← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

- فالمذهب أنه لا يجوز له التحري فيه؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو اختلطت امرأة من محارمه بنساء محصوراتٍ، لا يجوز أن ينكح واحدة منهن بالاجتهاد. وقيل: يجوز أن يطعم واحداً بالاجتهاد؛ لأن الميتة تُباح عند الضرورة، أما إذا اختلطت امرأةٌ من محارمه بنساء غير محصوراتٍ- جاز له أن ينكح واحدةً منهن، حتى لا يؤدي إلى سد باب النكاح عليه؛ بخلاف ما لو اختلطت زوجته بأجانب، لا يجوز وطء واحدة منهن بالاجتهاد؛ لأنه لم يستبح الوطء بالاجتهاد، وها هنا يستباح بالعقد. ولو اختلطت شاةٌ له بشاءِ الغير، أو حمامةٌ بحمام الغير، له أن يأخذ واحدة منها بالاجتهاد، ثم إن نازعه من في يده؛ فالقول قول صاحب اليد. ولو نجس موضعٌ من بدنه أو ثوبه، وخفي عليه، يجب عليه غسل جميع بدنه، ولا يجوز غسلُ موضعٍ منه بالتحري لأنا تيقنا حصول النجاسة فيه؛ فلا يزول إلا باليقين، بخلاف ما لو نجس أحد الشيئين؛ لأنه إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما، رده إلى الأصل، فلو أصاب يده المبتلة بعض ذلك الثوب، لا يجب غسل اليد؛ لأنا لم نتيقن أن يده أصابت محل النجاسة. ولو شق الثوب نصفين لا يجوز التحري؛ لاحتمال أن يكون الشق في محل النجاسة؛ فتكون القطعتان نجستين؛ ولو نجس أحد كُميه، أو إحدى يديه، أو إحدى أصبعين؛ هل يجوز له التحري؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كالثوبين؛ قاله ابن سُريج. والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأنه شيء واحد، كما لو نجس موضع من الثوب وأشكل. ولو فصل أحد الكمين من القميص، يجوز التحري بالاتفاق؛ كالثوبين.

стр. 142

ولو نجس مكان في صحراء، واشتبه يتحرى. ولو نجس مكان من بيتٍ أو بساط، واشتبه عليه: قيل: له الاجتهاد، فيصلي على الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته، ويتيمم من الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته من الأرض؛ كالصحراء، أو كالبيتين نجس أحدهما. وقيل: لا يجوز التحري، وهذا أصح؛ كالثوب الواحد ينجس موضع منه. ومن رأى ماءً قليلاً في إناءٍ أو وهدةٍ، وشك في طهارته- يجوز التطهر به، وإن وجده شديد التغير؛ لاحتمال أن يكون تغيره لطول المكث، والأصل طهارته. ولو بالت ظبيةٌ في ماء بلغ قلتين، فوجد منه طعم البول، أو ريحه، وشك أن تغيره منه، أو من شيءٍ آخر- فهو نجسٌ. نص عليه من أصحابنا من قال بنجاسته على الإطلاق؛ وإليه ذهب صاحب "التلخيص". ومنهم من قال: "صورته: أن يكون رأي الماء قبل البول غير متغير، ثم رآه عقيبه متغيراً؛ فإن لم يكن رآه قبل بول الظبية، أو بعد العهد بين رؤيته، وبين بول الظبية- فهو على طهارته. وإن ورد على ماءٍ؛ فأخبره عدلٌ بنجاسته- يجب قبول قوله؛ رجلاً كان أو امرأة؛ حراً كان أو عبداً؛ لأن خبر هؤلاء مقبولٌ. ثم إن كان المخبر عالماً يعتقد مذهبه، لا يجب أن يستفسره، وإلا فيجب؛ لأنه قد يكون ممن يرى نجاسة سؤر السباع. ولا يقبل فيه قول كافرٍ، ولا فاسقٍ، ولا صبيٍّ صغيرٍ، ولا مجنون. وإن أخبر مُراهق، فيه وجهان عند المراوزة: الأصح: يُقبل. ولو أخبره أعمى، يقبل قوله. ولو أخبره عدلٌ بطهارته، وعدلٌ بنجاسته: قال شيخنا الإمام إمام الأئمة: يُحكم بنجاسته؛ لأن عند من يخبر بالنجاسة زيادة علم.

стр. 143

وإذا اشتبه عليه إناءان؛ فأخبره عدل بنجاسة أحدهما بعينه، يأخذ بقوله. وإن أخبره عدلٌ [بنجاسة أحدهما] لا بعينه، له أن يجتهد. وإن أخبره عدل؛ بأن الكلب ولغ في هذا دون ذاك، وأخبره آخر؛ أن الكلب ولغ في ذاك دون هذا، يحكم بنجاستهما؛ لاحتمال أنه ولغ فيهما في وقتين. وإن أضافا إلى وقت معين؛ بأن قال أحدهما: ولغ في هذا دون ذاك في وقت كذا، وقال الآخر: ولغ في ذاك دون هذا في ذلك الوقت. قال الإمام إمام الأئمة: سبيله الاجتهاد؛ لأن النجاسة حقيقة في أحدهما لا بعينه. فَصْلٌ في المَاء المُسْتَعْمَل روي عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالاً أخذ وضوء

стр. 144

رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء؛ فمن أصاب منه شيئاً يمسح به، ومن لم يصب [منه شيئاً] أخذ من بلل يد صاحبه. الماء المستعمل في الوضوء والغسل طاهرٌ غير مطهر، لا يزال به الحدث ولا الخبث، وليس بنجسٍ؛ لأنه ماء طاهرٌ لاقى محلاً طاهراً؛ كما لو غسل به ثوباً طاهراً. وقال الحسن، والزهري، والنخعي، ومالك: "هو مطهر، أما ما انفصل عن أعضاء المتوضئ في الغسلة الثانية والثالثة، وفي المضمضة والاستنشاق، وتجديد الوضوء، والمستعمل في غسل الجمعة والعيدين- مطهر على أصح الوجهين؛ لأنه لم يرفع حدثاً، ولا خبثاً؛ كالمنفصل في الغسلة الرابعة. وكما لو غسل به ثوباً طاهراً، أو استعمله للتبرد والتنظف - يكون مطهراً، وكذلك لو غسل ثوباً عن نجاسةٍ، وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثاً، والمنفصل في المرة الثانية، والثالثة مطهر على الأصح. وفيما اغتسلت به الذمية من الحيض وجهان: أحدهما: طهور؛ كالماء الذي توضأت به الكافرة. والثاني: غير طهور؛ لأن غسلها صحيح؛ لغشيان الزوج، ووضوءها لا يصح. قال الإمام إمام الأئمة: "وما توضأ به الصبي غير طهورٍ؛ لأنه يجوز أن يصلي [بذلك الوضوء] إذا بلغ". ولا يحكم باستعمال الماء ما لم ينفصل عن محل الغسل، ولو جمع الماء المستعمل ح تى بلغ قلتين- عاد مطهراً؛ على أصح الوجهين؛ كالمياه النجسة إذا جمعت حتى بلغت قلتين.

стр. 145

وقيل: لا يعود مطهراً [لأن كل ماء طاهر] لا يجوز التطهر به عند القلة، فلا يجوز عند الكثرة؛ كماء الورد. فأما الماء المستعمل في غسل النجاسة يكون حكمه حكم المحل بعد انفصال الماء عنه. وسيذكر إن شاء الله في فصل غسل النجاسات. باب الأواني وتطهير النجاسات روي عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" كل حيوان (لا تؤكل ميتته) ينجس بالموت، إلا الآدمي، [فإنه] لا ينجس بالموت؛ على أصح القولين. وكل حيوان ينجس بالموت يطهر جلده بالدباغ؛ وهو ما سوى الكلب والخنزير؛ وهو قول عليِّ، وابن مسعود. وأما الكلب والخنزير وما تولد منهما، أو من أحدهما- فلا يطهر جلدهما بالدباغ؛ لأن تأثير الدباغ في دفع نجاسته حصلت بالموت، والكلب والخنزير نجسان في حال الحياة؛

стр. 146

فلا يؤثر الدباغ في تطهير جلدهما. وقال أبو حنيفة: "يطهر جلد الكلب بالدباغ. وقال الأوزاعي، وابن المبارك، وأبو ثور: "لا يطهر إلا جلد ما يؤكل لحمه، ويروى ذلك عن عمر ﵁. والدباغ إنما يحصل بما تدبغ به القرب من: القرظ والشب، أو ما يقوم مقامهما من: العفص وقشور الرمان، ونحوها من دواء فيه عفوصةٌ ينشف فضول الجلد، ويزيل ذهومته، ويحوله من طبع اللحوم إلى طبع الثياب؛ بحيث لا يفسد. والتجفيف بالتراب والشمس لا يكون دباغاً؛ خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث جعله دباغاً، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، حتى تجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة. قالت سودة ﵂: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ

стр. 147

فيها حتى صار شناً. وما تناثر من الأدوية عن الجلد في الدباغ نجس، فإذا دبغ الجلد لا يجب غسله بالماء بعده؛ على أصح الوجهين؛ لأنه طهارة تحصل بالانقلاب؛ فلا يفتقر إلى الماء؛ كالخمر إذا تخللت. ويحكم بطهارة ما تشرب الجلد من الأدوية؛ كالخمر إذا تخلل، يحكم بطهارة أجزاء الدن. وقيل: يجب غسله بالماء بعد الدباغ. ولو دبغ الجلد بدواء نجس، يندبغ، ويجب غسله بالماء؛ لأن نجاسة الدواء نجاسةٌ أجنبية لم تحصل من مجاورة الجلد؛ فلا تزول بانقلاب الجلد؛ كالخمر إذا وقعت فيها نجاسةٌ أجنبية، لا تطهر بالانقلاب. ويجوز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ؛ لما روي أن النبي ﷺ مر بشاةٍ ميتةٍ لمولاة ميمونة فقال: "هلا أخذتم إهابها؛ فدبغتموه، فانتفعتم به". فقالوا: إنها ميتة. فقال ﵇: "إنما حرم أكلها".

стр. 148

ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ، ويجوز بعد الدباغ؛ على القول الجديد، وهو الأصح؛ لأنه جلد طاهر كجلد المذكاة. وقال في القديم: "لا يجوز بيعه؛ لأن الأصل تحريم الميتة؛ غير أن الشرع أباح الانتفاع بجلدها بعد الدباغ، فلا تتعدى الإباحة منه، وهل يحل أكله بعد الدباغ؟ نظر: إن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يحل؛ لأن الذكاة لا تبيحه، فلا يبيحه الدباغ. فإن كان جِلْد ما يؤكل لحمه، ففيه قولان: أحدهما: يحل أكله؛ لأنه جلدٌ طاهر كجلد المذكاة. والثاني قديماً: لا يحل؛ لقوله ﵇: "إنما حرم أكلها". ومن قال بالأول قال: أراد به أكل ما يؤكل جنسه؛ وهو اللحم. فصلٌ قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ .... الآية﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]. الصوف، والشعر، والريش، والسن، والقرنُ، والعظم - فيها حياة تموت بموت الحيوان، وتنجس بنجاسة الأصل، ولا تطهر بالدباغ، حتى لو دبغ جلد ميته، وعليه شعرٌ يطهر الجلد، ولا يطهر الشعر. وهذا هو المذهب. وحكى الربيع بن سليمان الجيزي [قولاً] أن الشعر يطهر تبعاً للجلد، وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: لا حياة في شيء من هذه الأشياء، ولا ينجس بموت الحيوان. والآية حجة عليه في العظم. وقال مالك: "في العظم حياة، ولا حياة في الشعر". وقيل: للشافعي ﵁ قول مثله، فعلى هذا شعور جميع الحيوانات طاهرة في جميع الأحوال، إلا شعر الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما؛ فإنه نجس في عموم الأحوال.

стр. 149

فإن قلنا بالمذهب الصحيح: إن في الشعر حياةً؛ فشعور جميع الحيوانات طاهرة في حال حياتها. كعينها إلا في الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما. فإذا انفصل شعر الحيوان عنه في حياته، أو انفصل ريش الطائر، نظر: إن كان غير مأكول اللحم؛ فهو نجس إلا شعر الآدمي فإنه طاهر في عموم الأحوال؛ لكرامته على ظاهر المذهب. وقيل في نجاسة شعر الآدمي بعد الانفصال عنه: قولان؛ بناءً على نجاسة بدنه بالموت. فإن قلنا بنجاسته، فإذا سقطت منه شعرةٌ أو شعرتان؛ فصلى فيها، أو سقطت في ماء وضوء يعفى عنها؛ لقلتها، وتعذر الاحتراز عنه، فإن كثرت لم يُعف عنه؛ كدم البرغوث. والأول أصح: أن شعر الآدمي طاهرٌ؛ فإن النبي ﷺ لما حلق شعره، ناوله أبا طلحة؛ حتى قسمه بين أصحابه. وحكى إبراهيم البلدي، عن المزني؛ أن الشافعي- ﵁ رجع عن تنجيس شعر الآدمي.

стр. 150

قيل: رجع عن تنجيس شعر الآدمي خاصة؛ لكرامته؛ كما حكم بطهارة لبنه مع تحريم أكل لحمه. وقيل: "رجع عن تنجيس جميع الشعور، سوى الكلب والخنزير؛ كما صح عنده أن لا حياة فيها. فأما إذا انفصل عن حيوانٍ يؤكل لحمه شعره، أو ريشةٌ في حياته - فهو طاهر، سواء جُز، أو نتف، أو سقط - وإذا انفصل من الحيوان - سنه أو ظفره أو قرنه - يكون نجساً؛ سواءً انفصل عما يؤكل لحمه، أو لا يؤكل، إلا من الآدمي؛ فإن حكمه إذا انفصل عن حكم ميته فأما ما يؤكل لحم ميتته؛ كالسمك والجراد، فإذا انفصل عظمٌ منه، أو جزء في حياته؛ فهو طاهر كميتته. وإذا انقطع جناح طائر مأكول اللحم في حياته فما عليه من الشعر نجس (تبعاً لميته). وعند أبي حنيفة ﵀: شعور جميع الحيوانات [وعظمها] طاهرة في جميع الأحوال إلا من الخنزير؛ فيقول: جزء من الميتة؛ فيكون في حكم الأصل كسائر الأجزاء، فإذا ذبح حيوان يؤكل لحمه؛ فشعره وعظمه وجلده بعد الذكاة طاهر؛ كلحمه، وما لا يؤكل لحمه فذكاته كمؤته. وعند أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله -: جلد ما لا يؤكل لحمه بعد الذكاة طاهر؛ كما بعد الدباغ؛ فيقول: الذكاة وضعت لإباحة اللحم، فإذا لم تفد هذه الذكاة إباحة اللحم، لا تفيد طهارة الجلد؛ كذكاة المجوسي. فصلٌ في استعمال النجاسات روي عن عبد الله بن عكيم قال: "أتانا كتاب رسول الله ﷺ : "ألا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ، ولا عصب".

стр. 151

قيل: الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ. وفي إسناد الحديث ضعفٌ. واختلف نصوص الشافعي ﵀ في استعمال النجاسات: فقال هاهنا: ولا يدهن في عظم. قيل: منع من استعمال الدهن في عظم الفيل؛ لأنه نجسٌ بملاقاةِ عظم الفيل.

стр. 152

وقال في الصلاة: "ولا يصل ما انكسر من عظمه، إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكياً". وقال في موضع: "ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير". فهذه النصوص [تدل على] أنه لا يجوز استعمالها. وقال في صلاة الخوف: "ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير؛ من جلد قردٍ، أو فيل". وقال في موضع: "لو عجن بماء نجس، أطعم نواضحه وكلابه". وقال: "ويزيل الأرض بالسماد". وقال: "لا بأس أن يوقد بعظم الميتة". وقال: "ويسجر التنور بالعذرة". وهذه النصوص تدل على جواز استعمالها. وقال في موضع: "ولا يحل أكل زيتٍ ماتت فيه فأرة. وفي استصباحه قولان. فمن أصحابنا من جعل في استعمال النجاسات قولين: أحدهما: لا يجوز؛ لأنها محرمةٌ. والثاني: يجوز؛ كما يجوز لبس ثوب أصابته نجاسة، والتحريم في الأكل. والصحيح من المذهب التفصيلُ؛ وهو أنه لا يجوز استعمال شيءٍ منها في بدنه، ولا في ثياب بدنه. والحديث محمولٌ على هذه المواضع، إلا عند الضرورة؛ وهو أن يخاف على نفسه من حرٍ أو بردٍ، ولم يجد إلا جلد خنزيرٍ، أو ميتة فليلبسه؛ كما يأكل الميتة إذا خاف الهلاك من الجوع. وأما استعمالها في غير بدنه من دوابه أو غيرها؛ نظر: إن كانت النجاسة مغلظةً، وهي نجاسة الكلب والخنزير- فلا يجوز. وإن كانت مخففة يجوز. وعلى هذا التفصيل تخرج النصوص كلها. وفي الاستصباح بالزيت النجس قولان: أصحهما: يجوز؛ لأنه لا يستعمل في بدنه.

стр. 153

والثاني: لا يجوز؛ لأن السراج يقرب من الإنسان، فلا يؤمن أن يصيب بدنه أو ثيابه. وإذا انكسر عظمٌ من عظامه؛ فجبره بعظمٍ طاهر - يجوز، ولو جبره بعظم نجس، ينزع إن كان لا يخاف هلاك نفسه، ولا تلف عضوه، وإن لحقه أذى. فإن لم ينزع أجبره السلطان على نزعه، سواء اكتسى اللحم، أو لم يكتس. فإن مات، لم ينزع؛ لأن التكليف سقط بالموت. هذا هو المذهب. فإن كان يخاف من النزع تلف نفسه، أو عضوه- لا ينزع؛ لأن إبقاء الروح بالشيء النجس جائز؛ كما يباح أكل الميتة عند الضرورة. وقيل: ينزع؛ لأنه حصل بفعله. والأول المذهب. وكذلك يجوز أن يرقعه بعظمٍ نجسٍ، إذا لم يجد عظماً طاهراً، وخاف التلف. ولو داوى جرحه بدواءٍ نجس، أو فتح موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً والتحم، أو خاط بخيطٍ نجس- فكالعظم يجب إخراجه. وقال أبو حنيفة- ﵀: "إن اكتسى العظم لحماً، لا ينزع؛ كما لو شرب نجساً، لا يكلف أن يتقيأ. ومن أصحابنا من قال: يجب أن يتقيأ والمنصوص في صلاة الخوف أنه كالعظم. وقيل: لا يجب؛ لأنه صار. [في معدن] النجاسة. ولو وصلت المرأة شعرها بشعرٍ نجس، يقطع، ولا تصح صلاتها ما دام معها. ولو وصلت بشعر طاهر، تصح صلاتها فيه. وهل يجوز فعله أم لا؟ نظر: إن وصلت بشعرٍ آدمي، لا يجوز؛ لأن من كرامة الآدمي ألا ينتفع بشيءٍ منه بعد موته، بل يدفن؛ ولأنها إن وصلت بشعر رجلٍ، لا يجوز لها النظر إليه إن لم يكن محرماً. وإن وصلت بشعر امرأة، لا يجوز لزوجها النظر إليه، وإن كان بشعر حيوان فلا يجوز لغير ذات الزوج، ولا لذات الزوج بغير إذن زوجها؛ لأن النبي ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة؛ ولأنها بهذا الفعل تغر زوجها.

стр. 154

وإن فعلت بإذن الزوج، فوجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لظاهر الحديث. والثاني: يجوز؛ لأنه زينةٌ، والزينة جائزة لها؛ لاستمالة قلب الزوج، وكذلك تغمير الوجه، والخضاب بالسواد. وتطريف الأصابع لا يجوز لها بغير إذن الزوج، وبإذنه وجهان عند إمام الأئمة، وعند شيخنا: الأصح لا يجوز. أما الخضاب بالحناء فمستحبٌ لها. فصلٌ في بيان النجاسات روي عن عبد الله بن مسعود في الاستنجاء؛ أن النبي ﷺ أمره أن يأتي بثلاثة أحجارٍ قال: "فأتيته بحجرين وروثةٍ؛ فألقى الروثة وقال: "إنها ركسٌ". بول جميع الحيوانات، ودمها، وروثها، وقيؤها نجس، وكذلك ذرق الطيور كلها؛ سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم.

стр. 155

وقيل: ما يؤكل ميتته كالسمك والجراد- فدمه، وبوله، وروثه طاهر؛ وهو قول أبي حنيفة ﵀. وليس بصحيح، بل الصحيح أنه نجسٌ. وكان شيخي القاضي الحسين المروزي- ﵀ يجعل في الدم يتحلبُ من الكبد والطحال وجهين؛ كدم السمك؛ لأنه يسيل من طاهرٍ.

стр. 156

وقال أحمد: "بول ما يؤكل لحمه، وروثه طاهر". وقال أبو حنيفة: "ذرق الطيور طاهرٌ إلا من الدجاج؛ فإنه نجس؛ فنقول: طعام أحالته الطبيعة، فأشبه روث سائر الحيوانات. والمذي والودي نجسان؛ كالبول، وكذلك القيح، والماء الذي يسيل من القروح [إن كانت له رائحة؛ فهو نجس، وإن لم يكن له رائحة؛ فهو طاهر؛ لرطوبة البدن. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: طاهر؛ كالعرق. والثاني: نجس؛ لأنه يتحلل منه؛ فهو كالقيح]. وما يخرج من الجوف عند الولادة نجس. وعين جميع الحيوانات، ولعابها، وعرقها- طاهر، إلا الكلب والخنزير، والمتولد منهما أو من أحدهما. وميت جميع الحيوانات نجسٌ إلا ما يؤكل ميته؛ وهو السمك والجراد. وفي الآدمي إذا مات قولان ظاهران: أحدهما: نجس؛ لأنه ميتٌ لا يحل أكله؛ كسائر الميتات. والثاني- وهو الأصح-: طاهر، ولو كان نجساً لم يغسل. ومني الآدمي طاهر؛ وهو قول عبد الله بن عباس؛ وبه قال عطاء. فإن بال أو أمذى، ثم أمنى قبل غسل ذكره، ينجس المني بملاقاة البول. ومني المرأة طاهر في الأصل. واختلفوا في بلل باطن فرج المرأة: فالصحيح أنه لا يحكم له بالنجاسة؛ كباطن قضيب الرجل.

стр. 157

وقيل: بلل باطن فرجها نجس، فعلى هذا إذا خرج منيها منها ينجس بملاقاته. وقال مالك ﵀: "المني نجس يغسل: رطباً كان، أو يابساً. وحكى صاحب "التلخيص" [بنقله] قولاً عن الشافعي ﵀ مثله؛ وهو قول سعيد بن المسيب؛ والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: "هو نجس؛ يغسل رطبه، ويفرك يابسه" ولو كان نجساً، لكان لا يكتفي بالفرك، كسائر النجاسات. ومني سائر الحيوانات نجسٌ، وإنما خص بطهارته بنو آدم؛ كرامة. وقيل: مني ما سوى الكلب والخنزير- طاهر؛ كالعرق. وقيل: مني ما يؤكل لحمه طاهر، وما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس؛ كاللبن. وكل حيوانٍ يؤكل لحمه؛ فلبنه طاهر حلال، وما لا يؤكل لحمه؛ فلبنه نجس، إلا لبن الآدميات؛ فإنه طاهر؛ كرامة للآدمي. وقال الاصطخري: "لبن ما لا يؤكل لحمه طاهر كعرقه. ولو ماتت شاةٌ، وفي ضرعها لبنٌ- فهو نجسٌ، لأنه يلاقي بدنها النجس. والإنفحة طاهرة إذا أُخرجت من السخلة بعد ذكاتها، فإن أخرجت بعد موتها فنجسةٌ. وعند أبي حنيفة ﵀: طاهر لبنها، والإنفحة كلاهما، وكل طائر يؤكل لحمه فبيضته طاهرة يحل أكلها، ويجب غسلها إن وقعت حالة الانفصال في مكان نجس، وإن وقعت في مكان طاهر، لا يجب على قول من يقول: "بلل باطن الفرح طاهرٌ".

стр. 158

وعلى قول من يقول: "بلل باطن الفرج نجس"- يجب غسله. وكل طائرٍ لا يؤكل لحمه، فبيضته نجسة حرام. ولو ماتت دجاجةٌ، فخرجت منها بيضةٌ؛ نظر: إن لم يكن قد تصلب قشرها؛ فهي نجسة لا تطهر بشيء، وإن تصلب قشرها؛ فوجهان: أحدهما: أنها نجسة حرامٌ، ولا تطهر بشيءٍ؛ كما لو انفصل عضوٌ من أعضائها بعد الموت. والثاني- وهو الأصح-: أنها حلالٌ؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو وقعت بيضة في شيء نجس تنجس بملاقاة النجاسة، فتطهر بالغسل. وإذا مذرت البيضة، فهي طاهرة؛ كاللحم يخنذ. وإذا أحضنت تحت الدجاجة، فصارت دماً فهو نجس، وإذا صارت علقةً، أو المني إذا صار علقةً- فوجهان: أحدهما: أنه نجس؛ لأنه دمٌ يخرج من الرحم؛ كدم الحيض. والثاني: طاهر؛ لأنه دمٌ غير مسفوحٍ؛ فهو كالطحال، والكبد. والمشيمة نجسة، وهي الغشاء الذي يكون فيه الولد؛ فهي بمنزلة عضوٍ من الحي، والمدة نجسة. وفي البلغم وجهان: أصحهما: طاهر؛ كالنخامة؛ وبه قال أبو حنيفة ﵀. والثاني: نجس كالمدة؛ وبه قال أبو يوسف. والمسك طاهر؛ لأن النبي- ﷺ كان يستعمله. وفي فأرته وجهان: أحدهما: نجسة؛ كعضو منفصلٍ عن الحيوان. والثاني- وهو المذهب-: أنها طاهرة؛ كبيضة ما يؤكل لحمه، والعسل ينفصل من النحل. ولو أكلت الدابة شعيراً؛ فراثته كذلك - فهو نجس- وهل يطهر بالغسل؟.

стр. 159

نظر: إن وصلت النداوة إلى باطنه؛ بحيث لو زرع لم ينبت لا يطهر، وإلا فيطهر؛ كما لو ابتلع نواةً؛ فخرجت منه؛ تطهر بالغسل، وكذلك لو خرج من فرجه دودٌ حيٌّ؛ فهو نجس للرطوبة التي عليه، فإذا غسل طهر. ولو نبت زرعٌ من سرقينٍ، أو ماء نجس- فهو نجس، فإن شقق، وخرج منه الحبةُ، يكون طاهراً. وكل شرابٍ أسكر كثيره، فهو نجس؛ كالخمر. ولا يطهر شيء من الأعيان النجسة بالانقلاب، إلا جلد الميتة إذا دُبغ، والخمر إذا تخللت بنفسها؛ يُحكم بطهارتها؛ سواء اتخذ العصير بنية الخل، أو بنية الخمر؛ فتخمر فتخلل، إلا أنه إذا اتخذه بنية الخمر كان عاصياً؛ لقصده إلى المعصية. وإذا اتخذه بنية الخل، فإذا تخمر، جاز له إمساكها إلى أن تتخلل. فإذا اتخذه بنية الخمر، فإذا تخمر، يجب إراقتها، فلو لم تُرق؛ فتخللت حلت. ولو عالج الخمر؛ بأن طرح فيها شيئاً من خلٍّ أو ملح، أو شيء آخر؛ حتى تخللت فهي على نجاستها؛ كما لو كانت [كما لو خللها] بالعلاج كان حراماً، ولا تطهر بعده بشيء. وقال أبو حنيفة ﵀: "يجوز تخليل الخمر بالعلاج، وإذا خللت، حلت. دليلنا: ما روي عن أنسٍ قال: "سئل رسول الله ﷺ : أيتخذ الخمر خلاً؟ قال: "لا". والنهي يدل على التحريم، ولتحريمه معنيان: أحدهما: دخول صنعة الآدمي فيه بالاستعجال؛ كما لو استعجل موت قريبه؛ فقتله- لم يرثه.

стр. 160

والثاني: أن ما طرح فيه صار نجساً بملاقاة الخمر؛ فهو فيها بعد التحلل ولا ضرورة بنا إلى تطهيره؛ بخلاف أجزاء الدن يحكم بطهارتها، إذا صارت الخمر خلاً؛ لأجل الضرورة؛ إذ لو لم يحكم بطهارتها، لم يوجد خل طاهر. وفرع عليه القاضي شيخنا- ﵀ قال: "لو غلت الخمر؛ فعلت إلى رأس الدن، ثم عادت إلى أسفلها؛ فتخللت- كان طاهراً. ولو نقل الخمر من الظل إلى الشمس، أو فتح رأس الدن حتى تخللت، فوجهان: أحدهما: لا تحل؛ لدخول صنعة الآدمي فيه. والثاني: قال شيخنا إمام الأئمة- وهو الأصح-: "يحل؛ لأنه لم يخالطه شيءٌ. ولو ألقى بصلاً أو ملحاً في عصيرٍ؛ فتخمر، ثم تخلل- هل يكون طاهراً؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو الأصح-: لا؛ لأن ما ألقاه فيه نجس بملاقاة الخمر، ولا ضرورة إلى تطهيره. والثاني: يطهر؛ لأنه حصل فيه قبل أن كان خمراً؛ كأجزاء الدن. وإذا وقعت في الملاحة نجاسةٌ، فصارت ملحاً- فهو نجس، وكذلك رماد السرقين. وعند أبي حنيفة- ﵀: طاهر. ودخان الزيت النجس نجس، والسرقين نجس؛ على ظاهر المذهب؛ لأنها أجزاء تحللت منه؛ كالرماد. وقيل: ليس بنجس؛ كالبخار الخارج من الكنيف والإصطبل. ويجوز الاصطلاء بنار السرقين. وإذا طالت المدة على النجاسة؛ فصارت بطبع التراب- فهو نجس. فصلٌ في إزالة النجاسات روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مراتٍ؛ أولاهن بالتراب، وأخراهن بالتراب".

стр. 161

النجاسات قسمان: نجاسة الكلب والخنزير، ونجاسة غيرهما. أما الكلب: إذا ولغ في إناءٍ فيه ماءٌ قليل، أو مائعٌ آخر؛ وإن كان كثيراً- ينجس الإناء وما فيه؛ فعليه أن يريقه، ويغسل الإناء سبع مراتٍ؛ إحداهن [مكدرةً] بالتراب؛ [لأن مسح] الإناء بالتراب؛ سواء كان قد صُبَّ الماء على التراب، أو ألقي التراب في الماء، فكدره- فجائز. وكذلك لو أصاب شيءٌ، من بدن الكلب موضعاً رطباً- يجب غسله سبعاً؛ إحداهن بالتراب. والمتولد بين الكلب وغيره كالكلب. وقال أبو حنيفة: "لا فرق بين الكلب، وسائر السباع، يغسل الإناء من ولوغه؛ كما يغسل من سائر النجاسات".

стр. 162

وقال مالك ﵀: "لا ينجس الماء بولوغ الكلب، ولكن يجب غسل الإناء سبعاً؛ تعبداً. أما الخنزير أو المتولد من الخنزير وغيره، إذا ولغ في ماءٍ قليل، أو أصاب شيءٌ من بدنه موضعاً رطباً ينجس. وكم يغسل فيه؟ قولان: أظهرهما- وهو القول الجديد-: يجب غسله سبعاً؛ إحداهن مع التراب؛ لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ لأن تحريمه بالنص، وتحريم الكلب بالاجتهاد؛ ولأنه لا يجوز اقتناؤه بحالٍ، ويجوز اقتناء الكلب عند الحاجة. وقال في القديم- وهو قول عامة أهل العلم-: "لا يجب غسله إلا مرة واحدة، ولا يجب التعفير؛ كسائر النجاسات؛ بخلاف الكلب؛ لأنهم كانوا يقربون الكلاب من أنفسهم، وألفوها؛ فغلظ الأمر فيه؛ قطعاً لهم عن عادتهم، ولم يوجد هذا في الخنزير؛ فهو كالخمر لما كانت نجاسة مألوفة، غلظ الأمر في شربها؛ بإيجاب الحد، ولم يغلظ في شرب الدم والبول. ولو أصاب دم الكلب، أو روثه موضعاً، فلم تزل العين [إلا] بعد غسلتين أو ثلاث غسلات- هل تحتسب تلك الغسلات من السبع؟ فيه وجهان: أحدهما: تحسب حتى لو زالت العين في الغسلة السابعة؛ فقد طهر؛ كما في الاستنجاء، لو حصل النقاء بالحجر الثالث، لا يجب استعمال غيره. والثاني: تحسب الغسلات التي زالت بها العين غسلة واحدة؛ فتجب بعد زوال العين ست غ سلات؛ كما أن أثر الولوغ يزول بغسلة واحدة، ويجب بعدها ست غسلات. ولا يحصل التعفير بالتراب النجس، أما الأشنان والصابون والنخالة والجص؛ هل يقوم مقام التراب، سواء كان التراب موجوداً، أو لم يكن؟ فيه قولان [واختلفوا على وجهين: أحدهما: أن القولين في حال عدم التراب، وأما عند وجود التراب؛ فلا يجوز بغيره؛ قولاً واحداً.

стр. 163

والثاني: أن القولين في الأحوال كلها؛ لأنه جعلها في أحد القولين؛ كالتيمم، وفي الآخر جعل كالاستنجاء والدباغ. وفي الأصلين جميعاً لا فرق بين وجود المنصوص عليه، وبين عدمه]. أحدهما: لا؛ لأنه طهارةٌ أُمر فيها بالتراب، فغيره لا يقوم مقامه كالتيمم. والثاني: تقوم مقامه؛ لأنه طهارةٌ عن خبث بالجامد، كالاستنجاء يقوم غير الحجر مقامهُ؛ وكالدباغ القرظ، والشب فيه يقوم مقامه. فإن قلنا: غير التراب يقوم مقامه، فلو غسله ثماني مرات بلا تراب فالغسلة الثامنة؛ هل تقوم مقام التراب؟ فيه وجهان: أحدهما: تقوم مقامه، لأن الماء أبلغ في التنظيف. والثاني - وهو الأصح -[عند المراوزة]: لا تقوم مقامه لأنه غلظ الأمر فيه بالجمع بين اثنين فلا يجوز الاختصار على أحدهما؛ كزنا البكر أمر فيه بالجمع بين الجلد والتغريب؛ فلا يجوز الاقتصار على أحدهما. ولو طرح التراب في خلٍّ، أو ماء وردٍ؛ فعقر به الإناء [ثم غسله بالماء] هل يطهر؟ وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الخل لا يطهر. وقيل: يطهر؛ لأن المقصود من هذه الغسلة التراب لا الماء؛ ولو ولغ كلب في إناءٍ وقعت فيه نجاسةٌ أخرى، لا يجب إلا سبع مرات؛ إحداهن بالتراب؛ لأن غسل النجاسات تتداخل حتى لو غسل الإناء من الولوغ ثلاث مرات، ثم وقعت فيه نجاسة، لا يجب غسله بعد ذلك إلا أربعاً. ولو ولغ كلبان في إناء، أو كلبٌ واحد مراراً، لا يجب غسله أكثر من سبع مئات؛ لأن النجاسة لا تتضاعف بزيادة الولوغ.

стр. 164

ولو ولغ كلب [في إناء] ووضع ذلك الإناء في ماء كثير لا يطهر، إلا بأن يجري عليه سبع جرياتٍ، أو تحركه فيه سبع مرات، ويكرره. وقيل: يطهر؛ لأن الإناء لو كان في هذا الماء حين ولغ الكلب فيه، لم يؤثر فيه الولوغ، فإذا وضع فيه يطهر، وليس بصحيح. وفرع ابن الحداد على الأول قال: "لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه ماء قليل، ثم كُوثِرَ ذلك الماء حتى بلغ قلتين؛ - فالماء طاهر، والإناء نجس. أما نجاسة غير الكلب والخنزير، فليس في غسلها عددٌ، ولا تعفيرٌ، بل إن كانت حكمية فصب عليها ماءً واحداً؛ أي على جميعها، وعصر المحل- طهر، ويستحب أن يغسلها ثلاثاً. وإن كانت [عيينة]؛ كالدم والروث- يحثها، ويقرضها، ثم يدلكها بالماء؛ فتطهر، وإن بقي أثرٌ لها؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة فقال رسول الله ﷺ : حثيه، ثم اقرضيه [بالماء]، [ثم اغسليه بالماء]، ثم رشيه، وصلي فيه".

стр. 165

وسئلت عائشة- ﵂ عن الحائض؛ يصيب ثوبها الدم؟ قالت: "تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرةٍ.

стр. 166

وإن كانت النجاسة لها رائحة، فغسلها؛ فزال الأثر، وبقيت الرائحة، فهو نجسٌ، إن لم يكن لتلك النجاسة رائحةٌ ذكيةٌ، وإن كانت لها رائحة ذكيةٌ؛ مثل: [بول المبرسم] والخمر العتيق؛ ففيه قولان: أحدهما: لا يطهر؛ حتى تزول الرائحة؛ لأن الرائحة صفتها لا تنفك عنها؛ كالطعم إذا بقي لا يحكم بطهارته. والثاني- وهو الأصح عند المراوزة-: يطهر؛ لأن الرائحة لا تدل على النجاسة؛ كمن دخل بيت الخمور فعبقت الرائحة بثوبه لا يكون نجساً بخلاف الطعم؛ فإنه لا يبقى إلا ببقاء العين، فإن كان اللون باقياً مع الرائحة، فهو نجس على الصحيح من المذهب. ولو صبغ ثوباً [بصبغ] نجس، وخضب يده بحناءٍ نجس، فغسله، فزالت العين، وبقي اللون- فهو طاهر، وإذا أراد غسل النجاسة، يجب أن يورد الماء على المحل النجس؛ حتى يطهر، فإذا أورد المحل النجس على ماءٍ أقل من قلتين، ينجس الماء، ولا يطهر المحل؛ لأن الماء إذا ورد على المحل تكون القوة للوارد؛ ولهذا قال ﷺ ؛ "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثاً".

стр. 167

فالنبي ﷺ منعه من إدخال اليد في الإناء، وأمره بصب الماء عليها، ثم إذا صب الماء على المحل النجس، فما دام الماء يتردد على المحل لا يحكم بنجاسته؛ لأنا لو حكمنا بنجاسته لم تكن إزالة النجاسة بماء أقل من قلتين. فإذا انفصل عن المحل، نظر: إن انفصل متغيراً فالماء والمحل نجسان، وإن انفصل غير متغير؛ نظر: إن كانت النجاسة باقية على المحل، فالمنفصل نجس، وغن كانت زائلة فالمنفصل طاهر غير مطهر؛ كالماء المستعمل في الوضوء؛ لأن البلل الباقي في المحل من بقية المنفصل، فلولا أن المنفصل طاهرٌ، لم يكن المحل طاهراً. وقال أبو القاسم الأنماطي: "المنفصل نجسٌ؛ وهو قول أبي حنيفة ﵀؛ فحكم الماء المنفصل عن المحل حكم المحل بعد انفصال ذلك الماء عنه؛ على المذهب الصحيح. وعلى قول أبي القاسم الأنماطي حكم الماء بعد الانفصال حكم المحل بعد ورود ذلك الماء عليه، وفائدته تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب موضعاً، كم يجب غسل ذلك الموضع؟ فعلى المذهب الصحيح: أنه إذا أصاب من الغسلة الأولى، يجب غسل ذلك الموضع ست مرات، وإن أصاب من الثانية فخمس مرات، ومن الثالثة أربع مرات، ومن الرابعة ثلاث مرات، ومن الخامسة مرتين، ومن السادسة مرة واحدة. وإن أصاب من السابعة، لا يجب غسل ذلك الموضع، وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله بعد التعفير- لا يجب تعفير ذلك الموضع. وإن أصاب من غسله قبل التعفير، يجب تعفير ذلك الموضع؛ لأن تعفير محل الولوغ عليه باقٍ، وعلى قول الأنماطي حكم المنفصل حكم المحل قبل ورود ذلك الماء. وإن أصاب من الغسلة الأولى، يجب [عليه] غسله سبع مرات، ومن الثانية ست

стр. 168

مرات، ومن الثالثة خمس مرات، ومن الرابعة أربع مرات، ومن الخامسة ثلاث مرات، ومن السادسة مرتين، ومن السابعة مرة واحدة. وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله قبل التعفير- يجب تعفير ذلك الموضع. وإن أصاب من غسله بعد التعفير، لا يجب تعفيره، ولو جمعت غسلات الولوغ، فإن بلغ قلتين، فهو طاهر على أصح الوجهين؛ كالمستعمل في الوضوء، وإن لم يبلغ [قلتين] فهو نجس وإذا أصاب موضعاً، فهو كما لو أصاب من الغسلة الأولى؛ لأن تلك الغسالة فيها. وقيل: هي طاهرة؛ لأنها بمجموعها طهرت المحل؛ فكان كغسالةٍ انفصلت، ولا تعفير فيها؛ وليس بصحيح. ولو صب على محل رطبٍ بالبول قدر منوين من الماء، فانفصل أكثر من منوين في الوزن غير متغير، أو كان في إناء قليل بول؛ فصب فيه من الماء ما غمره فيه وجهان: أحدهما: هو نجس [وبه قطع القاضي في طريقته]؛ لأن زيادة الوزن أبلغ من تغير اللون. وقيل؛ هو طاهر [وهو الأصح]؛ لأن الوارد عليه من الماء قد غلبه، فجعله كالمستهلك ولكن لا يكون مطهراً لغسالةِ النجاسة، وكالماء الكثير إذا صُب منه كوب بولٍ، ولم يتغير، كان طاهراً. وإن حصل زيادة الوزن. قال الإمام إمام الأئمة: "والأول أصح، بخلاف الماء الكثير؛ لأن قوته قوة الغلبة، وقوة الغلبة تغلب زيادة الوزن، والقليل ليس له قوة الغلبة؛ بدليل أنه لو وقع فيه نجاسة يسيرةٌ، ولم يتغير ينجس، فلما لم يغلب قليل نجاسة لا أثر له، فأولى ألا يغلب ما له أثرٌ بزيادة الوزن. ولو صب الماء على الثوب النجس فعصره، أو علقه حتى سال الماء منه، أو صُبَّ الماء في الإناء النجس فقلبه يطهر. ولو لم يعصره، بل تركه في الماء، ثم الهواء حتى جفَّ،

стр. 169

أو صب الماء في الإناء النجس، فلم يقلبه، وتركه حتى جف- هل يحكم بطهارته؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم بطهارته؛ وهو الأصح عند العراقيين؛ كالأرض النجسة إذا صُبَّ [الماء] عليها، وتركت حتى جفت، حكم بطهارتها. والثاني- وهو الأصح عند الإمام إمام أئمة-: لا يحكم بطهارته؛ حتى يدلك ويعصر؛ لأن عصر الثوب وقلب الإناء ممكن، بخلاف الأرض. قال الإمام: "وهذا أصح؛ لأنا لو لم نشرط ذلك لم يكن بين بول الصبي الذي لم يطعم، وبين بول غيره فرقٌ؛ وقد فرق الشرع بينهما. ولو بعّض محل النجاسة في الغسل، فغسل بعضه في دفعة، والبعض في دفعة- هل يطهر؟ فيه وجهان: قال صاحب "التلخيص": "لا يطهر؛ لأن الجزء المغسول الذي يلي غير المغسول ينجس؛ لمجاورته، ثم ينجس ما وراءه؛ لاتصاله به. والوجه الثاني - وهو الأصح-: يطهر؛ لأن الثوب جامدٌ لا تتعدى فيه. النجاسة [إلى] الجزء [الذي] يلي النجاسة؛ كما قال النبي ﷺ في الفأرة تموت في السمن إن كان جامداً: "ألقوها وما حولها" فلم يحكم إلا بنجاسة ما حولها.

стр. 170

وقيل: قول صاحب "التلخيص" فيما إذا كان يغسل الثوب في جفنةٍ فغسل نصفه، ثم أورد النصف الثاني على ذلك الماء - فلا يطهر؛ لأنه نجس بورود المحل النجس عليه.

стр. 171

ولو أصاب الأرض بولٌ، أو خمرٌ، أو نجاسة مائعة، فصب عليها من الماء [ما يغمرها؛ فيطهر. وهل يحكم بطهارته قبل أن تنشف الأرض من الماء؟] فيه وجهان: ولا يشترط حفر الأرض. وعند أبي حنيفة ﵀: لا يطهر حتى تحفر الأرض إلى الموضع الذي وصلت النداوة إليه، وينقل التراب. دليلنا: ما روي عن أبي هريرة؛ أن أعرابياً بال في ناحية المسجد. فقال النبي ﷺ : "صبوا عليه ذنوباً من ماء". ولم يأمر بنقل التراب، ولا تقدير لما يصب عليه من الماء إلا المكاثرة؛ وهي أن يكون الماء أكثر من البول حتى يغمره.

стр. 172

وقيل: يصب عليه سبعة أمثاله. ولو اختلط بالتراب مائعٌ نجسٌ، أو ضرب لبنٌ ببول؛ فصب عليه الماء حتى تخلل

стр. 173

أجزاءه، طهر ظاهره وباطنه، ولا يطهر بالطبخ. ولو صب الماء عليه بعد الطبخ، فإن كان رخواً تخلل الماء أجزاءه، وطهر ظاهره وباطنه معه. وإن كان متحجراً، لم يتخلل الماء أجزاءه، طهر ظاهره دون باطنه، [و] تجوز الصلاة عليه، ولا تجوز معه. ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ جامدة، فلا يطهر بصب الماء، ولو طبخ فلا تطهره نارٌ، ولا غسلٌ بعد الطبخ؛ [وقال أبو الحسن المرزبان: إذا صب عليه ماء، يطهر ظاهره؛ لأن ما فيه من النجاسة يحترق؛ ولهذا يتبعه موضعه. قالوا والأول هو المذهب]؛ لأن رماد السزقين متفرقٌ في أجزائه. وإذا نجس الدهن، فلا يمكن تطهيره بحالٍ؛ لأنه ينجس كله بملاقاة النجاسة، ولا يتخلل الماء تضاعيفه؛ حتى يستخرج النجاسة. وقيل: يمكن تطهيره بأن تجعل في إناء، ويصب عليها الماء، ويحرك بخشب، ثم يترك حتى تعلو الدهن، ويفتح أسفله حتى يخرج الماء. وليس بصحيح. أما الزئبق إذا أصابته نجاسةٌ، ولم تنقطع؛ حتى صب عليها الماء يطهر؛ لأن النجاسة لم تدخل أجزاءه. وإن تقطع فهو بمنزلة الدهن، لا يمكن تطهيره؛ على ظاهر المذهب. وبول جميع الحيوانات سواء في أنه لا يطهر منها إذا أصاب موضعاً إلا بالغسل، كسائر النجاسات، إلا بول الصبي الذي لم يطعم؛ فإنه يكتفي فيه بالرش، ولا نعني بالرش أن يرش عليه الماء حتى يبتل، ولا يسيل، بل ينضحه بالماء حتى يصل إلى جميعه فيغمره؛ بحيث لو عصر ينعصر؛ فيطهر، وإن لم يدلك ولم يعصر؛ لما روي عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام. فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه؛ فدعا بماءٍ؛ فنضحه ولم يغسله.

стр. 174

وفي بول الصبية التي لم تطعم قولان: أحدهما: يكتفي فيه برش الماء، كبول الصبي. والثاني- وهو الأصح؛ وبه قطع العراقيون-: يجب غسله؛ لما روي عن لبابة بنت الحارث قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".

стр. 175

والفرق: أن طبع الأنثى أحر، فبولها ألصق بالمحل. وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: "يجب غسله؛ كبول غيره؛ وهو الاحتياط". وبول الخنثى المشكل كبول الأنثى من أي آلةٍ خرج. وكل نجاسة تطهر بالغسل، فلا يطهرها غير الماء. هذا هو المذهب. وقال في "الإملاء" في الرضيع: "إذا أشرقت عليه

стр. 176

الشمس فانمحقت [آخر] النجاسة عنه، جاز الاستنجاء به، فحكم بطهارة ظاهره وباطنه. وقال في القديم: "إذا أصاب الأرض بولٌ، فجفت بالشمس، جازت الصلاة عليه. ولا يجوز التيمم به". وهذا يدل على أنه يطهر بالشمس ظاهره، ولا يطهر باطنه. وخرج من هذا أن في الجديد: غير الماء لا يطهر؛ وهو المذهب. وفي القديم: الشمس تطهر. ثم هل تطهر الظاهر والباطن، أم لا تطهر إلا الظاهر؟. [فيه قولان]:

стр. 177

قال أبو عبد الله الخضري: "إذا قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى؛ لأنها أقوى". ولو ضرب لبن بماء نجس، وطبخ، يطهر على هذا التخريج. إن كانت الأرض رطبة لم يجز الصلاة عليها، ولا التيمم منها، وإن كانت يابسة، فقولان. ولو أصاب أسفل خفه أو نعله نجاسةٌ جامدة؛ فدلكه بالأرض حتى ذهبت. قال في القديم: "تجوز الصلاة فيه". ولم يرد به أن الأرض تطهره، ولكنه [يكون] عضواً كمحل الاستنجاء إذا مسحه بالحجر، والمذهب: هو قوله الجديد: إنه لا تجوز الصلاة في ذلك الخف ما لم يغسله بالماء؛ كما لو أصابته نجاسةٌ مائعةٌ، وكالثوب تصيبه النجاسة. وعند أبي حنيفة ﵀: يطهر بالمسح. فصلٌ فيما يحرم من الأواني وما لا يحرم روي عن حذيفة، عن النبي ﷺ [أنه] قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها ولا تلبسوا الحرير والديباج؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".

стр. 178

الأواني المتخذة من الجلود الطاهرة، والأشياء الخسيسة؛ كالخشب، والخزف، والحديد، والرصاص، والنحاس، والصفر، والزجاج- يجوز استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها، وإن كثرت قيمتها بالصنعة؛ لأن جوهرها غير نفيسٍ. وأما المتخذة من الجواهر النفيسة؛ نظر: إن كانت من ذهبٍ أو فضةٍ، يحرم استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها. وقال في القديم: "تكره" والأول أصح؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". فلولا تحريمه لكان لا توعد عليه بالنار. ولو توضأ منها، يعصي الله تعالى، ويصح وضوؤه؛ لأن الطهارة تحصل بالماء، وهو طهورٌ. وكذلك يحرم الأكل بملعقة الفضة، واستعمال ماء الورد من قارورة الفضة، والتبخر بمجمرة الفضة إذا قعد عليه.

стр. 179

أما إذا أتته الرائحة من بُعدٍ فلا حرج عليه. ويستوي في تحريمه الرجال والنساء، وإن كان يجوز للنساء لُبس حلي الذهب والفضة، ولا يجوز للرجال؛ كما أن افتراش الحرير والديباج حرام على الفريقين، وإن كان يجوز للنساء لبسها دون الرجال؛ لأن الجلوس عليها للخيلاء؛ وهو حرام، واللبس للزينة؛ وهي مباحة للنساء. وهل يحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحرم؛ لأنه ليس فيه إلا حفظ المال وإحرازه؛ حتى لا يتفرق. والثاني - وهو الأصح-: أنه يحرم؛ لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه؛ كالطنبور والمزمار. وفائدته: تظهر فيما لو استأجر أجيراً لاتخاذه؛ هل يستحق الأجرة؟ ولو كسره [كاسر] هل يغرم الصنعة؟ إن قلنا: "يحرم اتخاذه"، لا أجرة للأجير، ولا غرم على

стр. 180

الكاسر، وإن قلنا: "لا يحرم"؛ فالأجير يستحق الأجرة، والكاسر يغرم الصنعة. أما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة؛ مثل: الفيروزج والبلور، والمها ونحوها- هل يحرم استعمالها؟ فيه قولان؛ بناء على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؛ وهو الفخر والخيلاء؟ وفيه جوابان: إن قلنا: "لعينهما"، فهاهنا لا يحرم. وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟ إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم. وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم. وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهبٍ أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟ إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم. وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم. وعلى عكسه: لو اتخذ إناءً من حديدٍ، أو نحاسٍ، وموهه بذهبٍ أو فضةٍ. إن قلنا: التحريم لعين الذهب [والفضة]- لا يحرم استعماله. وإن قلنا: "للخيلاء"، يحرم. أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة؛ نظر: إن كانت الضبة على فم الإناء؛ بحيث تمس فم الشارب- يحرم الشرب منه. وإن كان على موضعٍ آخر، أو أراد استعماله في غير الشرب، على أي موضع كانت الضبة؛ نظر: إن كان قليلاً للحاجة؛ بأن كان قد تصدع فضببه لم تكره. وإن كان كثيراً للزينة، يحرم استعماله. وإن كان كثيراً للحاجة، أو قليلاً للزينة- يكره، ولا يحرم. وقيل: يحرم. وحد الكثرة: أن يكون جزءٌ كامل منه من ذهبٍ أو فضة؛ عروته، أو شفته، أو أسفله. قال الإمام: "وبه قطع العراقيون".
следующие страницы →