← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشمس فانمحقت [آخر] النجاسة عنه، جاز الاستنجاء به، فحكم بطهارة ظاهره وباطنه. وقال في القديم: "إذا أصاب الأرض بولٌ، فجفت بالشمس، جازت الصلاة عليه. ولا يجوز التيمم به". وهذا يدل على أنه يطهر بالشمس ظاهره، ولا يطهر باطنه. وخرج من هذا أن في الجديد: غير الماء لا يطهر؛ وهو المذهب. وفي القديم: الشمس تطهر. ثم هل تطهر الظاهر والباطن، أم لا تطهر إلا الظاهر؟. [فيه قولان]:

стр. 177

قال أبو عبد الله الخضري: "إذا قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى؛ لأنها أقوى". ولو ضرب لبن بماء نجس، وطبخ، يطهر على هذا التخريج. إن كانت الأرض رطبة لم يجز الصلاة عليها، ولا التيمم منها، وإن كانت يابسة، فقولان. ولو أصاب أسفل خفه أو نعله نجاسةٌ جامدة؛ فدلكه بالأرض حتى ذهبت. قال في القديم: "تجوز الصلاة فيه". ولم يرد به أن الأرض تطهره، ولكنه [يكون] عضواً كمحل الاستنجاء إذا مسحه بالحجر، والمذهب: هو قوله الجديد: إنه لا تجوز الصلاة في ذلك الخف ما لم يغسله بالماء؛ كما لو أصابته نجاسةٌ مائعةٌ، وكالثوب تصيبه النجاسة. وعند أبي حنيفة ﵀: يطهر بالمسح. فصلٌ فيما يحرم من الأواني وما لا يحرم روي عن حذيفة، عن النبي ﷺ [أنه] قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها ولا تلبسوا الحرير والديباج؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".

стр. 178

الأواني المتخذة من الجلود الطاهرة، والأشياء الخسيسة؛ كالخشب، والخزف، والحديد، والرصاص، والنحاس، والصفر، والزجاج- يجوز استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها، وإن كثرت قيمتها بالصنعة؛ لأن جوهرها غير نفيسٍ. وأما المتخذة من الجواهر النفيسة؛ نظر: إن كانت من ذهبٍ أو فضةٍ، يحرم استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها. وقال في القديم: "تكره" والأول أصح؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". فلولا تحريمه لكان لا توعد عليه بالنار. ولو توضأ منها، يعصي الله تعالى، ويصح وضوؤه؛ لأن الطهارة تحصل بالماء، وهو طهورٌ. وكذلك يحرم الأكل بملعقة الفضة، واستعمال ماء الورد من قارورة الفضة، والتبخر بمجمرة الفضة إذا قعد عليه.

стр. 179

أما إذا أتته الرائحة من بُعدٍ فلا حرج عليه. ويستوي في تحريمه الرجال والنساء، وإن كان يجوز للنساء لُبس حلي الذهب والفضة، ولا يجوز للرجال؛ كما أن افتراش الحرير والديباج حرام على الفريقين، وإن كان يجوز للنساء لبسها دون الرجال؛ لأن الجلوس عليها للخيلاء؛ وهو حرام، واللبس للزينة؛ وهي مباحة للنساء. وهل يحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحرم؛ لأنه ليس فيه إلا حفظ المال وإحرازه؛ حتى لا يتفرق. والثاني - وهو الأصح-: أنه يحرم؛ لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه؛ كالطنبور والمزمار. وفائدته: تظهر فيما لو استأجر أجيراً لاتخاذه؛ هل يستحق الأجرة؟ ولو كسره [كاسر] هل يغرم الصنعة؟ إن قلنا: "يحرم اتخاذه"، لا أجرة للأجير، ولا غرم على

стр. 180

الكاسر، وإن قلنا: "لا يحرم"؛ فالأجير يستحق الأجرة، والكاسر يغرم الصنعة. أما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة؛ مثل: الفيروزج والبلور، والمها ونحوها- هل يحرم استعمالها؟ فيه قولان؛ بناء على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؛ وهو الفخر والخيلاء؟ وفيه جوابان: إن قلنا: "لعينهما"، فهاهنا لا يحرم. وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟ إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم. وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم. وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهبٍ أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟ إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم. وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم. وعلى عكسه: لو اتخذ إناءً من حديدٍ، أو نحاسٍ، وموهه بذهبٍ أو فضةٍ. إن قلنا: التحريم لعين الذهب [والفضة]- لا يحرم استعماله. وإن قلنا: "للخيلاء"، يحرم. أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة؛ نظر: إن كانت الضبة على فم الإناء؛ بحيث تمس فم الشارب- يحرم الشرب منه. وإن كان على موضعٍ آخر، أو أراد استعماله في غير الشرب، على أي موضع كانت الضبة؛ نظر: إن كان قليلاً للحاجة؛ بأن كان قد تصدع فضببه لم تكره. وإن كان كثيراً للزينة، يحرم استعماله. وإن كان كثيراً للحاجة، أو قليلاً للزينة- يكره، ولا يحرم. وقيل: يحرم. وحد الكثرة: أن يكون جزءٌ كامل منه من ذهبٍ أو فضة؛ عروته، أو شفته، أو أسفله. قال الإمام: "وبه قطع العراقيون".

стр. 181

يحتمل أن يقال عن الذهب: لا يجوز؛ كما أن لُبس الخاتم من الفضة يجوز للرجال، وإن كان عليه شيءٌ من ذهبٍ لا يجوز. ولو اتخذ لإنائه حلقةً أو سلسلةً من فضة أو رأساً- يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله. وعند أبي حنيفة- ﵀: لا بأس بالمضبب بالذهب والفضة، إذا لم يضع فاه عليه. ويجوز الوضوء من أواني الكفار، والصلاة في ثيابهم ما لم [تعلم] نجاسته؛ سواء كان من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات؛ كالمجوس، أو لا يتدينونه؛ لما روي: أن النبي ﷺ توضأ في مزاده مشركةٍ، وتوضأ عمر ﵁ من ماء في جرة نصرانية. ويكره إذا كانوا من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات، إلا بعد الغسل. والصلاة في سراويلاتهم أشد كراهيةً؛ لأنها تجاور محل النجاسة. ومن أصحابنا من قال: "إن كانوا من الذين يستعملون النجاسات [ديانة]، هل يجوز الوضوء من أوانيهم، والصلاة في ثيابهم؟ فيه قولان؛ لتعارض الأصل والظاهر: أحدهما: يجوز؛ لأن أصل الماء والثوب على الطهارة. والثاني: [لا] يجوز؛ لأن الظاهر من حالهم استعمال النجاسة.

стр. 182

وقال أحمد وإسحاق: "لا يجوز؛ لأن الظاهر من بعد الغسل على الإطلاق". ويستحب تغطية الأواني، ولو أن يعرض عليه عوداً؛ لما روي عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "أغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الآنية، وأطفئوا السراج؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقاً، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً. وإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم". "باب السواك" روي عن عائشة- ﵂، وعن أبيها - أن رسول الله ﷺ قال: "السواك

стр. 183

مطهرة للفم، مرضاة للرب". والسواك سنة مستحبة؛ وهي في حالتين أشد استحباباً: عند القيام إلى الصلاة، وإن لم يكن الفم متغيراً. وعند تغير الفم بنومٍ، أو سكوتٍ، أو جوعٍ، أو أكل شيء مما يغير الفم، وإن لم يرد الصلاة. وذكر العراقيون حالة ثالثة؛ وهي عند اصفرار الأسنان. والسواك غير واجب؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "لولا [أن]

стр. 184

أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". قال الشافعي- ﵁: "ولو كان واجباً لأمرهم به؛ شق أو لم يشق". ويستحب للصائم قبل الزوال، ويكره بعد الزوال؛ لأن تغير الفم بعد الزوال من أثر الصوم؛ فيكره إزالته؛ لقول النبي ﷺ : "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".

стр. 185

وعند أبي حنيفة- ﵀: يستحب في جميع النهار، ويستحب أن يستاك بخشب [حريف] له رائحة ذكية، ويكون وسطاً؛ لا يكون خشباً يجرح اللثة، ولا ليناً لا يقلع الصفرة. ولو لقت على أصبعه خرقةً خشنة [أو كانت خشنةً] فأمرها على أسنانه قام مقام السواك.

стр. 186

ويستحب: أن يستاك عرضاً [ولا يقوم]، ويمره على لثته وأسنانه، ولا بأس أن يستاك بسواك غيره. ويستحب: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة. روي عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ قال: "خمسٌ من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار". وهذه الخصال سنة، والختان واجب في حق الرجاء والنساء جميعاً. وقال أبو حنيفة ﵀: "سنة". فنقول: أجمعنا على أن ستر العورة واجب، [و] يجوز كشف عورة المختون؛ لأجل الختان، ولولا وجوبه، لما جاز ترك الواجب لأجله. وروي عن أنس قال: "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة".

стр. 187

ويستحب ترجيل الشعر وتذهينه، ويرجل غباً. ويكره نتف الشيب؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم". ويستحب خضاب الشعر بالحناء، أو بالصفرة، ويكره السواد. روي عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم".

стр. 188

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحسن ما غير به الشيب: الحناء والكتم". ويستحب أن يكتحل وتراً؛ لما روي عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثاً في كل عين". وروي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اكتحل فليوتر، ومن لا فلا حرج". والله أعلم بالصواب. "باب نية الوضوء" روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال

стр. 189

بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى".

стр. 190

لا تصح الطهارة عند الحدث إلا بالنية، [و] يستوي فيه: الوضوء، والغسل، والتيمم. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: "يصح الوضوء والغسل بلا نية" دليلنا بعد الخبر فنقول: طهارة عن حدثٍ؛ فتفتقر إلى النية؛ كالتيمم. أما إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية؛ لأن سبيلها سبيل ترك المهجور؛ كترك المعاصي لا يحتاج إلى النية. والوضوء عبادة. قال النبي ﷺ : "الوضوء شطر الإيمان".

стр. 191

والعبادة تفتقر إلى النية؛ كالصلاة، والصوم، والحج. قالوا: "النية في التيمم منصوصٌ عليها؛ وهي قوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. والتيمم القصد؛ بخلاف الوضوء. قلنا: "النية غيرُ منصوص عليها في التيمم، وليس المراد من القصد ما ذكروا، بل المراد منه: القصد إلى الصعيد؛ لنقل التراب إلى الوجه واليدين؛ بدليل أنه أضاف القصد إلى الصعيد، والقصد إلى الصعيد يكون بالبدن، لا بالقلب. وإن سلمنا: ففي الوضوء أيضاً منصوصٌ عليها، لأنه تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. علق وجوب غسل الأعضاء بالقيام إلى الصلاة؛ فوجب أن يكون ذلك الغسل للصلاة؛ كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢، ٤]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٢٨]. ثم الواجب أن يجلد للزنا، ويقطع للسرقة. فإن جلد وقطع لغيرهما، لم يجز عنهما. والنية تكون بالقلب في الطهارة، وجميع العبادات من الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج وغيرها، فلو لم يتلفظ بلسانه جاز، ولو تلفظ بلسانه، ولم ينو بقلبه- لم يجز. وينوي المحدث رفع الحدث، واستباحة الصلاة، وينوي الجنب رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة. فلو نوى بوضوئه، أو غسله: أن يفعل فعلاً تجب له الطهارة؛ مثل: صلاة النافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر، أو الطواف، أو مس المصحف- صح وضوؤه، وغسله لجميع الصلوات؛ لأن هذه الأفعال لا تباح مع الحدث؛ فتتضمن نيتها رفع الحدث. وكذلك لو نوى الجنب بغسله الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن- يصح غسله. ولو نوى فعلاً لا تندب له الطهارة؛ مثل: عيادة المريض، وزيارة الصديق، والأكل، والنوم أو التبرد والتنظف ونحوها- لا تصح طهارته. ولو نوى فعلاً يستحب له الطهارة؛ مثل: الأذان، والتدريس أو المحدث نوى

стр. 192

الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن، أو الجنب نوى بغسله العبور في المسجد- فيه وجهان: أصحهما: لا تصح طهارته؛ لأن هذه الأعمال لا تباح مع الحدث، فنية فعلها لا ترفع الحدث. والثاني: يصح؛ لأنه نوى ما يستحب له الطهارة، ولا يحصل الاستحباب إلا بارتفاع الحدث. ولو نوى تجديد الوضوء، أو الجنب نوى غسل الجمعة والعيد- فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى الأذان. وليس بصحيح بل لا تصح طهارته، بخلاف ما لو نوى الأذان والتدريس؛ لأن استحباب الطهارة هناك لأجل الحدث؛ فجاز أن تتضمن نيته رفع الحدث، وتجديد الوضوء. والغسل من الجمعة والعيد مستحب [لا] لأجل الحدث والجنابة، فلا تتضمن نيته الخروج عن الحدث. ولو نوت الحائض بغسلها تمكين الزوج من الوطء جاز للزوج وطؤها. وهل يصح غسلها للصلاة؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنها نوت فعلاً يجب لها الغسل. والثاني، وهو الأصح: لا يصح؛ لأن اغتسالها وقع لما ينقض الغسل؛ وهو الجماع؛ فلا يتضمن رفع الحدث. وصحته في حق الوطء لا يدل على جواز أداء الصلاة به؛ كالذمية اغتسلت من الحيض، جاز لزوجها غشيانها، وإذا أسلمت لا يجوز لها أن تصلي به. ولو توضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ فترك لُمعة في الغسلة الأولى، وانغسلت في الثانية أو الثالثة؛ وهو غير عالمٍ بها، ثم علم. فقد قيل: هو كتجديد الوضوء؛ لأن اعتقاده أن الحدث قد ارتفع عن العضو بالغسلة الأولى؛ فالثانية لا تتضمن رفع الحدث. وقيل: يصح؛ لأن الغسلة الثانية والثالثة يأتي بهما على حكم النية الأولى، وتلك النية نية صحيحة، مشتملة على الغسلات كلها؛ فجاز إكمال الفرض بكل غسلةٍ منها. ولو توضأ رجل، فنسي مسح الرأس فيه، ثم جدد وضوءه فمسح فيه رأسه، أو اغتسل

стр. 193

للجنابة؛ فترك لمعة، ثم اغتسل للجمعة، فغسلت تلك اللمعة- لا يتم به وضوؤه وغسله؛ لأنه لم يمسح، ولم يغسل اللمعة عن الفرض. هذا هو المذهب. ولو نسي وضوءه الأول، أو غسله الأول؛ فأعادهما على أنه محدثٌ أو جنبٌ، ثم تذكر- تم وضوؤه وغسله؛ لأنه أتى به على اعتقاد الوجوب. ولو نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها؛ نظر: إن لم ينف غيرها صح وضوؤه لجميع الصلوات، وإن نفى غيرها؛ بأن قال: أصلي به الظهر، ولا أصلي [به] غيره ففيه ثلاثة أوجه: أصحها: تصح طهارته لجميع الصلوات؛ لأن الحدث إذا ارتفع في حق صلاة واحدة، يرتفع في حق جميعها. والثاني: لا يصح أصلاً؛ لأنه غير مقتضاه؛ فصار كما لو لم ينو؛ وكما لو شرع في صلاة الظهر بنية أن يصلي ركعة واحدة لا يصح. والثالث: يصح وضوؤه للصلاة التي عينها دون غيرها. وهذا ضعيف. ولو أحدث أحداثاً كثيرة؛ فنوى رفع واحدٍ بعينه؛ نظر: إن لم ينف [رفع] غيره، يخرج عن جميعها، وإن نفى غيره؛ فقال: نويت رفع حدث البول دون غيره- فوجهان: أحدهما: [لم] يرتفع جميعها. والثاني: لا يصح وضوؤه أصلاً. وتنوي المستحاضة وسلس البول بوضوئهما استباحة فرض الصلاة، فلا تصح طهارتهما بنية رفع الحدث؛ لأن الحدث متصل بهما لا يرتفع، وطهارتهما للنافلة كالتيمم للنافلة: وينوي المتيمم استباحة فرض الصلاة، ولا يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ بدليل أن تيممه يبطل برؤية الماء. وقال ابن شريجٍ: "يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق صلاة واحدة".

стр. 194

والأول المذهب: أنه لا يصح إلا بنية استباحة الصلاة فإذا تيمم لاستباحة فرض الصلاة، لا يجب تعيين الفريضة؛ حتى لو تيمم لفريضةٍ بعينها، جاز له أن يصلي فريضة أخرى، دون ما عينها. وإذا تيمم لفريضة، جاز له أن يصلي بذلك التيمم السنن، وما شاء من النوافل قبل الفريضة وبعدها. ولو تيمم لنافلةٍ، أو لحمل مصحفٍ، أو سجود تلاوةٍ، أو سجود شكرٍ، أو تيمم الجنب للاعتكاف، وقراءة القرآن- صح تيممه لما نوى. وقيل: لا يصح. وهل يجوز أداء الفريضة به؟ فيه قولان: قال في الجديد - وهو المذهب-: "لا يجوز؛ لأن الفرض لا يكون تبعاً للنفل". وقال في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة- ﵀: "يجوز؛ كما لو توضأ لنافلة، جاز أداء الفرض به". ولو تيمم لاستباحة الصلاة مطلقاً، فهو كالتيمم للنفل. ولو تيمم لصلاة جنازةٍ، يصح؛ وهو كالتيمم للفريضة؛ على أحد الوجهين؛ لأن صلاة الجنازة فريضةٌ. وقيل: [هو] كالتيمم للنافلة؛ لأن صلاة الجنازة ليست بفرض عينٍ. ولو تيمم لأداء صلاةٍ منذورةٍ، فهو كالتيمم للفريضة؛ لأن أداء المنذورة فريضة. ولو تيممت الحائض، ونوت التمكين للزوج- ففي صحته وجهان: كما لو توضأت لهذه النية. قال الإمام إمام الأئمة: "فإن جوزنا، فهو كالتيمم لصلاة النفل. ولو نوى المتيمم فرض التيمم، أو فرض الطهارة. قيل: يصح؛ كما لو نوى المتوضئ فرض الوضوء. والأصح: أنه لا يصح؛ لأن التيمم لا يستقل بنفسه، إنما هو لاستباحة الصلاة، ولم توجد هذه النية.

стр. 195

ولو تيمم لفائتةٍ ظنها عليه؛ فبان أن لا فائتة عليه [لم يصح تيممه. وبمثله لو توضأ لفائتة ظنها عليه، ثم بان أن لا فائتة عليه- يصح وضوؤه. وكذلك لو ظن أن فائتة ظهر فتيمم له، ثم بان أنها عصر- لم يصح تيممه. وبمثله] يصح وضوؤه. والفرق: أن نية استباحة الصلاة في التيمم لازمةٌ من غير تعين، فإذا عين وأخطأ لم يجز؛ كما لو عين الإمام في الصلاة، أو في صلاة الجنازة عين الميت، وأخطأ- لم تصح صلاته. وفي الوضوء نية استباحة الصلاة [عين الصلاة] غير لازمة؛ لأنه يجوز أن يعدل عنها إلى نية رفع الحدث؛ فالخطأ فيه لا يضر؛ كالمصلي إذا عين اليوم، وأخطأ- تصح صلاته. وهذا بخلاف ما لو كانت عليه فائتتان؛ فتيمم لإحداهما، له أن يصلي به أخرى دون ما عينها؛ لأن ثم صح تيممه للتي عينها، وها هنا لم يصح تيممه لما عينها؛ لأنها لم تكن عليه. ولو تيمم لأداء فرضين لم يصح تيممه؛ كما لو نوى أن يصلي الظهر خمس ركعات. وقيل: يصح تيممه لواحدة منهما. ولو تيمم لاستباحة الصلاة، واعتقاده أنه جنبٌ؛ فإذا هو محدثٌ، أو اعتقاده أنه محدثٌ؛ فإذا هو جنبٌ- لا يضر؛ لما ذكرنا أن ما لا تشترط نيته، فالخطأ فيه لا يضر. ولو ظن المحدث أن حدثه بولٌ؛ فتوضأ بنية رفع حدث البول، ثم بان أن حدثه غائط أو نوم، أو الحائض ظنت أنها جنبٌ؛ فاغتسلت بنية رفع الجنابة، أو ظنت الجنب أنها حائضٌ فاغتسلت للحيض- يصح الوضوء والغسل؛ لأنه يعتقد ارتفاع الحدث عنه. فإن فعل عالماً، فلا يصح؛ لأنه ينوي رفع ما لم يخله عالماً؛ فيكون عبثاً، بخلاف ما لو كان جاهلاً؛ لأن الجاهل [يعتقد جواز] الصلاة به؛ فيصير كأنه نوى استباحة الصلاة. وقيل: يصح، ويلغو التعيين. ولو أن جنباً ظن أنه محدثٌ؛ فاغتسل بنية رفع الحدث- ترتفع الجنابة عن وجهه، ويديه، ورجليه؛ لأنه غسلها على اعتقاد الوجوب، ولا ترتفع عن سائر الأعضاء. ولو أن محدثاً ظن أنه جنبٌ؛ فاغتسل بنية رفع الجنابة؛ نظر: إن رتب أعضاء وضوئه - خرج عن الحدث، وغن لم يرتب فيه وجهان؛ بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم لا؟ فيه وجهان:

стр. 196

أحدهما: لا يحل إلا الأعضاء الأربعة؛ بدليل أنه لا يجب إلا غسلها. والثاني: يحل جميع البدن؛ لأنه ليس بعض البدن أولى بأن يحله الحدث من البعض؛ غير أن الله - تعالى- خفف عن عباده؛ فرفع الحدث عنهم بغسل هذه الأعضاء الظاهرة؛ لما أن الحدث يتكرر في اليوم مراراً، ويشق على الإنسان غسل جميع البدن، عند كل حدثٍ، بخلاف الجنابة؛ فإنها تقع في الأيام مرةً واحدة. فإن قلنا: "يحل جميع البدن" يخرج عن الحدث؛ لأن الترتيب إنما يجب إذا اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة، فإذا غسل جميع البدن، سقط عنه الترتيب؛ كما في الغسل. فإن قلنا: "يحل الأعضاء الأربعة" لا يخرج عن الحدث. [و] قال مالكٌ: "الخطأ في الحدث يمنع صحة الطهارة". وقال ربيعة: "إن أخطأ من نوع إلى نوع، مثل: إن أخطأ من حدث البول إلى الغائط، أو من الحيض إلى الجنابة - تصح طهارته، وإن أخطأ من جنسٍ إلى جنسٍ؛ مثل: إن أخطأ من الحدث إلى الجنابة، أو [من] الجنابة إلى الحدث- لا يصح. ووقت النية في حق المتوضئ عند غسل أول جزء من الوجه، ويستحب أن ينوي عند المضمضة والاستنشاق، وتستديم النية إلى أن يغسل جزءاً من الوجه. فلو نوى عند غسل الوجه، ولم ينو قبله- صح وضوؤه، ولا يحصل له ثواب المضمضة والاستنشاق. ولو نوى عند المضمضة والاستنشاق، وعزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه- ففيه وجهان:

стр. 197

أحدهما- وهو الأصح-: لا يصح وضوؤه؛ لأن ما قبل غسل الوجه يصح الوضوء بدونه؛ فلا يكون محلاً للنية. والثاني: يصح؛ لأنه نوى عند فعلٍ من أفعال الوضوء. وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيءٌ من بشرة الوجه- صح وضوؤه، وإلا فلا. وهذا ضعيف؛ لأنه وإن انغسل بعض من وجهه في المضمضة والاستنشاق فلم يغسله عن الفرض؛ بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه، بل يجب غسله ثانياً عن الفرض. ولو نوى عند غسل اليدين في الابتداء، ولم ينو عند المضمضة فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى عند المضمضة، ثم عزبت نيته. والمذهب: ألا يصح وضوؤه وجهاً واحداً؛ لأن غسل اليدين في الابتداء ليس من السنن المختصة بالوضوء، إنما أمر به؛ خيفة أن تكون أصابتها نجاسةٌ؛ فهو كما لو نوى عند الاستنجاء، ولم ينو بعده- لا يصح وضوؤه، ولو نوى عند غسل الوجه، ثم عزبت نيته قبل أن يتم وضوءه لا يضر؛ لأنه يشق عليه ذكر النية إلى آخر العبادة، وكذلك في الصلاة والصوم. وأما استدامة النية حكماً شرط، وهو [أن] لا ينوي شيئاً آخر. فلو نوى عند غسل اليدين التبرد والتنظف؛ نظر: إن كان ذاكراً للنية الأولى، يصح وضوؤه. وكذلك لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث مع التبرد والتنظف- يصح وضوؤه؛ لأن ما يحصل بدون النية، فضمه إلى النية لا يفسدها؛ كما لو صلى فريضة، وقصد مع أداء الفريضة التعليم، أو كبر في الصلاة، ونوى معه الإعلام- يصح. ولو ترك النية الأولى، ونوى التبرد والتنظف عند غسل اليدين- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف، وعليه أن يعيد ذلك بعد تجديد النية. ولو كان ناسياً للنية الأولى- فهو كما لو رفضها- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف؛ على ظاهر المذهب. وقيل: يصح وضوؤه؛ لأنه مستديمٌ للنية الأولى في حال النسيان؛ فلا يضر نية

стр. 198

التبرد والتنظف، وليس بصحيح؛ لنا نجعله مستديماً للنية الأولى حكماً إذا لم ينو شيئاً آخر. وعلى هذا لو غسل المتوضئ أعضاءه إلا الرجل، فسقط في النهر؛ فغسلت رجله؛ فإن كان ذاكراً لنية الوضوء تم وضوؤه، وإن كان ناسياً لم يصح غسل الرجل عند الوضوء؛ على ظاهر المذهب ولو كان على عضوٍ من أعضاء وضوئه نجاسةٌ- فلا يصح غسله عن الوضوء ما لم يغسل النجاسة، ولو نواها تزول النجاسة، ولا يحسب عن الوضوء. قال إمام الأئمة ﵀: "ورأيت أنه يُحسب عنهما". ولو فرق النية على أعضاء الوضوء؛ فنوى عند غسل كل عضو رفع الحدث عن ذلك العضو- ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح وضوؤه؛ حتى ينوي في الابتداء رفع الحدث عن الجملة؛ كما لو فرق نية الصلاة على أفعالها. والثاني: يصح. وهذا أصح؛ لأن تفريق أفعال الوضوء جائز، فجاز تفريق النية على أفعالها، بخلاف الصلاة؛ فإن تفريق أفعالها لا يجوز، فلا يجوز تفريق النية على أفعالها والله أعلم بالصواب. باب سنة الوضوء بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. إذا أراد الرجل أن يتوضأ؛ يبدأ فيسمى الله- تعالى-؛ لما روي عن سعيد بن زيدٍ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه".

стр. 199

والمراد [منه]: نفي الفضيلة لا نفي الجواز. والتسمية سنةٌ، لو تركها يصح وضوؤه. وقال أحمد ﵀: "لا يصح". وقال إسحاق: "إن تركها عمداً لا يصح وضوؤه، ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء، سمى في أثنائه". والسنة: أن يغسل يديه إلى الكوعين ثلاثاً في ابتداء الوضوء؛ سواء قام من النوم، أو لم يقم؛ غير أنه إن قام من النوم، يستحب ألا يغمس يديه في الإناء؛ حتى يغسلهما؛ لتوهم نجاسة أصابتهما، فلو غمس فيه قبل الغسل، ولم يعلم بها نجاسةً لم يضر الماء.

стр. 200

وإن لم يقم من النوم؛ فإن شاء غمس يديه في الإناء، وإن شاء صب عليهما [فغسلهما]؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده". وقال الحسن: "يجب غسل اليدين في ابتداء الوضوء"؛ وهو قول إسحاق وقال أحمد: "إن قام من نوم الليل، يجب غسل اليدين، ثم بعد غسل اليدين يأخذ الماء بيمينه للمضمضة. وقال في رواية المزني: "يغرف غرفة لفيه وأنفه". وقال في رواية البويطي: "يغرف غرفةً لفيه، وغرفة لأنفه". فمعنى رواية البويطي: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض بها ثلاثاً، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيستنشق بها ثلاثاً. وهذا رواية علي- ﵁ عن رسول الله ﷺ . واختلفوا في رواية المزني. قيل: أراد به: يغرف غرفة واحدة؛ فيتمضمض بها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً. وقيل: أراد به: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض ويستنشق مرة، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيفعل مثل ذلك، ثم يغرف غرفة ثالثة كذلك وهذا رواية عبد الله بن زيد، عن رسول الله ﷺ . وهو الأصح. والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعاً. وقال الحسن: "هما واجبان فيهما"؛ وهو قول ابن المبارك، وإسحاق. وقال الثوري وأبو حنيفة: "واجبان في الغسل، سنتان في الوضوء" فنقيس الغسل على الوضوء؛ لأن غسل الوجه واجبٌ فيهما، والفم والأنف على الوجه.

стр. 201

والمبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق. إلا أن يكون صائماً؛ فلا يبالغ، لما روي عن عاصم بن لقيط بن حبرة، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً". والمبالغة في المضمضة: أن يأخذ الماء بفمه، ويديره فيه، ويبلغه إلى أقصى الحنك، ثم يمجه.

стр. 202

وفي الاستنشاق: يأخذ الماء بأنفه، فيبلغه إلى خياشيمه، ويمتخط بشماله، ثم يأخذ الماء بيديه؛ فيغسل جميع وجهه ثلاثاً. وحد الوجه: من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، ووتدا الأذن ليسا من الوجه؛ غير أنه لا يمكن تعميم الوجه بالغسل إلا بغسلهما، وموضع الصدغين من الرأس، والنزعتان من الرأس؛ وهو ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس، ويستحب غسلهما. وفي موضع التربيع وجهان: قال ابن شريج: "من الوجه". وقال أبو إسحاق: "من الرأس". فإن كان الرجل أصلع؛ بأن ذهب شعر مقدم رأسه؛ فموضع الصلع من الرأس. وإن كان أغم، بأن انحط منبت شعره إلى الجبهة، فما على الاستواء من الوجه وغيره فمنبت الشعر؛ لأن الاعتبار بغالب الأحوال. وقيل: إن اتصل شعره بالحاجب، فما على الاستواء من الوجه، وإن لم يتصل فوجهه من منبت الشعر. وخمسه من الشعور على الوجه يجب غسل ظاهرها وباطنها في الوضوء والغسل، وإن كانت كثيفةً. ويجب غسل البشرة التي تحتها؛ وهي الحاجبان، وأهداف العينين والعذارُ، والشاربُ، والعنفقة، وكذلك حكم الشعر النابت على الخدين؛ لأن الغالب من هذه الشعور الخفة، وكثافتها نادرة. أما اللحية والعارض؛ نظر: إن كانت خفيفةً يجب غسل ظاهرها وباطنها. وإن كانت كثيفة؛ وهو ألا ترى البشرة من تحتها- يجب إمرارُ الماء على ظاهرها، ولا يجب غسل باطنها في الوضوء، ويجب في الغسل؛ لأن مبنى الوضوء على التخفيف؛ لأنه يتكرر في اليوم مراراً، ومبنى الغسل على الاستقصاء لأنه يجب في الأيام مرة؛ فلا يشق عليه [مراراً] غسل باطنها في الأيام مرة. وإن كان بعض لحيته خفيفاً، والبعض كثيفاً- يجب إيصال الماء إلى باطن الخفيف دون الكثيف.

стр. 203

وإذا نبتت لامرأةٍ لحيةٌ كثيفة، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ لأنه نادرٌ؛ كما إذا كثف شعر الذراع يجب إيصال الماء إلى ما تحته في غسل اليدين. والخنثى المشكل فيه كالمرأة. وفي ما استرسل من اللحية عن حد الوجه، أو خرج من العارض نحو الأذنين- قولان: أصحهما: أنه يجب إمرار الماء على ظاهرها؛ لأنه شعرٌ نابتٌ على الوجه؛ كشعر الخدين. القول الثاني- وهو مذهب أبي حنيفة-: لا يجب؛ لأن الشعر النازل عن الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه؛ وكذلك النازل عن حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب الغسل. ويستحب إدخال الماء في العين؛ نص عليه في "الأم"؛ لأن ابن عمر- ﵁ كان يفعله وليس بسنةٍ؛ لأن النبي- ﷺ لم ينقل عنه [أنه] فعله، بخلاف المضمضة، والاستنشاق؛ لأن النبي- ﷺ كان يفعلها؛ ولأن باطن الفم والأنف يتغير، وداخل العين لا يتغير. وتخليل اللحية سنةٌ؛ لما روي عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماءٍ؛ فأدخله تحت حنكه، [فخلل به لحيته]. وقال: "هكذا أمرني ربي". ثم

стр. 204

بعدها يفرغ من غسل الوجه، يجب عليه غسل اليدين مع المرفقين. والسنة: أن يغسل يده اليمنى أولاً ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ويستحب أن يغسل ما فوق المرفق، ويمر يده إلى نصف العضد فما فوقه، وكذلك في غسل الرجلين إلى نصف الساق فما فوقه؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل". وعن أبي حازم: قال: "كنت خلف أبي هريرة- وهو يتوضأ- فكان يمر يده حتى يبلغ إبطه. فقلت: "يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ قال: سمعت خليلي- ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وإن طالت أظافيره، وخرجت من رؤوس الأصابع- يجب غسلها قولاً واحداً. فإن كان الرجل أقطع اليدين من الكوع، أو من نصف الساعد- يجب عليه غسل ما فوقه [مع المرفقين]. وإن كان أقطعهما من فوق المرفقين، فغسل اليدين عنه ساقط، ويستحب أن يمس موضع القطع الماء؛ إطالة للغرة. وإن كان أقطعهما من المرفق، بأن أبين المفصل- نقل المزني- ﵀: أن لا

стр. 205

فرض عليه فيهما. ونقل الربيع: أن عليه غسل ما بقي. فقد قيل: فيه قولان: أحدهما: يجب عليه غسل طرف عظم العضد؛ لأنه مغسولٌ في حال الصحة. والثاني: لا يجب؛ وهو في حال الصحة مغسول تبعاً لا مقصوداً. وقيل- وهو الأصح-: يجب عليه غسل طرف العضد قولاً واحداً، وفي نقل المزني: "خلل [أو] أراد به: إذا كان مقطوع طرف عظم العضد، فلا فرض عليه فيه. ولو انقطعت جلدةٌ من ساعده، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها يجب عليه غسلُ جميعها، وغسل ما ظهر من تحتها. وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على العضد- لا يجب غسل تلك الجلدة؛ لأنها صارت أصلاً في غير محل الفرض. ولو انقطعت الجلدة من الساعد، فاتصل رأسها بالعضد؛ وهي متجافيةٌ- يجب أن يغسل من الجلدة ما في محاذاة المرفق والساعد؛ ظاهراً وباطناً، ولا يجب غسل ما فوق المرفق. وإن اتصل ظاهر الجلدة بظاهر الساعد والعضد- لا يجب قلعها، بل يغسل ما ظهر منها إلى المرفق. ولو تقطعت الجلدة من العضد، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها، لا يجب غسلها. وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على الساعد- يجب غسل جميع الجلدة [ظاهرها وباطنها]؛ لأنها صارت أصلاً [في محل الفرض]. ولو انقطعت الجلدة من العضد، فاتصل رأسها بالساعد؛ وبقيت متجافية- فيجب أن يغسل منها ما في محاذاة المرفق والساعد: ظاهراً وباطناً. وإن اتصل ظاهرها بظاهر العضد والساعد [لا يجب قلعها، بل يجب] غسل ما ظهر منها إلى المرفق [ولا يجب غسل ما فوق المرفق] ولو غسل ظاهر الجلدة، ثم زالت الجلدة، يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ بخلاف ما لو أمر الماء على ظاهر لحيته الكثيفة، ثم خلقت لحيته- لا يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ لأن جواز غسل ظاهر الجلدة

стр. 206

للضرورة، وقد زالت، وفي اللحية اكتفى بغسل ظاهرها لا لضرورة؛ لأن إيصال الماء إلى باطنها ممكن، بل لأنه الوجه المأثور بغسله، وقد أتى بما أمر به. ثم بعد غسل اليدين، يجب عليه مسح الرأس، وحد الرأس: ما تشتمل عليه منابت الشعر المعتاد. وفرض المسح يسقط عنه بما ينطلق عليه اسم المسح، وغن كان قدر شعرة واحدة في أي موضع شاء من الرأس؛ سواء مسح بأصبع واحدة، أو بخشبٍ، أو بخرقةٍ، أو غيرها. وقال صاحب "التلخيص": "يجب عليه أن يمسح بقدر ثلاث شعرات" وعند مالك: [يجب] مسح جميع الرأس. وعند أبي حنيفة: يجب مسح ربع الرأس. [قال إمام الأئمة]: "وجب ألا يسقط الفرض عنه، إذا مسح أقل من قدر الناصية؛ لأن ظاهر القرآن يوجب التعميم، والسنة خصته بقدر الناصية؛ وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي ﷺ مسح بناصيته، وعلى عمامته. ولم ينقل أنه - عليه

стр. 207

السلام- مسح أقل من هذا. والروايات الصحيحة عن رسول الله- ﷺ [أنه] مسح برأسه مرةً واحدة؛ وهو قول أكثر أهل العلم. وحكاه أبو عيسى في "جامعه" عن الشافعي ﵀. والمشهور من مذهب الشافعي: أن التكرار فيه مسنونٌ ثلاثاً بثلاث مياهٍ جددٍ؛ ويروى ذلك عن أنس؛ وهو قول عطاء.

стр. 208

والسنة في المسح: أن يغمس يديه في الإناء، أو يصب الماء عليهما، ولا يمسك الماء بيديه، ثم يضعهما على مقدم رأسه ملصقاً طرف إحدى السبابتين بالأخرى، واضعاً إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه. ويحسب الذهاب والرد مرة واحدة؛ لأن بالذهاب تبتل بواطن شعور مقدم الرأس، وظواهر شعور مؤخره، وبالرد تبتل بواطن شعور المؤخر، وظواهر شعور المقدم. فإن كان أمعط وله ذؤابةٌ مسترسلةٌ؛ فلا فائدة في الرد، ولو رد لا يحسب مرة أخرى؛ لأن البلل صار في حكم المستعمل؛ لحصول مسح جميع الرأس. ولو مسح رأسه، فيقوم مقام المسح؛ لأنه مسحٌ وزيادة. [وفيه وجه: أن الغسل لا يقوم مقام المسح] ولو وضع يده المبتلة على رأسه؛ ولم يحركها، أو قطر عليه قطرة ماء؛ ولم تسل- حصل المسح على الصحيح من المذهب.

стр. 209

وقال الشيخ القفال: "لا يحصل ما لم يحرك اليد، أو تسيل القطرة؛ لأنه مسٌّ. وليس بمسح". ولو مسح على أصول شعره، ولم يصل البلل إلى البشرة - جاز. فإن مسح على شعر يزايل منبته؛ نظر: إن كان الموضع الممسوح من الشعر يخرج عن حد الرأس لو مد - لم يجز؛ كما لو مسح على الدؤابة المسترسلة. وإن كان [الممسوح] لا يخرج عن حد الرأس- فوجهان: أصحهما: يجوز؛ لأنه غير خارج عن حد الرأس. والثاني: لا يجوز؛ لأنه زائل عن منبته؛ كالخارج عن حد الرأس. وإن كان بعض رأسه محلوقاً، والبعض عليه شعرٌ- فهو بالخيار: إن شاء مسح على الشعر، وإن شاء على الموضع المحلوق. ولو أدخل يده تحت شعره، ومسح على البشرة، ولم يمسح الشعر- يجوز، بخلاف ما لو أدخل يده تحت لحيته الكثة؛ فغسل بشرة الوجه، ولم يغسل ظاهر اللحية- لم يجز؛ لأنه مأمورٌ هناك بغسل الوجه، والوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بظاهر اللحية؛ فلم يجز ترك غسله. ولو مسح على شعره، ثم حلقه، لا يجب إعادة المسح؛ كما لو توضأ، ثم قلَّم ظفره- لا يجب [عليه] غسل ما ظهر من تحته. وإن كان على رأسه عمامةٌ، ولا يريد نزعها- يمسح بناصيته، ويستحب أن يمسح على العمامة؛ اقتداء بالنبي ﷺ . ولو مسح على العمامة، ولم يمسح شيئاً من الرأس- لا يجوز. وقال الأوزاعي، وأحمد: "يجوز إذا كان محنكاً؛ لحديث المغيرة. فيقال: "إنما سقط الفرض عنه بمسح الناصية، ولا بمسح العمامة. ثم بعد مسح الرأس، السنة: أن يمسح أذنيه؛ ظاهرهما وباطنهما ثلاث مرات بثلاث مياه جددٍ؛ فيدير المسبحتين في باطنهما يفضي بهما إلى الصماخين، ويمر الإبهامين على

стр. 210

ظاهرهما، فلو أمسك المسبحة وألإبهام عن مسح الرأس لمسح الأذنين- جاز. وقال في رواية البويطي: "ويأخذ لصماخيه ماء على [حد مستوى] ماء الأذنين. والأذنان ليستا من الوجه، ولا من الرأس. وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه وجماعة: "هُما من الرأس؛ يمسحان بالبلل الفاضل عن مسح الرأس". وقال الزهري: "هما من الوجه يغسلان معه". وقال الشعبي: "باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس". واحتج الشافعي- ﵁: بأن البياض المستدير بالأذن لما لم يكن من ارأس مع قربه من الرأس، [واستوائهما في الخلقة؛ فالأذن مع بعدها من الرأس] واختلافهما في الخلقة أولى. وهذا صحيح إن لم يثبت فيه حديث. ويستحب مسح العنق تبعاً للرأس والأذن؛ إطالة للغرة: ثم بعده يجب عليه غسلُ الرجلين مع الكعبين، والسنة: أن يغسل أولاً رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك.

стр. 211

والكعبان: هما [الكعبان] الناتئان من جانبي القدمين.

стр. 212

ومسح الرجل لا يقوم مقام الغسل؛ لأن كل من روى وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه غسل رجليه.

стр. 213

وروي عن عبد الله بن عمرو؛ أن النبي- ﷺ رأى قوماً، وأعقابهم تلوح؛ لم يمسها الماء. فقال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".

стр. 214

وكيفية غسلهما: أن ينصبهما، ثم يصب الماء عليهما بيمينه، ويدلكهما بيساره، ويجتهد في ذلك العقب؛ خصوصاً في الشتاء؛ فإن الماء يتجافى عنها لخشونتهما. وتخليل الأصابع سنةٌ، إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليلٍ؛ فإن كانت الأصابع ملتفة؛ لا يصل الماء إلى باطنها؛ إلا بالتخليل يجب التخليلُ، ويخلل بخنصر يده اليسرى من باطن القدم؛ فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى. وإن كانت على رجله شقوقٌ، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ فإن أذاب فيها شحماً، أو عجيناً، أو خضبت بالحناء يجب إزالة عين الحناء، والعجين، والشحم؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى البشرة. ولو كانت لرجل يدان أو رجلان في جانب واحد؛ نظر: إن كان يبطشُ بهما، ويمشي بهما- يجب غسلهما، وإن كان يبطش بإحداهما، فهي أصليةٌ يجب غسلها مع المرفق والكعب.

стр. 215

أما الزائدة إن نبتت في محل الفرض: يجب غسلها؛ كالأصبع الزائدة، وإن نبتت فوق المرفق والكعب، يجب أن يغسل من الزائدة بقدر ما تحاذي المرفق والكعب الأصلية، دون ما فوقها حتى لو لم تصل الزائدة إلى المرفق والكعب الأصلية، لا يجب غسل شيء منها؛ [كسلعة] تكون على عضده. قال الإمام [إمام الأئمة]: "إذا كانت الزائدة منبتها فوق الساعد والكعب، ولم يكن شيء منها متصلاً بمحل الفرض- لا يجب غسلها. وإن كانت في محاذاة الفرض متدلية؛ كالجلدة التي انقطعت من عضده؛ فبقيت متدلية، فإن اتصل شيءٌ منها بمحل الفرض، يجب غسل ما في محاذاة محل الفرض ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء- ما روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين- فتحت له ثمانية أبواب [من] الجنة؛ يدخل من أيها شاء". ويستحب: ألا يُنشف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل؛ لما روي عن ميمونة قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل، فناولته ثوباً، فلم يأخذه؛ فانطلق وهو ينفض يديه [أراد به: المسح لا النفض المنهي عنه].
следующие страницы →