← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ولا يشترط رضا العبد، وهذا بناءً على ما ذكرنا، إن جعلنا الحوالة معاوضة؛ لا يشترط رضاه؛ لأنه حق ثبت للمحيل؛ فلا يحتاج في مبادلته إلى رضا غيره. وإن قلنا: استيفاء-: يشترط رضاه؛ لأنه لا يمكنه إقراضه إلا برضاه، ولا يجوز أن يحيل بالدين الحال على المؤجل، ولا بالمؤجل على الحال؛ لأن الحوالة للإرفاق؛ فلا يجوز مع الاختلاف كالعوض. وقيل: إذا حال بالمؤجل على الحال-: يجوز؛ بخلاف ما لو أحال بالحال على المؤجل: لا يجوز؛ لأن حق المحتال حال؛ فلا يلزمه التأخير، وإذا حال بالمؤجل على الحال-: جاز؛ لأن حق المحتال مؤجل، ويجوز لمن عليه تعجيله، وقد رضي بتعجيله حيث أحال على الحال، وإذا كانا مؤجلين بأجلين مختلفين-: لا يجوز. وقيل: إذا حال بالأبعد على الأقرب-: يجوز، كما ذكرنا في المؤجل على الحال. ولا يجوز أن يحيل بالصحاح على المكسر، ولا بالمكسر على الصحاح. وقيل: إذا أحال بالمكسر على الصحاح-: يجوز، فكأنه تبرع بفضل الصحة، ولا يجوز بالصحاح على المكسر؛ لأنه يصير كأن المحتال يبذل عوضاً على الحوالة، وهو فضل الصحة. وإذا أحال بالدين على إنسان، فقتل، ثم أفلس المحال عليه، أو مات معدماً، أو جحد-: لم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل؛ لأن بالحوالة انتقل الحق إلى المحال عليه، وبرئت ذمة المحيل؛ فلا رجوع له عليه؛ كما لو اعتاض عن الدين شيئاً، فتلف في يده بعد القبض، لا رجوع له على من عليه الدين. وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إن مات معسراً، أو جحد وحلف-: له أن يرجع على المحيل، والحديث حُجة؛ فإن النبي- ﷺ أمر بإتباع المحال عليه؛ ولأن بقبول الحوالة: سقطت المطالبة عن المحيل، فلا يجوز أن يرجع عليه؛ كما لو اشترى عنه بالدين شيئاً، وهلك في يده: لا يرجع عليه. ولو شرط في الحوالة ملاءة المحال عليه؛ فلم يكن-: هل له أن يرجع على المحيل؟ فيه وجهان: عامة أصحابنا على أنه لا يرجع؛ لأن عدم الملاءة: لو كان نقصاً معتبراً في هذا الباب، لكان عند الإطلاق معتبراً. وقال ابن سُريج: يرجع؛ كما لو اشترى عبداً، وشرط أنه كاتب، فلم يكن له الرد.

стр. 1437

والأول أصح؛ لأن الإعسار مع أنه نقص-: لم يثبت الخيار عند عدم الشرط، فبالشرط-: لا يثبت، وليس كالكتابة؛ لأن عدم الكتابة ليس بنقص؛ إنما هو عدم فضيلة؛ فاختلف الأمر فهي بين الشرط وعدمه. وهل تصح الحوالة على من لا دين عليه للمحيل؟ فيه وجهان، بناءً على أن الحوالة معاوضة، أم استيفاء؟ إن قلنا: معاوضة-: لا يجوز؛ لأنه ليس في ذمة المحال عليه شيء؛ فكيف نجعله عوضاً عما للمحتال في ذمته. وإن قلنا: استيفاء-: يجوز، فكأن المحتال أخذ حقه، وأقرضه من المحال عليه، فإن جوزنا-: يشترط رضا المحتال والمحال عليه، ولا يشترط رضا المحيل؛ لأن أداء دين الغير-: يجوز بغير إذنه؛ فيكفي أن يقول- يعني: المحال عليه-: أحلت الدَّين الذي لك على فلان عليَّ؛ فيصير كأنه ضمن. فإن قلنا: لا يصح-: لا يجب على المحال عليه شيء؛ فإن تطوع وقضى- نُظر: إن قضى بغير إذن المحيل-: لا يرجع عليه، وإن قضى بإذنه بشرط أن يرجع عليه-: رجع عليه، وإن أطلق الإذن- هل يرجع عليه؟ فيه وجهان؛ كما لو قال رجل: اقض ديني. وإن قلنا: تصح الحوالة-: فهو كما لو ضمن المحال عليه الدَّين عن المحيل، فإن قضاه بإذنه رجع عليه، وإن قضى بغير إذنه- إلا أن الحوالة كانت بإذنه وإحالته- فعلى وجهين: أظهرهما: لا يرجع؛ لأنه لزمه بإحالته، فحيث قلنا: يرجع- فقبل الأداء، هل له مطالبة المحيل بتحليفه؟ - نظر: إن طالبه المحتال بالأداء-: له مطالبة المحيل، وقبل المطالبة: هل له مطالبة المحيل بتحليفه؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا أن الضامن، هل يطالب المضمون عنه بتحليفه؟ وهل له أن يرجع على المحيل قبل أداء حق المحتال؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ كما لا يرجع الضامن على المضمون عنه، إلا بعد أداء حق المضمون له. والثاني: يرجع؛ لأن بالحوالة: انتقل الحق إلى ذمة المحال عليه، وفي الضمان: لم ينتقل عن ذمة المضمون عنه. والأول أصح؛ لأنه لا يرجع قبل الأداء، ولا تبرأ بهذه الحوالة ذمة المحيل؛ كما في الضمان: لا تبرأ ذمة المضمون عنه، ففي الحقيقة: هذا ضمان بلفظ الحوالة، حتى لو

стр. 1438

أبرأ المحتال المحال عليه-: لا يرجع المحال عليه على المحيل؛ وكذلك: لو وهب منه قبل أن يقبض، ولو قبضه من المحال عليه، ثم وهبه منه، هل يرجع على المحيل؟ فيه وجهان. ولو أن المحال عليه في هذه المسألة- أحال صاحب الحق على غيره بهذا الحق- نُظر: إن أحاله على من له عليه دينٌ-: كان له الرجوع على المحيل الأول في الحال؛ لأنه أداه بنفس الحوالة، وإن أحاله الثاني- أيضاً- على من لا دين عليه-: لم يرجع على الأول، ما لم يرجع عليه؛ كما لو ضمن ضامن هذا الدين عن المحال عليه-: لا رجوع له على المحيل حتى يؤخذ من ضامنه أو منه؛ حينئذ: يرجع على المحيل. ولو كان له على رجلين ألف، وكل واحد ضامن عن صاحبه، فأحاله أحدهما على رجل-: برئت ذمة المحيل عن حقهما جميعاً. ولو أحال من له الحق غريماً بماله له عليه ألف عليهما؛ حتى يطالب أيهما شاء- هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يتوسع به على المحتال محل المطالبة، فكأن المحيل بذل عوضاً على قبول الحوالة. [قال الشيخ]: فكذلك لو كان لرجل عليه ألف، فأحاله على رجلين له على كل واحد ألف حتى يطالب أيهما شاء، أو كان قد ضمن له رجل ألفاً له على إنسان، فأحاله على الضامن، وعلى المضمون عنه حتى يطالب أيهما شاء-: فعلى الوجهين. [قال الشيخ]: هذا إذا أحال عليهما معاً؛ أما إذا أحال على أحدهما، ثم أراد أن يحيله على الثاني-: لا يجوز؛ لأنه إذا أحال على الأول-: برئت ذمته عن حق المحتال؛ فلا تصح الحوالة الثانية. ولو أحال المديون غريمه على رجل له عليه مثله، ثم المحال عليه أحاله على آخر، ثم المحال عليه الثاني أحاله على ثالث-: جاز، وكذلك: لو أحال رب الدَّين غريمه على المديون، ثم المحتال أحال غريماً له عليه، ثم الثاني أحال غريماً له عليه-: جاز؛ ففي الصورة الأولى: تعدد المحال عليهم، وفي الثانية: تعدد المحتالون.

стр. 1439

فصلٌ [فيما إذا وجد بالمبيع عيباً في الحوالة] إذا باع عبداً بألف، ثم البائع أحال غريماً له على المشتري بألف، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً ورده-: لا تبطل الحوالة؛ لأنها عقد آخر يثبت به حق لغير المتعاقدين؛ كما لو اشترى عبداً بثوب وقبضه وباعه، ثم وجد البائع بالثوب عيباً ورده-: لا يفسخ البيع الثاني، ثم المشتري: إذا دفع حق المحتال-: رجع على البائع، وهل له الرجوع إليه قبل أن [يدفع حقه إلى المحتال] فيه وجهان. أما المشتري إذا أحال البائع بالثمن على رجل، ثم وجد بالعبد عيباً، ورده- هل تبطل الحوالة؛ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: لا تبطل الحوالة؛ كما في الصورة الأولى. ومنهم من قال: تبطل الحوالة، وهو قول أبي إسحاق. وذكره المزني في "المختصر"؛ بخلاف الصورة الأولى؛ لأن هناك: تعلق به حق [غير] المتعاقدين، وهو الأجنبي المحتال، وههنا: وجدت الحوالة بالثمن الذي هو حق العاقد، فإذا فسخ العقد- خرج المحال به من أن يكون ثمناً، وسقط حق العاقد؛ فبطلت الحوالة. ومن أصحابنا من بنى هذا الاختلاف على أن الحوالة معاوضة أم استيفاء؟ إن قلنا: معاوضة-: لا تبطل؛ كما لو باع ثوباً من بائع العبد بالثمن، ثم وجد بالعبد عيباً، فرده، لا يبطل العقد في الثوب؛ بل يسترد ثمن العبد. وإن قلنا: الحوالة استيفاء-: تبطل؛ لأن الحوالة إرفاق، فإذا بطل الأصل: بطل الإرفاق؛ كما لو باع عبداً بدراهم مكسرة، فتبرع المشتري، فأدى الصحاح، ثم رد العبد بالعيب-: يسترد الصحاح. وإن قلنا: تبطل الحوالة-: نُظر: إن كان البائع قد أخذ المال من المحال عليه-: أخذه المشتري منه، وتعين حقه فيه، إن كان قائماً، وإن كان تالفاً-: أخذ بدله من البائع، وإن لم يكن أخذه-: فلا يأخذه؛ لأنه حق المشتري. وإن قلنا: لا تبطل الحوالة-: فقد سقط حق المشتري على المحال عليه، ثم إن كان البائع قد أخذه-: رجع المشتري عليه، ولا يتعين حقه فيما أخذ [وإن] لم يكن أخذه،

стр. 1440

فهل للمشتري أن يرجع على البائع قبل أن يأخذه البائع من المحال عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يأخذ شيئاً. والثاني: له أن يرجع عليه؛ لأن الحوالة كالمقبوضة؛ بدليل أن المشتري إذا أحال البائع بالثمن على إنسان-: سقط حق البائع عن حبس المبيع، وكذلك: الزوج إذا أحال المرأة بالصداق على إنسان: لا يجوز لها بعد ذلك حبس نفسها عن الزوج. ولو أحال الرجل امرأته بالمهر على إنسان، ثم ارتدت المرأة قبل الدخول، هل تبطل الحوالة؟ فعلى وجهين، بناءً على ما لو أحال المشتري البائع بالثمن، ثم رد المبيع بالعيب. ولو أحال البائع غريمه على المشتري، ثم المتبايعان تقارَّا على أن العبد المبيع كان حر الأصل- نُظر: إن صدقهما المحتال، فالحوالة باطلة، وحق المحتال على البائع؛ لأن الحوالة تتم بالمحيل والمحتال، فإذا تقارا على حرية العبد بطلت الحوالة؛ كما لو تبايعا عبداً، ثم اتفقا على حريته-: كان البيع باطلاً، وإن كذبهما المحتال، وقال: العبد مملوك- لا يخلو: إما إن قامت بينة على حريته، أو لم تقم، فإن قامت بينة- نُظر: إن أقامها البائع أو المشتري-: لا تسمع؛ لأنهما كذبا البينة بدخولهما في البيع، وإن أقام العبد بينة على حريته-: فالحوالة باطلة، فإن لم تكن بينة فلهما تحليف المحتال فإن حلف فالحوالة بحالها، ولا يقبل قولهما في بطلان حق المحتال؛ كما لو اشترى عبداً، وباعه، ثم اتفق البائع الأول والمشتري: أنه كان حراً-: لا يقبل قولهما في حق المشتري الثاني. إذا ثبت أن الحوالة لا تبطل-: فالمحتال يأخذ الألف من المشتري، والمشتري لا يرجع على المحيل بشيء؛ لأنه يقول: قد ظلمني المحتال بما أخذ مني؛ فلا يرجع بما ظلم على غير من ظلمه. فصل في الاختلاف إذا أمر المديون غريمه بقبض دين له على آخر، ثم اختلفا، فقال المديون: وكلتك بقبضه لي، وقال الغريم: لا، بل أحلتني عليه-: ففيه ثلاث مسائل: إحدها: أن يختلفا في اللفظ، فقال المحيل: وكلتك بلفظ الوكالة، وقال المحتال: بل أحلتني بلفظ الحوالة-: فالقول قول من عليه الحق مع يمينه؛ لأنهما اختلفا في لفظه. الثاني: لو اتفقا على لفظ الحوالة، واختلفا في المراد، فقال المحيل: أردت به التوكيل، وقال المحتال؛ بل أحلتني-: فالقول قول من يكون؟ فيه وجهان:

стр. 1441

قال ابن سريج: القول قول المحتال مع يمينه؛ لأن اللفظ يشهد له. والثاني: القول قول من عليه الحق؛ وهو قول المزني وسائر الأصحاب؛ لأنه يدعي بقاء الحق عليه. ولو أنهما اختلفا في أصل الإذن-: كان القول قوله، كذلك: إذا اختلفا في صفة الإذن-: كان القول قوله. الثالثة: لو اتفقا على أنه قال له: اقبض، واختلفا في المراد-: فالقول قول الآمر مع يمينه، فكل موضع جعلنا القول قول المحتال، فإذا حلف: ثبت الحق له وبريء المحيل، وثبت له مطالبة المحال عليه. وإن قلنا: القول قول من عليه الحق، فإذا حلف-: نُظر: إن لم يكن الغريم أخذ شيئاً-: لم يكن له أخذه؛ لأنه ثبت بيمين المديون، إن كان وكيلاً، فقد انعزل عن الوكالة بإنكاره، وإن كان قد قبض المال دفعه على المحيل، إن كان قائماً، وإن كان تالفاً-: ضمن، سواء تلف أو أتلفه؛ لأنه بيمين من عليه الحق: يثبت أنه كان وكيلاً، والوكيل إذا أخذ المال لنفسه- كان ضامناً، وهل للمحتال أن يرجع على المحيل بدينه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع؛ لأنه أقر ببراءة ذمته عن دينه. والثاني: يرجع؛ لأنه يقول: إن كنت محتالاً-: فقد استرجع مني ما أخذته بحكم الحوالة، وإن كنت وكيلاً فحقي باق في ذمته، وإن كان الاختلاف على العكس، قال المديون: أحلتك عليه، وقال الغريم: وكلتني بقبضه، وذلك بأن يكون المحال عليه مفلساً؛ فيريد المحتال مطالبة المحيل-: فعلى قول أبي العباس: القول قول المحيل مع يمينه؛ لأن اللفظ يشهد له، وعلى قول المزني وسائر أصحابنا: القول قول المحتال مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة المديون بحقه. فإن قلنا: يقول ابن سريج: فحلف المحيل، بريء من دين المحتال، وللمحتال مطالبة المحال عليه بالدين: إما بحكم الحوالة، أو بحكم الوكالة، وإذا أخذه كان له؛ لأن المحيل يقول: هو له بحكم الحوالة، والمحتال يقول: هو لي من مال من لي عليه الدين. وإن قلنا بقول المزني، فحلف المحتال- نظر: إن كان قد أخذ المال من المحال عليه- دفعه إلى المديون، فاستوفى حقه منه إن كان قائماً، وإن كان تالفاً- نظر: إن تلف بتفريط من جهته- لزمه ضمانه، ويثبت للمحيل عليه ما يثبت له على المحيل، فيتقاصَّان، وإن تلف بغير تفريط من جهته، فلا ضمان عليه؛ لأنه حلف أنه وكيل؛ ويد الوكيل يد أمانة،

стр. 1442

ويرجع بحقه على المحيل، وبرئت ذمة المحال عليه؛ لأن القابض إن كان محتالاً-: فقد وفاه حقه، وإن كان وكيلاً: فقد دفع إليه، وإن لم يكن المحتال قد أخذ المال من المحال عليه، كان له مطالبة المحيل بما له في ذمته، وهل يرجع المحيل على المحال عليه بشيء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه مقر بأن ما عليه صار للمحتال. والثاني: يرجع؛ لأنه إن كان وكيلاً-: فدينه باق في ذمة الحال عليه؛ لأن وكيله لم يقبض، وإن كان محتالاً بعد قبض المحتال للمال منه ظلماً، وهو مقر بأن ما في ذمة المحال عليه للمحتال-: كان له أخذه؛ عوضاً عما أخذ منه ظلماً، والله أعلم.

стр. 1443

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الضمان روي عن أبي أُمامة قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدَّين مقضي".

стр. 1444

[الضمان جائز] وهو أن يكون لرجل على آخر دين، فجاء إنسان، وضمنه له، ثم صاحب الحق بالخيار: إن شاء طالب الضامن، وإن شاء طالب المضمون عنه، وإن شاء طالبهما جميعاً. وعند مالك- رحمة الله عليه-: ليس- لرب المال مطالبة الضامن إلا بعد العجز عن المضمون عنه. وعند ابن أبي ليلى: ليس له مطالبة المضمون عنه إلا بعد العجز عن مطالبة الضامن بأن يكون معدماً؛ كما يقول في الحوالة. ويصح الضمان بغير إذن المضمون له والمضمون عنه؛ بأن يقول: ضمنت المال الذي لزيد على عمرو؛ لأنه يجوز قضاء دين الغير بغير إذنه، فإذا ضمن-: كان للمضمون له مطالبته. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- وحده: إذن المضمون له شرط، وهل يشترط أن يعرف الضامن المضمون له، والمضمون عنه؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يشترط أن يعرفهما جميعاً؛ لأنه معاملة تجري بينهم، فيشترط معرفة المضمون له؛ حتى يمكنه الدفع إليه، ويشترط معرفة المضمون عنه؛ ليعلم هل هو من أهل المعروف؛ كما يشترط معرفة المال؛ ليعلم هل يقدر عليه أم لا؟. والوجه الثاني: لا يشترط معرفتهما؛ كما لا يعتبر رضاهما، فإذا عرف المضمون له أن له ديناً على مجهول، فضمنه، أو عرف المضمون عنه أن لمجهول عليه ديناً، فضمنه، وأداه-: جاز؛ فإن أبا قتادة ضمن عن الميت الدين من غير سؤال عن المضمون له وعنه. والوجه الثالث: لا يشترط معرفة المضمون عنه، ويشترط المضمون له؛ ليعلم المدفوع إليه، وهذا أصح عندي. ثم إذا ضمن بإذن المضمون- عنه، وأدى بإذنه- له أن يرجع عليه، وإن ضمن بغير

стр. 1445

إذنه، وأدى بغير إذنه، لا يرجع عليه؛ لأنه متبرع؛ كما لو أنفق على عيال إنسان بغير إذنه-: لا يرجع عليه، وإن ضمن بإذنه، وأدى بغير إذنه- نُظر: إن لم يمكنه الاستئذان منه عند الأداء: بأن كان غائباً، أو كان الضامن محبوساً-: رجع عليه، وإن أمكنه الاستئذان، فلم يستأذن؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو المذهب-: يرجع عليه؛ لأن الضمان كان بإذنه، والأداء لزمه بحكم ذلك الضمان. وإن ضمن بغير إذنه، وأدى بإذنه-: فالمذهب: أنه لا يرجع، فحيث قلنا: يرجع-: فلا رجوع له قبل الأداء، ولا له مطالبة المضمون عنه بمال ليدفع إليه؛ ليدفعه إلى رب الدين إذا طالبه، فما إذا طالبه المضمون له بالأداء، وكان ضمانه بإذن المضمون عنه-: فله أن يطالبه بخلافه؛ لأنه لما جاز أن يغرمه إذا غرم-: جاز له أن يطالبه، إذا طولب، فقبل أن يطالبه المضمون له، هل له مطالبة المضمون عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ كما لو رهن عبد الغير [بغير] أمره-: للمالك مطالبته بغله. والثاني- وهو الأصح؛ ليس له ذلك؛ لأنه غير محبوس في الدين، والرهن محبوس فيه، فله أن يطالبه بغلِّه، وليس للضامن حبس المضمون عنه قبل أن يحبس، وبعدما حبس: فيه وجهان: أحدهما- وبه قال أبو حنيفة،- رحمة الله عليه-: له حبسه؛ لتخليصه. والثاني- وهو الأصح- ليس له حبسه؛ لأنه لم يتوجه له عليه حق قبل الأداء حتى يحبسه. وأصل هذا: أن عقد الضمان، هل يوجب عقلة بين الضامن والمضمون عنه؟ فيه وجهان لابن سريج: إن قلنا: يوجب-: فله حبسه، وإلا فلا، ويخرَّج على هذا لو أبرأ الضامن [عن] المضمون عنه عما سيغرم، أو صالح عما سيغرم على بعضه، هل يصح؟ فيه وجهان. وكذلك: لو أعطى المضمون عنه الضامن ضماناً بما ضمن، أو في الابتداء، بشرط أن يعطى المضمون عنه ضماناً بما ضمن، هل يصح؟ فيه وجهان: الأصح: أنه لا يصح شيء منه عندي.

стр. 1446

وإذا أحال الضامن المضمون له على رجل له عليه دين، أو أحال المضمون له غريماً له على الضامن-: فهو كما لو أداه الضامن-: فله أن يرجع على المضمون عنه، وإن لم يكن قبضه [المحتال من المحال عليه]؛ لأن الحوالة كالمقبوضة. أما إذا أحاله الضامن على من لا دين له عليه، وقبل المحال عليه، وقلنا: تصح الحوالة-: برئ الضامن، ولا يرجع على المضمون عنه؛ لأنه لم يغرم شيئاً، كما لو أبرأ المضمون له الضامن-: برئت ذمته، ولا يرجع الضامن على المضمون عنه؛ لأنه لم يغرم شيئاً، وحق المضمون له لم يسقط عن المضمون عنه. ولو قبض المضمون له الحق من الضامن، ثم وهبه له، هل يرجع الضامن على المضمون عنه؟ فيه وجهان؛ بناءً على القولين في المرأة: إذا وهبت الصداق من الزوج، ثم طلقها قبل الدخول. ولو دفع المضمون عنه مالاً إلى الضامن، وقال: خذ هذا بدلاً عما يجب لك علي بقضاء الدين-: فيه وجهان: أحدهما: يجوز، ويملك الضامن؛ لأن الرجوع يتعلق بشيئين: بالضمان، والغُرم، وقد وجد أحدهما، وهو الضمان؛ كما يجوز تعجيل الزكاة بعد النصاب قبل الحول، فإذا قضى عنه الدين- استقر عليه مِلكه، وإن أبرأ عن الدين وجب رده كما يجب رد ما أخذ من الزكاة قبل الحول إذا هلك المال. والثاني: لا يملك؛ لأنه أخذه بدلاً عما يجب في الثاني؛ كما لو دفع إليه شيئاً عن بيع لم يعقده؛ فعلى هذا: يجب رده فإن هلك عنده- ضمنه كالمقبوض بالشراء الفاسد، ولو قال لرجل: اقض ديني، بشرط أن يرجع علي، قضى-: يرجع عليه، وإن لم يقل: بشرط أن يرجع- ففيه وجهان: أظهرهما: يرجع؛ لأنه أدى حقاً واجباً عليه بإذنه، ولو قال: اقض دين فلان، ففعل-: لم يرجع على الآمر؛ لأن أداء دين الغير غير واجب. وإذا ضمن ديناً، ثم أدى الضامن عرضاً، أو قال رجل لآخر: اقض ديني، فدفع عرضاً إلى رب الدين، صالحه عليه-: جاز، ثم إن كانت قيمته أكثر من الدين-: لا يرجع بالزيادة على المضمون عنه؛ لأنه متبرع به، وإن كانت أقل من الدين، بماذا يرجع؟ فيه قولان: أصحهما: لا يرجع إلا بقدر قيمة العرض؛ لأنه لم يغرم إلا ذلك؛ كما لو صالح معه

стр. 1447

صلح حطيطة، لا يرجع إلا بما صالح عليه. والثاني: يرجع بجميع الدين؛ لأنه أبرأ ذمته عنه، وكذلك لو ضمن المكسر، فأدى الصحاح، لا يرجع بالصحاح، ولو ضمن الصحاح، فأدى المكسر-: ففيه قولان: أصحهما: يرجع بما أدى. أما إذا ضمن ألفاً، وقد باع من المضمون له شيئاً يساوي خمسمائة بألف، فجعل الألف بالألف قصاصاً [يرجع بالألف]؛ لأن الألف كانت ثابتة له. ولو ضمن ذمي لذمي ديناً لمسلم، ثم أدى خمراً أو خنزيراً-: هل تبرأ ذمة المسلم [عن حق المضمون له؟] فيه وجهان: أحدهما: لا تبرأ؛ كما لو دفع بنفسه الخمر. والثاني: تبرأ؛ لأنه معاملة جرت بين ذميين. فإن قلنا: تبرأ، هل يرجع الضامن على المسلم المضمون عنه بشيء؟ فيه وجهان: إن قلنا: الاعتبار بما أدى-: لا يرجع، وإن قلنا: بما أسقط-: يرجع عليه بالدين. ولو ضمن ألفاً، فصالح المضمون له مع الضامن على خمسمائة-: لا يرجع الضامن إلا بخمسمائة، فالخمسمائة الأخرى تسقط عن الضامن والأصيل جميعاً، وإن كان هو في الحقيقة أبرأ عن بعض الدين. ولو أنه أبرأ الضامن صريحاً من خمسمائة: تسقط تلك الخمسمائة عن الضامن، ولا تسقط عن الأصيل؛ لأن الصلح قناعة من صاحب الحق عن الكثير بالقليل، وإذا قنع سقط ما طابت به نفسه أصلاً، أما إبراء الضامن فهو إسقاط الوثيقة؛ فلا يوجب سقوط الدين؛ كرد الرهن. فصلٌ فيما يصح ضمانه من الأموال: كل دين هو لازم مستقر؛ مثل: القروض، وأروش الجنايات، وبدل المتلفات، والثمن في البيع، والأجرة في الإجارة، والصداق، وبدل الخلع، والمسلم فيه؛ يصح ضمانها، وإن كان بعضها بعرض السقوط؛ كالثمن قبل القبض، والمسلم فيه، والأجرة قبل العمل، والصداق قبل الدخول، وكذلك: ما ليس بلازم، ولكنه

стр. 1448

يفضي إلى اللزوم، كالثمن في زمان الخيار-: يصح ضمانه، أما ما لا يفضي إلى اللزوم؛ مثل الدية على العاقلة، ونجوم الكتابة-: لا يصح ضمانها، وكذلك بذل الجعالة: لا يصح ضمانه قبل الفراغ من العمل، ويصح بعد الفراغ من العمل. وقيل: يصح بعد الشروع في العمل، وقبل الفراغ منه. والأول أصح؛ لأنه لا يصير لازماً بنفسه إلا بعمل، بخلاف الثمن في زمان الخيار. أما مال المسابقة والمناضلة: إن جعلناها إجارة-: جاز ضمانه؛ وإلا فكالجعالة. وجملته: أن ما جاز الرهن به، جاز ضمانه، وقد يجوز ضمان ما لا يجوز الرهن به، وهو ضمان الدرك، وهو أن من باع شيئاً، ثم خرج المبيع مستحقاً-: يجب على البائع رد الثمن، فلو ضمنه إنسان، فقال للمشتري: ضمنت لك عهدة هذا المبيع، حتى إذا خرج مستحقاً أضمن لك الثمن الذي دفعته- جاز على ظاهر المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم. ويصح البيع بشرط أن يعطى فلاناً كفيلاً بالعهدة، ولا يجوز الرهن به؛ لأنه ربما لا يخرج المبيع مستحقاً، فيبقى الرهن محبوساً أبداً. وذكر ابن سريج- رحمة الله عليه- قولاً: أنه لا يصح ضمان الدرك؛ لأنه ضمان قبل الوجوب، والمذهب جوازه؛ لأنه استئناف للحق، فلا يكون ضماناً قبل الوجوب؛ لأنه إذا خرج مستحقاً-: ظهر أن رد الثمن كان واجباً عليه. ويصح هذا الضمان بعد تسليم المشتري الثمن إلى البائع، وهل يصح قبل تسليمه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يصح، لأنه يضمن ما دخل في ضمان البائع، وقبل القبض: لم يدخل في ضمانه. والثاني: يصح؛ لأنه وجد سبب الضمان، وهو المبيع، فإذا ضمن الدرك، ثم خرج المبيع مستحقاً، فالمشتري بالخيار: إن شاء طالب البائع بالثمن، وإن شاء طالب الضامن، فإذا عزم الضامن-: رجع على البائع، إن كان ضمن بإذنه، وسواء استحق المبيع بأ خرج مغصوباً، أو باع الشقص بعد ثبوت الشفعة فيه، فأخذه الشفيع بالعقد الأول؛ فيكون مستحقاً في البيع الثاني، فللمشتري الرجوع على الضامن بالعهدة. أما إذا أخذه الشفيع بالعقد الثاني-: فلا يرجع عليه؛ لأن الشفيع لا يرفع عقده.

стр. 1449

ولو وجد المشتري بالمبيع عيباً، ورده، وفسخ العقد أو تقايلا المبيع، أو تفاسخا بخيار شرط أو خيار مجلس-: فلا رجوع له على الضامن؛ كما لو أخذ الشفيع الشقص بالشفعة-: لا يرجع بالثمن على الضامن؛ لأن الضامن ضمن ما لم يملكه البائع، ودخل في ضمانه، وفي هذه المواضع: ملك البائع الثمن. وإذا بان أن البيع كان فاسداً بشرط أو غيره، هل له مطالبة الضامن بالثمن؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه ظهر أن البائع لم يملك الثمن؛ كما لو خرج مستحقاً. والثاني: ليس له ذلك؛ لأن التفريط من جهته بالشرط الفاسد؛ ولأن حبس المبيع لاسترداد الثمن ممكن في فساد البيع، وفي استحقاقه غير ممكن. ولو تلف المبيع قبل القبض بعد أخذ الثمن: ينفسخ العقد، وهل للمشتري مطالبة الضامن بالثمن؟ إن قلنا: ينفسخ العقد من حينه-: فلا؛ كما لو رد بالعيب. وإن قلنا: من أصله-: فكالشرط الفاسد. ولو خرج نصف المبيع مستحقاً، له [مطالبة] الضامن بنصف الثمن، وهل يصح البيع في النصف الثاني؟ فعلى قولين: إن قلنا: يصح، ففسخ-: ليس له مطالبة الضامن بالنصف الثاني. وإن قلنا: لا يصح في النصف الثاني، فهل له مطالبة الضامن بالنصف الثاني؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه وجهان؛ كما إذا بان العقد فاسداً، ومنهم من قال: له مطالبة الضامن بجميع الثمن وجهاً واحداً؛ لأن سبب بطلان العقد في النصف الثاني هو الاستحقاق؛ كما في النصف الأول. وإن قلنا بظاهر المذهب: إن ضمان الدرك جائز؛ فيجوز ضمان جودة الثمن، ونقصان الوزن للبائع، لأنه لما جاز ضمان الأصل، جاز ضمان الوصف، فإن خرج رديئاً، طالبه البائع به، وكذلك: لو ضمن نقصان الوزن، جاز بأن خرج ناقصاً، رجع عليه بقدر النقصان، فلو اختلف البائع والمشتري في النقصان، فقال البائع: خرج ناقصاً وأنكر المشتري-: فالقول قول البائع مع يمينه.

стр. 1450

ولو اختلف [الضامن والبائع] ففيه وجهان؛ كما في ضمان المال، على ما سنذكره. ولو باع عبداً بثوب، أو بدينار معين، فضمن رجل العهدة، وقال: إن خرج العبد مستحقاً- أضمن لك الثوب أو الدينار-: نُظر: إن كان بعد تلف الثوب والدينار ضمن قيمته- جاز، وإن ضمن في حال قيامه، ففيه وجهان، بناءً على ضمان المغصوب للمالك. ولا يصح ضمان الدرك في رأس مال السلم، وهو أن يقول للمسلم: إذا خرج المسلم فيه مستحقاً-: أضمن لك رأس مال السلم؛ لأن الاستحقاق على ما في الذمة لا يتصور، وإذا خرج مستحقاً-: رجع المسلم بمثله لا برأس مال السلم؛ وذلك لا يصح ضمان رأس مال السلم أن لو انقطع المسلم فيه؛ لأن المسلم إليه قد ملكه؛ كما لا يصح ضمان الثمن؛ لو رد المبيع بالعيب، أما إذا ضمن المسلم إليه المسلم فيه: لو خرج رأسا لمال مستحقاً-: يجوز بعد تسليم المسلم فيه، وقبل تسليمه: لا يصح على أصح الوجهين. ولو اشترى أرضاً، وغرس فيها، ثم استحقت-: فللمستحق قلع الغراس، وعلى البائع أرش نقص دخل الغراس بالقلع، فلو ضمن رجل ذلك الأرش بعد القلع، وكان معلوماً-: جاز، ولو ضمن قبل الاستحقاق ما يدخله من النقص أن لو قلعه مستحق-: لم يجز؛ لأنه مجهول؛ ولأنه ضمان ما لم يجب؛ وكذلك: لا يصح ضمانه بعد الاستحقاق قبل القلع؛ لأنه لم يجب، ولو ضمن عهدة الأرض ونقص الغراس-: لم يصح في نقص الغراس، وفي عهدة الأرض قولان؛ بناءً على تفريق الصفقة. ولو اشترى بشرط أن يعطى كفيلاً بالعهدة، وبأرش نقصان الغراس-: لم يصح البيع. ولو ضمن عيناً له في يد إنسان، هل يصح أم لا؟ - نظر: إن لم تكن مضمونة على من في يده؛ كالوديعة، ومال الشركة، والقراض في يد العامل، والمال في يد الوكيل، والوصي-: لا يصح ضمانها للمالك؛ لأنه إن ضمن الرد، فلا رد على الأمين، إنما يجب عليه التخلية. وإن ضمن قيمتها لو تلفت، فلا يجب على الأمين ضمان ما تلف في يده، فإن كان قد تعدى فيها حتى صارت مضمونة عليه، فهو كضمان الأعيان المضمونة. وإن كانت العين مضمونة على من هي في يده؛ كالمغصوب، والمستام، والمستعار- نظر: إن ضمن ردها، خرَّجوه على قولين، بناءً على كفالة البدن، وكذا المبيع في يد البائع

стр. 1451

يضمن تسليمه إلى المشتري، ففيه وجهان. وإن ضمن قيمتها- نظر: إن ضمن بعد التلف، يجوز إن كانت معلومة، وإن ضمنها قبل التلف أو تلفت-: يُبنى على أن المكفول ببدنه إذا مات هل يجب الدين على الكفيل؟ فيه وجهان: إن قلنا: يجب- ههنا- يصح ضمان النفقة لو تلفت. وإن قلنا: لا يجب- فلا يصح، وهو الأصح. وإن ضمن رد العين، وجوزنا، فإن أمكنه ردها، ردها، وبريء من الضمان. وإن تعذر ردها بالتلف، فهل يلزمه قيمتها؟ فعلى وجهين؛ كما في كفالة البدن، إذا تعذر تسليمه. فإن قلنا: يضمن القيمة-: ففي المبيع إذا ضمن وهلك قبل القبض-: ينفسخ البيع، فإن لم يكن أخذ الثمن: لا شيء على الضامن، وإن كان قد أخذ قيمتها-: يلزم الضمان وجهان: أحدهما: عليه الثمن. والثاني: عليه الأقل من الثمن، أو قيمة العين. لو ضمن رقبة العبد الجاني، وجنايته موجبة للمال-: فهو كضمان العين. ولو رهن شيئاً من رجل-: فقبل التسليم ضمن رجل للمرتهن تسليم الرهن-: لم يصح؛ لأن تسليم الرهن غير لازم على الراهن؛ فهو كضمان ما لا يلزم. فصلٌ [في بيان ضمان المجهول] ولا يصح ضمان المجهول، سواء كان الجنس مجهولاً أو القدر؛ لأنه إثبات مال في الذمة بعقد؛ فلا يصح مع الجهالة؛ كالبيع بثمن مجهول، وذلك أن يقول: ضمنت مالك على فلان، أو: ما داينت فلاناً، ولا يعرف قدره أو جنسه، وهل يصح ضمان إبل الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنها مجهولة اللون والصفة. والثاني: يصح؛ لأنها معلومة السن والعدد، ويرجع في اللون والصفة إلى عُرف البلد. ولو علم أن دينه يزيد على خمسة، ولا يزيد على عشرة، فقال: ضمنت من خمسة

стр. 1452

إلى عشرة-: ففيه وجهان: أصحهما: لا يصح، فإن كان الدين معلوماً، فقال: ضمنت من درهم إلى عشرة-: يصح؛ على الأصح، ويكون ضامناً بعشرة، ويدخل الطرفان فيه. وقيل: يكون ضامناً بثمانية، ولا يدخل الطرفان فيه. وقيل: بتسعة، فيدخل فيه الطرف الأول، والثاني لا يدخل فيه. فإن قال: ما بين درهم وعشرة-: فيكون ضامناً بثمانية. ولا يصح ضمان ما لم يجب؛ مثل: أن تقول: ضمنت لك ما تداين فلاناً؛ لأن الضمان وثيقة بحق، فلا يسبق وجوب الحق كالشهادة. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز ضمان ما لم يجب. فرع ولو وزن المديون مال الدين، فقال رب الدين: في ميزانك وَكْسٌ، وقال المديون: بل مستقيم، فضمن رجل نقصانه-: هل يصح؟ فيه وجهان، بناءً على ضمان الدرك. أحدهما: لا يصح؛ لأنه مجهول. والثاني: يصح؛ لأن جملة المال معلوم: فإن قلنا: يصح، فاختلفا، فقال رب الدين: خرج ناقصاً، وقال الضامن: بل أنت ضيعت شيئاً منه-: ففيه وجهان: أحدهما: القول قول رب الدين مع يمينه؛ كما لو كان هذا الاختلاف من رب الدين والمديون-: كان القول قول رب الدين. والثاني- وهو الأصح-: القول قول الضامن مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته، وفي المديون: الأصل اشتغال ذمته بالدين؛ وكذلك: لو قال رب الدين: هذا رديء، وقال المديون: بل جيد، فضمن رجل رداءة الأصل-: يجوز على هذا القول، وهو ضمان جميع المال، فإذا خرج رديئاً أو معيباً وردَّه-: طالب أيهما شاء. ولو ضمن عن ميت ديناً-: يصح، سواء خلَّف الميت وفاء أو لم يخلف. والدليل عليه: ما روي عن أبي قتادة؛ أن النبي- ﷺ أُتي برجل ليصلي عليه، فقال: "صلوا على صاحبكم؛ فإن عليه ديناً"، قال أبو قتادة: هو علي، فقال رسول الله- ﷺ -

стр. 1453

"بالوفاء؟ " قال: بالوفاء. فصلى عليه. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يصح الضمان عن الميت، إذا لم يخلف وفاءً، والحديث حُجة عليه. وبالاتفاق: لو ضمن في حياته، ثم مات المضمون عنه معسراً-: لا يبطل الضمان. ولو كان على رجل دين مؤجل، فضمنه رجل مؤجلاً-: جاز، ولا يلزمه الأداء إلا بعد حلول الأجل، فلو عجل الضامن قضاءه-: لم يكن له أن يرجع على المضمون عنه قبل المحل؛ لأنه تبرع بالتعجيل؛ كما لو أدى الصحاح بدل المكسر: لا يرجع بالصحاح. ولو مات المضمون عنه-: حل الدين عليه، ولا يحل على الضامن، فلو أراد رب الدين تأخير الحق إلى حلول الأجل-: فللضامن أن يطالبه بأخذ حقه من التركة عاجلاً، أو يبرئ ذمته خوفاً من أن تفوت التركة، فإذا أخذ منه بعد حلول الأجل: لا يجد محلاً يرجع فيه، ولو مات الضامن- حل عليه الدين، ولا يحل على المضمون عنه، فإذا أخذ رب الدين من تركة الضامن- لم يكن لوارثه أن يرجع على المضمون عنه قبل المحل. ولو كان على رجل دين حال، فضمنه رجلٌ مؤجلاً-: هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه لم يضمن كما عليه. والثاني- وهو الأصح- يصح الضمان، ويكون مؤجلاً على الضامن؛ كما لو مات المضمون: حل الأجل عليه، ولا يحل على الضامن. ولو كان الدين مؤجلاً، فضمنه رجلٌ حالاً-: فعلى وجهين: الأصح جوازه؛ لأن الضامن تبرع، وقد ضمن تبرعاً آخر، وهو التعجيل، ثم هل يلزمه الوفاء بالتعجيل؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه كما ضمن. والثاني: لا يلزم، بل إن شاء عجل، وإن شاء لم يعجل؛ لأن التعجيل وعد بالتبرع؛ فلا يلزم. ولو ضمن ديناً مؤجلاً مطلقاً- يكون مؤجلاً؛ كما لو قيد التأجيل، ولو اختلفا، فقال المضمون له-: ضمنته حالاً، وقال الضامن: بل مؤجلاً-: فالقول قول الضامن مع يمينه.

стр. 1454

ولو علق الضمان بوقت أو بشرط، فقال: إذا جاء رأس الشهر، أو: إذا قدم فلان فقد ضمنت دينك-: لم يصح؛ لأنه عقد لا يقبل التعليق بخلاف ما لو قال: ضمنت الآن، فإذا جاء رأس الشهر أؤدي-: جاز؛ لأنه لم يعلق العقد إنما علق الأداء؛ كما لو باع بثمن مؤجل-: جاز. ولا يصح تعليقه بالشروط، ولو شرط الضامن فيه الخيار لنفسه-: لا يصح؛ لأنه لا يحصل به مقصود الضمان، وإن كان الشرط للمضمون له- يصح؛ لأنه إبراء بالخيار، فشرط الخيار له موافق لقضية العقد، ولو ضمن ديناً بشرط براءة الأصل-: ذكر ابن سريج فيه وجهين-: أحدهما: لا يصح؛ لأنه شرط بخلاف مقتضى الضمان. والثاني: يصح؛ لأنه ضم تبرعاً إلى تبرع، فعلى هذا: هل يلغي الشرط؟ فيه وجهان: فإن قلنا: الشرط صحيح- فقد برئت ذمة المضمون عنه عن حق المضمون له، ويجوز للضامن: أن يرجع على المضمون عنه في الحال، إن كان ضمن بإذنه لحصول براءة ذمته عن حق المضمون له؛ كما يرجع عليه بعد الأداء. "فصلٌ في بيان ضمان الأصل" إذا ضمن رجل دين إنسان، ثم ضمن عن الضامن ضامن آخر-: جاز، فإذا أدى الضامن الثاني-: يرجع على الضامن الأول، إن كان ضمن بإذنه، ثم الضامن الأول يرجع على الأصل بعدما غرم، إن ضمن بإذنه: فلو أراد الضامن الثاني أن يرجع إلى الأصيل-: نظر: إن ضمن الأول بغير إذن الأصيل-: لم يكن له ذلك؛ لأن الأول لو أداه-: لم يكن له أن يرجع على الأصيل، وإن ضمن الأول بإذن الأصيل-: ففيه وجهان: أحدهما: له أن يرجع على الأصيل؛ لأن مرجع الأول إلى الأصيل. والثاني- وهو الأصح-: ليس له ذلك؛ لأنه لم يضمن عن الأصيل، إنما ضمن عن الأول، والأول ربما لا ريد الرجوع على الأصيل. أما إذا كان الأصيل قال للضامن الثاني: أضمن عمن ضمن مني، [فضمن] وغرم-: هل له الرجوع على الأصيل؟ فيه وجهان؛ كما لو قال: اقض ديني، فقضى: فلو أدى الأصيل الدين، أو أحال رب الدين على إنسان، أو أحال رب الدين غريماً له عليه، أو أبرأ الأصيل-: برئ الضامنان جميعاً، ولو أبرأ الضامن: يبرأ من بعده من الضامنين، ولا

стр. 1455

يبرأ الأصيل؛ لأن إبراء الضامن إسقاط الوثيقة؛ فلا يوجب سقوط الدين؛ كرد الرهن. ولو أبرأ الضامن الثاني-: ضمن عن الأصيل أيضاً بإذنه، فأديّ الضامنين أدى رجع على الأصيل، ولا رجوع لأحدهما على الثاني، ولو ضمن الثاني عن الأصيل، وعن الضامن الأول جميعاً، فإذا أدى، رجع على أيهما شاء، وإن شاء: رجع ببعضه على الأصيل، وببعضه على الضامن الأول ثم الضامن الأول رجع على الأصيل بما غرم إن ضمن بإذنه. ولو كان لرجل على آخر مائة دينار، فضمنه رجلان: كل واحد خمسين بإذنه، ثم ضمن كل واحد من الضامنين عن صاحبه-: جاز، ويكون كل واحد من الضامنين مطالباً بمائة: بخمسين عن الأصيل، وبخمسين عن الضامن، فلو أدى أحدهما خمسين- نظر: إن أدى عن الأصيل-: رجع عليه، وإن أدى عن صاحبه-: رجع عليه، وإن أدى عنها-: رجع كل واحد منهما بنصفه، ولو أدى أحدهما المائة-: رجع بالنصف على صاحبه، وبالنصف على الأصيل، فلو أراد أن يرجع بالكل على الأصيل: إن كان صاحبه ضمن بإذن الأصيل-: هل له ذلك؟ فيه وجهان. قال الشيخ: ولو صار الدَّين ميراثاً للمضمون عنه-: سقط وبريء الضامن، ولو صار ميراثاً للضامن-: سقط عنه، ورجع هو على المضمون عنه؛ كما لو أداه. فصلٌ [في بيان البيع بشرط كفالة الدين] إذا باع عبداً بألف على أن يتكفل المشتري ديناً له على آخر-: لا يصح البيع؛ كما لو باع بشرط أن يعطيه كفيلاً بدين آخر للبائع عليه؛ وكذلك: لو باع لرجلين عبداً بألف على أن يضمن كل واحد مهما عن صاحبه-: لا يصح؛ لأنه جعل منفعة الضمان مع المسمى ثمناً. قال الشيخ: هذا إذا شرط على كل واحد أن يتكفل عن الآخر، أما إذا قال: بعت منكما على أن يعطي كل واحد منكما صاحبه كفيلاً-: جاز؛ لأنه شرط وثيقة الدَّين؛ كما لو شرط عليه رهناً، أما إذا لم يشرط؛ بل باع عبداً من رجلين بمائة أو أقرض منهما مائة، ثم ضمن كل واحد منهما عن صاحبه ما عليه-: جاز، ولرب الدَّين مطالبة كل واحد بالجميع، فإن أبرأ أحدهما عن المائة-: يبرأ عماله عليه، وعن الضمان، ويبرأ صاحبه عن الضمان، ولا يبرأ عن أصل ما عليه. ولو أبرأ أحدهما عن خمسين-: نُظر: إن أبرأ عن أصل المال-: يبرأ هو عن أهل المال، وصاحبه عن الضمان، وله أن يطالبه بضمان ما على صاحبه.

стр. 1456

ولو أبرأه عن الضمان-: برئ هو عن الضمان، وبقي عليه أصل المال، وهو خمسون، وله مطالبة صاحبه بالمائة عن أصل ما عليه، وعن الضمان، وإن أبرأه عن خمسين عن الأصل والضمان جميعاً-: سقط عنه نصف الضمان، ونصف أصل المال، وعن صاحبه نصف الضمان، فله أن يطالب هذا بخمسين، وصاحبه بخمسين وسبعين. ولو أبرأه عن خمسين مطلقاً-: فالحكم لنيته، وإن لم يكن له نية-: ففيه وجهان: أحدهما: يقع مناصفة. والثاني: للمشتري الخيارُ: إن شاء صرف إلى الضمان، وإن شاء صرف إلى أصل المال، وإن شاء إليهما. ولو اختلفا؛ فقال المشتري: أبرأتك عن الضمان، وقال: [لا] بل عن الأصل-: فالقول قول المشتري مع يمينه. أما إذا أعطى المال من عليه الحق- نظر: إن دفع كل واحد خمسين- برئا جميعاً، ولا رجوع لأحدهما على الآخر؛ لأنهما إن دفعاه عن الأصيل-: فلا شيء لأحدهما على الآخر، وإن دفعاه عن الضمان- ثبت لكل واحد منهما على صاحبه ما ثبت له عليه، فتقاصَّا، وإن دفع أحدهما خمسين: فإن دفع عن الأصل برئ صاحبه عن الضمان، والأصل على صاحبه باقٍ، وهو به ضامن، وإن دفع عنهما وقع مناصفة، وإن دفع مطلقاً فوجهان: أحدهما: وقع مناصفة. والثاني: له صرفه إلى أيهما شاء. فلو اختلفا؛ فقال الدافع: دفعت عن الأصل، وقال القابض: بل عن الضمان-: فالقول قول الدافع مع يمينه؛ لأنه أعرف بماله، فإذا حلف؛ أنه أداه عن الأصل-: فلرب الدين أن يطالبه بخمسين، وإن أقر أنه أدى ما أدى عن الضمان؛ لأنه إن صدق: فالأصل عليه باق؛ وإلا فالضمان عليه باق. ولو ادعى على رجل، فقال: بعت منك ومن فلان الغائب عبداً بألف، وضمن كل واحد منكما عن صاحبه- نُظر: إن أقر الحاضر وأدى الألف، فإذا رجع [الغائب، وأقر-: رجع الحاضر، وأدى الألف، فإذا رجع الغائب، وأقر]-: رجع الحاضر وأدى الألف،

стр. 1457

فإذا رجع الغائب، وأقر-: رجع الحاضر عليه بخمسمائة، وإن أنكر-: فالقول قوله مع يمينه؛ فإذا حلف، لا يرجع الحاضر عليه بشيء، وإن أنكر الحاضر، فالقول قوله مع يمينه، وإن أقام المدعي بينه-: تسمع، ويحلف معها لأجل الغائب؛ لأنه لو كان حاضراً-: ربما ادعى الإبراء والأداء، أما إذا حلف مع البينة- أخذ من الحاضر جميع الألف، فإذا حضر الغائب-: رجع الحاضر عليه بخمسمائة. فإن قيل: كيف يرجع، وهو منكر للضمان؟ يقول: أخذ المدعي مني الألف ظلماً قبل، من أصحابنا من قال: إنما يرجع إذا لم يكن صرَّح بالإنكار، بل سكت عن الجواب، فأقام المدعي بينة، أو كان الإنكار من وكيله. أما إذا صرح بالإنكار-: فلا يرجع، ومنهم من قال: وإن أنكر صريحاً- له الرجوع على الغائب؛ لأن إنكاره رد عليه بالبينة، كمن اشترى داراً، فادعاها رجل؛ بأنها ملكي غصبها مني بائعك، فقال: لا، بل كانت ملكاً لبائعي، فأقام المدعي بينة، فأخذها-: كان له الرجوع على البائع بالثمن، وإن أقر له بالملك؛ لأن إقراره رد عليه بالبينة. فصلٌ في ادعاء أداء المضمون إذا ادعى الضامن أداء حق المضمون له-: فالقول قول المضمون له مع يمينه، وإن أقام الضامن بينة يثبت الأداء، ورجع به على المضمون عنه، وإن لم تقم بينة، وحلف المضمون له-: فهو بالخيار: إن شاء طالب الضامن، وإن شاء طالب المضمون عنه، فإذا أخذ من الضامن-: فالضامن لا يرجع على المضمون عنه؛ إلا بألف واحدة، وهي الأولى؛ سواء دفع الأولى بحضرة المضمون عنه أو بغيبته؛ لأنه مظلوم بأخذ إحدى الألفين منه؛ بلا رجوع له بها على غير من ظلمه، وإن أخذه المضمون عنه، فهل للضامن أن يرجع على المضمون عنه بالألف التي أداها، وأنكرها المضمون له؟ نظر: إن كذَّبه المضمون عنه-: فلا يرجع عليه، وإن صدَّقه على الأداء- نُظر: إن كان قد دفع بحضرة المضمون عنه-: رجع عليه؛ على ظاهر المذهب؛ لأن التوثيق بالإشهاد كان على المضمون عنه؛ فالتفريط جاء من جهته، وإن دفع بغيبته- نُظر: إن لم يشهد عليه، فلا رجوع؛ لأنه فرط بترك الإشهاد، وكان عليه أن يؤدي، إذا انتفع المضمون عنه، حتى لو كان الضامن بعدما أدى: رجع على المضمون عنه بما أنكر المضمون له الأخذ، وأخذ من المضمون عنه مرة أخرى، فللمضمون عنه أن يرجع على الضامن، وإن كان الضامن قد أشهد على الأداء غير أن الشهود قد ماتوا، أو غابوا: فإن صدقه المضمون عنه على الإشهاد-: رجع عليه الضامن، وإن لم يصدقه-:

стр. 1458

فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإشهاد، وإن كان قد أشهد مستورين فبانا فاسقين-: ففيه وجهان: أحدهما: لا يرجع؛ لأنه لا يحكم بشهادتهما؛ كما لو أشهد معلني الفسق أو عبدين. والثاني: يرجع؛ لأنه لا إطلاع له على الباطن؛ فكان معذوراً؛ كما لو أشهد عدلين فماتا، وإن كان قد أشهد شاهداً واحداً، وكان غائباً أو ميتاً-: فوجهان: أحدهما: لا يرجح؛ لأنه حجة غير كاملة. والثاني: يرجع؛ لأن يمينه معه مقبولة؛ فهو مع يمينه حجة كاملة. ولو صدقه المضمون على الأداء، وأنكر المضمون عنه-: فيه وجهان: أحدهما: القول قول الضامن، ويرجع على المضمون عنه؛ لأن براءة ذمته حصلت عن حق المضمون له بتصديقه؛ كما لو قامت عليه بينة. والثاني: القول قول المضمون عنه مع يمينه؛ لاحتمال أن المضمون له أبرأ الضامن؛ فلا رجوع للضامن على المضمون عنه إلا بحجة تقوم على الأداء. فصل فيمن يصح ضمانه ومن لا يصح يصح ضمان المكلف المطلق، رجلاً كان أو امرأة، ذات زوج كانت المرأة أو لم تكن. ولا يصح ضمان الصبي والمجنون والمُبرسم الذي يهذي، ولا المحجور عليه بالسفه؛ كما لا يصح منهم سائر العقود؛ فإن ضمن ديناً، ثم ادعى أني كنت صبياً يوم الضمان-: قُبل قوله مع يمينه؛ لأن الإنسان لا يخلو عن الصغر-: فالأصل بقاؤه، وإن قال: كنت مجنوناً: فإن عرف به جنون سابق- قُبل قوله مع يمينه، وإن لم يُعرف به جنون سابق-: لا يقبل قوله، والقول قول المضمون له مع يمينه، فإن قامت بينة على أنه كان به جنون سابق-: قُبل قوله مع يمينه. ويصح ضمان الأخرس بالإشارة أو الكتابة إن كان يعقل الإشارة والكتابة، وإن كان لا يعقل الإشارة والكتابة-: فهو كالمجنون. وتصح ضمان المحجور عليه بالفلس؛ لأنه إثبات مال في الذمة؛ كما لو اشترى في الذمة شيئاً: يصح. أما العبد: إذا ضمن ديناً لإنسان- نُظر: إن ضمن بغير إذن المولى: لا يصح ضمانه؛

стр. 1459

سواء كان مأذوناً له في التجارة أو لم يكن، هذا هو المذهب؛ كما لا يصح بيعه. وقال أبو إسحاق: يصح ضمانه، ويتعلق بذمته؛ يتبع به إذا عتق؛ لأنه لا ضرر على المولى؛ كما لو أقر بإتلاف مال؛ فكذبه المولى-: يتعلق بذمته، أما إذا ضمن بإذن المولى يصح ضمانه، ثم من أين يقضي- نُظر: إن قال المولى: اقضه من كسبك-: قضاه من كسبه، وإن قال:- اقضه مما في يدك من مال التجارة-: قضاه منه، وإن قال: أدِّ عن هذا المال، وعيَّن مالاً-: صح، ويؤدي عما عين بخلاف الحُر، لو قال: ضمنت على أن أؤدي من هذا المال-: لا يصح؛ لأن للحر جهات كثيرة لأداء المال، فإذا عين جهة-: فكأنه حجر على نفسه، فلم يجز بخلاف العبد، وإن أطلق الإذن- نُظر: إن لم يكن مأذوناً له في التجارة- يتعلق بكسبه الذي يكتسبه بعد الضمان؛ كما لو أذن له في النكاح: يتعلق المهر بأكسابه، وإن كان مأذوناً له في التجارة- ففيه وجهان: أحدهما: يتعلق بما يكتسب من بعد. والثاني: يتعلق بما في يده من الربح ورأس المال جميعاً، وبما يكتسبه من بعد. فإن قلنا: يقضي مما في يده: فإن كان على المأذون دين- فهل يشارك المضمون له الغرماء فيما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: يشاركهم؛ لأنه دين لزم بإذن المولى، كسائر الديون. والثاني: لا يشاركهم؛ لأن المال قد تعلق به حق الغرماء؛ فلا يشاركهم غيرهم فيه؛ كالرهن لا يشارك المرتهن فيه غيره، ثم إذا أدى العبد الضمان في حال رقِّه-: رجع السيد على المضمون عنه إن كان الضمان بإذنه، وإن أدى بعد العتق-: ففيه وجهان: أصحهما: يرجع العبدُ عليه؛ لأنه أدى من ملكه. والثاني: يرجع عليه السيد، ويصير كأنه استثنى ذلك من كسبه. والأول المذهب. ولو ضمن العبد لسيده عن أجنبي ديناً-: لا يصح؛ لأنه يؤديه من كسبه، وكسبه مملوك للسيد، وإن ضمن عن سيده لأجنبي- نُظر: إن ضمن بغير إذن المولى- لا يصح، وإن ضمن بإذنه- صح، وأدى من كسبه، ثم إذا أدى في حال رقه-: لا شيء له على السيد، وإن أدى بعد العتق- هل يرجع على السيد؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو أجر عبده، ثم أعتقه، هل يرجع العبد على السيد بأجر مثل المدة الباقية بعد العتق؟ وفيه وجهان. أما من نصفه حر، ونصفه رقيق- نُظر: إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة-: لا يصح

стр. 1460

ضمانه إلا بإذن السيد؛ كالعبد القِنِّ، وإن كان بينهما مهايأة، فإن ضمن في يوم نفسه- صح ضمانه بغير إذن السيد، وإن ضمن في يوم السيد-: لا يصح إلا بإذنه، وضمان المكاتب- لا يصح بغير إذن المولى، وهل يصح بإذنه- فعلى قولين؛ كسائر التبرعات. ولو ضمن رجل عن عبد ديناً تعلق بذمته-: صح؛ كما لو ضمن عن حر معسر، ثم إن ضمن وأدى بإذنه-: رجع عليه بعد العتق، وإن كان أحدهما بغير إذنه-: فعلى وجهين: الأصح: أن الاعتبار بالضمان، ولو ضمن عنه سيده يصح أيضاً، ويطالب به السيد، ثم إن أدى في حال رقه-: لا رجوع له على العبد، سواء كان الضمان والأداء بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده دين، وإن أدى بعد العتق- نظر؛ إن أدى بغير إذنه لا يرجع عليه، وإن أدى بإذنه-: [فهو كمن ضمن عن حرٍّ ديناً بغير إذنه، وأدى بإذنه]؛ لأن ضمان السيد عن العبد وإن كان بالإذن-: فهو كالضمان عن الحر بغير الإذن؛ لأنه لو أدى عقيب الضمان-: لا يمكنه الرجوع عليه، ولو ضمن أجنبي عن المكاتب ديناً- نُظر: إن ضمنه لأجنبي- صح، فإذا أدى رجع على المكاتب، إن ضمن بإذنه، وأخذ مما في يده، وإن ضمن لسيده- نُظر: إن ضمن نجوم الكتابة-: لم يصح؛ لأنه غير مستقر، وإن ضمن ديناً آخر- هل يصح أم لا؟ هذا يُبنى على أنه هل يسقط بالعجز؟ وفيه وجهان، إن قلنا: لا يسقط- يصح، وإن قلنا: يسقط- فلا يصح؛ كنجوم الكتابة. فصلٌ في كفالة الوجه وهي أن يتكفل ببدن من عليه حق-: هل يصح أم لا؟ - نُظر: إن كان ذلك الحق مالاً- أجازه الشافعي المطلبي- ﵁ في بعض الكتب، وقال في "كتاب الدعوى": الكفالة بالبدن ضعيفة: فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين: أحدهما: لا يصح؛ لأنه ضمان عين في الذمة؛ كما لو أسلم في عين: لا يصح. والثاني: يصح، لأن فيها رفقاً، وإليها حاجة في الوصول إلى الحق؛ كضمان المال، ومنهم من قال: يصح قولاً واحداً، وهو قول أبي حنيفة- رحمة الله عليه- وحيث قال: "هي ضعيفة" أراد به: من طريق القياس، أما من جهة الآثار وعمل أهل العلم بها-: فهي قوية. أما الكفالة ببدن من عليه عقوبة، هل يجوز أم لا؟ - نُظر: إن كانت العقوبة في حدود الله تعالى- لا يجوز؛ لأن الكفالة للاستيثاق، وحدود الله

стр. 1461

تعالى مبناةٌ على الدرء والسقوط، وإن كانت من حقوق العباد كالقصاص، وحد القذف-: ففيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن مبنى حقوق العباد على اللزوم؛ كضمان المال. والثاني: لا يجوز؛ لأن العقوبات مبناها على الدرء والسقوط كحدود الله تعالى، وليس كالمال؛ لأن ضمان المال جائز، فجاز التكفل ببدن من عليه المال، وضمان نفس العقوبة لا يجوز، فلا يجوز التكفل ببدن من عليه العقوبة، وكذلك: كل دين لا يجوز ضمانه؛ كنجوم الكتابة: لا تجوز الكفالة ببدن من عليه ذلك الدين، فإن جوزنا كفالة البدن-: فيجوز قبل ثبوت الحق وبعده، وتجوز الكفالة ببدن المريض، والغائب والمحبوس، وإذا تكفل ببدن إنسان، فمتى طالبه المكفول له بإحضاره-: يجب عليه إحضاره، فإن لم يفعل يحبس حتى يحضره، وعليه مؤنة الحبس، ويجب على المكفول ببدنه: أن يحضر معه إذا دعاه، ومؤنة الإحضار على الكفيل، فإن كان المكفول ببدنه غائباً- يكلف إحضاره، إذا لم تكن الغيبة منقطعة، بأن كان يعرف موضعه، ويمهل الكفيل قدر ذهابه ومجيئه، فلو لم يحضره حبس حتى يحضره. وقيل: إذا كان غائباً إلى مسافة القصر-: لا يكلف إحضاره. وإذا حضره قبل طلب المكفول له، وسلمه إليه-: خرج عن الكفالة، إذا لم يكن هناك حائل، فإن كان هناك حائل من سلطان أو غيره-: يمنعه؛ فلا يحصل التسليم، وإن كان في حبس الحاكم-: صح التسليم؛ لأن حبس الحاكم ليس بحائل؛ فإن إحضاره ومطالبته بما عليه ممكن. ويجوز في الكفالة أن يعين مكان التسليم، فإذا لم يعين يجب التسليم في مكان الكفالة، فإذا عين مكان التسليم، فأتى به في غير ذلك المكان، فقبل-: جاز، فإن امتنع- نُظر: إن كان له في رده غرض بأن شرط تسليمه في مجلس الحكم، أو في داره، فأتى به في غيره، أو في بلد، فأتى به في بلد آخر-: لا يلزمه القبول؛ لأن عليه مؤنة إحضاره بلده، ومجلس الحكم، وإن لم يكن عليه ضرر في قبوله ولا في رده غرض-: يلزمه قبوله، فإن لم يقبل رفعه إلى الحاكم ليتسلم عنه كما في دين السلم. وإن لم يكن حاكم- أشهد شاهدين، أنه قد سلمه إليه ويبرأ، وإن كان المكفول ببدنه يجالس المكفول له-: لا يبرأ الكفيل؛ فإن قال: سلمت نفسي إليك من جهة الكفيل- يبرأ الكفيل؛ كما يبرأ الضامن إذا أدى المضمون عنه المال؛ وفرع عليه شيخي- ﵀ قال: لو ظفر المكفول له به في مجلس الحكم، وادعى عليه في تلك

стр. 1462

الخصومة- لا يبرأ الكفيل؛ لأنه لم يسلمه إليه ولا أحد من جهته، فلو مات المكفول ببدنه- نظر: إن كان قبل ثبوت الحق-: فلا شيء على الكفيل، فلو قال المكفول له: لي بينة يشهدون على يمينه-: عليه إحضاره ميتاً، إن كان قبل الدفن، وإن كان بعد الدفن- فلا نبش، وإن كان بعد ثبوت الحق، فهل يطالب الكفيل بالمال؟ فيه وجهان: أظهرهما- وبه قال أبو حنيفة،- رحمة الله عليه-: لا يطالب به؛ لأنه لم يضمن المال. والثاني: يطالب، وبه قال مالك- رحمة الله عليه- لأنه المقصود من الكفالة، فعلى هذا: ماذا يلزمه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه تمام الدين. والثاني: عليه أقل من دية نفسه أو الدين؛ بناءً على أن السيد إذا اختار فداء العبد الجاني، بماذا يفدي بقيمته أو بأقل الأمرين؟ فيه قولان. وإن غاب المكفول ببدنه؛ حيث لا يعلم مكانه أو أخفى نفسه-: لا يكلف الكفيل إحضاره؛ لأنه غير قادر عليه، وهل يجب على الكفيل المال-: يرتب على الموت، إن قلنا هناك: لا يجب فههنا-: أولى؛ وإلا فوجهان. والفرق: أن هناك وقع اليأس عن وجوده؛ فلزمه المال، وههنا: لم يقع. ولا تصح كفالة البدن؛ إلا برضى المكفول ببدنه؛ لأنه لا يمكنه إحضاره، إذا تكفل بغير إذنه، ولا تلزمه الخصومة بقوله بخلاف ضمان المال-: لا يشترط فيه رضا المضمون عنه؛ لأن أداء الدَّين ممكن من غير حضوره. وقيل: إذا كان بعد ثبوت الحق، وقلنا: إذا تعذر الوصول إلى المكفول ببدنه-: يجب المال على الكفيل، وتصح الكفالة بغير إذن المكفول ببدنه، ثم إذا طالبه بالحضور، فلم يحضر يغرَّم المال، وإذا تكفل ببدن من عليه دين مجهول-: فالمذهب: أنه يصح؛ لأن الكفالة بالبدن لا بالدين. وقيل: إذا قلنا: إذا مات المكفول ببدنه، يجب المال على الكفيل-: فلا تصح هذه الكفالة؛ كما لو ضمن ديناً مجهولاً، ولو تكفَّل ببدنه بشرط أنه إذا عجز عن تسليمه أدَّى الدَّين، هل يصح أم لا؟ إن قلنا عند الإطلاق: إذا عجز يلزمه الدَّين-: فيصح؛ لأنه صرح بمقتضاه. وإن قلنا: لا يلزمه-: فلا تصح الكفالة للشرط الفاسد.

стр. 1463

ولو تكفل ببدنه مؤجلاً على أن يسلمه بعد شهر-: يصح؛ ولا يطالب بإحضاره قبل مضي تلك المدة، فلو أتى به قبل مضي تلك المدة، فإن كان له في الامتناع من القبول غرض-: لا يلزمه القبول؛ وإلا فيلزمه القبول؛ كما لو شرط مكاناً للتسليم، فأتى به في غير ذلك المكان. ولو شرط أجلاً مجهولاً؛ كالعطاء والحصاد؟ فيه وجهان: الأصح: لا يجوز للجهل. والثاني- وبه قال أبو حنيفة، - رحمة الله عليه-: يجوز. فإذا تكفل ببدنه مدة؛ مثل: إن قال تكفلته شهراً، أو إلى يوم كذا- معناه: أسلمه إليك في الشهر، فإذا مضى فأنا حِلٌّ عن الكفالة-: ففيه قولان: أحدهما: لا يصح ضمان المال كذلك بأن يقول: ضمنته إلى يوم كذا، فإذا مضى، فأنا بريء منه. والثاني: يصح؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في الشهر بخلاف المال، فإن المقصود منه الأداء؛ بدليل أنه يتصور الخروج عن كفالة البدن من غير تسليم ولا إبراء بأن يموت المكفول ببدنه، فإذا شرط كان ذلك من مقتضى العقد، ولا يخرج عن ضمان المال من غير أداء، أو إبراء، وكان ذلك الشرط خلاف مقتضى الضمان؛ فعلى هذا: إذا مضى الشهر يبرأ الكفيل. ولو قال: إذا جاء رأس الشهر، وقد تكفلت ببدنه-: فهو كتعليق الوكالة، وفيه قولان، فإن جوزنا يصير كفيلاً بعد مضي الشهر، ولو تكفل ببدن إنسان، ثم المكفول له أبرأ الكفيل من الكفالة-: يبرأ؛ كما لو أبرأ المضمون له الضامن عن الضمان: يبرأ. ولو صالح الكفيل المكفول له على دراهم على أن يبرئه من كفالة النفس-: لا يصح، والكفالة بحالها. ولو جاء رجل، وقال للمكفول له: أُبرئ الكفيل، وأنا كفيل ممن تكفل به-: ففيه وجهان: قال ابن سُريج: يصح؛ لأنه نقل الضمان إلى نفسه؛ كما لو أحال الضامن المضمون له على آخر.

стр. 1464

وقال الشيخ أبو حامد: لا يصح؛ لأنه يتكفل بشرط إبراء الكفيل؛ وذلك شرط فاسد. ولو تكفل ببدن إنسان على أنه بالخيار-: لا يصح؛ كما لا يصح ضمان المال بشرط الخيار، أما المكفول له أبداً بالخيار-: فشرط الخيار لا يفسد العقد، ولو تكفل ببدن رجل، ثم تكفل رجل آخر ببدن الكفيل، ثم تكفل رجل ببدن الكفيل-: يصح؛ كما يصح ضمان الدين عن الضمين، ولو كان لرجل حق على رجلين، فقال له: تكفلت لك ببدن أحدهما، ولم يعين-: لم يجز؛ كما لو قال: بعتُك أحد هذين العبدين، ولم يعين-: لا يصح، فإن عين أحدهما- جاز. فلو قال: تكفلت ببدن هذا، وعيَّنه، فإن جئتك به؛ وإلا فأنا الكفيل ببدن الآخر-: لم يجز؛ لأن كفالة الأول غير لازمة، وكفالة الثاني معلقة، ولا يجوز تعليق الكفالة بالشرط. ولو تكفل ببدن رجل لنفسين، فسلمه إلى أحدهما-: فيبرأ عن حقه ولا يبرأ عن حق الآخر؛ لأنه ضمن تسليمين؛ كما لو ضمن دينين لرجلين، فأدى أحدهما-: لا يبرأ عن حق الآخر. ولو تكفل اثنان لرجل ببدن رجل- نُظر: إن تكفَّلا على الترتيب، فجاء به أحدهما، وسلمه إليه-: يقع تسليمه عن نفسه، لا عن صاحبه؛ سواء قال: سلمت عن صاحبي أو لم يقل. أما إذا تكفلا معاً، فجاء به أحدهما، وسلمه إليه-: ففيه وجهان: أحدهما: يبرأ من كفالته، ولا يبرأ الآخر؛ كما لو أبرأ أحدهما-: لا يبرأ الآخر. والثاني: يبرأ الآخر؛ لأن المستحق عليهما إحضاره، وقد وجد كما لو ضمن رجلان ديناً، فأدى أحدهما-: يبرأ الآخر، وليس كالإبراء؛ فإنه مخالف للأداء؛ بدليل أنه من ضمان المال: لو أبرأ أحد الضامنين لا يبرأ الآخر، ولو أدى أحد الضامنين يبرأ الآخر، ولو تكفل ببدن رجل عليه دين، فقال المكفول له: لا حق لي قبله، فهل يبرأ الكفيل والمكفول به بهذا القول؟ ذكر ابن سُريج فيه وجهين: أحدهما: يبرأ، وتزول الكفالة؛ لأن قوله: "لا حق لي قبله": نفي في نكرة؛ فيقتضي استغراق الجنس، أي: لا حق في يمينه ولا في ذمته. والثاني: يرجع إليه: فإن قال: أردت به: "لا حق لي في ذمته" بريء من الحق والكفالة، وإن قال: أردت أنه لا شيء لي في يده على سبيل الأمانة والعارية-: قُبل قوله، وإن كذَّبه الكفيل والمكفول به- حلفا، وإن تكفَّل ببدن رجل، ثم ادعى أنه تكفل، ولا حق

стр. 1465

عليه-: فالقول قول المكفول له؛ لأن الكفيل قد أقر بالكفالة، والكفالة لا تكون إلا لمن عليه حق. ولو ضمن عن رجل ديناً، وأدى، ثم ادعى أنه ضمن، وأدى بإذن المضمون عنه، وأنكر المضمون عنه الإذن، وقال: لا رجوع لك علي"- فالقول قول المضمون عنه مع يمينه، لأن الأصل عدم الإذن. ولو ضمن ديناً، أو تكفَّل ببدن إنسان، ثم ادعى أني ضمنت بشرط الخيار؛ فلم يصح الضمان-: يبنى على أن تبعيض الإقرار: إن قلنا: لا يبعَّض-: فالقول قول الضامن مع يمنيه، وإن قلنا: يبعض-: فالقول قول المضمون والمكفول له، وإذا قال في كفالة البدن: تكفلت بنفس فلان، أو ببدنه، أو بجسمه، أو بروحه-: تصح الكفالة، ولو تكفل ببعض بدنه، أو بعضو من أعضائه-: ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يصح؛ لأنه عضو متصل به، فيحصل تسليمه بتسليم ذلك العضو. والثاني: لا يصح؛ لأن الكفالة لا تُقبل السراية؛ حتى يكون ذكر بعضه كذكر كله. والثالث- وهو الأصح-: ينظر: إن كان عضواً لا يعيش البدن بدونه؛ كالرأس والوجه والقلب والكبد والطحال والحُشوة والدماغ والدم؛ فتصح الكفالة، إذا أضافها إليه، وكذلك: لو أضاف إلى جزء شائع منه؛ بأن قال: تكفلت نصفه أو ربعه-: فيصح. وإن كان عضواً يعيش البدن بدونه؛ كاليد والرِّجل والأذن وغيرها-: فلا يصح. ولو تكفل ببدن صبي أو مجنون عليه؛ حتى قال ابن سُريج: يصح؛ كما يصح ضمان دين على الصبي؛ لأن الحق يلزم الصبي والمجنون؛ كما يلزم البالغ العاقل، ثم إن تكفل بإذن وليه، فطولب بإحضاره-: كان للكفيل مطالبة وليِّه بإحضاره، وإن تكفَّل بغير إذن وليه-: فهو كما لو تكفل ببالغ بغير إذنه، والله أعلم.

стр. 1466

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الشركة قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ....﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. جعل الله تعالى خُمس الغنيمة لأصناف، وأبقى الباقي مشتركاً بين الغانمين.

стр. 1467

وروي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله- ﷺ قال: "يقول الله : "أنا ثالث الشريكين، ما لم يخُن أحدهما صاحبه؛ فإذا خانه خرجت من بينهما" الشركة: اسم لثبوت الحق في الشيء الواحد لجماعة على الشيوع. وهي على أقسام: شركة في الأعيان والمنافع؛ كالميراث: يكون مشتركاً بين الورثة، والغنيمة بين الغانمين، أو اشترى جماعة شيئاً، أو وُصي لهم فقبلوا، أو اتَّهبوا. وشركة في المنافع دون الأعيان؛ كما لو استأجر جماعة عيناً، أو أوصى لهم بخدمة عبد، أو وقف عليهم شيئاً يشتركون في منفعته. وشركةٌ في الأعيان دون المنافع؛ كمن أوصى لرجل بخدمة عبد، ومات عن عدة من الورثة، فعيَّن العبد لهم، والمنفعة للموصى له. وشركة في حقوق الأبدان؛ مثل: حد القذف والقصاص: يرثه جماعة. وشركة في حقوق الأموال؛ كالشفعة: تثبت لجماعة. والمقصود من هذا لكتاب عقد الشركة في التجارات والمعاملات، وهي على أربعة أقسام: شركة العنان، وشركة الوجوه، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وكلها-

стр. 1468

عندنا- باطلة إلا شركة العنان؛ فإنها جائزة بالاتفاق؛ أخذت من عنان الدابة؛ لاستواء الجانبين في موجب العقد؛ كاستواء طرفي العنان. وقيل: لأن كل واحد يمنع صاحبه أن يعمل ما يشتهي كعنان الدابة يمنع الدابة. وصورتها: أن يُخرج كل واحد دنانير مثل دنانير صاحبه في الوصف، أو دراهم مثل دراهم صاحبه، ويخلطا المالين، ثم بعد الخلط: يعقدا عقد الشركة، فيقولا: عقدنا الشركة أو اشتركنا؛ ولا يصح العقد قبل الخلط. ويجب أن يأذن كل واحد منهما صاحبه في التصرف. وقيل: إذا خلطا المال، وعقدا الشركة-: لا يشترط الإذن في التصرف؛ بل مجرد العقد إذن، وليس بصحيح، بل الإذن شرط، والعقد والخلط سبب الشركة. وكذلك: لو كان لكل واحد عرضٌ، فتبايعا النصف بالنصف؛ فبمجرد التتابع: لا يستفيد التصرف؛ لأنه سبب الشركة، وسبب الشركة لا يفيد التصرف في مال الشريك؛ كمال وارثه؛ فإنهما لو ورثا مالاً مختلطاً: لا يجوز لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن الآخر. ويشترط أن تكون على الدنانير والدراهم المطبوعة؛ لأنهما مالا التجارة، ولا يجوز على السبيكة والنُّقرة؛ لأنهما عرضان كالثياب. ويشترط اتفاق المالين في الجنس والوصف؛ بحيث لا يمكن التمييز بينما بعد الخلط: فإن كان من أحدهما دراهم، ومن الآخر دنانير، واختلفا في الوصف: بأن كان دنانير أحدهما صحاحاً، ودنانير الآخر مكسراً، أو أحدهما عين والآخر وسط، أو اختلفا في

стр. 1469

سكِّه وتاريخه؛ بحيث يمكن التمييز بينهما بعد الخلط بذلك الوصف، أو إحداهما مثقوبة، أو ذات عِزي: فلا يصح العقد. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: خلط المالين ليس بشرط، وإن كان لأحدهما دراهم، وللآخر دنانير-: تصح الشركة، وبالاتفاق: لو كان لأحدهما حنطة، وللآخر شعير-: لا يصح؛ فنقيس عليه، ولا يشترط اتفاق المالين في القدر، ويكون الربح بينهما على قدر المالين، ولا يشترط ذكره في العقد؛ بل إطلاقه يقتضيه، وذكره لا يضر، ولا يُنظر إلى تفاوتهما في العمل، فلو اشترط التفاوت في الربح مع الاستواء في المال-: لا تصح الشركة. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يصح على ما شرطا، فنقول: هذا رفق يستحق بملك الأصل؛ فيستحق بقدر الملك؛ كثمار الأشجار المشتركة ومنافع الدواب المشتركة. ومهما فسد عقد الشركة بوجه من الوجوه-: فالتصرف جائز مع فساد الشركة؛ لوجود الإذن؛ كما لو دخل ببيع شيء، وشرط فيه شرطاً فاسداً- فالوكالة باطلة، ولا يفسد الإذن، ويصح البيع، ويكون الربح بينهما على قدر المالين، وهل تجب الأجرة- نُظر: إن استويا في المال والعمل-: فلا شيء لأحدهما على الآخر، ويتقاصان، وإن اختلفا- نُظر: إن اختلفا في العمل، واستويا في المال: فإن كان عمل من شرط له الزيادة أكثر-: رجع بنصف أجر الزيادة، وغن كان عمل الآخر أكثر-: فهل يرجع بنصف أجر الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأنه عقد ربح، فإذا فسد استحق العامل أجر المثل؛ كما في القراض. والثاني: لا يرجعُ؛ لأنه عمل حصل في الشركة من غير شرط عوض، والعمل في الشركة لا يقابله العِوض؛ ألا ترى أن العقد لو كان صحيحاً، وزاد عمل أحدهما-: لا يستحق عليه شيئاً، بخلاف القراض؛ فإن العمل هناك بمقابلة العوض، وإن اختلفاف ي المال؛ بأن كان لأحدهما ألف، وللآخر ألفان، وشرطا الاستواء في الربح، واستويا في العمل، فيرجع من قلَّ ماله على الآخر بثلث أجرة عمله؛ لأن له ثلث المال وعمل نصف العمل-: فثلث عمله زائد؛ فيرجع به لفساد العقد. وهل يجوز عقد الشركة على غير الدراهم والدنانير؟ نظر-: إن كان من ذوات القيم؛ كالحيوان والثياب-: لا يجوز؛ لأن القيمة تتغير بالارتفاع والانخفاض فيؤدي إلى أن يدخل الربح في رأس المال، وإن كان من ذوات الأمثال؛ كالحبوب والأدهان ونحوها-: ففيه قولان:

стр. 1470

قال في رواية البويطي- وبه قال أبو يوسف-: لا يجوز؛ كما لا يجوز عقد القراض عليه، لأنها ليست من مال التجارة؛ كذوات القيم. والثاني- وهو الأصح-: يجوز، وبه قال محمد بن الحسن؛ لأنهما مالان لا يتميز أحدهما عن الآخر عند الخلط؛ كالنقدين، ويفارق مال القراض؛ لأن العامل حقه في الربح، فلو جوزنا في العروض، واختلفت قيمتها من العقد إلى المفاضلة؛ فيؤدي إلى أن يدخل الربح في رأس المال أو رأس المال في الربح، وفي الشركة يؤمن هذا المعنى؛ لأنه لا حاجة فيها إلى تحصيل رأس المال؛ بل ما حصل في أيديهما: يكون مقسوماً بينهما على قدر المالين من غير احتياج إلى تمييز ربح، ويفارق العروض المتقومة قيمتها: تختلف من يوم العقد إلى يوم البيع؛ فربما تزيد قيمة مال أحدهما دون الآخر بارتفاع مال أحدهما ويتأخر بيع مال الآخر، فتزداد قيمته أو تنقص؛ لأن الاختلاط فيه لا يمكن، وقد تهلك سلعة أحدهما، وتبقى سلعة الآخر، فلا يجوز بيع مال أحدهما بينهما، وفي المختلط: يؤمن هذا المعنى؛ لأن ما يتلف حقهما، فإن جوزنا: يشترط اتفاق المالين جنساً ووصفاً، كما في النقود؛ حتى لو كان المالان من جنس واحد، والنوع مختلف يمكن التمييز بينهما بمشقة؛ كالحنطة الغريبة مع البلدية-: لا يجوز عقد الشركة؛ كما لو كان لأحدهما سمسمٌ، وللآخر ذُرة-: لا يجوز؛ لإمكان التمييز، وإن لحق المشقة؛ فإن جوزنا الشركة على المال المثلي، فإن كانت قيمة العرضين متساوية-: كانا شريكين فيه؛ كالسواء، ويتراجعان عند المفاضلة إلى مثلهما، والربح بينهما، وإن كانت القيمة مختلفة؛ بأن يكون لأحدهما كُرّ حنطة، قيمته مائة، ولآخر كُرٌّ قيمته خمسون، فخلطا؛ فهما شريكان بقدر قيمة المالين؛ فيكون المال والربح بينهما أثلاثاً، وعند القسمة يبيعانه، ويقسمان على قيمة رأس المال أثلاثاً؛ فإن أراد قسمة عين رأس المال أثلاثاً-: لم يجز؛ على أصح القولين، وإن كان لكل واحد عرضٌ، وأرادا الشركة-: باع أحدهما نصف عرضة بنصف عرض صاحبه؛ فيصير الكل مشتركاً بينهما؛ فيتقاصان، ويأذن كل واحد لصاحبه في التصرف؛ فيكون صحيحاً، وهو أبلغ في الاشتراك من خلط المالين؛ لأنه ما من جزء- ههنا- إلا وهو مشترك بينهما، وهناك-: وإن وجد الخلط-: فمال كل واحد في الحقيقة ممتاز عن مال الآخر، ولو لم يتبايعا هكذا، ولكن اشتريا بالعرضين غير مشتركين بينهما عرضاً، أو باعهما بثمن واحد-: ففي صحة البيع قولان: فإن جوزنا: يكون الثمن مشتركاً بينهما؛ فيأذن كل واحد صاحبه في التصرف، وإن اختلفت قيمة العرضين-: فيكون المال والربح بينهما على التفاوت، وإذا كان لأحدهما عشرة دنانير، وللآخر مائة درهم، وابتاعا شيئاً، وربحاً: فلو كان نقد البلد أحدهما- قُوِّم الآخر به، فإن استوت قيمتهما- استويا في الربح، وإن اختلفت قيمتهما- تفاوتا في الربح على

стр. 1471

قدر المالين؛ مثل: إن كانت قيمة عشرة دنانير مائتي درهم؛ فيكون الثلثان لصاحب الدنانير، والثلث لصاحب الدراهم. وأما شركة الوجوه، وشركة الأبدان وشركة المفاوضة عندنا باطلة. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: كلها صحيحة. فصورة شركة الوجوه أن يكون رجلان؛ لكل واحد منهما وجه عند الناس ومنزلة، فاشتركا على أن يبتاعا في الذمة بجاههما إلى أجل، وما يبتاع كل واحد: يكون بينهما، ثم يبيعا ويقضيا الدين عند الأجل، فما يفضل: يكون بينهما، أو يكون أحدهما وجيهاً يعرفه التجار، فيشتري منهم في الذمة، ويحمله إلى رجل مجهول؛ ليبيعه؛ فما يحصل من الربح: يكون بينهما؛ وهذا فاسد. وإذا اشترى أحدهما شيئاً: يكون ذلك له خاصة، له ربحه، وعليه خسرانة، ولا يكون لصاحبه فيه شركة إلا بأربع شرائط: أحدها: أن يأذن له في الشراء: أما بمطلق الشركة فيه فلا يستفيده. والثاني: أن يبين جنس ما يشتري، ويبين قدره، وينوي عند الشراء: أنه يشتري لفلان، أو يسميه كالوكيل. وصورة شركة الأبدان: أن يشترك محترفان على أن يكتسبا؛ فما يحصل من كسبهما: يكون بينهما؛ فهو فاسد؛ لأن العمل معدوم، وهو مجهول، كما لا يصح شركة العنان على مال معدوم ومجهول، ثم ما حصل بكسب كل واحد منهما؛ يكون له؛ كما لو اشتركا في الاحتطاب، والاصطياد-: لا يصح، وما أخذ كل واحد: يكون له على الخصوص. وشركة المفاوضة: جوزها أبو حنيفة- ﵀ وشرطها عنده: أن يعقد على الدراهم أو على الدنانير. وأن يستويا في قدر المال. وأن يكون الربح بينهما على قدر المالين. وألا يكون لأحدهما من ذلك الجنس مال آخر. وأن يسميا المفاوضة.

стр. 1472

وأن يستوي الشريكان في الدين والحرية؛ فإن كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، أو كان أحدهما مكاتباً والآخر حراً-: لا يصح. ثم حكمه عندهم: أن كل ضمان لزم أحدهما بغصب أو جناية-: كان الآخر مؤاخذاً به، إلا الجناية على الحر، وبدل الخلع والصداق، ولا يؤاخذ به الآخر، فكل ما ملك أحدهما بشراء أو التقاط: يشاركه الآخر فيه إلا ثلاثة أشياء: قوت يومه، وثياب بدنه، وجارية يتسرى بها. وما ملك بإرث أو هبة: قال: لا يشاركه الآخر فيه؛ غير أنه إن كان من جنس مال الشركة: تفسد الشركة، وقد قال الشافعي- ﵁ في "اختلاف العراقيين": إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة- فليس في الدنيا عقد باطل، وذلك لكثرة ما فيها من الجهالات والمحالات وأنواع الغرر، ثم عندنا في شركة المفاوضة: يكون الربح بينهما على قدر المالين؛ لأنهما يتجران في ماليهما، وحكم الأجرة ما ذكرنا في الشركة الفاسدة، ولو اشترك ثلاثة، فأعطى واحد جملاً، والآخر راوية على أن يستقي الثالث الماء على أن ما يحصل: يكون بينهما-: فهذا فاسد، ثم إن استقى من ماء مملوك للسقاء، فعمله: يقع له، وعليه لصاحب الجمل والراوية أجرُ مثل الجمل والراوية؛ لأنه استوفى منفعتهما بأجرة فاسدة. وإن استقى من مباح- نُظر: إن استقى بنيَّة نفسه-: فهكذا، وإن استقى بنيَّة الشركة-: ففيه قولان: بناءً على أن التوكيل والاستئجار للاحتطاب والاحتشاش والاستقاء من المباح-: هل يجوز؟ فيه قولان: أصحهما: يجوز كما لو استأجره لعمل آخر. والثاني: لا يجوز؛ لأنه مباح يملك بالحيازة، والحيازة من الأجير؛ فيقع ملكاً له. فإن قلنا: يجوز-: فما يستقي يكون ملكاً لهم جميعاً، ويرجع كل واحد على صاحبه بثلثي أجر المثل؛ فصاحب الجمل: يرجع بثلثي أجر مثل الجمل على صاحب الراوية والسقاء، وصاحب الراوية يرجع بثلثي أجر مثل الراوية على صاحب الجمل والسقاء، والسقاء يرجع بثلثي أجر مثل عمله على صاحب الجمل والراوية، وإن قلنا: لا يجوز الاستئجار على الاستقاء-: فعمل السقاء وقع لنفسه، والماء له، ويرجع عليه صاحب الجمل والراوية بأجر مثل الجمل والراوية.

стр. 1473

فلو استأجرهم رجلٌ بأن يقول لصاحب الجمل: استأجرت جملك، ولصاحب الراوية: استأجرت راويتك، وللثالث: استأجرتك لحمل الماء من موضع كذا إلى موضع كذا، فأجروا-: هل تصح هذه الإجارة؟ فيه وجهان؛ كما لو اشترى عرضين من رجلين غير مشتركين بينهما بعقد واحد-: ففي قول: يصح ويوزَّع المسمى على أجور أمثالهم. والثاني: لا يصح؛ لأن ما يخص كل واحد مجهول، وكل واحد يستحق أجر المثل على المستأجر، وعلى هذا: لو اشترك ثلاثة في عمل الطحن: من أحدهم الطاحونة، ومن الآخر الدابة، ومن الثالث العمل-: لا يصح. فلو قال لهم رجل: استأجرتكم مع الآلات لطحن هذه الحنطة-: فهو كما لو استأجر ثلاثة دور من ثلاثة نفر غير مشتركة بينهم؛ وفي صحته قولان: إن قلنا: يصح-: يوزع المسمى على أجور أمثالهم، وإن قلنا: لا يصح-: فسد المسمى، ولكل منهم أجر مثل عمله أو آلته. أما إذا لزم ذمتهم الطحن بمسمى معلوم، وقبلوا، أو قبل واحد على نفسه، وعلى أصحابه بإذنهم-: صحت الإجارة قولاً واحداً؛ لأن العمل في الذمة معلوم، وهو طحن الثلث على كل واحد منهم؛ فهو كما لو باع عبداً مشتركاً بين أربعة نفر-: يصح، ويوزع المسمى على أجورهم. فصلٌ [في التصرفات في شركة العنان] إذا عقد رجلان شركة العنان، وأذن كل واحد منهما لصاحبه أن يتصرف في كل ما يرى من أنواع التجارات-: جاز، ولا يشترط أن يثبت جنساً ونوعاً؛ كما في القراض. وقيل: يشترط بيان الجنس الذي يتصرف فيه؛ كما في الوكالة. وإذا بين جنساً، وقال: تصرف في كذا-: فكل واحد منهما لا يتصرف في نصيب شريكه؛ إلا فيما سمى، وله أن يتصرف في نصيب نفسه فيما شاء. ولو أذن أحدهما لصاحبه أن يتصرف في جميع مال الشركة، وقال: أنا لا أتصرف إلا في نصيبي-: جاز، وهو لا يتصرف إلا في نصيب نفسه، وكذلك: لو أذن أحدهما لصاحبه في التصرف مطلقاً، ولم يأذن الآخر-: فالمأذون يتصرف في جميع المال، وغير المأذون لا يتصرف إلا في نصيب نفسه، ولو قال أحدهما: أنا لا أتصرف في نصيبي، أو شرط على

стр. 1474

شريكه: أنك لا تتصرف في نصيبك إلا في نوع واحد-: لم يصح العقد؛ لأنه حجر على المالك التصرف في ملكه، ولا يجوز لأحد الشريكين: أن يبيع أو يشتري بالغبن الفاحش، أو يبيع نسيئة، أو بغير نقد البلد بغير إذن الشريك؛ فلو باع شيئاً من مال الشركة بغبن فاحش، أو إلى أجل أو بغير نقد البلد-: لا يصح في نصيب الشريك، وهل يصح في نصيبه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة. ولو اشترى في الذمة شيئاً بالغبن: يصح، ويقع العقد له-: فعليه أن يؤدي الثمن من خالص ماله. ولو اشترى من مال الشركة شيئاً، فوجد به عيباً: له رده، فلو اشتريا، وأراد أحدهما الإمساك-: يجوز للآخر رد نصيبه؛ لأن تعدد المشتري يوجب تعدد الصفقة. ولا يجوز لأحدهما أن يسافر بمال الشركة، ولا أن يبعضه بغير إذن الشريك؛ فإن فعل كان ضامناً لنصيب الشريك؛ لأنه خاطر بماله، والمال في يد الشريك يكون أمانة، كما في يد المودع؛ فإن هلك في يده من غير تعد منه-: لا ضمان عليه. ولو ادعى أحدهما هلاك المال في يده، أو رده إلى شريكه-: قبل قوله مع يمينه. ولو ادعى أحدهما على الآخر جناية-: لا يسمع، ما لم يبين قدر الجناية، فإذا بيَّن، وقال: خانني في عشرة-: يسمع، وإن لم يبين الجهة-: فالقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنه أمين. ولو اشترى أحدهما شيئاً، وفيه ربح، فقال: اشتريته لنفسي، وقال الآخر: بل للشركة، أو كان فيه خسران، فقال: اشتريته للشركة، وقال الآخر: بل لنفسك: فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته. ولو كان في يد أحدهما مال، فقال من في يده هذا خاص مالي، وقال الآخر: بل مال الشركة، أو قال من في يده: هذا مال الشركة، وقال الآخر: بل هو ملكي-: فالقول قول من في يده مع يمينه. ولو كان في أيديهما مال، فاختلفا؛ فقال كل واحد منهما: هذا نصيبي من مال الشركة، وأنت أخذت نصيبك-: تحالفا، وكان المال بينهما، فأيهما حلف، ونكل الآخر-: كان للحالف، قال الشيخ: وكذلك: لو كان المال في يد أحدهما، وكل واحد

стр. 1475

يقول: هذا نصيبي، وأنت أخذت نصيبك، ولو كان المال في يد أحدهما، فقال من في يده: اقتسمنا مال الشركة، وهذا نصيبي، وقال الآخر: ما اقتسمنا، وهو مشترك-: فالقول قول المدعي أنه مشترك؛ لاتفاقهما على أنه من مال الشركة، والأصل بقاؤه. فصلٌ في فسخ عقد الشركة عقد الشركة عقد جائز؛ يجوز لكل واحد منهما فسخه، فإذا قال أحدهما: فسخت الشركة: ينفسخ، وانعزلا جميعاً عن التصرف في نصيب الآخر؛ لأن الفسخ يقتضي رفع العقد من الجانبين. ولو قال أحدهما لصاحبه: عزلتك، أو نهاه عن التصرف-: ينعزل عن التصرف في نصيب العازل، ولا ينعزل العازل عن التصرف في نصيب الآخر. ولو مات أحدهما، أو جُنَّ، أو أُغمي عليه-: انفسخ العقد؛ كالوكالة، حتى لو حسنت حالته بعد ذلك-: لا يجوز له التصرف في مال الشركة إلا بعد استئناف عقد جديد. وإذا مات أحدهما: فلوارثه المقاسمة، فإن أراد الوارث المقام على الشركة-: يجوز بعقد مستأنف؛ لأن العقد الأول قد ارتفع؛ وإنما يجوز إذا لم يكن على الميت دين يتعلق بحصته، ولا هناك وصية لغير متعين، وكان الوارث بالغاً رشيداً، فإن كان الوارث مولياً عليه؛ لصغر أو جنون، فإن رأى وليه النظر له في المقام على الشركة-: استأنف عقد الشركة، وإلا قسم المال، وكذلك: إذا أوصى لمعيَّن بثلث ماله-: فللموصى له المقام على الشركة، ولولي الموصى له، إن كان الموصى له صغيراً، إذا رأى النظر فيه، وإن كان قد أوصى بثلثه لغير معين، أو عليه دين، ولم يكن في غير مال الشركة وفاء بالدين-: لم يكن لوارثه المقام على الشركة، فإن قضى الدين من موضع آخر-: فله ذلك. فصلٌ [في الدعوى بين الشَّرِيكَيْنِ] إذا كان بين رجلين عبدٌ، فأمر أحدهما صاحبه ببيعه، فباع كله بألف، ثم اختلف الآمر والبائع، فقال الآمر: استوفيت الثمن، فأدِّ نصيبي، وقال البائع: ما استوفيت، والمشتري يصدق الآمر-: يسقط عن المشتري خمسمائة من نصيب الآمر؛ فإقراره أن البائع الذي هو وكيله استوفاه، وهذا على قولنا: إن الوكيل بالبيع يملك استيفاء الثمن، ولو كان مأذوناً في الاستيفاء، ثم ههنا دعوتان: أحدهما: بين البائع والمشتري. والأخرى: بين الآمر والبائع، فإن جاء البائع أولاً، وادعى على المشتري حصته من
следующие страницы →