← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الواحد، إذا كان وارثاً: ما روي عن عائشة- ﵂ قالت: كان عُتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي، وقال عبد بن زمعة: أخي، فتساوقا إلى رسول الله- ﷺ فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول الله- ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة؛ الولد للفراش، وللعاهر الحجر؛ فدل على ثبوته بقول الواحد، وإنما يثبت نسب المقر به، إذا

стр. 1542

لم يكن الأب قد نفاه، فإن كان الأب قد نفاه: لا يثبت نسبه بإقرار وارثه من بعده؛ لأنه يلحق به نسباً حكم ببطلانه، وإذا مات رجل عن ابنين: أحدهما: عاقل، والآخر مجنون، أو أحدهما بالغ، والآخر صغير، فأقر العاقل بابن آخر: لا يثبت حتى يفيق المجنون، ويبلغ الصبي؛ فيقر به؛ حينئذ: يثبت، فإن مات الصبي والمجنون قبل البلوغ- نظر: إن لم يكن له وارث سوى هذا الابن المقر: يثبت نسبه من غير استئناف إقرار، وإن كان له وارث سواه: فلا يثبت إلا بإقرارهم جميعاً. ولو مات عن ابنين بالغين، فأقر أحدهما بابن آخر للميت، وأنكر الآخر، ثم مات المُنكر، ولم يكن له وارث سوى هذا الأخ:

стр. 1543

قال الشيخ- ﵀: إن كان له وارث آخر، فأقر به: هل يثبت نسبه؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأنه صار جميع الميراث له. والثاني: لا يثبت؛ لأن الجاحد أبطل حُكم النسب بالجحود، كما لو نفى الأب نسبه باللعان، أو جحد نسباً، فنفاه عن نفسه: لم يجز لوارثه استلحاقه. ولو مات عن ابن، فأقر لرجلين أنهما أخواي، وصدق كل واحد صاحبه: يثبت نسبهما، فلو أنهما تكاذبا، وأنكر كل واحد نسب الآخر: هل يثبت نسبهما؟ فيه وجهان: أصحهما: يثبت؛ لوجود الإقرار لهما ممن يجوز التركة. والثاني: لا يثبت؛ لأنه في الحقيقة إقرار أحد الابنين. وإن صدق أحدهما صاحبه، وكذب الآخر: يثبت نسب المصدق دون المكذب. ولو مات عن ابن، فأقر بنسب ابن آخر، وأنكر المقر له نسب المقر: لا يقبل قوله في رد نسب المقر، وهل يثبت نسب المقر له؟ فيه وجهان: أصحهما: يثبت؛ لأنه أقر به من جاز التركة. والثاني: لا يثبت؛ لأن- بزعمه- أن المقر ليس بوارث؛ فلا يصح إقراره، ولو مات عن ابن، فأقر بنسب مجهول، ثم هما أقرا بنسب ثالث، وأنكر الثالث نسب المجهول الأول، فنسب الثالث ثابت، وهل يسقط نسب المجهول الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يسقط؛ لأن الثالث ثبت نسبه بإقرارهما؛ فلا يجوز أن يسقط نسب الأصل بالفرع. والثاني- وهو الأصح-: يسقط؛ لأن الثالث يثبت نسبه، فاعتبر إقراره في ثبوت نسب الثاني، ولو أقر الابن الوارث بنسب أحد التوءمين: يثبت نسبهما؛ لأن التوءمين لا يتفرقان في النسب، فإن أقر بهما، وكذب أحدهما الآخر: لم يؤثر التكذيب في نفي نسبهما. هذا كله كلام في النسب. أما الميراث: فهل يثبت للمقر به؟ نظر: إن كان المقر به لا يحجب المقر عن الميراث: يرث معه؛ كالابن يقر بابن آخر للميت، أو ميت يشاركه في الميراث، وإن كان يحجبه: فلا يرث: مثل: إن مات رجل عن أخ أو عم أو معتق، فأقر بابن للميت: يثبت النسب، ولا يثبت الميراث؛ لأنا لو ورثناه: صار المقر محجوباً، وإقرار المحجوب

стр. 1544

بالنسب لا يقبل بإثبات الميراث له؛ فيجر إلى سقوطه وسقوط نسبه؛ فأثبتنا النسب، وأسقطنا الميراث. وقال ابن سريج: يرث المقر به، ويحجب المقر؛ لأن حجبه لو كان يسقط إقراره: لكان لا يقبل إقرار الابن، بابن آخر، وإذا قبل لكان لا يشاركه في الميراث؛ لأن المقر يصير محجوباً عن بعض الميراث؛ فلا يكون الإقرار ممن يحوز جميع التركة. والأول المذهب؛ لأن الابن إذا أقر بابن آخر، وصدقه المقر به: كان إقراراً ممن يأخذ جميع الميراث. ولو أقر أخ الميت بابنة للميت ترث معه؛ فلها النصف، والباقي للأخ؛ لأن إقرار الوارث بمن يزاحمه، ولا يحجبه: لا يمنع الميراث. ولو مات عن بنت هي معتقة الأب، فأقرت بولد للميت: يثبت النسب، وهل يرث المقر به؟ نظر: إن كان المقر به أنثى: يرث، فالثلثان بينهما والباقي لمعتقه، وإن كان المقر به ذكراً: هل يرث؟ فيه وجهان: أحدهما: يرث؛ فيقسمان التركة؛ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن توريثه لا يسقطها عن عصوبة الولاء بالكلية؛ كما لو مات عن ابنة ومعتق، فأقر بابن للميت: لم يرث؛ لأنه يحجب المعتق. ولو ادعى على رجل بأني ابن أخيك الميت، وأقام عليه بينة: ثبت النسب والميراث، وصار الأخ محجوباً، وإن لم يقم بينة، وأنكر المدعى عليه، ولم يحلف، وحلف المدعي: ثبت نسبه، وهل يرث؟ إن قلنا: النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار: لم يرث، وإن قلنا: بمنزلة البينة من المدعي: ورث، وصار الأخ محجوباً، وعلى هذا: لو مات رجل عن أخ، وله عبدان أعتقهما الأخ، ثم جاءت امرأة، وادعت أنها زوجة الميت، وهي حامل منه، فأنكر الأخ، فشهد المعتقان للزوجة: تثبت الزوجية ونسب الولد من الميت، ولا ميراث للولد، وكان ابناً، لأنا لو ورثناه صار الأخ محجوباً، وإذا صار محجوباً- لم يصح إعتاقه للعبدين، ولم تصح شهادتهما، فإذا بطلت شهادتهما: لم تثبت الزوجية والنسب؛ فأثبتنا النسب، وأسقطنا الميراث، وإن كان الولد بنتاً: هل ترث؟ نُظر: إن كان الأخ معسراً يوم الإعتاق: لم ترث؛ لأنها لو ورثت لم ينفك عتق الأخ إلا في الفضل عن فرض البنت، وبقي الباقي رقيقاً، ففيه إبطال شهادتهما، وإن كان الأخ موسراً يوم الإعتاق، إن قلنا: السراية تقع بنفس الإعتاق: ترث البنت؛ لأن توريثها: لا يمنع من تكميل العتق، وإن قلنا: تقع السراية بأداء القيمة: لم ترث المرأة، ولا البنت؛ لأنه يمنع تكميل العتق حالة الشهادة.

стр. 1545

قال الشيخ: إذا كان للميت أخ وزوجة، فأقرا بابن للميت: ثبت النسب، ولا ميراث للابن، ويكون للزوجة الربع، وإن كان عندها أن الابن يحجبها إلى الثمن؛ كما أنه يورث الأخ، وإن كان عنده محجوباً بالابن، وكما جعلنا الابن كالمعدوم في ميراث الأخ، كذلك: في حق الزوجة حتى لو ماتت امرأة عن زوج وأم وأخت: فالمسألة عائلة من ستة إلى ثمانية؛ فلو أقروا بابن للميت: ثبت نسبه، ولا ميراث له؛ لأنا لو ورثناه صارت الأخت محجوبة، وتقسم التركة بينهم على العول؛ كما تقسم عند عدم الابن، وإن كان الابن لو ورث لم تكن تعول المسألة. ولو مات عن زوجة وأخ، فأقرت الزوجة بابن للميت، فأنكر الأخ: لم يثبت النسب والزوجة ماذا تأخذ؟ نُظر: إن كانت التركة في الأخ: فلا يأخذ إلا الثمن؛ لأنها منكرة للزيادة، وإن كانت في يدها: فالأخ لا يأخذ إلا ثلاثة أرباعها، ثم الزيادة على الثمن: هل يترك في يدها؟ فيه وجهان، قد ذكرنا أنه إذا مات عن ابنين، أقر أحدهما بابن ثالث، وأنكر الآخر: لا يثبت النسب، وكذلك: لا يثبت الميراث له؛ فيأخذ نصف ما في يد المقر؛ لأنه يقر أنهما في الميراث سواء، وجعل كأن المنكر وما في يده لم يكن. وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذ ثلث ما في يد المقر بتفاوت ما بين فرضية الإقرار والإنكار. وعندنا: لا ميراث له؛ لأنه توريث بالنسب، والنسب غير ثابت، فيستحيل ثبوت الميراث. ولو ادعى رجل نسب عبد في يده، وقال: هذا ابني- نظر: إن كان صغيراً، وكان مجهول النسب: ثبت نسبه، ويحكم بعتقه، وهل يكون عليه ولاؤه؟ فيه وجهان: وإن كان كبيراً- نظر: إن كان أكبر سناً منه: فلا حكم لقوله، ولا يعتق به؛ وكذلك: لو قال لمن هو أصغر سناً منه: هذا أبي: لا يعتق. ولو قال: هذا ابني، وكان في سن يتصور أن يكون مثله ولداً له، وأقر به للعبد: ثبت النسب والحرية، فإن كذبه العبد: لا يثبت النسب، وهل يحكم بعتقه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا نحكم بعتقه؛ كما لو قال لمن هو أكبر سناً منه؛ لأن الحرية تترتب على النسب، فإذا لم يثبت النسب: لا تثبت الحرية. والثاني: نحكم بعتقه، لأن ثبوت النسب- ههنا- محتمل. وكذلك: لو كان العبد معروف النسب من غيره، فقال السيد: هذا ابني: لا يثبت النسب، وفي العتق وجهان.

стр. 1546

فصلٌ رجل له جارية، ولها ولد، فقال: هذا ولدي من هذه الجارية استولدتها في ملكي: يثبت النسب للولد، ولا ولاء عليه، وتكون الجارية أم ولده؛ تعتق بموته، سواء وجد هذا الإقرار في الصحة، أوف ي المرض. ولو قال: هذا ولدي من هذه الجارية، ولم يزد عليه: ثبت نسب الولد، وهل تكون الجارية أم ولد له؟ لا؛ لأن الظاهر أنه استولدها في الملك. والثاني: لا تكون أم ولد له، لاحتمال أنه استولدها بملك النكاح، ثم اشتراها، ولو قال: هذا ولدي من هذه الجارية ولدته في ملكي، هل تكون أم ولد له؟ قيل: فيه قولان؛ كالأول، وقيل: ههنا: تصير أم ولد له؛ لأنه أضاف الولادة في الملك، ولا تصير به أم ولد، فإن قلنا: تصير أم ولد له، فلا ولاء على الولد، وإلا فيثبت، وعلى هذا: لو قال لجاريته: هذه أم ولدي أو التي أولدتها في ملكي: لا يجوز له بيعها، وقال: أولدتها بالنكاح: جاز له بيعها، ولو قال: أم ولدي، ولم يزد عليه، هل يجوز له بيعها؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز، ويُحمل على الاستيلاد بملك اليمين، وإذا كان لرجل أمتان؛ لكل واحدة ولد، فقال المولى: أحد هذين ولدي: يؤمر بالتعيين؛ وذلك إذا لم يكونا مزوجين، فإن كانتا فراشاً: فإن أقر بوطئهما جميعاً: فالولدان يلحقان به، وإن كانت إحداهما فراشاً: فلا يتعين إقراره في ولد المستفرشة، بل يقال له: عين، فإن عين في الأخرى، فهما ملحقان به، وإن كانتا مزوجتين: فلا يقبل قوله، والولدان ملحقان بالزوجين، فإن كانت إحداهما مزوجة: لا يتعين إقراره في غير المزوجة، بل يؤمر بالتعيين، فإن عين في ولد المزوجة: لم يقبل، وإن عين في ولد الأخرى: ثبت نسبه منه، فإذا لم يكونا مزوجتين، ولم يكونا فراشاً، وأمرناه بالتعيين، فإذا عين في أحدهما: ثبت نسبه، وهل تصير أمته أم ولد له؟ نُظر: إن قال: استولدتها بملك اليمين: صارت أم ولد له، ولا ولاء على الولد، لأنه خُلق حراً، وإن قال: استولدتها بملك النكاح: لم تصر أم ولد له، والولد عتق عليه بالملك، وعليه الولاء، وإن قال: بوطء شبهة: فهل تصير أم ولد له؟ فيه قولان. وإن أطلق: يحمل على الاستيلاد بملك اليمين؛ لأنه الظاهر من أمر المملوكة، فحيث حكمنا بتصييرها أم ولد له: فلا ولاء على الولد، وإلا فيثبت. وإن قال: استولدتها بالزنا: لا يقبل هذا التصيير، وهو كالإطلاق، فإن وصل باللفظ: فلا يثبت النسب، ولا أمومة الولد، ثم إذا عين في ولد إحداهما: فللأخرى أن تدعي عليه، والقول قول السيد مع يمينه، فإن نكل حلفت هي، وحكم بحرية ولدها، وهل تصير أم ولد؟ فعلى التفصيل الذي ذكرنا وإن مات السيد قبل التعيين: قام وارثه مقامه في

стр. 1547

التعيين، فإن عين في إحداهما: فهو كتعيين المورث، وللأخرى أن تدعي عليه، وإن لم يكن له وارث، أو قال الوارث: لا أعلم: أرى الولدان القائف؛ فأيهما لحقه: كان حراً، وثبت النسب منه، ويرث، وهل تصير الأم أم ولد له؟ حكمه حكم ما لو أطلق السيد، إن لم يكن السيد بين النسب. وإن لم يكن قائف: أقرع بينهما؛ فمن خرجت قرعته: حكم بحريته، وفي تصييرها أم ولدها قولا الإطلاق، ولا يحكم بثبوت نسب من خرجت قرعته، ولا ميراث له؛ لأنه لا مدخل للقرعة في النسب والميراث، ولا يوقفان؛ حتى يبلغا فينسبا، بخلاف ما لو تنازع رجلان في ولد، ولم يوجد قائف؛ حتى يبلغ الولد، فينسب إلى أحدهما؛ لأن- ههنا- ربما ينسب كل واحد منهما إليه؛ وحينئذ: لا يكون أحدهما أولى به من الآخر، وهل يوقف من تركته ميراث ابن؟ فيه وجهان: أحدهما: يوقف؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه لا يعينها، ومات قبل البيان، فيوقف لهما ميراث زوجة. والثاني: لا يُوقف؛ لأن النسب لم يتحقق ههنا، وهناك: الزوجة كانت حقيقة. ولو كانت لرجل أمة، لها ثلاثة أولاد، فقال: أحد هؤلاء ولدي: يؤمر بالتعيين؛ فإن عين في الأصغر: ثبت نسبه وحريته وميراثه، وفي ثبوت الولاء عليه وثبوت أمومة الولد للأم: ما ذكرنا من التفصيل، والولد الأكبر والأوسط رقيقان، فإن عين في الأوسط: ثبت نسبه وحريته وميراثه، والابن الأكبر رقيق، أما الأصغر نص أنه يعتق بموته، لأنه ولده، والولاء يخرج على التفصيل الذي ذكرنا، فإن قال: استولدتها بالأوسط بملك النكاح: فالأصغر رقيق لا يعتق بالموت كالأم، وعلى الأوسط، الولاء، وإن استولدها بملك اليمين- نظر: إن ادعى الاستبراء عقيب وضع الأوسط: فالأصغر رقيق غير ثابت النسب منه، غير أنه ولد أم يعتق بموته كالأم، وإن لم يدَّع الاستبراء: فوجهان: أصحهما: أن الأصغر ملحق به؛ كالأوسط: يرثان منه. والثاني: هو أنه ولد أم والولد غير ثابت النسب يعتق بموته؛ لأن الاستبراء حصل بالأوسط. وإن استولدها بالأوسط بوطء الشبهة: إن قلنا: الأم لا تصير أم ولد له: فالأصغر رقيق؛ يحل بيعه. وإن قلنا: تصير أم ولد: فهو ولد أم الولد يعتق بموته، وإن أطلق- فيحمل على الاستيلاد بملك اليمين، أم بملك النكاح؟ فعلى القولين.

стр. 1548

وإن عين في الولد الأكبر: ثبت نسبه وحريته وميراثه، وفي حرية الأوسط والأصغر: ما ذكرنا من التفصيل. ولو مات السيد قبل التعيين: قام وارثه مقامه، وإن لم يكن له وارث: يرى القائف بنيه، فأيهم ألحقه به- ثبت نسبه وميراثه في حكم الآخرين- على ما سبق من التفصيل؛ فإن لم يكن قائف أو لم يُعرف: يُقرع بينهم، فمن خرجت قرعته: حُكم بحريته، والأم هل تكون أم ولد له؟ فعلى القولين: المنصوص: أنها أم ولده، ولا يثبت النسب ولا الميراث، وهل يوقف الميراث؟ فيه وجهان. قال الشيخ- ﵀: وإذا خرجت القرعة للأكبر: فحُكم الأصغرين حُكم الأم في الحرية. واختار المزني: أنه يوقف الميراث، فإن كان له ابن معروف: يدفع إليه رُبع الميراث، ويدفع الربع إلى الأصغر؛ لأنه ولد بكل حال، ويوقف للأكبر، والأمر على ما ذكر إذا حملنا الاستيلاد على ملك اليمين، ووقفنا الميراث. وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: عتق الأصغر كله؛ لأنه حر بكل حال، وعتق من الأوسط ثلثاه؛ لأنه حر في الحالتين، رقيق في حالة أخرى إذا عين فيه أو في الأكبر، رقيق إذا عين في الأصغر، وعتق من الأكبر ثلثه؛ لأنه حر في حالة، وهي: إذا عين فيه، رقيق في حالتين، وهو: إذا عين في الأوسط، أو في الأصغر، قال: ويعتق من الأم بعد موته ثلثاها؛ لأنه عتق من أولادها الثلثان، والله أعلم.

стр. 1549

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب العارية روي عن أمية بن صفوان، عن أبيه؛ أن النبي- ﷺ استعار منه أدراعه يوم حنين، فقال: أغصباً يا محمد! قال: "بل عارية مضمونة". العارية: أن تأخذ عيناً من المالك، لتنتفع به وترد.

стр. 1550

والإعارة: قربة مندوب إليها، وتصح ممن هو جائز التصرف. وكل عين: جازت إعارتها، وهي مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالدور،

стр. 1551

والعقار، والعبيد، والدواب، والثياب، ونحوها، أما ما لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالأطعمة: لا يجوز إعارتها. وفي إعارة الدراهم والدنانير وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ كالأطعمة. والثاني: يجوز؛ لأنه ربما يريد أن يتحمل بها، أو يضرب على طبعها. وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إعارة النقدين تكون قرضاً، ولو استعار جارية للخدمة، فإن كانت محرماً له: جاز، وإن لم تكن محرماً له: لا يجوز؛ لخوف الفتنة، فإن كانت صغيرة لا تشتهي: فوجهان. ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة؛ لأنه يُكره أن يستخدمهما. وتصح العارية بالقول من أحدهما، وبالفعل من الآخر، فإن قال المستعير: أعرني، فسلمها إليه المُعير، أو قال المعير: أعرتك، فقبضها المستعير: تمت الإعارة؛ كإباحة الطعام: يجوز بالقول من أحدهما، وبالفعل من الآخر. ولا يشترط في الإعارة بيان المدة: لأنها تبرع؛ متى شاء رجع؛ كما لو قال: ادخل كرمي، وكل ما شئت: جاز، وإن لم يبين، ولو ضرب لها أجلاً: لا يلزم، وعند مالك- رحمة الله عليه-: يلزم. والعارية مضمونة على المستعير؛ حتى لو تلفت في يده بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماوية: يلزمه الضمان؛ لقول النبي- ﷺ لصفوان: "بل عارية مضمونة". وعند أبي حنيفة والثوري- رحمة الله عليهما-: العارية أمانة في يد المستعير، فنقول: بعد الخبر أجمعنا على أن المستعير من الغاصب، إذا هلكت العين في يده، وهو جاهل: يستقر عليه الضمان، فلولا أن العارية سبب الضمان: لكان لا يستقر عليه كالمستودع الجاهل من الغاصب إذا هلكت العين في يده: لا يستقر عليه الضمان، ولا خلاف أن الأجراء إذا هلكت في يده بالاستعمال: لا يلزمه ضمانها؛ لأنه كان مأذوناً فيه، ولو تلفت العين بالاستعمال- فالمذهب: أنه لا يجب ضمانها؛ كالأجزاء. وقيل: يجب ضمان الجزء الذي بقي قبل التلف؛ فعلى هذا: إذا أشرف على الهلاك بالاستعمال: لا يجوز استعماله بعده، ولو تلف الأجزاء بالاستعمال: ففيه وجهان:

стр. 1552

أحدهما: لا يضمن؛ كما لو تلفت بالاستعمال. والثاني: يضمن؛ كالعين إذا هلكت، وهو الأصح. وإذا هلكت في يده، فأي قيمة تلزمه؟ قيل: يلزمه ضمان الغصب أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم الهلاك. والصحيح أنه يعتبر قيمتها يوم التلف؛ لأنا لو ألزمناه الأكثر: أوجبنا عليه ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال؛ وذلك لا يجوز. ومن قال بالأول قال: الأجزاء تابعة للعين؛ فإن رد العين: سقط ضمان الأجزاء، وإن وجب ضمان العين بالتلف: وجب ضمان الأجزاء. ولو ولدت العارية في يد المستعير، هل يكون الولد مضموناً عليه؟ فيه وجهان؛ وإن قلنا: ضمان الأصل كضمان الغصب: يكون مضموناً عليه، وإن قلنا: يعتبر ضمانة بيوم التلف: لا يكون مضموناً عليه، ولا خلاف أنه لا يجوز له استعمال الولد. ولو أعار شيئاً إعارة فاسدة، أو ما لا يجوز إعارته، كالأطعمة وغيرها: يكون مضموناً على المستعير، لأن ما يكون صحيحه مضموناً: يكون فاسده مضموناً. ومن استعار شيئاً: يجوز أن يستوفي منفعته بنفسه وبوكيله، لأن الوكيل نائب عنه، ولا يجوز أن يؤاجره من غيره، وهل يجوز له أن يُعيره من غيره؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كما يجوز للمستأجر أن يعير من غيره. والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأنه أبيح له المنفعة؛ فلا يملك أن يبيح لغيره كمن أبيح له طعام: لا يملك أن يبيحه لغيره، بخلاف المستأجر: فإنه يملك المنفعة، بدليل أنه يجوز له أن يؤاجر من غيره، ويأخذ عليه العوض، والمستعير: لا يملك أخذ العوض عليه؛ فلا يملك الإباحة. وإذا رجع المعير عن العارية: يجب رد العارية، ومؤنة الرد تكون على المستعير. ولو استعار من المستأجر، أو أوصى لإنسان بخدمة عبد أو سكنى دار، فالموصى له أعاره من إنسان: جاز، وهل يكون مضموناً على المستعير؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما لو استعار من المالك. والثاني- وهو الأصح، والمذهب- لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه ينوب عن المستأجر، والموصى له في الانتفاع؛ بدليل أن الكراء يستقر على المستأجر بانتفاعه؛ فيده كيد المستأجر والموصى له، ويدهما ليست يد ضمان.

стр. 1553

ومؤنة الرد على من تكون؟! نُظر: إن رده على المستأجر: فيكون على المستعير، وإن رد على المالك، فعلى المالك؛ كما لو رد المستأجر بنفسه. فصلٌ [في بيان إعارة الأرض] إذا أعار أرضاً مطلقاً؛ لينتفع بها: جاز، وإن لم يبين جهة الانتفاع، ثم المستعير يجوز له أن يزرع ويغرس ويبني لإطلاق الإذن، ولو أعار للغراس أو البناء: فله أن يزرع؛ لأن الزرع أقل ضرراً من الغرس والبناء، ولو أعار للزرع: لم يكن له أن يغرس، ولا أن يبني؛ لأن ضرر الغراس والبناء أكثر، ولو أعار للغرس، هل يجوز له أن يبني؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن كل واحد منهما للتأبيد. والثاني-[وهو الأصح- ليس له ذلك]؛ لأن ضررهما مختلف: ضرر البناء في ظاهر الأرض، وضرر الغراس في باطنها. ولو أعار أرضاً للزراعة- نُظر: إن بين زرعاً: فله أن يزرع ما بين، أو زرعاً آخر ضرره مثله أو دونه، وليس له أن يزرع زرعاً آخر ضرره أكثر؛ فإن فعل قلع مجاناً، ولو أعار للزراعة، ولم يبين نوعاً: فقد قيل: لا يصح للجهل، والأصح: جوازه، وله أن يزرع ما شاء، قل ضرره أو كثر؛ وكذلك: لو أعار دابة، ولم يبين أنه يركب أو يحمل؟ فيه وجهان. ولو أعار مطلقاً، فغرس وبنى، ثم رجع: له قلعه مجاناً، وإذا أعار الأرض للغراس والبناء- لا يخلو: إما أن يبين مدة أو لم يبين: فإن بين مدة: فله أن يغرس ويبني في المدة متى شاء، وإن بقي من المدة قليل ما لم يرجع المعير، وله أن يحدد كل يوم غرساً، وبعد مضي المدة: لا يجوز أن يغرس، ولا أن يبني، فإن فعل قلع مجاناً، فإن غرس وبنى في المدة: فإذا مضت المدة- نُظر: إن أمكن رفع البناء والغراس من غير نقص يدخلها: أمر برفعها، وإن لم يمكن إلا بدخول نقص فيها- نُظر: إن كان المعير شرط عليه قلع البناء، والأشجار، وتسوية الأرض: يجب عليه جميع ذلك، فإن لم يفعل: فللمعير قلعها مجاناً، وإن شرط قلع الأشجار، ولم يشترط تسوية الأرض: لا يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه لما شرط القلع: رضي بالحفر، وإن لم يشرط عليه قلع الأشجار- نُظر: إن اختار المستعير قلعها: فله ذلك؛ لأنها ملكه، فله نقلها، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ فيه وجهان:

стр. 1554

أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه لما أعار مع علمه- بان له مع قلع الأشجار؛ فقد رضي بما يحصل بالقلع من التخريب. والثاني: يلزمه؛ لأن القلع كان باختياره؛ فإنه لو امتنع: لم يجبر عليه. ومن خرب أرض غيره: يلزمه التسوية، وإن لم يختر المستعير قلع البناء والأشجار: لم يكن للمعير قلعها مجاناً. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: له قلعها مجاناً، وهو اختيار المزني، وهذه فائدة بيان المدة. وعندنا: لا يقلعها مجاناً؛ لأنه كان مأذوناً في الغرس والبناء، ولكنه يتخير بين الأشياء الثلاثة، إن شاء أخذها بالقيمة، وإن شاء كلف المستعير قلعها، وضمن أرش النقصان، وإن شاء أقرها بالأجر؛ وكذلك: لو رجع قبل مضي المدة؛ فيتخير في الغراس والبناء، وليس للمستعير أن يقول: إنما أتملك الأرض بالقيمة؛ لأن الأرض أصل؛ لا تتبع الغراس، والغراس تبع؛ فجاز أن يتبع الأرض في التملك؛ كما يتبعها في البيع؛ فإن أراد القلع: لا يحتاج إلى إذن المستعير، وإن أراد التملك بالقيمة، أو التقرير بالأجرة: يحتاج إلى إذنه؛ لأنه بيع وإجارة، وربما يرى المستعير نقله، فإن امتنع المعير عن بذل القيمة وأرش النقصان: فإن دفع المستعير الأجرة: لم يكن للمعير قلعها، وإن امتنع عن بذل الأجرة، هل للمعير قلعها مجاناً؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الإعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان. والثاني: له ذلك؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بالعارية بعد الرجوع من غير أجرة. وإذا اتفقا على بيع الأرض مع الغراس والبناء: جاز، ثم يوزع الثمن على أرض مشغولة بالغراس، وعلى الغراس، فما خص الأرض للمعير، وما خص الغراس للمستعير. فإذا أراد المعير بيع الأرض: له ذلك، ثم المشتري يتخير في الغراس بين الأشياء الثلاثة، ولو باع المستعير الغراس: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن ملكه عليها غير مستقر، وربما يتملكها المعير. والثاني: يجوز، وهو الأصح، وعدم الاستقرار لا يمنع البيع، كما يجوز للمشتري بيع الشقص المشفوع، مع أن للشفيع أخذه بالشفعة. ثم المعير مع المشتري يتخير بين الأشياء الثلاثة، وللمشتري الخيار في فسخ البيع، إن كان جاهلاً، ويجوز لمالك الأرض دخول الأرض، وأن يستظل بالغراس، ولم يكن

стр. 1555

للمستعير منعه؛ لأن حق المستعير في موضع الغراس، فأما البياض: فلا حق له فيه. وليس لمالك الغراس دخولها للتفرج، ولا لغير غرض، إلا لتعهد الغراس بسقي أو تلقيح أو جذاذ ثمر؛ فيجوز له دخولها لهذه الأغراض؛ بغير إذن المعير. وقيل: لا يجوز إلا بإذنه. والأول أصح. ولو أعار أرضاً للبناء والغراس مطلقاً، ولم يبين مدة: جاز، وله أن يغرس، ويبني ما لم يرجع المعير، فإن رجع بعد ما غرس وبنى، فيتخير المعير بين الأشياء الثلاثة؛ كما ذكرنا، وإن غرس أو بنى بعدما رجع، وكان عالماً بالرجوع: يقلع مجاناً، وإن كان جاهلاً بالرجوع: فيه وجهان، كما لو حمل السيل نويات إلى أرضه فنبتت. ولو أعار أرضاً للزراعة، فزرع، ثم رجع المعير، والزرع لم يدرك: لم يكن للمعير قلعه بل ببقيه إلى أوان الحصاد، لأن له وقتاً ينتهي إليه؛ بخلاف الغراس؛ فإنها للتأبيد. وله طلب أجر مثل ما بعد الرجوع إلى الحصاد؛ لارتفاع العارية بالرجوع. وقيل: ليس له طلب الأجرة، لأنه أذن فيه مجاناً؛ كما قبل الرجوع. والأول أصح؛ لأنه أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع؛ كما لو أعار بعيراً إلى مكة، فلما توسط البادية: رجع المعير عليه لنقل أمتعته إلى العمران بأجر المثل. قال الشيخ- ﵀: ولو أعار للزراعة مدة، وانقضت المدة، والزرع لم يُدرك- ينظر: إن فرط في الزراعة بالتأخير: يقلع مجاناً، وإن لم يفرط: فلا يقلع. وإذا أعار أرضاً للزراعة مطلقاً: فلا يزرع إلا زرعاً واحداً وكذلك: لو أعار للغرس، فغرس، وقلع؛ فلا يغرس بعده إلا بإذن جديد. ولو حمل السيل نويات أو حبات إلى أرضه: يجب عليه ردها إلى مالكها لو عرفه، وإن لم يعرفه دفع إلى الحاكم، ولو لم يعلم حتى نبتت في أرضه، هل يجبر مالكها على قلعها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يُجبر؛ لأنه لم يكن منه تفريط. والثاني: يجبر؛ لأن المالك لم يأذن فيه، كما لو انتشرت أغصان أشجاره إلى هواء دار غيره: يُجبر على إزالة ضرره؛ وهذا أصح.

стр. 1556

فإن قلنا: لا يجبر: فإن كان زرعاً: يبقى إلى أوان الحصاد بالأجرة، وإن كان شجراً: يتخير مالك الأرض فيها بين أن يتملكها بالقيمة، أو يقلعها، ويضمن أرش النقصان، وبين أن يقرها بالأجرة، كما ذكرنا في العارية. ولو حمل السيل نواة واحدة، أو حبة لا قيمة لها، والغراب دفن جوزة في أرضه، فنبتت: هل يملكها مالك الأرض؟ فيه وجهان: أحدهما: يملك؛ لأنه لم يكن لها قيمة، فصارت متقومة في أرضه. والثاني: لا يملك؛ لأن تلك الحبة كانت محرمة الأخذ من المالك؛ فعلى هذا: هل يؤمر بقلعها مجاناً؟ فعلى الوجهين. إذا غرس رجل أرض الغير بإذنه، ثم وقف رب الأرض والغراس الأرض والغراس معاً: جاز، كما لو باعا ولو وقف رب الأرض: جاز، كالبيع، ولو وقف مالك الغراس غراسه: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن القلع ثابت لرب الأرض، فيكون وقف ما لا يمكن الانتفاع به. والثاني- قاله ابن حداد: يجوز. ثم إن قلعها صاحب الأرض- يؤخذ منه أرش النقصان، وينفق عليه، ويغرس في موضع آخر. قال الشيخ- ﵀: ويمكن بناء الوجهين على جواز البيع. ولو دفع أرضاً إلى رجل ليغرسها أو يبني فيها على أن نصف الغراس والبناء لمالك الأرض، والنصف له: فهذا فاسد للجهالة. فإذا غرس وبنى: فالغراس والبناء للغارس والباني؛ فإن كان لا ينتقص قيمتها بالنقل، كلف نقلها: وإن كان ينتقص: فلا يقلع مجاناً؛ لأنه فعل بالإذن، فيتخير مالك الأرض فيها بين الأشياء الثلاثة. وإن كان زرعاً يبقى إلى أوان الحصاد، ويستحق رب الأرض الأجر، وكم يستحق؟ فيه وجهان: أحدهما: نصف أجر مثل الأرض، لأنه كان يعتقد نصف عمل العامل له. والثاني: يستحق تمام أجر المثل؛ لأن جميع عمل العامل وقع للعامل، وجميع الغراس له.

стр. 1557

أما إذا باع نصف الأرض معيناً على أن يغرس له النصف الآخر، ووصف الغراس: جاز علق أو لم يعلق. ولو قال الرجل: أعرتك دابتي اليوم على أن تعيرني دابتك غداً: فهذه إجارة فاسدة، وكل واحد يستحق على صاحبه أجر مثل دابته. وكذلك: لو قال: أعرتك دابتي على أن تعلفها، أو داري على أن تطين سطحها، أو تكسح ثلجها: فهي إجارة فاسدة، والتطيين وكسح الثلج على المالك، وللمالك عليه أجر مثل الدابة والدار. ولو قال: أعرتك دابتي على أنها إذا هلكت تضمن أكثر من قيمتها- فهي إجارة فاسدة. وقيل: عارية فاسدة. ولو دفع شاة إلى رجل، فقال: ملكتك درها ونسلها: فهذه هبة مجهولة؛ فالشاة مضمونة عليه بحكم العارية الفاسدة، وما حصل من الدر والنسل: كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة. ولو قال: أبحتُ لك درها ونسلها: ففيه وجهان: أحدهما: أنها هبة فاسدة كالأول. والثاني: إباحة صحيحة؛ لما روي عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "الصدقة اللقحة الصفي منحة، والشاة الصفي منحة تغدو بإناء وتروج بأجر". فعلى هذا: الشاة عارية صحيحة. ولو قال: ملكتك، أو: أبحتُ لك درها ونسلها؛ على أن تعلفها: فهذا فاسد، والعلف بإزاء أجرة الشاة وثمن الدر والنسل، فالشاة غير مضمونة عليه بحكم الإجارة الفاسدة، والدر والنسل مضمون عليه بحكم الشراء الفاسد، كما لو دفع كسرة إلى سقاء، فأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده وانكسر: ضمن الماء؛ لأنه أخذه بحكم الشراء الفاسد، ولم يضمن الكوز؛ لأنه في يده بحكم الإجارة الفاسدة، فإذا أخذ مجاناً: فالكوز عارية

стр. 1558

يجب ضمانه، والماء كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، [وكذلك: لو] اشترى شيئاً في وعاء، فقبضه: فالوعاء لا يكون مضموناً عليه. ولو استعار صندوقاً، وفيه نقد للمالك لم يعلمه المستعير: يكون ما فيه أمانة عنده؛ كالريح: تلقي ثوباً في حجره: يكون أمانة عنده. ولو دفع دراهم إلى رجل، فقال: اجلس على هذا الحانوت، واتجر لنفسك، أو دفع إليه بذراً، وقال: ابذر في هذه الأرض: فالحانوت والأرض عارية، والدراهم والبذر هبة أو قرض، فيه وجهان. ولو كانت دابة واقفة بين يدي مالكها، فوضع رجل متاعاً عليها بغير أمر صاحبها: لصاحب الدابة طرح متاعه، فلو لم يطرح وسير الدابة: دخل المتاع في ضمانه، ولا يجب على صاحب المتاع ضمان الدابة. ولو قال صاحب المتاع: سير الدابة، فسيرها: لا يجب على صاحب الدابة ضمان المتاع، وصار صاحب المتاع مستعيراً لذلك القدر من الدابة، إن كان على الدابة متاع آخر: يضمن بقدر متاعه. ولو كان راكباً دابة، فأردف رجلاً خلفه بمسألته أو غير مسألته: كان كما لو أعار منه نصف دابة، فإن هلكت الدابة: يجب على الرديف نصف الضمان. وكذلك: لو أعارف سفينة من إنسان، وهو فيها، فهلكت: يجب على المستعير نصف الضمان، فإن أركبه الدابة، وهو يمشي خلفها: يجب على الراكب جميع الضمان. ولو كان يمشي معه رجل، ومعه متاع، فقال صاحب المتاع: احمل متاعي هذا على دابتك، فحمل: كان لو أعار الدابة منه، يجب عليه ضمانها. ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك أضعه على دابتي، ففعل: كان كما لو استودع متاعه؛ لا يجب على صاحب المتاع ضمان الدابة، ولو كان لرجل حمل نفيس على دابة، فأركب إنساناً فوقه، حتى يكون حرزاً للمال: لا يجب على الراكب ضمان الدابة؛ لأن صاحب الدابة أركبه لمنفعة نفسه. وكذلك: لو بعث رجلاً إلى بلد لشغله، فأعطاه دابة ليركبها: لا يجب على الراكب ضمان الدابة؛ لأنه أركبه لإصلاح شغله. ولو استعار رجل دابة ليركبها إلى بلد، فجاوزها: يجب عليه أجر مثل ما جاوز،

стр. 1559

ذهاباً ورجوعاً إلى الموضع الذي جاوزه. وهل له أن يركبها في الرجوع إلى البلد الذي استعار منه أم يسلمه إلى حاكم البلد الذي استعار إليه؟ وجهان: أحدهما: له أن يركبها للرجوع؛ لأن المالك أذن فيه. والثاني: ليس له ذلك؛ لأن الإذن قد انقطع بالمجاورة، فعلى هذا: إذا رجع عليه أجر مثل الرجوع. فصل في الاختلاف إذا ركب دابة إنسان، فاختلفا، فقال المالك: أكريتك الدابة، وقال الراكب: بل أعرتني- لا يخلو: إما إن كان هذا الاختلاف في حال قيام الدابة أو بعد تلفها. فإن كان في حال قيامها- نُظر: إن كان في حال ما أخذ الدابة قبل مضي مدة لها أجرة: فلا فائدة فيه إلا أن يدعي المالك تعجيل الأجرة: فالقول قول الراكب مع يمينه. وقال في المزارعة: إذا زرع أرض الغير، ثم اختلفا؛ فقال المالك: أكريتك، وقال الزارع: بل أعرتني: إن القول قول المالك مع يمينه: فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين: أحدهما- وهو الأصح، وهو اختيار المزني-: أن القول قول المالك مع يمينه؛ لأن المنافع كالأعيان. ولو اختلفا في عين، فقال المالك: بعتك، وقال الذي في يده: وهبتني: كان القول قول المالك مع يمينه، لأنه أتلف منفعة الغير، ثم يدعي البراءة من الضمان: فلا يقبل؛ كما لو أكل طعام الغير، ثم قال: أبحته لي، فقال: ما أبحته لك: فالقول قول المالك مع يمينه. والقول الثاني: القول قول الراكب والزارع مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على إباحة المنفعة له، والمالك يدعي الكراء، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر النص، فقال في الدابة: القول قول الراكب، وفي الأرض: القول قول المالك؛ لأن العادة جرت: أن الدابة تعاد، والأرض لا تُعاد؛ بل تؤاجر، والصحيح: أن لا فرق بينهما.

стр. 1560

فإن قلنا: القول قول المالك، فإذا حلف أخذ الأجرة، وأي أجرة يأخذ؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذ المسمى؛ لأنا لما قبلنا قوله في الكراء: يقبل قوله في المسمى. والثاني: يأخذ أجر المثل، وهو المنصوص؛ لأنهما لو اتفقا على الأجرة، واختلفا في قدرها، وجب أجر المثل، فإذا اختلف في الأجرة: أولى أن يجب أجر المثل، فإذا نكل المالك عن اليمين: لا تُرد اليمين على الراكب، لأن عين المالك حجة لاستحقاقه الأجر، وإذا لم يحلف سقط، ويمين الرد يستحق بها حق، وهو لا يدعي شيئاً. وإن قلنا: القول قول الراكب مع يمينه، فإذا حلف برئ، وإذا نكل حلف المالك واستحق المسمى قولاً واحداً؛ لأن يمينه بعد نكول المدعى عليه: إما أن تكون كالبينة أو كالإقرار، فأيهما وجد يستحق به المسمى، وهذه المسألة بخلاف ما لو دفع ثوباً إلى غسال ليغسله، فغسله، ثم اختلفا، أو خاط لرجل ثوباً، أو بنى داراً، فاختلفا، فقال المالك: فعلته مجاناً، وقال العامل: بل بالأجرة: فالقول قول المالك مع يمينه قولاً واحداً بخلاف الراكب والزارع؛ لأن الخياط والغسال قوت منفعة نفسه، ثم يدعي الضمان على الغير: فلا يقبل، والراكب أفات منفعة دابة الغير، ويريد إسقاط الضمان عن نفسه: فلا يقبل. وإن كان هذا الاختلاف بعد تلف العين- نُظر: إن تلفت حالة ما أخذها قبل مضي مدة لها أجر، والراكب مقر له، وهو ينكر: فيرتد برده، وإن تلفت بعد مضي مدة لها أجر، والمالك يدعي عليه الكراء، وهو يقر بالقيمة: فهو يبني على أن اختلاف الجهة، هل يمنع الأخذ؟ وفيه وجهان. إن قلنا: يمنع الأخذ: فالقيمة ساقطة برده، وفي الكراء: القول قول من يكون؟ فعلى ما ذكرنا من القولين. وإن قلنا: لا يمنع الأخذ- نُظر: إن كانت الأجرة والقيمة سواء، أو كانت الأجرة أقل: أخذها المالك بلا يمين، وإن كانت الأجرة أكثر: أخذ قدر القيمة، وفي تلك الزيادة القول قول من يكون؟ فعلى القولين. وإن كان الاختلاف على عكس هذا، قال المالك: أعرتك، وقال: لا، بل أكريتني: فالقول قول المالك مع يمينه، يحلف ويأخذ العين، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر: فالراكب يقر له بالكراء، وهو ينكر، فيرتد برده، وإن كان بعد تلف العين نُظر: إن مضت مدة لمثلها أجرة؛ فالمالك يدعي عليه القيمة: فالقول قوله مع يمينه؛ هذا هو المذهب؛

стр. 1561

لأن الراكب أتلف عليه ماله، والأصل: أنه لم يبح، وإن مضت مدة لمثلها أجرة: فالمالك يدعي القيمة، والراكب يقر بالأجرة، فإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأجر: فلا أجرة له، وفي القيمة: يحلف ويأخذ، وإن قلنا: لا يمنع الأخذ: فإن كانت الأجرة والقيمة سواء، أو كانت القيمة أقل: أخذها المالك بلا يمين، وإن كانت القيمة أكثر، ففي تلك الزيادة: حلف المالك وأخذ. ولو قال المالك: غصبتني، وقال الراكب: لا، بل أعرتني: يسترد المالك العين، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر؛ فالمالك يدعي كراء المثل، وهو ينكر: نقل المزني: أن القول قول المستعير، وهو الراكب. اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال: المسألة على طريقين؛ كالمسألة الأولى: أحدهما: أنها على قولين. والثاني: يفرق بين الأرض والدابة. ومنهم من قال: القول قول المالك قولاً واحداً، والنقل وقع خطأ؛ لأن الراكب يدعي الإذن، وهو ينكر، والأصل عدم الإذن، وفي المسألة الأولى: اتفقا على الإذن، وإن كان هذا الاختلاف بعد تلف العين، وكان بعد مضي مدة: فالمدعي يدعي كراء المثل؛ فيحلف ويأخذ، ويدعي القيمة بطريق الغصب، وهو يقر بطريق العارية. وإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ: حلف وأخذ، وإن قلنا: لا يمنع الأخذ: إن قلنا: ضمان العارية ضمان الغصب، أو قلنا: تعتبر بيوم التلف، وكانت قيمتها يوم التلف أكثر: أخذها بلا يمين، وإن كانت قيمتها يوم التلف أقل: ففي الزيادة: يحلف ويأخذ، وإن اختلفا، فقال المالك: غصبتني، وقال الراكب: بل أكريتني، فإن لم تمض مدة لها أجر: حلف المالك، وأخذ العين، وإن كان أرضاً زرعها: قلع الزرع، وعلى الزارع تسوية الأرض، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر: فالمالك يدعي كراء المثل، وهو يقر بالمسمى، فإن استويا، أو كان أجر المثل أقل: أخذه بلا يمين، وإن كان أجر المثل أكثر: حلف، وأخذ الزيادة. قال الشيخ- ﵀: ولا يبنى على اختلاف الجهة؛ كما لو أن المالك يدعي فساد الإجارة، والراكب يدعي الصحة: حلف المالك، وأخذ أجر المثل، وإن كان هذا

стр. 1562

الاختلاف بعد تلف العين، وكان بعد مضي مدة: فالمالك يدعي كراء المثل والقيمة، والراكب يقر بالمسمى، وينكر القيمة، فما يقر الراكب أخذه بلا يمين، وفي الزيادة: يحلف ويأخذ. ولو قال المالك: غصبتني، فقال: بل أودعتني، وكان بعد تلف العين- حلف المالك، وأخذ القيمة وأخذ كراء المثل، إن مضت مدة لها أجر، والله أعلم.

стр. 1563

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الغصب قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. وعن أبي بكرة قال: خطب النبي- ﷺ يوم النحر، فقال في خطبته: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض".

стр. 1564

الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير بجهة العدوان. وهو معصية وسبب للضمان. أما إذا حبس المالك عن ملكه، حتى هلك ماله: لا يضمن؛ لأنه لا صنع له في المال؛ كما لو أتلف طعام المضطر حتى مات جوعاً: ضمن الطعام، ولم يضمن النفس؛ لأنه لا صنع له في النفس. وإذا غصب شيئاً، ثم رده كذلك، لم يتغير؛ ولم يمض زمان لمثله أجرة: لا شيء عليه، وإن أمسكه زماناً لمثله أجرة: يجب عليه أجر مثل ذلك الزمان؛ سواء استعمله أو لم يستعمله. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: منافع الغصب غير مضمونة، ولا يضمن المنفعة عنده إلا بعقد أو شبهة عقد. وعند مالك- رحمة الله عليه-: إن استعمل ضمن أجر المثل، وإلا فلا. فنقول: المنفعة إذا ضمنت بشبهة العقد، وهو أن يستأجر شيئاً إجارة فاسدة: وجب أن يضمن بالغصب، كالعين، بل هذا أولى؛ لأن العقد يصدر عن الرضا، والرضا سبب لسقوط الضمان، ثم لم يسقط به ضمان المنفعة، فالغصب الصادر عن عدم الرضا أولى ألا يسقطه. وإذا تلفت العين المغصوبة في يد الغاصب، أو أتلفها: يجب عليه المثل، إن كان مثلياً، وإن كان متقوماً: فالقيمة. وإنما أوجبنا المثل في المثلي؛ لأن إيجاب المثل رجوع إلى المشاهدة والقطع،

стр. 1565

وإيجاب القيمة رجوع إلى الاجتهاد والظن، وعند إمكان الرجوع إلى القطع: لا يصار إلى الظن؛ كما لا يصار إلى القياس عند وجود النص. وحد المثلي كل مكيل أو موزون، جاز بيع بعضه ببعض، وجاز السلم فيه. وشرطنا الكيل والوزن؛ لأن أجزاء المكيل والموزون قلما تختلف، وشرطنا جواز بيع بعضه ببعض؛ لأنه يشبهه من حيث إنه يأخذ مثله، وقلنا: يجوز السلم فيه، لأنه يشبهه من حيث إن البدل يثبت في ذمته؛ كالحيوان والثياب المتقومة؛ لأنها ليست بمكيلة ولا موزونة، وكذلك العنب والرطب والثمار الرطبة؛ لأنه لا يجوز بيع بعضها ببعض، واللبن الحامض والعسل المصفى بالنار واللآلئ والجواهر كلها متقومة؛ لأنه لا يجوز السلم فيها. والدراهم والدنانير والحبوب والأدهان والألبان كلها مثلية؛ لاجتماع هذه المعاني فيها. وقال العراقيون: حد المثلي: ما تتساوى أجزاؤه، ولا يختلف أجزاء النوع الواحد منه. وقالوا: الصفر والنحاس متقوم وعلى الحد الذي ذكرنا مثلي، وما دام المثل موجوداً: عليه تحصيله، وإن علت قيمته، وإذا وقع المثل يبرأ، وإن قلت قيمته. وقيل: إذا وجد المثل بأكثر من ثمن المثل: لا يلزمه المثل؛ لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن المثل كعدمه؛ كالماء في الوضوء والرقبة في الكفارة؛ والأصح: أنه يلزمه، لأن المثل كالعين، ولو كانت العين قائمة: عليه ردها، وإن احتاج في ردها إلى أضعاف: ثمنها. وإذا تراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل: جاز، وإن خرج المثل عن أن يكون متقوماً بتبدل مكان أو زمان: يجب عليه قيمته باعتبار مكان الإتلاف وزمانه، مثل: إن أتلف خمراً في الصيف؛ فليس له رد المثل في الشتاء، بل عليه قيمة مثله ي الصيف؛ وكذلك: لو أتلف عليه ماء في مفازة يعز فيها الماء، ثم اجتمعا في بلد ليس له رد المثل؛ بل يجب عليه قيمته في مثل تلك المفازة، فإذا أخذ القيمة في الشتاء، ثم جاء الصيف، أو أخذ قيمة الماء في البلد، ثم اجتمعا في مثل تلك المفازة، هل [له] رد القيمة، ومطالبته بالمثل، أو هل للغارم إعطاء المثل، واسترداد القيمة؟ فيه وجهان:

стр. 1566

أحدهما: لا؛ لأنه وصل إلى حقه بأخذ القيمة. والثاني: له ذلك؛ لأن أخذ القيمة كان؛ لأنه لم يصل إلى كمال حقه، وقد زال ذلك المعنى. ولو أتلف عليه مثلياً، ثم لقيه ببلد آخر، هل له مطالبته بالمثل؟ نظر: إن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير: له ذلك، وإن كان لنقله مؤنة: ليس للمتلف عليه مطالبته بالمثل، ولا للمتلف إجباره على قبول المثل إلا أن يتراضيا، فإن لم يتفقا أخذ المالك قيمة مثله باعتبار بلد الإتلاف، فإذا رضي وأخذ المثل: لم يكن له أن يكلفه مؤنة النقل، وإذا أخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد الإتلاف، هل لأحدهما مطالبة الآخر بالرد- فعلى الوجهين، وكذلك: لو لم يكن المثل موجوداً يوم الإتلاف، ثم وجد- نُظر: إن وجد قبل أخذ القيمة: يأخذ المثل، وإن وجد بعد أخذ القيمة، هل يترادان؟ فعلى وجهين؛ كذلك حكم القرض. أما [إذا] غصب مثلياً، ونقله إلى بلد آخر: فللمالك مطالبته بعينه، وله أن يكلفه رد عينه إلى بلد الغصب، أو يطالبه بقيمته، ثم إذا عاد إلى بلده، وعين ما غصبه قائماً: رد القيمة، وأخذ العين. ولو تلف في يد الغاصب في البلد المنقول إليه: كان للمالك مطالبته بمثله، لأن الطلب بعينه قد توجه عليه في ذلك البلد؛ فليس أحد البلدين أولى من الآخر، فإن لم يوجد له مثل: طالبه بأكثر البلدين قيمة؛ كما في المقوم. والتبر والسبيكة مثلي أو متقوم؟ فيه وجهان، فإن أتلف شيئاً من جنس الأثمان- نُظر: إن لم يكن فيه صنعة؛ كالتبر والنقرة: إن قلنا: هي مثلية: يغرم مثلها، وإن قلنا: متقومة: تقوم بنقد البلد، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وقيل: إن كان نقد البلد من جنسه: فإذا قوم به: تزيد قيمته على وزنه: فيقوم بغير جنس حقه؛ حتى لا يؤدي إلى الربا، وإن كانت له صنعة- لا يخلو: إما إن كان مما يحل استعماله أو لا يحل استعماله: فإن كان يحل؛ كالخاتم وحلي النساء: فما الحكم فيه؟ قال الشيخ: إن صنعة الحلي متقومة، أما وزن الحلي مثلي أو متقوم؟ فيه وجهان: الأصح: أنه مصلي؛ فعلى هذا إذا أتلف حلياً، وزنه مائة، وقيمته مائتان: يضمن الوزن بمثله، والصنعة بنقد البلد، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وقيل: يضمن الكل بغير جنسه؛ كيلا يؤدي إلى الربا من حيث إنه يصير كبيع مال

стр. 1567

الربا بجنسه مع الفضل، وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-. والأول المذهب؛ لأن الربا يجري في العقود لا في الغرامات. قال- ﵁: وإن قلنا: وزن الحلي متقوم-: يضمن الكل الوزن والصنعة جميعاً بنقد البلد؛ سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، ولو لم يتلف إلا الصنعة بأن كسرها: يغرم النقصان بنقد البلد؛ سواء كان نقد البلد من جنسه أو من غير جنسه، وإذا كان ذلك الشيء لا يحل استعماله مثل أواني الذهب والفضة: ففي جواز اتخاذه وجهان. إن قلنا: يحرم اتخاذه: فهو في الضمان كالسبيكة؛ لأنه لا قيمة للصنعة. وإن قلنا: لا يحرم: فكالحلي؛ لأن الصنعة متقومة، أما إذا غصب متقوماً، فتلف في يده، أو أتلفه: يجب عليه قيمته من نقد البلد الذي تلف فيه أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف، لأنه في الحالة التي زادت قيمتها غاصب مخاطب بالرد؛ كما قبلها، حتى لو غصب عبداً محترفاً، فنسي الحرفة، أو كان يحسن القرآن، فنسي، ثم مات: يجب عليه قيمة عبد محترف [أو] قارئ، أو شاة سمينة، فعزلت، ثم ماتت: عليه قيمة شاة سمينة، وكذلك: يضمن نقصان السوق عند هلاك العين، مثل: إن غصب عبداً قيمته مائة، فارتفعت الأسواق وبلغت قيمته مائتين ثم انحطت، فعادت إلى مائة، ثم هلك: يجب عليه مائتان. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: تجب قيمته باعتبار يوم الغصب، وبالاتفاق: لا يعتبر ارتفاع السوق بعد تلف العين، حتى لو كانت قيمته مائة، فهلك عنده، ثم بلغت قيمة مثله مائتين: لا يجب إلا مائة. ولو ارتفعت قيمته مراراً بالسوق: لا يتكرر ضمانها؛ بل يضمن أكثرها، مثل: إن كانت قيمته عشرة، فارتفعت الأسواق، وبلغت قيمته عشرين، ثم انحطت الأسواق، فعادت إلى عشرة، ثم ارتفعت، فبلغت ثلاثين، ثم هلكت: يضمن ثلاثين، ولا يضمن خمسين. وإذا غصب مثلياً، فتلف في يده، أو أتلفه، وانقطع المثل: يأخذ قيمته، ولا نعني بالانقطاع: ألا يوجد في الدنيا، بل إذا لم يوجد في بلد الغصب وبلد الإتلاف وحواليه في المواضع التي لا يتعذر حمله: فهو منقطع، يأخذ القيمة، ولا يلزمه حمله من البلاد البعيدة؛ كما ذكرنا في المسلم فيه، إذا انقطع، ثم كيف نعتبر قيمته بعد انقطاع المثل: ففيه ثلاث أوجه:

стр. 1568

أحدها: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف، ولا عبرة بازدياد قيمة أمثاله بعد تلفه؛ كما في المتقومات. والثاني: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى انقطاع المثل، وهذا أصح، لأن وجود المثل، كقيام العين، بدليل أن له مطالبته بالمثل عند وجوده، كما يطالب بالعين عند قيامها، فانقطاع المثل يكون كتلف العين. والثالث: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التغريم، والأخذ؛ لأن طلب المثل لا يسقط بالانقطاع، بدليل أن المثل إذا وجد: يجب عليه المثل، فالانتقال إلى القيمة يكون يوم الأخذ، فاعتبر به. وقيل: أصل هذا: أن المثل إذا انقطع: فالواجب عليه قيمة الأصل أم قيمة المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: قيمة الأصل؛ لأنه أتلف الأصل. والثاني: قيمة المثل؛ لأن الواجب بالإتلاف مثله فإذا عدم وجبت قيمته: فإذا قلنا: الواجب قيمة الأصل: فلا نعتبر ما بعد التلف، وعليه أكثر ما كانت قيمته من يوم الغصب إلى التلف، وإن قلنا: الواجب قيمة المثل: فنعتبر ما بعده، فيعتبر بيوم التغريم. ولو أتلف على إنسان مثلياً، ولم يغصبه، وانقطع المثل: قال الشيخ: على الوجه الأول: عليه قيمته باعتبار يوم الإتلاف، وعلى الثاني: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الإتلاف إلى انقطاع المثل، وعلى الثالث: إلى يوم التغريم. وإذا غصب مثلياً، واتخذ منه ما لا مثل له، وتلف عنده: يضمن الأكثر؛ مثل: إن غصب حنطة، فطحنها، وخبزها، وأكلها؛ فإن كانت قيمة الحنطة أكثر: يجب عليه مثلها، وإن كانت قيمة الدقيق أو الخبز أكثر- يجب عليه قيمته، وإن استوت قيمة الكل: أخذ مثل الحنطة؛ لأن المثل أقرب إلى المغصوب، وكذلك: لو غصب متقوماً، وصار مثلياً بفعله، أو بغير فعله، مثل: إن غصب رطباً، فصار تمراً، وهلك عنده: فإن كانت قيمة الرطب أكثر: تجب عليه قيمته، وإن كانت قيمة التمر أكثر: يجب عليه مثله، وإن استويا: أخذ مثل التمر، ولو غصب مثلياً، فاتخذ منه مثلياً آخر، مثل: إن غصب سمسماً، فعصره دهناً، وتلف عنده: فأيهما كان أكثر قيمة يجب عليه مثله، وإن استويا: يأخذ مثل أيهما شاء.

стр. 1569

هذا كله فيما إذا تلف المغصوب عند الغاصب، أما إذا كان المغصوب قائماً، لكن دخله نقص- نُظر: إن كان النقصان من جهة السوق؛ بأن كانت قيمته يوم الغصب مائة، فتراجعت الأسواق، وعادت قيمته إلى خمسين، فرده: لا يجب عليه نقصان السوق، قال أبو ثور: يجب عليه نقصان السوق؛ كما لو تلفت العين: يضمن نقصان السوق. قلنا: في حال بقاء العين: الواجب عليه رد العين؛ كما لو غصب، وهو مخاطب به، وقد ردها كما أمر، أما بعد تلف العين: الواجب عليه رد القيمة، فيجب عليه الأكثر؛ لأنه مخاطب برده عند كثرة قيمته، فإذا لم يفعل حتى هلك: ضمن قيمته، أما سائر النقائص: فيجب عليه ضمانها مع رد العين، سواء كانت نقصان جزء، أو نقصان وصف حصل بفعله، أو بآفة سماوية؛ مثل: إن غصب عبداً أو حيواناً، فسقط عضو من أعضائه، أو حدث به عيب آخر، أو ضربه، فعيبه، أو كان العبد: محترفاً، أو كاتباً، أو قارئاً؛ فنسي الحرفة، والكتابة، والقرآن، أو غصب شاة سمينة، فهزلت، فردها: يجب عليه ضمان النقصان، ويلزم ضمان الجزء الفائت أكثر ما كان من يوم الغصب إلى حين تلف ذلك الجزء، ولا يراعى زيادة القيمة من بعد تلف الجزء؛ كما لا يراعى زيادة قيمة العين بعد تلفها؛ وكذلك: لو حدثت الزوائد في يد الغاصب بفعله، فزالت: مثل: إن غصب عبداً احترف، فعلمه حرفة، أو علمه القرآن، أو الأدب أو الفقه أو الشعر أو شيئاً يجوز تعليمه، فنسيها، ثم رده، أو غصب شاة هزيلة، فسمنت، ثم زال السمن، وردها: يجب عليه ضمان النقصان، ولو غصب غزلاً قيمته درهم، فنسجه، فصارت قيمته عشرة، ثم نقضه، فعادت إلى دراهم، أو غصب جوهر زجاج قيمته درهم، فاتخذ منه قدحاً ليساوي عشرة، فانكسر، فعادت قيمته إلى درهم، ورده مكسوراً: يغرم تسعة، ولو انكسر، فعادت قيمته إلى خمسة، فرد: يغرم خمسة. ولو تكررت هذه النقائص، هل يتكرر الضمان- نُظر: إن كانت مختلفة؛ مثل: إن علمه حرفة، فنسيها، ثم علمه أخرى، فنسيها أو علمه سورة من القرآن، فنسيها، ثم علمه سورة أخرى، فنسيها: يتكرر عليه الضمان، حتى لو علمه عشرين سورة، كل ذلك ينساها، أو عشرين حرفة، فنسيها: يضمن عشرين مرة. ولو غصبه، وهو محترف، فنسي حرفته، وانتقصت قيمته، ثم علمه حرفة أخرى زادت قيمته على ما كانت يوم الغصب، ثم رده: يجب عليه نقصان نسيان حرفة الأولى، ولا يتخير ذلك النقصان بهذه الزيادة، ولو علمه حرفة واحدة مراراً، أو سورة من القرآن مراراً، وهو ينساها، فهل يتكرر عليه الضمان؟ فيه وجهان:

стр. 1570

أحدهما: يضمن مراراً؛ كالحرف المختلفة. والثاني: لا يتكرر، لأنه عين ما ضمنه مرة؛ فعليه ضمان. أكثرها قيمة. ولو غصب شاة سمينة، فهزلت، ثم سمنت، ثم هزلت: هل يضمن السمن مراراً؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه وجهان: كالحرفة الواحدة، والسورة الواحدة يتعلمها مراراً. ومنهم من قال- وإليه ذهب صاحب "التلخيص": يضمن مراراً وجهاً واحداً؛ لأن السمن الثاني غير الأول، وهو بمنزلة الحرفتين، بخلاف الحرفة الواحدة، فإن الثانية عين الأولى، فلا يضمنها مرتين، وكذلك: لو غصب جوهر زجاج، فاتخذ منه إناء، فانكسر، ثم اتخذه قدحاً بعد الكسر، ثم انكسر: هل يغرم الكسر مرتين؟ نُظر: إن كانت الصنعة الثانية غير الأولى: يضمن مرتين، وإن كانت مثل الأولى: فكالسمن، وذكر صاحب "التلخيص" أنه يضمنه مراراً بخلاف الحرفة الواحدة. وعلى هذا: لو غصب شاة سمينة، فهزلت، ثم سمنت، ثم ردها، أو عبداً يحسن القرآن، فنسي، ثم تعلم، ثم رده: هل يجب عليه ضمان الهزال، وضمان النسيان، أم يتخير بما حدث؟ فعلى وجهين؛ بناءً على تكرر الضمان، إن قلنا: لا يتكرر الضمان: يتخير، وإلا فلا يتخير. ولو غصب جارية بها سمن مفرط، فزال بعضه، ولم ينتقص قيمتها: ردها، ولا شيء عليه. ولو غصب ثوباً، فأمسكه مدة لها أجر، فانتقصت قيمته بآفة، فرده: فيجب عليه أرش النقصان، وأجر مثل تلك المدة؛ كما لو غصب عبداً، فأمسكه مدة، فسقط عضوه أو مرض عنده: رده مع أجر المثل وأرش النقصان. قال الشيخ: ثم ينظر: إن سقط عضوه، أو مرضن ثم أمسكه مدة: عليه أرش النقصان، وأجر مثل عبد، ناقص، فإن أمسكه مدة، ثم سقط عضوه أو مرض: عليه أجر مثل عبد سليم، وأرش النقصان؛ لأن مضي الزمان، إذا كان بعد الهلاك: لا يوجب أجر مثله. فأما إذا لبس الثوب مدة، وأبلاه باللبس: هل يجب عليه أجر المثل مع أرش النقصان؟ فيه وجهان:

стр. 1571

أصحهما: يجب كلاهما؛ كما لو انتقصت قيمته بسبب آخر. والثاني: لا يجب إلا أكثر الأمرين: إما الأجرة، أو أرش النقصان؛ لأن النقص حصل بما حصل عليه الأجرة، وهو: الاستعمال؛ فلا يجتمعان، ولهذا لا يضمن المستأجر نقصان الأجزاء. ولو غصب ثوباً قيمته عشرون، فانحطت السوق، ثم عادت قيمته إلى عشرة، ثم استعمله، فصارت قيمته خمسة، ثم رده: يجب عليه عشرة؛ لأنه تلف بالاستعمال نصف الثوب، فيقابله نصف نقصان السوق، ونقصان السوق يضمن عند تلف العين. ولو غصبه وقيمته عشرون، فاستعمل أولاً حتى عادت قيمته إلى عشرة، ثم انحطت السوق، فعادت قيمته إلى خمسة، ثم رده: يجب عليه ضمان العشرة التي هلكت بالاستعمال، ولا يجب خمسة عشر؛ لأن نقصان السوق قابل ما بقي بعد الاستعمال، وعند رد العين؛ لا يجب نقصان السوق. ولو غصبه وقيمته عشرة، فاستعمله، فعادت قيمته إلى خمسة، ثم ارتفعت الأسواق، فصارت قيمته عشرة، ثم رده: قال ابن حداد: يرد معه عشرة؛ لأنه أتلف نصف الثوب بالاستعمال، ولو كان الكل قائماً: كانت قيمته عشرين، وليس بصحيح، بل لا يجب عليه إلا الخمسة التي تلفت بالاستعمال، ولا يعتبر ارتفاع السوق في النصف الذي تلف؛ كما لو غصب ثوبين قيمة كل واحد خمسة، فتلف أحدهما، ثم ارتفعت السوق، فصارت قيمة القائم عشرة؛ لا يجب عليه للتالف إلا خمسة. ولو غصب عبداً، فجرحه- نُظر: إن لم يكن لتلك الجراحة أرش مقدر في الأحرار: يجب عليه رده مع أرش النقصان، وإن كان لها أرش مقدر في الأحرار: يجب عليه رده؛ مثل: إن قطع إحدى يديه، أو إحدى رجليه؛ فعلى قوله القديم: يجب على غير الغاصب بهذه الجناية أرش النقصان، فعلى الغاصب كذلك، وعلى قوله الجديد: يجب على غير الغاصب نصف القيمة؛ فعلى هذا القول: يجب على الغاصب أكثر الأمرين: إما نصف القيمة أو أرش النقصان، فإن كان نصف القيمة أكثر: يجب ذلك، لوجود سببه، وهو: القطع، وإن كان أرش النقصان أكثر: يجب ذلك لوجود سببه، وهو الغصب. ولو شلَّت يده في يد الغاصب: يجب عليه أرش النقصان، ولو قطع يديه عليه كمال قيمته، ولو قطع أنثييه، فزادت به قيمته: يجب عليه قيمته، لأن للأنثيين بدلاً مقدراً لا يضمن بما ينقص من القيمة، بخلاف ما لو كان بالجارية سمن مفرط، فزال ولم تنتقص قيمتها؛ لأنه ليس للسمن بدل مقدر، إنما يضمن ما ينتقص من القيمة، فإذا لم ينتقص لا يضمن.

стр. 1572

ولو قطع أجنبي إحدى يديه في يد الغاصب: ففي القديم: يجب عليه أرش النقصان، والمالك بالخيار: إن شاء أخذه من الغاصب، وإن شاء أخذه من القاطع، وقرار الضمان على القاطع. وعلى القول الجديد: يجب على القاطع نصف قيمته، ثم: إن كان نصف قيمته مثل أرش النقصان، أو أكثر: فالمالك يطالب أيهما شاء، والقرار على القاطع، وإن كان نصف القيمة أقل: يطالب بنصف القيمة، أيهما شاء، والقرار على القاطع، وما زاد على نصف القيمة إلى كمال أرش النقصان: يكون على الغاصب؛ لا يطالب به القاطع. ولو قتله قاتل في يد الغاصب- نُظر: إن كان القاتل عبداً قتله عمداً: فللمالك أن يقتص، ولا شيء له على الغاصب؛ لأنه أخذ بدل دمه، وإن كان موجباً للمال، أو عفى على مال: فإن كان الجاني حراً: فالمالك يرجع بالقيمة، إن شاء على الغاصب، وإن شاء على القاتل، والقرار على القاتل. وإن كان الجاني عبداً- نُظر: إن سلم سيد العبد الجاني العبد للبيع، فبيع: فإن كانت قيمته مثل قيمة المقتول: أخذها، ولا شيء على الغاصب، وإن كانت أكثر: فالفضل لمالكه، وإن كانت أقل، فيرجع بالنقصان على الغاصب، وإن اختار سيد العبد الجاني الفداء: فإن قلنا: يفدى بأرش الجناية: أخذه سيد المقتول، ولا شيء على الغاصب، وإن قلنا: يفدى بالأقل، فإن كانت قيمة المقتول مثل قيمة القاتل، أو أقل: أخذها، ولا شيء على الغاصب إلا أنه طريق فيه، فإن كانت قيمة المقتول أكثر: فالفضل على الغاصب. ولو جنى العبد في يد الغاصب بأن قتل إنساناً أو قطع يد إنسان، أو سرق، واسترده المالك، فقتل في يده قصاصاً، أو قطع قصاصاً، أو سرقه، أو كان قد ارتد في يد الغاصب، فقتل في يد المالك بالردة: يرجع المالك بقيمته، أو بأرش يده على الغاصب، لأن السبب وجد في يده؛ وكذلك: لو جنى في يد الغاصب، فاسترده المالك، وبيع في الجناية: يرجع المالك بقيمته على الغاصب، فإن كان أرش الجناية ألفاً وقيمته خمسمائة: بيع في الجناية لا يرجع إلا بخمسمائة حتى لو غبن إنسان، أو ارتفع السوق في يد المالك، فبلغت قيمته ألفاً، فبيع بألف: أخذ المجني عليه كلها، ولا يرجع المالك على الغاصب إلا بخمسمائة؛ لأنه لم يكن في ضمانه إلا قيمته. ولو عفا المجني عليه: فلا رجوع للمالك على الغاصب بشيء. ولو مات العبد في يد الغاصب: أخذ المالك قيمته من الغاصب، ثم المجني عليه

стр. 1573

يطالبه بحقه من قيمته، فإذا دفع إليه: رجع المالك على الغاصب بما أخذ منه المجني عليه من قيمته، فيضمن قيمته مرتين؛ بخلاف ما لو جنى عبد في يد مالكه، ثم غصبه غاصب، فمات في يده: لا يغرم قيمته إلا مرة واحدة، لأن الجناية لم توجد في ضمانه. ولو قتله أجنبي في يد الغاصب بعد ما جنى: فالمالك: إن شاء غرم الغاصب، وإن شاء غرم الجاني؛ فإن غرم الجاني: أخذ المجني عليه منه ما أخذ من الجاني، ثم المالك يرجع على الغاصب ثانياً، والغاصب يرجع على الجاني مرة واحدة. ولو غصب عبداً، قيمته ألف، فتراجعت قيمته في يد الغاصب بالسوق إلى خمسمائة، ثم جنى جناية أرشها ألف، ومات عنده: أخذ المالك من الغاصب ألفاً؛ اعتباراً بالأكثر، ولم يكن للمجني عليه إلا خمسمائة، لأنه ليس له إلا قدر قيمته يوم الجناية. ولو غصب ثوباً فشقه، أو إناء فكسره، أو عصا فرضضه: يجب عليه رده مع أرش النقصان، ولا يجبر على إصلاح الإناء ورفو الثوب، وعند مالك- رحمة الله عليه-: يجبر عليه؛ كما لو جعل الأرض صفراً: يجب عليه تسويتها. قلنا: لأن الأرض بالتسوية تعود إلى ما كانت عليه، والثوب بالرفو لا يعود إلى ما كان عليه، وما دام شيء من المغصوب باقياً: يجب عليه رده. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا جنى على المغصوب جناية: فوت جل منفعته، ليس للمالك أن يأخذ شيئاً من الغاصب إلا أن يترك العين إليه، فيأخذ قيمتها، وإن جنى جناية فوت إطلاق اسمه: ملكه الغاصب، وعليه قيمته حتى قال: لو قطع إحدى يدي العبد: يجب عليه نصف قيمته. ولو قطع كلتا يديه: فلا شيء للمالك إلا أن يترك العبد إلى الغاصب، فيأخذ منه قيمته. ولو غصب ثوباً، فشقه عرضاً: رده مع أرش النقصان، ولو شقه طولاً، أو صبغه أسود، قال: لا شيء للمالك إلا أن يترك إليه الثوب، فيأخذ قيمته. ولو قطع الثوب؛ فخاطه ملبوساً، قال: يملكه الغاصب، وعليه قيمته، وكذلك قال: لو غصب شاة مذبحة، قال: لا شيء للمالك إلا أن يتركها إلى الغاصب، فيأخذ قيمتها، وإن شوى لحمها- قال: ملكها، وعليه قيمتها.

стр. 1574

وقال: إذا غصب نحاساً، فاتخذ إناء يملك- فنقول: جنى على ملك الغير، فلا يتوقف وجوب الضمان على التمليك؛ كما إذا قطع إحدى يديه، يؤيده: أنكما إذا أوجبتم الضمان على الغاصب عند قلة الجناية من غير أن جعلتم له شيئاً في مقابلته، فعند كثرة الجناية أولى. ولو غصب حنطة، فبلها، أو عفنت عنده: فإن كان النقصان متناهياً: عليه ردها، مع ضمان النقصان، وإن كان النقصان الذي دخلها غير متناه: ففيه قولان: أصحهما: يردها مع ضمان النقصان؛ كما في النقصان المتناهي. والثاني: المالك بالخيار: إن شاء أخذها مع الضمان بالنقصان، وإن شاء تركها إلى الغاصب، وأخذ منه مثل حنطة. ولو غصب سمناً وعسلاً ودقيقاً، فاتخذ منه خبيصاً: فقد انتقص كل واحد منهما نقصاناً غير متناه؛ ففي قول: يأخذها مع أرش النقصان الذي دخلها. وفي الثاني: يتخير بين هذا، وبين أن يتركها، ويأخذ مثل ما هو مثلي، وقيمة ما هو متقوم منها. ولو غصب عبداً فأبق من يده، أو غيبة إلى بلد، أو دابة فضلت: فللمالك أن يأخذ قيمته من الغاصب للحيلولة، ويملك المالك ما أخذ من القيمة، كما يملك بدل المتلف. ولا يملك الغاصب المغصوب حتى إذا وجده: يجب عليه رده؛ فيسترد القيمة، كما لو جنى على عينه، فابيضت، فأخذ الأرش ثم عاد بصره: عليه رد الأرش. ولا ينفد تصرف الغاصب في العبد، وينفد تصرف المالك في القيمة، وما حصل من المغصوب من النماء والزيادة بعد دفع القيمة: يكون للمالك. وهل يكون مضموناً على الغاصب، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون مضموناً عليه؛ كالحاصل قبل أداء القيمة. والثاني: لا يكون مضموناً عليه؛ لأن ضمانه بضمان الأصل، وقد سقط ضمان الأصل بأداء القيمة، فسقط ضمان الزوائد، وكذلك: هل يجب على الغاصب أجر مثل المغصوب من حين دفع القيمة على أن رده؟ فيه وجهان. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا غرم القيمة: ملك العبد، ولا رد عليه؛ إلا

стр. 1575

أن يأخذ المالك القيمة بقول الغاصب، فبان أكثر؛ فله الرد. فنقول: أخذ بدل ملكه المغصوب من الغاصب؛ لتعذر الرد، فإذا زال العذر: وجب أن يجب؛ كما لو كان المغصوب مدبراً؛ يؤيده: أن التضمين لو كان يوجب التمليك: وجب ألا يضمن المدبرح لأن عندكم: المدبر لا يملك كالحر. ولو كان لرجل زوج خُف، قيمتها عشرة، فغصب رجل أحدهما، أو أتلفه، وعاد قيمة الثاني إلى درهمين: كم يلزمه من الضمان؟ فيه وجهان: أصحهما- وعليه أكثر أصحابنا- يلزمه خمسة؛ لأن قيمة ما تلفه خمسة. والثاني- وبه قال صاحب "التلخيص"-: يلزمه ثمانية؛ لأن انتقاص قيمة الثاني بسبب غصبه، ولا خلاف أنه إذا سرق الفرد، ولم تكن قيمته نصاباً، وكان نصاباً مع النقصان الذي دخل الثاني أن القطع: لا يجب، لأنه يندرئ بالشبهة؛ كما لو دخل حرزاً، وأتلف فيه مالاً: يجب الضمان عليه، ولا يجب القطع. أما إذا غصب الزوج معاً، ثم رد أحدهما، وقيمته درهماً: يلزمه ثمانية؛ لأن الغصب وجد فيهما، والنقص وجد في المغصوب. ولو غصب بيضة، فأحضنها تحت دجاجة، فأخرجت فراخاً، أو غصب حنطة، فبذرها، فنبتت، وازدادت: ففيه أوجه: أصحهما: ما حصل للمالك، ولا شيء له سواه؛ لأن المغصوب عاد إليه زائداً، فإن كانت قيمته أنقص مما غصب: عليه أرش النقصان. والثاني: الكل للغاصب، وعليه مثل الحنطة وقيمة البيضة؛ لأن المغصوب قد هلك في يده، وما حصل بشيء حدث له. والثالث: ما حصل للمالك، ويجب على الغاصب قيمة البيضة، ومثل الحنطة؛ لأن المغصوب قد هلك في يده: فعليه ضمانه والحادث زيادة زاده الله تعالى على عين مال المالك؛ فيكون له. وفي الإفلاس: لو فعله المشتري، ثم أفلس بالثمن: فإن قلنا في الغصب: يكون ما حصل للمالك، ولا شيء له سواه: ففي الإفلاس: للبائع أخذه، ولا ثمن له، وإن قلنا بالوجهين الآخرين: فليس للمفلس إلا مضاربة الغرماء.

стр. 1576

ولو غصب شجرة، فسقط ورقها، ثم نبت، أو غصب شاة، فحز شعرها، ثم ثبت: فعليه ضمان ما سقط من الورق، وما حز من الشعر، ولا يتخير الأول بما نبت، بخلاف ما لو غصب جارية، فسقط شعرها، ثم نبت، أو سقط سنها، ثم نبت: يتخير الأول بالآخر؛ لأن الأول لم يكن متقوماً؛ إنما وجب عليه أرش النقصان؛ لفقده، وقد زال النقص، بخلاف الورق والصوف، فإنه متقوم، كما لو غصب جارية، فولدت، واصفر لونها، ثم زال: يتخير. ولو غصب عصيراً، فتخمر في يده: أراق الخمر، ورد مثل العصير، فلو تخللت بعده في يده: فيه وجهان: أحدهما: رد الخل وأرش النقصان. والثاني: رد الخل ومثل العصير؛ لأنه لما تخمر، صار كالتالف، فإذا تخللت فهي زيادة زادها الله تعالى للمالك. ولو غصب شيئاً لا قيمة له مما يجوز اقتناؤه من كلب صيد أو جلد ميتة: عليه مؤنة رده، فإن تلف عنده: لا شيء عليه، فإن أمسك الكلب زماناً، هل عليه أجر مثله؟ فيه وجهان؛ بناءً على جواز إجارته. ولو دبغ جلد الميتة: عليه رده. ولو غصب شاة، فماتت، فدبغ الغاصب جلدها: يجب عليه قيمة الشاة، وهل يجب عليه رد الجلد؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كما لو غصب الجلد، فدبغه. والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمن جميع قيمة الشاة. ولو غصب خمراً من ذمي: يجب عليه ردها، لأنه بذل الجزية على ألا نتعرض له فيها. وإن غصبها من مسلم- نُظر: إن صب في الدن بنية الخل: عليه ردها، وإن صب بنية الخمر: أراقها، ولا يجب ردها؛ لأن النبي- ﷺ حين سأله أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمراً؟ - "أمره بإراقتها"، فإن تخللت في يده: عليه رد الخل؛ كالجلد يدبغ؛ لأنه صار مالاً على حكم ملكه، فإن تلف عنده ضمنه.

стр. 1577

وقيل: يلزمه رد الخل، وفي الجلد، إذا دبغه: وجهان؛ لأنه صار مالاً بفعله، والخمر تخللت لا بصنعه. وقيل: يلزمه رد الجلد، وفي الخل وجهان؛ لأن من غصب الخمر: لم يغصب ما يجوز اقتناؤه؛ بخلاف جلد الميتة. هذا إذا لم يرفع المالك يده عنها، فإن ماتت شاة، فألقاها صاحبها أو خمراً، فأراقها صاحبها، وأخذها رجل، فدبغ جلدها، أو تخللت الخمر عنده: هل لصاحبها أن يستردها؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه أبطل حقه بالطرح. ولو غصب عبداً مرتداً: عليه رده، ويغرم مؤنة الرد، ولو أمسكه زماناً: عليه أجر المثل، فلو هلك في يده أو قتله الغاصب: هل عليه الضمان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأن دمه هدر، كما لو قتله في يد المالك. والثاني: يجب؛ لأنه متقوم؛ كما يضمن منافعه، فلو قتله أجنبي في يد الغاصب: لا ضمان على القاتل، وهل يجب على الغاصب؟ فيه وجهان. وأم الولد تضمن بالغصب، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: لا تضمن. أما الحر: فلا يضمن بالغصب، صغيراً كان أو كبيراً، حتى لو حمل حراً صغيراً على مسبعة، فأكله سبع: لا ضمان عليه، وعند أبي حنيفة: يضمن. وبالاتفاق: لو مات في يده: لا يضمن، ولو غصب صبياً، وعلي حلي، هل يضمن الحلي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن؛ لأن الحُلي في يد الصبي، ولم تدخل في يد الغاصب. والثاني: يضمن؛ لأن الصبي غير كامل اليد. ولو حبس حراً مدة، هل يلزمه أجر مثله؟ - نُظر: إن استعمله: يجب، وإن لم يستعمله: فيه وجهان:

стр. 1578

أحدهما: يجب؛ كالعبد. والثاني: لا يجب؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد. ولو ألقت الريح ثوباً لإنسان في داره: لزمه حفظه كاللقطة، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن لم يفعل: ضمنه، وإن وقع في داره طائر: لا يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه؛ لأنه محفوظ بنفسه؛ فإن دخلت حمامة في برجه، فأغلق عليها الباب؛ فإن نوى إمساكها على نفسه: ضمنها؛ كالغاصب، وإن لم ينوه: لم يضمن؛ لأنه يتصرف في برجه برد الباب. فصلٌ في الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه: تكون مملوكة للمغصوب منه، مضمونة على الغاصب؛ مثل: إن غصب جارية أو شاةً، فولدت في يد الغاصب، أو شجرة فأثمرت: يكون الولد والثمرة للمالك، ويكون مضموناً على الغاصب، فلو ألقت الجارية جنيناً ميتاً: فالمذهب: أنه لا يضمن الولد.

стр. 1579

ولو غصب دراهم أو دنانير، فاشترى بها سلعة- نُظر: إن اشترى بعينها- في الجديد: يكون باطلاً، وفي القديم: يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز- صح

стр. 1580

له، وإن لم يجز: بطل، فإن اشترى في الذمة، ونقد تلك الدراهم أو الدنانير في ثمنها وربح: ففي الربح قولان: قال- في القديم-: هو للمغصوب منه، لأنه نماء ملكه كثمرة الشجرة، وفي الجديد: يكون للغاصب، فإذا تلف عنده: يضمنه.
следующие страницы →