على الإنكار.
قلنا: الصلح على المال معاوضة، والمعاوضة تستدعي المال من الجانبين، ولم يوجد ههنها؛ لأن المال للمدعى عليه بحكم اليد فإذا بدَّل في مقابلته عوضاً، فكأنه يشتري مال نفسه، وذلك: لا يصح، ولا يصح الصلح عن الدعوى على شيء، لا في حال الإقرار ولا في حال الإنكار؛ لأن الدعوى لا تعتاض عنه.
ولو أنكر المدعى عليه المال، ثم طلب الصلح-: لا يكون ذلك إقراراً؛ لأنه يريد بذلك قطع الخصومة، فإن قال: بعني أو هب لي، أو كانت جارية، فقال: زوجنيها-: كان إقراراً، ولو قال: آجرني، أو أعرني؟ فيه وجهان، وإن كان ديناً، فقال: أبرئني: كان إقراراً.
فصلٌ [في الصلح مع الأجنبي]
في الصلح مع الأجنبي- لا يخلو: إما أن يكون في حال إقرار المدعى عليه، أو في حال إنكاره: فإن كان في حال إقراره- لا يخلو: إما إن كان المدعي عيناً أو ديناً: فإن كان عيناً- جاء أجنبي إلى المدعي، فقال: فلان مقر أن لك في يده داراً غير أنه لا يظهره؛ مخافة ألا تصالحه، فأمرني أن أصالحك على نصفه، أو على هذا الثوب، والثوب ملكه، فصالحه عليه-: صح الصلح.
стр. 1419
ولو قال: أمرني أن أصالحك على هذا الثوب، والثوب ملكي-: فهو كما لو قال: اشتريت ثوب فلان بعبدك لي، وفيه وجهان:
أحدهما: لا يصح.
والثاني: يصح، ويكون ما يعطي قرضاً على المدعى عليه أم هبة؟ فيه وجهان:
ولو قال: وكلني أن أصالحك على عشرة دراهم: إن قال: في ذمته، فصالح عليه-: صح، والمدعي يطالب المدعى عليه بالعشرة، وإن قال: على عشرة في ذمتي-: فهو كما لو قال: اشتريت ثوباً بعبدك لي، وإن صالح عن المدعى عليه بغير إذنه-: لا يجوز؛ لأنه يبتاع له مالاً بغير إذنه.
ولو قال: صالحني على ثوبي هذا، وعليَّ عشرة في ذمتي لا يملكه، فصالحه-: جاز؛ كما لو باعه منه، وإن كان المدعى ديناً، فجاء أجنبي، فقال: فلان يقر أن لك عليه ديناً، فوكلني أن أصالحك على نصفه، أو على هذا الثوب، والثوب ملكه، فصالحه-: صح.
ولو قال: على ثوبي هذا-: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، ويسقط الدين عن المدعى عليه؛ كما لو ضمن دين إنسان، وأدى عنه عوضاً: جاز.
والثاني: لا يصح؛ لأنه يبيع شيئاً بدين على الغير بخلاف الضمان، فإن تم ثبت الدَّين في ذمة الضامن؛ فيجوز إن ترك عنه عوضاً.
فلو قال: صالحني على الألف التي لك على فلان على خمسمائة-: يصح، سواء قال: بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن قضاء دين الغير بغير إذنه-: يجوز.
ولو قال: صالحني عن الدَّين الذي لك على فلان على ثوبي هذا لآخذه، أو على عشرة في ذمتي لأحد: لا يجوز، لأنه بيع الدَّين من غير من عليه الدين.
أما إذا كان المدعى عليه منكراً فجاء أجنبي، وقال: فلان منكر أن لك في يده شيئاً، أو في ذمته ديناً، وأنا لا أعلم أيضاً صدقك، فصالحني على هذا الثوب-: لم يصح؛ سواء كان الثوب للأجنبي أو للمدعى عليه؛ كما لو صالح مع المدعى عليه، وهو منكر.
ولو قال: فلان منكر أن لك في يده عيناً، وأنا أعلم صدقك، فصالحني على ثوبي هذا، أو على عشرة في ذمتي لآخذها منه-: فهو كبيع المغصوب من غير الغاصب، إن كان الأجنبي قادراً على أخذه منه-: وإلا فلا يصح، وفي الدين هذا لا يصح؛ لأنه منع الدين من غير من عليه الدين.
стр. 1420
ولو قال: فلان منكرٌ، وأنا أعلم صدقك، فصالحني على ثوبي هذا؛ لتنقطع الخصومة بينكما-: هل يصح أم لا؟ - نُظر: إن كان المدعى عيناً؟ - فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن المدعى عليه منكر.
والثاني: يصح، وعليه نص؛ لأن الصلح يجري بين المدعي والأجنبي، والأجنبي مقر له بما يدعيه.
وإن كان المدعى ديناً- قيل: فيه وجهان؛ كالعين، والمذهب: أنه يصح قولاً واحداً؛ فالنص محمول عليه؛ بخلاف العين؛ لأنه لا يقدر على أن يملِّك الغير عيناً بغير إذنه، ويملك قضاء دينه بغير إذنه، ثم لا يرجع على المدعى عليه بشيء؛ لأنه تبرع بالأداء عنه؛ وعلى هذا: لو مات رجل، وخلف عدة من الورثة، فجاء رجل وادعى داراً من التركة: أن الميت غصبها منه؛ فإن أقرُّوا وصالحوه على شيء-: يجوز.
ولو دفعوا ثوباً مشتركاً بينهم إلى واحد منهم ليصالحه عليه-: جاز.
ولو قال: صالحه عنا على ثوبك، ففعل- نُظر: إن لم يسمهم في الصلح له-: أخذ جميع الدار، وإن سماهم-: هل يلغي التسمية؟ فيه وجهان: إن قلنا: يلغي- ففيه وجهان:
أحدهما: وقع الصلح للعاقد في كله.
والثاني: يبطل في نصيب الشركاء، وهل يبطل في نصيبه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لا يلغي التسمية- صح الصلح لهم، ويكون الثوب للذي أعطى هبة لهم، أم يكون قرضاً عليهم؟ فعلى وجهين.
وإن جاء واحد منهم، فصالحه على ثوب دون إذن الباقين، وهم مقرون- نُظر: إن صالحه ليملك جميع الدار-: جاز، وإن صالح لتكون الدار له ولأصحابه-: تلغو تسمية الأصحاب ثمَّ، وفيه وجهان:
أحدهما: صح الصلح له.
والثاني: بطل في نصيب أصحابه، وفي نصيبه قولان؛ بناءً على تفريق الصفقة.
ولو أسلم كافر مع ثمان نسوة، ومات قبل أربع منهن-: توقف الميراث بينهن.
ولو صالح بعضهن عن حصتها على عوض، أو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ومات قبل البيان-: توقف الميراث بينهما.
ولو صالح إحداهما عن حقها على شيء-: لم يجز؛ لأنها تصالح عن شيء لم يثبت لها.
стр. 1421
فلو ادعى زرعاً مثلاً على رجل، فأقر، فصالحه على شيء-: لما جاز من غير شرط القطع؛ كما لو باع نصف الزرع البقل مشاعاً-: لا يجوز؛ لأن بيع الزرع البقل-: لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع نصفه إلا بقطع كله.
ولو ادعى داراً على رجل، فأقر، فصالحه على عبد، فخرج العبد مستحقاً، وردَّه بعيب، أو هلك قبل القبض-: أخذ الدار، وإن وجد به عيباً بعدما هلك أو تعيب في يده-: أخذ من الدار بقدر ما انتقص بقيمة العبد؛ كما لو باع الدار بعبد.
ولو صالحه عن الدار على خدمة عبد بعينه سنة-: يكون كما لو استأجر العبد بعين الدار.
ولو مات العبد في خلال المدة-: انفسخ العقد في المدة الباقية، والمذهب: أنه لا يفسخ في المدة الماضية، وسلم للمدعى عليه من الدار بقدر ما يقابل المدة الماضية.
ولو صالحه عن الدار على أن يسكنها سنة-: فتصير كأن المدعي أعار الدار من المدعى عليه سنة؛ فلا يلزم: متى شاء رجع.
ولو صالحه على أن يسكنها سنة على خدمة عبد-: جاز؛ فهو كما لو أجر داره سنة بمنفعة عبد: ثبت فيه ما يثبت في الإجارات.
فصلُ في بيان شروع الأجنحة وغيرها في الطريق
إذا أشرع جناحاً من ملكه إلى هواء الطريق أو بنى شيئاً ساباطاً- لا يخلو: إما إن كان الطريق نافذاً أو غير نافذٍ: فإن كان نافذاً- نُظر.
إن كان يضرُّ بالمارة-: يمنع منه، وينقض عليه، وإن كان لا يضر-: لا يعترض عليه، ويرجع في الضرر إلى حال الطريق، فإن كان الطريق ضيقاً لا تمر فيه القوافل، ولا يجوز فيه الفوارس-: ينبغي أن يكون الجناح بحيث يمر الماضي فيه منتصباً؛ لأن الضرر يزول به.
وإن كان الطريق يمر فيه القوافل، ويجوز فيه الفوارس-: ينبغي أن يكون عالياً بحيث يمر العماري على الجمل تحته، ويمر الراكب منتصباً.
وقال أبو عبيد بن حربويه: ينبغي أن يكون ممراً لراكب، ورمحه منصوب تحته؛ لأنه ربما يزدحم الفارسان، فيحتاج إلى نصب الرمح.
والأول المذهب؛ لأنه يلزم أن يخففوا أرماحهم؛ فيضعوا أطرافها على الأكتاف.
стр. 1422
وإن بنى وصالحه الإمام على شيء-: لا يجوز؛ لأن إفراد الهواء بالعقد-: لا يجوز، ولأنه إن كان مضراً بالمارة فيمنع لضرر الناس، ولا يباح بالعوض؛ كالبناء في الطريق والقعود في المضيق، وإن كان لا يضر بالمارة-: فذلك حق له؛ فلا يجوز أخذ العوض عليه؛ كالمرور في الطريق.
وإن كان الطريق غير نافذ-: فكل من داره أسفل منه-: له أن يمنعه عن ذلك، سواء تضرر به أو لم يتضرر، ولأن له شريكاً في هواء ذلك الطريق، وهل لمن داره فوقه أن يمنعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له منعه، لأنه لا حق له فيه.
والثاني: له منعه؛ لأن الشركة مشتركة بين جميع أهلها بدليل أنهم لو اقتسموها وبنوا فيها-: يجوز، فلو صالحه أهل السكة على شيء-: لم يجز، وكذلك: لو أخرج جناحاً إلى دار جاره بغير إذنه-: كان له منعه، فإن أراد أن يصالحه على شيء-: لم يجز- لأنه صلح على مجرد الهواء.
ولو نصب دكة على باب داره في طريق نافذ، أو غرس شجرة إن ضر بالمارة- منع؛ وإلا فلا يمنع.
ولو غرس غيره شجرة في فناء داره-: لا منع لصاحب الدار؛ لأنه ممر عامة المسلمين إلا أن يضر بالمارة؛ فيمنع.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا اعتبار بالضرر، بل إن خاصمه إنسان-: نزع، ضر أو لم يضر، وإن لم ينازع- ترك.
ولو أشرع جناحاً في سكة نافذة، ثم رفعه، فبادر، فأخرج جناحاً منع من إعادة الجناح الأول-: جاز؛ لأن الأول ثبت له الارتفاع بالسبق، فإذا رفع: جاز لغيره أن يرتفق؛ كما لو قعد في طريق واسع، ثم انتقل جاز لغيره القعود فيه.
ولو كان باب داره في سكة غير نافذة، وفتح باباً آخر فيها- نُظر: إن فتح فوقه- جاز، ولا يمنع، لأنه يبخص بحقه بنقصان الممر، وإن فتح أسفل منه: فلمن هو أسفل منه أن يمنعه، وهل لمن فوقه منعه؟ فيه وجهان.
стр. 1423
وكذلك: لو حوَّل الميزاب إلى الأعلى-: لم يمنع وإلى الأسفل-: فوجهان:
ولو كان ظهر داره يلي سكة غير نافذة، فأراد أن يفتح باباً-: لم يكن له ذلك إلا بإذن جميع السكة، سواءٌ فيه من هو أسفل منه أو فوقه؛ لأن من هو أسفل منه-: يتضرر بالمرور عليه، ومن فوقه: يتضرر بمروره عليه؛ وإنما يشترط في هذه المواضع إذن من باب داره في هذه السكة، أما من يلي ظهر داره هذه السكة-: فلا يشترط إذنه.
ولو أراد من ظهر داره إليها فتح كوة فيها-: لا يمنع؛ لأنه يتصرف في خالص ملكه.
ولو رفع الجدار-: لم يمنع، إلا إذا أراد الاستطراق؛ فيمنع، ولو فتح باباً، فقال: لا أريد أن أجعله طريقاً؛ بل أقفله وأسمره هل يمنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمنع؛ لأنه لما جاز له رفع الجدار، ففتح الباب دونه-: فأولى أن يجوز.
والثاني: يمنع؛ لأن الباب دليل الاستطراق.
ولو أراد فتح باب في سكة نافذة-: جاز؛ لأنه له حق الاستطراق في الشارع لو كانت له داران باب كل واحدة في سكة أخرى غير نافذة، وظهر إحداهما يلي الأخرى، ففتح بينهما باباً، ورفع الجدار بينهما؛ ليتسع داره-: لا يمنع؛ لأنه يتصرف في ملكه، ولو أراد سد أحد البابين- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يزيد في الممر في أحد السكتين.
والثاني- وهو الأصح-: يجوز: لأنه يتصرف في ملكه، ويبخس بحقه، وكذلك: لو كانت إحدى الدارين إجارة، ففعل بإذن الآجر، أما إذا كان مسيل ماء كل دار في سكة أخرى، فأراد جمعهما في سكة واحدة غير نافذة-: يمنع منه، ولو اجتمع أهل سكة غير نافذة، فسدوا بابها-: جاز لهم ذلك، ولو امتنع واحد منهم-: لم يكن للباقين سد بابها.
ولو اتفقوا وسدوا بابها، ثم أراد واحد منهم أن يفتحه-: لم يكن له ذلك إلا بإذن الباقين، فكما لا يجوز في الابتداء السداد إلا بالاتفاق، فإذا اتفقوا وسدوا-: لا يجوز الفتح إلا بالاتفاق، ولو اتفقوا أو اقتسموا صحن السكة بينهم-: جاز، ولو أراد أهل أعلى السكة [أن يقتسموا أعلاها]-: لم يكن لهم ذلك؛ لأن أهل أسفل السكة يتضررون به، ولو أراد
стр. 1424
أهل أسفلها، هل يجوز لأهل الأعلى منعهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس لهم ذلك؛ لأنهم لا يتضررون به؛ فإنه ليس لهم حق المرور فيه.
والثاني: لهم ذلك؛ لأن صحن السكة لجميعهم، فإذا بنى رجل بيتاً، واحتاج إلى وضع الجذع على جدار الجار، أو على جدار مشترك بينه وبين غيره، ولم يأذن الجارُ-: هل يجبر؟ فيه قولان:
قال في "القديم": يُجبر عليه؛ لما روي عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله، لأرمين بها بين أكتافكم".
وفي الجديد: لا يُجبر عليه، والحديث محمول على الاستحباب؛ لما روي عن النبي- ﷺ أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، ولأنه لا ينتفع بملك الغير من غير ضرورة؛ فلا يجوز إلا بإذنه؛ كالبناء في أرض الغير، والحمل على دابة الغير: لا يجوز إلا بإذنه.
стр. 1425
وإن قلنا: يجبر: إنما يجبر إذا كان صاحبه لا يحتاج إليه، وكان صاحب الجذع يحتاج إليه؛ بأن كان ثلاث حوائط له، وحائط للجار، فإن كان حائطان للجار-: لا يجبر عليه؛ وكذلك: إذا أراد أن يحمل عليه خشباً ثقيلاً لا يحتمله الجدار، أو يبني عليه أزجاً-: لا يجبر عليه.
فإن قلنا: يُجبر، فصالحه عليه على مالٍ-: لم يجز؛ لأن من وجب له حق لا يؤخذ منه عليه عوض.
стр. 1426
فإن قلنا: لا يجبر-: يجوز، وإذا عمل رجل ساباطاً، فأراد وضع الجذوع على جدار الجار، فصالحه على شيء، أو باع رأس جداره؛ ليبني عليه-: جاز.
ويجب أن يبين طول ما يبيعه وعرضه، ويبين ما يضع عليه من الجذوع، إن كانت حاضرة: نُظر إليها، وإن كانت غائبة: وصفها، وذكر سُمك البناء، فإن انهدم الجدار، وبناه مالكه ثانياً-: له أن يعيد عليه ذلك الجذع أو جذعاً في ثقله؛ وإن أجر رأس جداره للبناء عليه-: يجوز، ويجب أن يبين الموضع، وما يضع عليه والمدة والأجرة، فإذا مضت المدة قلعها، فإذا انهدم الدار، هل يجبر على بنائه؟ نظر: إن كان قد أجر، فقد انفسخ العقد، وإن كان باع فهل يجبر على البناء؟ فيه قولان، سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ولو أعار رأس جداره؛ ليضع عليه خشبة أو يبني عليه-: جاز، ويجب أن يبين [له] ما يضع عليه؛ كما ذكرنا؛ بخلاف ما لو أعار أرضاً للبناء-: لا يجب بيان آلات البناء؛ لأن الجدار لا يحتمل ما يحمل عليه، والأرض تحتمل، ثم قبل البناء: يجوز للمعير أن يرجع، وبعد البناء: لم يجز له قلعه مجاناً؛ بل يتخير بين أن يقرَّه بالأجرة، أو يقلعه ويضمن أرش النقصان؛ كما لو أعار أرضاً للبناء؛ غير أن في الأرض لمالك الأرض: أن يتملك البناء بالقيمة، وليس ذلك لمالك الجدار؛ لأن الأرض أصل؛ فجاز تملك البناء؛ تبعاً لها، والجدار تبعٌ؛ فلا يتملك البناء تبعاً له.
وقيل: في الجدار: ليس له طلب الأجرة، ولا القلع بأرش النقصان؛ كما لو أعار أرضاً، ليدفن فيها ميتاً، فدفن-: لم يملك نبشه ولا طلب الأجرة.
ولو أنا لمستعير رفع الجذوع-: لم يكن له إعادتها إلا بإذن جديد.
ولو سقط البناء، هل للمستعير إعادتها، إن كان عينها، أو إعادة مثلها إن كانت موصوفة بغير إذن جديد؟ فيه وجهان:
الأصح: ليس له إعادتها إلا بإذن جديد. أما إذا كان قد غير الجذوع؛ فأراد إعادة غيره-: لا يجوز، ولو سقط الجدار، فبناه مالكه- نظر: إن بناه بغير تلك الآلة-: لم يجز للمستعير إعادة بنائه؛ إلا بإذن جديد، وإن بناه بتلك الآلة-: ففيه وجهان:
الأصح: ليس له ذلك إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول لم يتناول إلا مرة واحدة.
стр. 1427
أما إذا وجدت جذوع على حائط، ولم يعرف سببها، فتلفت وسقطت-: جاز إعادة مثلها؛ لأن الظاهر أنها بحق ثابت.
ولو ادعى بيتاً على رجل، فأقر، فصالحه على أن يبني على سطحه-: جاز، وصار كأنه أعاره سطح بيته للبناء: يجب أن يبين ما يضع عليه؛ وكذلك: لو باع أو وهب سطح بيته للبناء: يجوز، ويجب أن يبين ما يضع عليه، وإذا أجر بين المدة؛ كما ذكرنا في رأس الجدار.
وعند أبي حنيفة، والمزني- رحمة الله عليهما-: لا يجوز بيع سطح البيت؛ كما لو أشرع جناحاً، فصالحه على شيء: لا يجوز.
قلنا: الجناح في الهواء غير مستند إلى قرار بخلاف السطح، ولو ادعى بيتاً، فأقر له بسفله دون علوه، فصالحه على أن يبني على سطحه-: جاز بعد أن يبين ما يضع عليه؛ فكأنه يباع السفل بحق البناء على العلو، وإن كان في ملكه شجرة، فاستعلت، وخرجت أغصانها إلى هواء دار الجار-: فللجار مطالبته بإزالتها، فإن لم يفعل: فله تحويلها عن داره، فإن لم يمكن تحويلها: له أن يقطعها.
ولو أوقد ناراً تحتها، فاحترقت-: لا شيء عليه، وإن لم يجبر المالك.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: ليس له قطعها، ولكن يوقد تحتها ناراً حتى تحترق الأغصان، فلو صالح الجار مالك الشجرة على شيء؛ حتى تبقى الأغصان- نظر: إن لم تكن الأغصان مستندة على جدار-: لم يجز؛ لأنه صالح على مجرد الهواء، وإن كانت مستندة- نظر: إن كانت رطبة-: لم يجز؛ لأنها تزداد، ولا يقف ضرره على موضع واحد.
وإن كانت يابسة: يجوز؛ كما لو صالحه على وضع خشبة على جداره، ولو طال عرق شجره، فدخل دار الجار-: فهو كانتشار الأغصان.
ولو باع رجل مسيل ماء في أرضه: جاز، ويجب بيان الطول في العرض، ولا يجب بيان العمق؛ لأنه يملكه إلى أسفل الأرضين.
وقيل: يجب؛ لأنه يملك حق إجراء الماء على السطح، وإن أجر-: يجب بيان الطول والعرض والعمق والمدة، وإن أعار: لا يجب البيان؛ لأن له الرجوع متى شاء؛ بخلاف رأس الجدار؛ لأنه لا يحتمل ما يحمل؛ وكذلك: لو كان له على رجل دينٌ،
стр. 1428
وصالحه منه على أن يجعل له مسيل ماء في أرضه-: يجوز بعد البيان؛ كما يجوز البيع والإجارة، وفي هذا الموضع: لا يجوز له دخول أرضه دون إذنه، إلا أن يريد تنقية النهر، ثم عليه إخراج ما يخرجه من النهر عن أرضه.
ولو أجر مسيل ماء المطر على سطحه، أو باعه، أو أعاره-: جاز بعد البيان، ويجب أن يبين السطوح التي يسيل ماؤها عليه؛ لأن السطح لا يحتمل كل ما يجري عليه بخلاف الأرض؛ فإذا بين، ثم بنى المشتري، أو المستأجر سطحاً آخر يريد إجراء مائه عليه-: لم يجز.
ولو أن البائع أو الآجر بنى على سطحه بناء منع الماء-: فللمشتري والمستأجر نقب بنائه، وإجراء الماء فيه، وإن كان عارية-: فهو رجوع، وإذا اشترى أو استأجر مسيل ماء-: لم يكن له إلقاء الثلج فيه، ولا أن يترك الثلج على سطحه حتى يذوب، فيسيل الماء عليه، ولو استأجر ملقى الثلج-: لم يكن له إسالة الماء فيه.
فصلٌ [في دعوى الدار]
إذا ادعى رجلان داراً في يد ثالث، فأقر لأحدهما بنصفها-: هل يكون الآخر شريكاً معه؟ نُظر: إن ادعى أنا وثناها-: يكون الآخر معه شريكاً فيه، وإن قالا: ابتعناها، أو اتهبناها، وقبضناها- نُظر: إن قالا: ابتعنا أو اتهبنا وقبضنا معاً-: يكون الآخر شريكاً فيه، وإن لم يقولا: "معاً" لا يكون شريكاً فيه، وكذلك: لو قالا: هذه الدار لنا أو بيننا، فأقر لأحدهما بنصفه-: لا يكون الآخر شريكاً معه؛ كما لو ادعى كل واحد نصفها؛ فحيث قلنا: يون الآخر شريكاً: فلو صالح المقر له عن ذلك النصف على شيء بغير إذن الآخر-: لا يصح في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولان.
أما إذا أقر لأحدهما بجميع الدار- نُظر: إن وجد من المقر له قول يدل على كون الدار بينهما؛ بأن قال: هذه الدار لنا، أو بيننا، أو ابتعناها، أو اتهبناها وقبضناها، سواء قال: "معاً" أو لم يقل-: يكون نصفه لصاحبه، وإن لم يوجد منه قول يدل على كونها بينهما-: لا يكون الآخر شريكاً [له] معه، ودعواه النصف محمول على أحد معنيين: إما إن خاف إنكار المدعى عليه، لو ادعى جميعاً، أو كانت له بينة على نصفها، فأراد إثباته بالبينة، ثم يدعي الباقي.
стр. 1429
فصلٌ [في التنازع في الجدار]
إذا تنازع رجلان في جدار بين ملكيهما- نُظر: إن كان متصلاً ببنائهما، أو منفصلاً عن بنائهما-: حلف كل واحد منهما، ويكون الجدار بينهما إلا أن يقيم أحدهما بينة؛ فيكون له، ولا يرجح بأن يكون جانب أحدهما منقوشاً أو أرصاف اللبن الصحيح من جانبه، أو بأحدهما في جانبه طاق أو بيت حمام، وإن كان الجدار من جص-: فلا يرجح بأن يكون معاقد القمط من جانب أحدهما.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: يرجح بهذه الأشياء، وكذلك: لو كان لأحدهما عليه جذوع: لا يرجح بها، سواء كانت مسطحة أو لم تكن؛ لأنه يمكن إحداثها بعد بناء الجدار.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إن كانت الجدار مسطحة يرجح بها، وإن كان لأحدهما عليه أزج- نُظر: إن أمكن إحداثه بعد كمال البناء-: لا يرجح به كالجذوع، وإن بنى من أصل الجدار مائلاً بحيث لا يمكن إحداثه بعد البناء؛ يرجح جانبه، وللآخر تحليفه، وكذلك: إذا كان الجدار متصلاً ببناء أحدهما بأن دخل رصف من اللبن من جداره في المختلف فيه، ووصف من المختلف فيه في جداره-: يرجح جانبه؛ فكل موضع جعلناه مشتركاً بينهما-: لا يجوز لأحدهما أن يفتح فيه كوة، ولا أن يتد فيه وتداً، ولا أن يبني عليه، ولا أن يترب كتابه به بغير إذن شريكه؛ ويجوز أن يستند إليه.
ولو بنى في ملكه جداراً متصلاً به-: جاز، وإن لم يكن بينهما فرجة، إذا لم يقع ثقل جداره عليه، وإن كان بين رجلين جدار مشترك، فانهدم، أو هدماه معاً، وامتنع أحد الشريكين عن الموافقة في بنائه- هل يجبر؟ فيه قولان:
في الجديد: لا يجبر.
وفي القديم: يجبر.
وكذلك: لو كان بين رجلين دارٌ، لها علو وسفل، سفلها لأحدهما، وعلوها للآخر، فانهدمت، فإن بنى صاحب السفل السفل-: كان لصاحب العلو أن يبني عليه علوه، وليس لصاحب السفل أن يجبر صاحب العلو على الموافقة في بناء السفل؛ لأن حيطان السفل لصاحب السفل؛ فلا يجبر الغير على بنائه، وإن امتنع صاحب السفل عن بناء السفل-: هل يجبر عليه؟ فيه قولان:
стр. 1430
قال في "القديم" وبه قال مالك- رحمة الله عليه-: يجبر عليه؛ دفعاً للضرر عن صاحب العلو، وكما يجبر على نفقة الدابة المشتركة.
وقال في "الجديد": لا يجبر؛ لأنه إنفاق على ملك لو انفرد به، لم يجبر، فعند الاشتراك: لا يجبر؛ كزراعة الأرض المشتركة، وليس كالعبد المشترك؛ لأنه لو انفرد به أمر بالإنفاق عليه، وكذلك: النهر المشترك أو القناة أو البئر المشتركة، إذا انكبست وامتنع أحد الشريكين عن التنقية، هل يجبر عليه؟ فيه قولان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: في النهر والقناة والبئر: يجبر، وفي الجدار: لا يجبر.
أما إذا استهدم الجدار، فنقضه أحد الشريكين، أو جاء ابتداءً-: فنقضه من غير إذن شريكه- نص على أنه يجبر الهادم على بنائه؛ لأنه هدم بغير إذن شريكه؛ بخلاف ما لو انهدم: جعلناها على قولين، والقياس؛ أنه يغرم النقصان، ولا يجبر على البناء؛ لأن الجدار لا يضمن بالمثل.
ولو كان العلو لواحد، والسفل لآخر، فهدم كل واحد بناءه-: يجبر صاحب السفل على بناء ملكه؛ ليبني عليه صاحب العلو.
إذا ثبت أن الجدار المشترك إذا انهدم، أو إذا كان السفل لواحد والعلو لآخر، فانهدم، هل يجبر على البناء؟ فيه قولان، فالتفريع على القولين.
أما إن قلنا: يجبر: فإن لم يفعل- أنفق السلطان على بنائه من ماله، فإن لم يكن له مال يستدين عليه، فإن أراد الشريك أن يبنيه- لم يمنع منه.
ولو بنى صاحب العلو السفل، أو بنى شريك الجدار الجدار بغير إذن الحاكم والشريك- نظر: إن بناه بتلك الآلة والنقض-: فحيطان السفل لصاحب السفل؛ لأن الآلة [له]، وليس لصاحب العلو منعه من الانتفاع به ولا نقضه، وفي الجدار المشترك: يكون الحائط بينهما كما كان؛ وليس للثاني أن يرجع على الآخر بشيء، وإن بناه بآلة نفسه-: كان الحائط للثاني، ويجوز للثاني نقضه، وإن قال الممتنع: لا ينقض، وأنا أعطيك نصف القيمة-: لم يكن له نقضه؛ لأن هذا على قول الجبر.
فإن بنى أحدهما- وجب تبقيته، وأجبر عليه؛ كما يجبر على البناء.
وإن قلنا: لا يجبر الشريك، وصاحب السفل على البناء، فلو أراد صاحب العلو بناء السفل بآلة شريكه أو بآلة مشتركة بينهما، أو أراد شريك الجدار بناءه بآلة مشتركة بينهما-: فللآخر منعه عن ذلك.
стр. 1431
أما إذا أراد أن يبنيه بآلة نفسه-: لم يكن للآخر منعه عن ذلك؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بهذا الطريق، فإذا بناه بآلة نفسه-: كان الحائط له يحمل عليه ما شاء، وله أن يمنع الآخر من الانتفاع به.
ولا يجوز لشريك الجدار ولا لصاحب السفل أن يفتح فيه كوة، ولا أن يتد فيه وتداً؛ إلا بإذنه، ولكن له أن يسكن في قرار السفل؛ لأن القرار له، وإن أراد الثاني أن ينقضه- له ذلك؛ لأنه لا حق لغيره فيه، فلو قال له الشريك الممتنع: لا تنقض، وأنا أعطيك نصف القيمة، أو قال صاحب السفل: أعطيك القيمة؛ فلا تنقضه-: فله نقضه؛ لأن على هذا القول: لو امتنع من البناء-: لم يجبر عليه، وإذا بناه-: لم يجبر على التبقية، فإن قال: كان لي رسم خشب على هذا الجدار: يقال للباني: إما أن تمكنه من إعادة حشبه، والانتفاع به، أو تنقضه حتى يبني معك، أما إذا لم يكن للباني فيه عين ماله-: لم يكن له نقضه، وكذلك: البئر أو النهر إذا أنفق على تنقيته-: لم يكن له أن يكبسه ولا أن يمنع شريكه أن يسقي منه زرعه؛ لأنه ينتفع بالماء، والماء ليس بملك له، نظير الحائط والدولاب: إذا بناه أحدهما بآلة نفسه- فله منع شريكه من الانتفاع به، فلو بنى صاحب العلو السُّفل بآلة نفسه، فقال صاحب السفل: انقضه حتى أبني بآلة نفسي، هل له ذلك أم لا؟ نظر: إن كان قد طالبه بالبناء، فلم يفعل- ليس له ذلك، وإن لم يطالبه- نظر: إن كان قد بنى عليه علوه-: لم يكن له ذلك، ولكن له أن يتملك السفل بالقسمة، وإن لم يكن بنى العلو-: فله ذلك.
وإن انهدم الجدار المشترك، فبنياه معاً، على أن يكون لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه-: لم يجز؛ لأنه شرط له عوضاً على عمارة ملك نفسه، وكذلك: لو بنياه على أن يحمل عليه أحدهما ما شاء-: لم يجز.
ولو بناه أحدهما بإذن شريكه بآلة نفسه؛ على أن يكون له الثلثان-: جاز؛ فكأنه اشترى سدس المبنى بثلث البناء.
ويشترط أن تكون الآلات معلومة، وكذلك: لو بناه بآلة مشتركة أو بآلة شريكه والعمل منه على أن يكون الثلثان له- جاز، وما شرط له من الفضل في مقابلة عمله، ولو كان بين رجلين دار لها سفل، وعلو سفلها لواحد، وعلوها للآخر-: فالسقف المتوسط يكون بينهما؛ لأنه سقف لصاحب السفل أرض لصاحب العلو: فإن تنازعاه حلفا، فلو أراد صاحب
стр. 1432
السفل أن يفتح في السقف كوة يستضيء بها-: لم يكن له إلا برضا صاحب العلو.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: هو لصاحب العلو.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لصاحب السفل.
ولو تنازعا في الصحن- نُظر: إن كان الدرج في أسفل الدار-: فالصحن بينهما؛ لأن كل واحد منهما ينتفع به، وإن كان في أعلى الصحن- فإلى الدرج يكون بينهما، وفيما دونه وجهان:
أصحهما: لصاحب السفل؛ لأنه لا ممر لصاحب العلو عليه.
والثاني: يكون بينهما؛ لأن صاحب العلو ينتفع به بإلقاء القمامة فيه.
وإن تنازعا في الدرج- نظر: إن كان من لبن، وتحته بيت-: فهو بينهما؛ لأنه سقف لصاحب العلو، وإن لم يكن تحته بيت-: فهو لصاحب العلو، وإن كان تحته موضع جب-: ففيه وجهان:
أحدهما: هو بينهما؛ لأنهما يرتفقان به؛ كما لو كان تحته بيت.
والثاني: هو لصاحب العلو؛ لأن المقصود منه منفعة صاحب العلو؛ فإن كان الدرج من خشب- فهو لصاحب العلو. مسمراً كان أو غير مسمَّر؛ لأنه يختص بالانتفاع به، فكل موضع جعلناه لأحدهما؛ فإن نازعه الآخر- حلف من جعلناه له، وإن جعلناه بينهما- حلفا.
ولو تداعيا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر-: حلفا، وكان بينهما؛ لأن لكل واحد فيها منفعة؛ فإنها تجمع الماء في النهر؛ فهي منفعة لصاحب النهر، وتمنع الماء من أرض الآخر؛ فهي منفعة له، والله أعلم بالصواب.
стр. 1433
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحوالة
روي عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: "مطلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليبع".
стр. 1434
الحوالة: هي نقل الحق، وتحويله من ذمة إلى ذمة.
وهي جائزة، إن كان الدينان مستقرين في الذمة، وإن كانا من جنس واحد، ووصف واحد، وهي مخصوصة بالجواز من بيع الكالئ بالكالئ جوِّزت إرفاقاً مخصوصاً من بيع ما ليس عنده.
стр. 1435
ولا يشترط اتفاق الدين في سبب الوجوب بعد أن كانا مستقرين حتى لو كان أحدهما ثمناً أو أجرة، والآخر قرضاً أو بدل إتلاف-: تصح الحوالة.
وأما ما ليس بمستقر كالمسلم فيه، ومال الكتابة-: لا يجوز الحوالة به؛ ولا عليه؛ كما لا يجوز الاعتياض عنه.
واختلف أصحابنا في جنس المال الذي يجوز الحوالة به:
منهم من قال: لا تجوز إلا بما له مثل؛ كالأثمان والحبوب وما أشبهها؛ لأن المقصود من الحوالة: إيصال الغريم إلى حقه على الوفاء من غير زيادة، ولا نقصان، ولا يمكن ذلك إلا فيما له مثل.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: يجوز بكل ما يثبت في الذمة بعقد السلم؛ كالثياب والحيوان، كما يجوز الاعتياض عنها.
ولا تجوز إلا بمال معلوم وهل تجوز بإبل الدية؛ مثل إن أوضح رأس إنسان عمداً، والمجني عليه أوضح رأس آخر، أو قلع سنة عمداً، ثم الجاني الثاني أحال المجني عليه على الجاني الأول؟ فيه قولان؛ بناءً على جواز المصالحة عنهما:
أصحهما: لا تجوز؛ لأنها مجهولة الصفات.
والثاني: تجوز، لأنها معلومة الأسنان.
والحوالة معاوضة، أما استيفاء؟ خرجه ابن سريج على قولين:
أحدهما: معاوضة؛ فكأن المحيل باع ماله في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته.
والثاني: استيفاء؛ كأن المحتال استوفى حقه من المحيل، وأقرضه من المحال عليه.
ويشترط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحتال؛ لأن للمحيل أن يؤدي الدين من حيث شاء، والمحتال حقه في ذمة المحيل؛ فلا يجوز له نقله إلى ذمة الغير، إلا برضاه، ولأن الذمم مختلفة؛ كما لو أراد أن يعطيه عيناً من غير جنس حقه، وهل يشترط رضا المحال عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: يشترط؛ لأنه آخذ ممن تتم به الحوالة؛ كالمحيل والمحتال.
والثاني: لا يشترط، وهو الأصح؛ لأنه متصرف فيه؛ كمن باع عبداً بشرط رضا البائع والمشتري.
стр. 1436
ولا يشترط رضا العبد، وهذا بناءً على ما ذكرنا، إن جعلنا الحوالة معاوضة؛ لا يشترط رضاه؛ لأنه حق ثبت للمحيل؛ فلا يحتاج في مبادلته إلى رضا غيره.
وإن قلنا: استيفاء-: يشترط رضاه؛ لأنه لا يمكنه إقراضه إلا برضاه، ولا يجوز أن يحيل بالدين الحال على المؤجل، ولا بالمؤجل على الحال؛ لأن الحوالة للإرفاق؛ فلا يجوز مع الاختلاف كالعوض.
وقيل: إذا حال بالمؤجل على الحال-: يجوز؛ بخلاف ما لو أحال بالحال على المؤجل: لا يجوز؛ لأن حق المحتال حال؛ فلا يلزمه التأخير، وإذا حال بالمؤجل على الحال-: جاز؛ لأن حق المحتال مؤجل، ويجوز لمن عليه تعجيله، وقد رضي بتعجيله حيث أحال على الحال، وإذا كانا مؤجلين بأجلين مختلفين-: لا يجوز.
وقيل: إذا حال بالأبعد على الأقرب-: يجوز، كما ذكرنا في المؤجل على الحال.
ولا يجوز أن يحيل بالصحاح على المكسر، ولا بالمكسر على الصحاح.
وقيل: إذا أحال بالمكسر على الصحاح-: يجوز، فكأنه تبرع بفضل الصحة، ولا يجوز بالصحاح على المكسر؛ لأنه يصير كأن المحتال يبذل عوضاً على الحوالة، وهو فضل الصحة.
وإذا أحال بالدين على إنسان، فقتل، ثم أفلس المحال عليه، أو مات معدماً، أو جحد-: لم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل؛ لأن بالحوالة انتقل الحق إلى المحال عليه، وبرئت ذمة المحيل؛ فلا رجوع له عليه؛ كما لو اعتاض عن الدين شيئاً، فتلف في يده بعد القبض، لا رجوع له على من عليه الدين.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إن مات معسراً، أو جحد وحلف-: له أن يرجع على المحيل، والحديث حُجة؛ فإن النبي- ﷺ أمر بإتباع المحال عليه؛ ولأن بقبول الحوالة: سقطت المطالبة عن المحيل، فلا يجوز أن يرجع عليه؛ كما لو اشترى عنه بالدين شيئاً، وهلك في يده: لا يرجع عليه.
ولو شرط في الحوالة ملاءة المحال عليه؛ فلم يكن-: هل له أن يرجع على المحيل؟ فيه وجهان:
عامة أصحابنا على أنه لا يرجع؛ لأن عدم الملاءة: لو كان نقصاً معتبراً في هذا الباب، لكان عند الإطلاق معتبراً.
وقال ابن سُريج: يرجع؛ كما لو اشترى عبداً، وشرط أنه كاتب، فلم يكن له الرد.
стр. 1437
والأول أصح؛ لأن الإعسار مع أنه نقص-: لم يثبت الخيار عند عدم الشرط، فبالشرط-: لا يثبت، وليس كالكتابة؛ لأن عدم الكتابة ليس بنقص؛ إنما هو عدم فضيلة؛ فاختلف الأمر فهي بين الشرط وعدمه.
وهل تصح الحوالة على من لا دين عليه للمحيل؟ فيه وجهان، بناءً على أن الحوالة معاوضة، أم استيفاء؟
إن قلنا: معاوضة-: لا يجوز؛ لأنه ليس في ذمة المحال عليه شيء؛ فكيف نجعله عوضاً عما للمحتال في ذمته.
وإن قلنا: استيفاء-: يجوز، فكأن المحتال أخذ حقه، وأقرضه من المحال عليه، فإن جوزنا-: يشترط رضا المحتال والمحال عليه، ولا يشترط رضا المحيل؛ لأن أداء دين الغير-: يجوز بغير إذنه؛ فيكفي أن يقول- يعني: المحال عليه-: أحلت الدَّين الذي لك على فلان عليَّ؛ فيصير كأنه ضمن.
فإن قلنا: لا يصح-: لا يجب على المحال عليه شيء؛ فإن تطوع وقضى- نُظر: إن قضى بغير إذن المحيل-: لا يرجع عليه، وإن قضى بإذنه بشرط أن يرجع عليه-: رجع عليه، وإن أطلق الإذن- هل يرجع عليه؟ فيه وجهان؛ كما لو قال رجل: اقض ديني.
وإن قلنا: تصح الحوالة-: فهو كما لو ضمن المحال عليه الدَّين عن المحيل، فإن قضاه بإذنه رجع عليه، وإن قضى بغير إذنه- إلا أن الحوالة كانت بإذنه وإحالته- فعلى وجهين:
أظهرهما: لا يرجع؛ لأنه لزمه بإحالته، فحيث قلنا: يرجع- فقبل الأداء، هل له مطالبة المحيل بتحليفه؟ - نظر: إن طالبه المحتال بالأداء-: له مطالبة المحيل، وقبل المطالبة: هل له مطالبة المحيل بتحليفه؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا أن الضامن، هل يطالب المضمون عنه بتحليفه؟ وهل له أن يرجع على المحيل قبل أداء حق المحتال؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ كما لا يرجع الضامن على المضمون عنه، إلا بعد أداء حق المضمون له.
والثاني: يرجع؛ لأن بالحوالة: انتقل الحق إلى ذمة المحال عليه، وفي الضمان: لم ينتقل عن ذمة المضمون عنه.
والأول أصح؛ لأنه لا يرجع قبل الأداء، ولا تبرأ بهذه الحوالة ذمة المحيل؛ كما في الضمان: لا تبرأ ذمة المضمون عنه، ففي الحقيقة: هذا ضمان بلفظ الحوالة، حتى لو
стр. 1438
أبرأ المحتال المحال عليه-: لا يرجع المحال عليه على المحيل؛ وكذلك: لو وهب منه قبل أن يقبض، ولو قبضه من المحال عليه، ثم وهبه منه، هل يرجع على المحيل؟ فيه وجهان.
ولو أن المحال عليه في هذه المسألة- أحال صاحب الحق على غيره بهذا الحق- نُظر: إن أحاله على من له عليه دينٌ-: كان له الرجوع على المحيل الأول في الحال؛ لأنه أداه بنفس الحوالة، وإن أحاله الثاني- أيضاً- على من لا دين عليه-: لم يرجع على الأول، ما لم يرجع عليه؛ كما لو ضمن ضامن هذا الدين عن المحال عليه-: لا رجوع له على المحيل حتى يؤخذ من ضامنه أو منه؛ حينئذ: يرجع على المحيل.
ولو كان له على رجلين ألف، وكل واحد ضامن عن صاحبه، فأحاله أحدهما على رجل-: برئت ذمة المحيل عن حقهما جميعاً.
ولو أحال من له الحق غريماً بماله له عليه ألف عليهما؛ حتى يطالب أيهما شاء- هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يتوسع به على المحتال محل المطالبة، فكأن المحيل بذل عوضاً على قبول الحوالة. [قال الشيخ]: فكذلك لو كان لرجل عليه ألف، فأحاله على رجلين له على كل واحد ألف حتى يطالب أيهما شاء، أو كان قد ضمن له رجل ألفاً له على إنسان، فأحاله على الضامن، وعلى المضمون عنه حتى يطالب أيهما شاء-: فعلى الوجهين.
[قال الشيخ]: هذا إذا أحال عليهما معاً؛ أما إذا أحال على أحدهما، ثم أراد أن يحيله على الثاني-: لا يجوز؛ لأنه إذا أحال على الأول-: برئت ذمته عن حق المحتال؛ فلا تصح الحوالة الثانية.
ولو أحال المديون غريمه على رجل له عليه مثله، ثم المحال عليه أحاله على آخر، ثم المحال عليه الثاني أحاله على ثالث-: جاز، وكذلك: لو أحال رب الدَّين غريمه على المديون، ثم المحتال أحال غريماً له عليه، ثم الثاني أحال غريماً له عليه-: جاز؛ ففي الصورة الأولى: تعدد المحال عليهم، وفي الثانية: تعدد المحتالون.
стр. 1439
فصلٌ [فيما إذا وجد بالمبيع عيباً في الحوالة]
إذا باع عبداً بألف، ثم البائع أحال غريماً له على المشتري بألف، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً ورده-: لا تبطل الحوالة؛ لأنها عقد آخر يثبت به حق لغير المتعاقدين؛ كما لو اشترى عبداً بثوب وقبضه وباعه، ثم وجد البائع بالثوب عيباً ورده-: لا يفسخ البيع الثاني، ثم المشتري: إذا دفع حق المحتال-: رجع على البائع، وهل له الرجوع إليه قبل أن [يدفع حقه إلى المحتال] فيه وجهان.
أما المشتري إذا أحال البائع بالثمن على رجل، ثم وجد بالعبد عيباً، ورده- هل تبطل الحوالة؛ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لا تبطل الحوالة؛ كما في الصورة الأولى.
ومنهم من قال: تبطل الحوالة، وهو قول أبي إسحاق.
وذكره المزني في "المختصر"؛ بخلاف الصورة الأولى؛ لأن هناك: تعلق به حق [غير] المتعاقدين، وهو الأجنبي المحتال، وههنا: وجدت الحوالة بالثمن الذي هو حق العاقد، فإذا فسخ العقد- خرج المحال به من أن يكون ثمناً، وسقط حق العاقد؛ فبطلت الحوالة.
ومن أصحابنا من بنى هذا الاختلاف على أن الحوالة معاوضة أم استيفاء؟ إن قلنا: معاوضة-: لا تبطل؛ كما لو باع ثوباً من بائع العبد بالثمن، ثم وجد بالعبد عيباً، فرده، لا يبطل العقد في الثوب؛ بل يسترد ثمن العبد.
وإن قلنا: الحوالة استيفاء-: تبطل؛ لأن الحوالة إرفاق، فإذا بطل الأصل: بطل الإرفاق؛ كما لو باع عبداً بدراهم مكسرة، فتبرع المشتري، فأدى الصحاح، ثم رد العبد بالعيب-: يسترد الصحاح.
وإن قلنا: تبطل الحوالة-: نُظر: إن كان البائع قد أخذ المال من المحال عليه-: أخذه المشتري منه، وتعين حقه فيه، إن كان قائماً، وإن كان تالفاً-: أخذ بدله من البائع، وإن لم يكن أخذه-: فلا يأخذه؛ لأنه حق المشتري.
وإن قلنا: لا تبطل الحوالة-: فقد سقط حق المشتري على المحال عليه، ثم إن كان البائع قد أخذه-: رجع المشتري عليه، ولا يتعين حقه فيما أخذ [وإن] لم يكن أخذه،
стр. 1440
فهل للمشتري أن يرجع على البائع قبل أن يأخذه البائع من المحال عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يأخذ شيئاً.
والثاني: له أن يرجع عليه؛ لأن الحوالة كالمقبوضة؛ بدليل أن المشتري إذا أحال البائع بالثمن على إنسان-: سقط حق البائع عن حبس المبيع، وكذلك: الزوج إذا أحال المرأة بالصداق على إنسان: لا يجوز لها بعد ذلك حبس نفسها عن الزوج.
ولو أحال الرجل امرأته بالمهر على إنسان، ثم ارتدت المرأة قبل الدخول، هل تبطل الحوالة؟ فعلى وجهين، بناءً على ما لو أحال المشتري البائع بالثمن، ثم رد المبيع بالعيب.
ولو أحال البائع غريمه على المشتري، ثم المتبايعان تقارَّا على أن العبد المبيع كان حر الأصل- نُظر: إن صدقهما المحتال، فالحوالة باطلة، وحق المحتال على البائع؛ لأن الحوالة تتم بالمحيل والمحتال، فإذا تقارا على حرية العبد بطلت الحوالة؛ كما لو تبايعا عبداً، ثم اتفقا على حريته-: كان البيع باطلاً، وإن كذبهما المحتال، وقال: العبد مملوك- لا يخلو: إما إن قامت بينة على حريته، أو لم تقم، فإن قامت بينة- نُظر: إن أقامها البائع أو المشتري-: لا تسمع؛ لأنهما كذبا البينة بدخولهما في البيع، وإن أقام العبد بينة على حريته-: فالحوالة باطلة، فإن لم تكن بينة فلهما تحليف المحتال فإن حلف فالحوالة بحالها، ولا يقبل قولهما في بطلان حق المحتال؛ كما لو اشترى عبداً، وباعه، ثم اتفق البائع الأول والمشتري: أنه كان حراً-: لا يقبل قولهما في حق المشتري الثاني.
إذا ثبت أن الحوالة لا تبطل-: فالمحتال يأخذ الألف من المشتري، والمشتري لا يرجع على المحيل بشيء؛ لأنه يقول: قد ظلمني المحتال بما أخذ مني؛ فلا يرجع بما ظلم على غير من ظلمه.
فصل في الاختلاف
إذا أمر المديون غريمه بقبض دين له على آخر، ثم اختلفا، فقال المديون: وكلتك بقبضه لي، وقال الغريم: لا، بل أحلتني عليه-: ففيه ثلاث مسائل:
إحدها: أن يختلفا في اللفظ، فقال المحيل: وكلتك بلفظ الوكالة، وقال المحتال: بل أحلتني بلفظ الحوالة-: فالقول قول من عليه الحق مع يمينه؛ لأنهما اختلفا في لفظه.
الثاني: لو اتفقا على لفظ الحوالة، واختلفا في المراد، فقال المحيل: أردت به التوكيل، وقال المحتال؛ بل أحلتني-: فالقول قول من يكون؟ فيه وجهان:
следующие страницы →