← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ولو غصب شجرة، فسقط ورقها، ثم نبت، أو غصب شاة، فحز شعرها، ثم ثبت: فعليه ضمان ما سقط من الورق، وما حز من الشعر، ولا يتخير الأول بما نبت، بخلاف ما لو غصب جارية، فسقط شعرها، ثم نبت، أو سقط سنها، ثم نبت: يتخير الأول بالآخر؛ لأن الأول لم يكن متقوماً؛ إنما وجب عليه أرش النقصان؛ لفقده، وقد زال النقص، بخلاف الورق والصوف، فإنه متقوم، كما لو غصب جارية، فولدت، واصفر لونها، ثم زال: يتخير. ولو غصب عصيراً، فتخمر في يده: أراق الخمر، ورد مثل العصير، فلو تخللت بعده في يده: فيه وجهان: أحدهما: رد الخل وأرش النقصان. والثاني: رد الخل ومثل العصير؛ لأنه لما تخمر، صار كالتالف، فإذا تخللت فهي زيادة زادها الله تعالى للمالك. ولو غصب شيئاً لا قيمة له مما يجوز اقتناؤه من كلب صيد أو جلد ميتة: عليه مؤنة رده، فإن تلف عنده: لا شيء عليه، فإن أمسك الكلب زماناً، هل عليه أجر مثله؟ فيه وجهان؛ بناءً على جواز إجارته. ولو دبغ جلد الميتة: عليه رده. ولو غصب شاة، فماتت، فدبغ الغاصب جلدها: يجب عليه قيمة الشاة، وهل يجب عليه رد الجلد؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كما لو غصب الجلد، فدبغه. والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمن جميع قيمة الشاة. ولو غصب خمراً من ذمي: يجب عليه ردها، لأنه بذل الجزية على ألا نتعرض له فيها. وإن غصبها من مسلم- نُظر: إن صب في الدن بنية الخل: عليه ردها، وإن صب بنية الخمر: أراقها، ولا يجب ردها؛ لأن النبي- ﷺ حين سأله أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمراً؟ - "أمره بإراقتها"، فإن تخللت في يده: عليه رد الخل؛ كالجلد يدبغ؛ لأنه صار مالاً على حكم ملكه، فإن تلف عنده ضمنه.

стр. 1577

وقيل: يلزمه رد الخل، وفي الجلد، إذا دبغه: وجهان؛ لأنه صار مالاً بفعله، والخمر تخللت لا بصنعه. وقيل: يلزمه رد الجلد، وفي الخل وجهان؛ لأن من غصب الخمر: لم يغصب ما يجوز اقتناؤه؛ بخلاف جلد الميتة. هذا إذا لم يرفع المالك يده عنها، فإن ماتت شاة، فألقاها صاحبها أو خمراً، فأراقها صاحبها، وأخذها رجل، فدبغ جلدها، أو تخللت الخمر عنده: هل لصاحبها أن يستردها؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه أبطل حقه بالطرح. ولو غصب عبداً مرتداً: عليه رده، ويغرم مؤنة الرد، ولو أمسكه زماناً: عليه أجر المثل، فلو هلك في يده أو قتله الغاصب: هل عليه الضمان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأن دمه هدر، كما لو قتله في يد المالك. والثاني: يجب؛ لأنه متقوم؛ كما يضمن منافعه، فلو قتله أجنبي في يد الغاصب: لا ضمان على القاتل، وهل يجب على الغاصب؟ فيه وجهان. وأم الولد تضمن بالغصب، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: لا تضمن. أما الحر: فلا يضمن بالغصب، صغيراً كان أو كبيراً، حتى لو حمل حراً صغيراً على مسبعة، فأكله سبع: لا ضمان عليه، وعند أبي حنيفة: يضمن. وبالاتفاق: لو مات في يده: لا يضمن، ولو غصب صبياً، وعلي حلي، هل يضمن الحلي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن؛ لأن الحُلي في يد الصبي، ولم تدخل في يد الغاصب. والثاني: يضمن؛ لأن الصبي غير كامل اليد. ولو حبس حراً مدة، هل يلزمه أجر مثله؟ - نُظر: إن استعمله: يجب، وإن لم يستعمله: فيه وجهان:

стр. 1578

أحدهما: يجب؛ كالعبد. والثاني: لا يجب؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد. ولو ألقت الريح ثوباً لإنسان في داره: لزمه حفظه كاللقطة، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن لم يفعل: ضمنه، وإن وقع في داره طائر: لا يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه؛ لأنه محفوظ بنفسه؛ فإن دخلت حمامة في برجه، فأغلق عليها الباب؛ فإن نوى إمساكها على نفسه: ضمنها؛ كالغاصب، وإن لم ينوه: لم يضمن؛ لأنه يتصرف في برجه برد الباب. فصلٌ في الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه: تكون مملوكة للمغصوب منه، مضمونة على الغاصب؛ مثل: إن غصب جارية أو شاةً، فولدت في يد الغاصب، أو شجرة فأثمرت: يكون الولد والثمرة للمالك، ويكون مضموناً على الغاصب، فلو ألقت الجارية جنيناً ميتاً: فالمذهب: أنه لا يضمن الولد.

стр. 1579

ولو غصب دراهم أو دنانير، فاشترى بها سلعة- نُظر: إن اشترى بعينها- في الجديد: يكون باطلاً، وفي القديم: يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز- صح

стр. 1580

له، وإن لم يجز: بطل، فإن اشترى في الذمة، ونقد تلك الدراهم أو الدنانير في ثمنها وربح: ففي الربح قولان: قال- في القديم-: هو للمغصوب منه، لأنه نماء ملكه كثمرة الشجرة، وفي الجديد: يكون للغاصب، فإذا تلف عنده: يضمنه.

стр. 1581

ولو غصب عبداً، فاكتسب في يده، أو اصطاد: يكون كسبه لمالكه، ويكون مضموناً على الغاصب، وهل يجب عليه أجر المثل لمدة الاصطياد؟ فيه وجهان:

стр. 1582

أحدهما: يجب؛ لأنه أتلف على المالك منافعه. والثاني: لا يجب؛ لأن منافعه صارت إلى المولى. ولو غصب جارحة؛ كالفهد والبازي، واصطاد بها: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون للمغصوب منه؛ كصيد العبد. والثاني: يكون للغاصب، لأنه المرسل، والجارحة آلة لا تصطاد بنفسها؛ كما لو غصب شبكة أو قوساً، فاصطاد به: تكون للغاصب؛ فعلى هذا: يجب عليه أجر مثل الجارحة؛ كما يجب أجر مثل الشبكة. فصلٌ في منافع الغصب قد ذكرنا أن منافع الغصب مضمونة على الغاصب، وإن لم يستوفها أصلاً، أما إذا غصب جارية: فمنفعة بضعها لا تكون مضمونة عليه، إذا لم يستوفها، فإذا وطئها الغاصب، فهو كما لو وطئها على الغاصب، فإن كان عالماً بالتحريم: يجب عليه الحد، ويجب مهر المثل، إن كانت الجارية مكرهة، وإن كانت طائعة: فالمذهب أنه لا يجب المهر كالحرة، إذا طاوعت بالزنا: لا مهر لها. وقيل: يجب المهر؛ لأنه حق المولى؛ فلا يسقط بطواعيتها؛ كما لو قطع يد عبد بإذنه: يجب الضمان، والمذهب الأول؛ لأن لها يداً في إسقاط مهرها بالإرضاع والارتداد قبل الدخول؛ فإن وطئها جاهلاً بالتحريم: بأن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية: لا علم له بتحريم الزنا: فلا حد عليه ويجب المهر، فإن كانت بكراً، فافتضها، هل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفرد، وعليه مهر مثل بكر.

стр. 1583

والثاني: يُفرد؛ لأن كل واحد ينفك عن الآخر؛ فعليه أرش الافتضاض، ومهر مثل ثيب، فإن كانت الجارية طائعة، وقلنا: لا مهر للطائعة، فإن قلنا: يُفرد الأرش والافتضاض: يجب عليه أرش الافتضاض: فإن قلنا: لا يُفرد: فهل تجب الزيادة على مهر مثل الثيب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ كالحرة الطائعة: لا شيء لها، وإن كانت بكراً. والثاني: يجب؛ لأنه بمقابلة نقصان جزء منها: فلا يسقط برضاها؛ كما لو رضيت بقطع يدها- لا شيء لها، ولو وطئ الجارية المغصوبة مراراً، أو المشتري من الغاصب: إذا وطئها مراراً- نظر: إن كان عالماً بالتحريم: يجب عليه لكل وطأة مهر وإن كان جاهلاً: لا يجب إلا مهر واحد، لأنه شبهة واحدة، فإن وطئها مرة جاهلاً، ثم علم، فوطئها ثانياً: عليه مهران. ولو وطئ في النكاح الفاسد مراراً: لا يجب إلا مهر واحد؛ لأن الشبهة واحدة. ولو وطئ امرأة بالشبهة مراراً- نظر: إن كانت الشبهة واحدة؛ بأن غلط في ليلة واحدة، فوطئها مراراً: لا يجب إلا مهر واحد، وإن زالت تلك الشبهة، ثم طرق شبهة أخرى، فوطئها: يجب عليه مهر آخر. ولو وطئ الأب جارية ابنه مراراً، أو أحد الشريكين وطئ الجارية المشتركة مراراً عالماً، والسيد وطئ مكاتبته مراراً- فهل يتكرر المهر، إذا اختلفت المجالس؟ ففيه وجهان: أحدهما: يتكرر؛ لتعدد الوطئات؛ كما لو اختلفت المجالس. والثاني: لا يتكرر؛ لاتحاد المجالس؛ كما لا يتعدد بتعدد الإيلاجات في وطأة واحدة. ولو وطئ الغاصب الجارية المغصوبة، واستولدها: فإن كان عالماً بالتحريم: فالولد رقيق للمالك، وهو مضمون على الغاصب، إن خرج حياً، فإن مات في يده: يجب عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الولادة إلى أن مات، وإن ماتت الأم في الطلق: يجب عليه قيمتها، وإن دخلها نقص بالولادة: يجب ضمانه، وإن خرج الولد ميتاً: فلا يجب عليه

стр. 1584

ضمانه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه لم يدخل في يده ماله قيمة؛ كما لو كان جاهلاً بالتحريم، فوطئ، وأتت بولد ميت: لا يجب ضمانه. وفيه وجه آخر: أنه يضمن الولد الميت باعتبار قيمته يوم الخروج، لو خرج حياً؛ لأن الشافعي- ﵁ قال: خذها وما نقصها، وقيمة من كان منهم ميتاً؛ بخلاف ما لو كان جاهلاً بالتحريم؛ لأن الولد هناك انعقد على الحرية، ولا يضمن الحر باليد. والأول المذهب؛ أنه لا يضمن، والنص محمول على ما إذا خرج حياً، ثم مات. ولو ألقت جنيناً ميتاً بضرب ضارب- فعلى الضارب عُشُر قيمة الأم، والمالك بالخيار: إن شاء أخذه من الغاصب، وإن شاء أخذه من الضارب، والقرار على الضارب. ولوطئها الغاصب جاهلاً بالتحريم: فالولد حر ثابت النسب، وعلى الغاصب قيمته باعتبار يوم السقوط؛ لأنه أول حالة يمكن فيه تقويم الولد، فإن خرج ميتاً: لا يجب عليه ضمان الولد؛ لأنا لا نتيقن أنه نُفخ فيه الروح، وأن الغاصب أتلفه، ولا يلزم الضمان بالشك. وإن ألقت جنيناً ميتاً عقيب الضرب: كان الظاهر أنه بضربه، وللمالك عُشر قيمة الأم على الغاصب؛ لأنه كما يقوم الجنين على الضارب: يقوم للمالك؛ وإنما قلنا: يستحق عُشر قيمة الأم؛ لأن حقه في القيمة؟ بدليل أنه لو خرج حياً: كان يستحق قيمته؛ باعتبار يوم السقوط؛ فإذا خرج ميتاً: فيستحق عُشر قيمة الأم، فإن كانت الغُرة وعُشر قيمة الأم سواء: أخذها السيد، فإن كانت الغُرة أكثر: أخذ السيد قدر عُشر قيمة الأم، والباقي لورثة الجنين، فإن كانت الغرة أقل: أخذها السيد، وعلى الغاصب ما زاد عليها إلى تمام عُشر قيمة الأم؛ لأن الولد لو كان مملوكاً: كان يجب للسيد على الجاني عُشر قيمة الأم؛ فالنقصان كان لحريته، وحريته بسبب اعتقاد الغاصب، وإذا ماتت الأم في يده: لزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين غصبها إلى أن تلفت، ويدخل في ذلك ضمان أرش البكارة ونقصان الولادة؛ لأن ذلك ضمان نقص الأجزاء، وقد ضمن هو الجملة؛ فدخل فيها نقص ضمان الأجزاء. وإذا أتت المغصوبة بولد من زوج أو زنا: فهو مضمون على الغاصب، كالولد الذي أتت به من الغاصب؛ وكذلك: ولد التهمة؛ سواء غصبها حاملاً أو حائلاً، وإذا دخل الأم نقص بالولادة: يجب عليه ضمان نقصان الولادة مع قيمة الولد.

стр. 1585

وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: ولد المغصوبة لا يكون مضموناً على الغاصب؛ سواء غصبها حاملاً أو حائلاً؛ إلا أن يطالبه المالك برده، فلم يرد: ضمن؛ وكذلك: جميع ما يحدث من الزوائد من المغصوب: يكون أمانة عند الغاصب. وإذا دخل الأم نقص بالولادة عنده: يتخير نقصان الولادة بالولد، وإن كان بالنقصان أكثر من قيمة الولد- قالوا: لا يجب إلا تلك الزيادة؛ فنقيس على ولد الصيد يحدث مضموناً على المحرم بالجزاء، كذلك هذا يؤيده: أن المحرم إذا غصب ظبية مملوكة، فأتت بولد، وتلف الولد في يده من غير صنع من جهته: فلم يجب الجزاء لله تعالى مع أن حق الله تعالى أقرب إلى السقوط؛ فلأن تجب القيمة للمالك أولى؛ مع أن حقوق العباد أقرب إلى اللزوم. ولو وطئ رجل حرة أجنبية- نُظر: إن كانا عالمين بالتحريم: يجب عليهما الحد، ولا مهر لها، ولا عدة عليها، وإن حدث ولد: لا يثبت النسب، وإن كانا جاهلين بالحال: لا حد عليهما، ولها المهر، وعليها العدة، وثبت النسب، وإن كان الرجل عالماً، والمرأة جاهلة أو مكرهة، أو كانت نائمة: فيجب على الرجل الحد، ولا حد على المرأة، ولا عِدة؛ لأنه لا حرمة لماء الرجل، ولا يثبت النسب، وكذلك: لو زنا عاقل بمجنونة: فإن كان الرجل جاهلاً، وهي عالمة أو كان نائماً، فاستدخلت ذكره: لا حد عليه، ولا مهر لها؛ لأنها زانية، ويجب عليها الحد، وتجب عليها العدة لحرمة ماء الرجل، ويثبت النسب، وكذلك: لو مكنت عاقلة من مجنون. وعند أبي حنيفة: الحد والمهر لا يجتمعان، فإذا أكره امرأة على الزنا: لا يجب عليها الحد، ولا مهر لها؛ حتى لو غلط بامرأة، فوطئها على ظن أنها زوجته- قال: إن كان هذا ليلة الزفاف-: يجب المهر، ولا يجب الحد؛ لشبهة العقد، وإن كان في ليلة أخرى: يجب الحد، ولا يجب المهر، وقال: لأنه فعل واحد لا يتعلق به موجبان؛ أحدهما: يسقط بالشبهة، والآخر: لا يسقط، وكذلك: قالوا في السرقة: لا يجتمع القطع والغرم. قلنا: المهر أحد ما يجب بالوطء في ملك الغير؛ فيجب على المكره العالم؛ كالحد. يؤيده: أن المهر حق المرأة، والحد حق الشرع، فلا يمتنع اجتماعهما؛ كالمحرم: إذا قتل صيداً مملوكاً: يلزمه الجزاء لله تعالى، والقيمة للمالك، وإن لم يكن بُد من إسقاط أحدهما: وجب أن يسقط الحد؛ لأنه يتدرك بالشبهة، ويجب المهر؛ لأنه ثبت مع الشبهة.

стр. 1586

فصلٌ في بيع الغاصب الجارية المغصوبة إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة: فكل ما ذكرناه أنه يلم الغاصب من أجر مثل وأرش نقص ومهر وقيمة ذلك: فإنه يلزم المشتري أيضاً؛ لأنه أخذه من يد ضامنه؛ فكان مضموناً عليه، فإن وطئها المشتري- نُظر: إن كان عالماً بالحال: عليه الحد والمهر إن كانت مكرهة؛ كما ذكرنا في الغاصب، ولا رجوع له على الغاصب، فإذا أخذه المالك من الغاصب: رجع عليه، وإن كان جاهلاً بالحال: فلا حد عليه، وعليه المهر، وهل يرجع المشتري بالمهر بعدما غرم على الغاصب؟ فيه قولان: أحدهما- قاله في القديم-: يرجع؛ لأنه غره، وهو لم يشرع في العقد على أن يضمن المهر. والثاني- وهو الأصح، وهو قوله الجديد: لا يرجع؛ لأنه أتلف منفعة البُضع؛ كما لو قتلها؛ يغرم قيمتها، ولا يرجع على الغاصب. فإن قلنا: يرجع بالمهر على الغاصب. فإن كانت بكراً، فافتضها: إن قلنا: لا يفرد أرش الافتضاض: رجع بالكل على الغاصب، وإن قلنا: يفرد: فيرجع بمهر الثيب، ولا يرجع بأرش الافتضاض؛ لأن وجوبه بمقابلة نقص حدث بفعله؛ كما لو قطع يدها: غرم الأرش، ولا يرجع على الغاصب. ولو استولدها: فالولد حر ثابت النسب، وعليه قيمته للمالك باعتبار يوم السقوط، ورجع بعدما غرم على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمنه، وكذلك: نقصان الولادة. ولو خرج الولد ميتاً: لا شيء عليه، ولو ألقت الجنين ميتاً يضرب ضارب: يجب على الضارب الغُرة للمشتري، وعلى المشتري للمالك الأكثر من قيمة الغرة أم قيمة الولد يوم سقط، ويرجع على الغاصب. ولو استرضعهما المشتري ولده، أو ولد غيره: يجب عليه للمالك أجر المثل، وهل يرجع على الغاصب؟ فيه قولان؛ كالمهر. وهذا بخلاف ما لو اشترى شاة مغصوبة جاهلاً، فولدت، فشرب المشتري لبنها: يغرم مثل اللبن، وفي الآدمية: أوجبنا الأجرة؛ لأن الآدمية ترضع بالأجرة، ولبن البهيمة لا يتلف بالأجرة، ثم هل يرجع بما غرم من اللبن على الغاصب؟ فعلى قولين. ولو تناولت السخلة اللبن: يغرمه المشتري، وإن عاد نفعه إلى المالك؛ كما لو

стр. 1587

غصب شعيراً وأقضمه دابة مالكه: يغرم. قال الشيخ: ولو تناولت السخلة اللبن، وغرمه المشتري: وجب أن يرجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه؛ على أن يضمنه، ولم يعد نفعه إليه، كالسخلة، إذا ماتت في يد المشتري: غرم قيمتها، ورجع على الغاصب، ولو أكلها المشتري: غُرم، وهل يرجع؟ فيه قولان، كالمهر. وجملة هذا التفصيل: إن كان نقص حدث بالمغصوب قبل البيع من فوات جزء وفوات منفعة، يكون ضمانه على البائع؛ لا يطالب به المشتري. أما ما حدث في يد المشتري: فالمالك بالخيار: إن شاء طالب به الغاصب، وإن شاء طالب المشتري، والقرار على من يكون؟ نُظر: إن كان المشتري عالماً بأنه مغصوب: فالقرار يكون عليه، فإن أخذه المالك من الغاصب: رجع الغاصب على المشتري، وإن أخذ من المشتري: لا يرجع على الغاصب، وإن كان المشتري جاهلاً؛ بأنه مغصوب: فكل ضمان لزم المشتري الجاهل من الغاصب، وأداه مما شرع فيه على أن يضمنه: لم يرجع به على الغاصب، وما شرع فيه على ألا يضمنه؛ مثل ضمان المنافع- نُظر: إن لم يستوف بمقابلته شيئاً: رجع، وإن استوفى: فقولان، خرج منه أن العين: لو تلفت في يده: ضمن قيمتها أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف، ولم يرجع على الغاصب، لأنه شرع فيه على أن يضمن العين؛ كذلك الأجزاء: إذا تلفت في يده: يضمن أكثر ما كانت قيمتها من حين حصل في يده إلى أن تلفت الأجزاء، ولا يرجع على الغاصب: فإن أتت بولد، وهلك في يد المشتري: غرم قيمته، ويرجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمنه، وما تلف في يده من المنافع: إن لم يستوفها: غرم، ورجع على الغاصب: فإن استخدم العبد، وسكن الدار: يغرم الأجرة، وهل يرجع على الغاصب؟ فيه قولان؛ فكل موضع أثبتنا للمشتري الرجوع على الغاصب: فإذا أخذه المالك من الغاصب: لا رجوع له على المشترين وما لا يرجع به المشتري على الغاصب، فإذا أخذ من الغاصب: له الرجوع به على المشتري. قال الشيخ: والقياس ألا يرجع المشتري على الغاصب؛ بما أنفق على العبد، وما أدى من خراج الأرض؛ لأنه شرع فيه على أن يضمنها. وإذا تلفت العين المغصوبة في يد المشتري: فإن كانت قيمتها في يد الغاصب

стр. 1588

والمشتري سواء، أو كانت قيمتها في يد المشتري أكثر: فللمالك أن يأخذ من أيهما شاء، فإن أخذ من الغاصب: رجع على المشتري، وإن أخذ من المشتري: لا يرجع على الغاصب، وإن كانت قيمتها في يد الغاصب أكثر؛ بأن كانت قيمتها في يد الغاصب ألفاً، فعادت إلى خمسمائة، ثم باعها وتلفت في يد المشتري- فالمالك إن غرم الغاصب له أن يغرمه الألف، ثم هو لا يرجع على المشتري إلا بخمسمائة، وإن غرم المشتري: لا يغرمه إلا خمسمائة، ويأخذ خمسمائة من الغارم؛ لأن المشتري لا يكون طريقاً فيما تلف في يد الغاصب؛ لأنه لم يدخل في يده. ولو أن الغاصب أجر العين المغصوبة- نُظر: إن كان المستأجر عالماً بأنها مغصوبة: فهو غاصب، والغاصب يضمن القيمة وأجر المثل من حين أخذها، ولا يرجع على الغاصب؛ وكذلك: إذا استودع أو استعار من الغاصب عالماً، أما إذا كان المستأجر جاهلاً بأنها مغصوبة: يجب عليه أجر المثل للمالك من حين أخذها، ولا يرجع على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمن المنفعة، وإن ضمن المالك أجر تلك المدة من الغاصب: رجع عليه الغاصب، وإن تلفت العين في يد المستأجر: تجب قيمتها على الغاصب؛ لأن المستأجر لم يشرع فيه على أن يضمن العين، وكذلك لو أودعه الغاصب من إنسان، أو رهنه، أو قارضه، أو وكلَ ببيعه، ودفعه إلى الوكيل، فتلف عنده: يجب ضمان العين والمنفعة على الغاصب، ويتقرر عليه، وهل يكون المستأجر والمستودع والمرتهن والوكيل طريقاً فيه أم لا؟ فعلى وجهين، وكذلك: لو ولدت عنده، فهلك الولد، هل يكون طريقاً في قيمة الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون طريقاً؛ لحصول العين في يده. والثاني: لا يكون طريقاً؛ لأن أيديهم أيدي أمانة. ولو زوجها الغاصب، فماتت تحت الزوج: يجب على الغاصب القيمة، والزوج هل يكون طريقاً؟ قيل: فيه وجهان؛ كالمودع، قيل-[و] هو المذهب: لا يكون طريقاً؛ لأن الزوج لا يحتوي على الزوجة. ولو وطئها الزوج- غرم مهر المثل للمالك، ولا يرجع على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمن المهر، والغاصب يكون طريقاً فيه، بخلاف المغرور بالحرية: يغرم المهر، ويرجع على الغار؛ على أحد القولين؛ لأن النكاح هناك كان صحيحاً، ففسخ، وفسخ العقد يوجب استرداد الباذل ما بذل، وههنا: العقد غير صحيح، وقد أتلف منفعة البضع؛ فيغرم، ولا يرجع؛ نظيره من المغرور لو غر بأمة، وهو واجدٌ لطول الحرة أو غير خائف من

стр. 1589

العنت، فوطئها جاهلاً: غرم المهر، ولا يرجع على الغار. ولو استخدمها الزوج: يجب عليه أجر المثل، ولا يرجع على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يسلطه على الخدمة. ولو أعار المغصوب من إنسان أو ساومه أو أقرضه، فهلك عندهم: فقرار الضمان عليهم؛ لأن أيديهم أيدي ضمان، والغاصب طريق فيه؛ كما لو غصبه رجل من الغاصب، أو سرق منه: ضمنه، والغاصب طريق فيه. أما الأجزاء: إذا تلفت بالاستعمال في يد المستعير: ضمنها، ورجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمن الأجزاء. ولو غصب طعاماً، فأطعمه إنساناً؛ بأن قدمه إليه؛ حتى أكل- نُظر: إن أكله عالماً: فللمالك يغرم أيهما شاء، وقرار الضمان على الآكل، وإن أكله جاهلاً: فالمالك: يغرم أيهما شاء، وقرار الضمان على من يكون؟ فيه قولان: أحدهما: على الغاصب؛ لأنه غر الطاعم. والثاني- وهو الأصح، وهو اختيار المزني، وهو قول أبي حنيفة: يكون على الآكل؛ لأنه المتلف. فإن قلنا: على الغاصب: فإذا غرم الآكل: رجع على الغاصب، وإن قلنا: على الآكل: فإذا غُرم الغاصب: رجع على الآكل، وإذا غرم الآكل: لا يرجع على الغاصب. ولو أن الغاصب قدمه إلى المالك، حتى أكله: فإن كان عالماً: برئ الغاصب من الضمان، وإن كان جاهلاً: ففيه قولان: إن قلنا: قرار الضمان على الطاعم: يبرأ الغاصب، وإن قلنا: على الغاصب: لا يبرأ الطاعم؛ وعلى هذا لو غصب شيئاً، فوهبه من إنسان، فتلف في يد المتهب: يضمن المتهب، وقرار الضمان على من يكون؟ فعلى قولين: أصحهما: على المتهب؛ كما في البيع: يكون على المشتري؛ لأنه أخذه للتملك. والثاني: على الواهب. ولو وهبه من المالك، فأخذه جاهلاً: هل يبرأ الغاصب أم لا؟ إن قلنا: الإقرار

стр. 1590

على المتهب: يبرأ؛ وإلا فلا. وإن كانت جارية، فاستولدها المتهب: فالولد حر وعليه قيمته، وهل يرجع على الواهب؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ كما يرجع على البائع. والثاني: لا يرجع؛ بخلاف البائع؛ لأنه ضمن له سلامة الولد، والواهب متبرع لم يضمن سلامة شيء. ولو أمر الغاصب إنساناً بإتلافه، فأتلفه جاهلاً، هل يتقرر عليه الضمان؟ فيه قولان؛ كالإطعام، والمذهب: أنه يتقرر. وإذا قاله للمالك، ففعل: يبرأ عن الضمان؛ لأن الإتلاف محظور؛ بخلاف الآكل. ولو أجره من المالك، أو أودعه، أو رهنه، أو زوج، وهو جاهل، فتلف عنده: لا يبرأ؛ لأنه لم يعد إلى سلطانه، ولو فعله مع أجنبي: لا يتقرر عليه الضمان، فإن باعه من المالك، أو أعاره، أو أقرض- يبرأ، ولو كان المغصوب عبداً، فقال الغاصب للمالك: أعتقه، فأعتقه جاهلاً- يعتق، ويبرأ الغاصب، بخلاف الإطعام لا يبرئه في قول؛ لأن الأكل يباح في ملك الغير، والعتق لا ينفد. ولو قال الغاصب: أعتقه عني، ففعل جاهلاً: هل يعتق؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو قال: أعتق عبدي من فلان، وفلان لم يأمره: هل يعتق؟ فيه وجهان. ولو قال المالك للغاصب: أعتقه، فأعتق: يعتق ويبرأ؛ سواء قال: أعتقه عني، أو قال: مطلقاً. وفرع الشيخ قاضينا الحسين- ﵀ على هذا الأصل: لو باع طعاماً، ثم إن البائع أطعمه المشتري، فأكله جاهلاً: هل يكون قبضاً يستقر به عليه الثمن؟ فعلى وجهين؛ بناءً على براءة الغاصب؛ وكذلك: لو باع كرباساً، ثم قال البائع للمشتري: اقطع لي منه قميصاً، ففعل: إن كان عالماً: كان من ضمانه، وإن كان جاهلاً: فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان.

стр. 1591

فصلٌ في تصرف الغاصب في المغصوب بالزيادة والنقصان روي عن ابن عمر قال، قال رسول الله- ﷺ : "من أخذ شيئاً من الأرض بغير حقه: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين". غصب العقار متصور موجب للضمان، وهو أن يستولي عليه؛ فيمنع المالك. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: غصب العقار لا يتصور، والحديث حجة عليه، ولأن ما يضمن بالعقد يضمن بالغصب؛ كالمنقول، فإذا غصب أرضاً وبنى فيها أو غرس أو زرع: يقلع مجاناً؛ لما روي عن سعيد بن زيد: "أن النبي- ﷺ قال: ليس لعرق ظالم حق".

стр. 1592

فللمالك أن يكلف الغاصب قلعها وتسوية الأرض، ثم الشافعي- ﵁ ههنا: أوجب أرش النقصان، ولم يوجب تسوية الأرض، فقال فيما لو باع أرضاً، وفيها حجارة مستودعة، فقلعها: إن عليه تسوية الأرض، فاختلف أصحابنا فيه.

стр. 1593

فمنهم من جعلها على قولين: أحدهما: يلزمه أرش النقصان؛ لأن الحفر نقص حصل بفعل مضمون، فيقال الضمان. والثاني: يلزمه تسوية الأرض؛ لأن جبران النقص بالمثل أولى من جبرانه بالقيمة.

стр. 1594

ومنهم من قال في الغصب: يجب الأرش؛ لأن الغاصب متعد، فغلظ الأمر عليه، والبائع يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه غير متعد؛ فلم يلزمه أكثر من التسوية، فإن أوجبنا التسوية، فبقي بعد التسوية نقص: يجب أرش ذلك النقص، ويأخذ منه أجر مثل الأرض من حين غصب إلى أن يفرغ من التسوية: فإن دخل الأرض نقص لطول مدة الغراس: هل يجمع بين أرش النقصان وأجر مثل المدة أم يجب أكثرهما؟ فيه وجهان؛ كالثوب يبلى بالاستعمال. ومن اشترى أرضاً وبنى فيها، وغرس، ثم استحقت: فللمستحق قلع الغراس والبناء، ثم المشتري يرجع على البائع بالنقص الذي دخل البناء والغراس؛ على ظاهر المذهب، ولو حفر الغاصب في الأرض المغصوبة بئراً: فللمالك إجباره على أن يطمها، فإن رضي بن المالك: يجوز للغاصب أن يطمها، وإن كان التراب تالفاً: له أن يطم بتراب من عنه؛ لأنه يخاف ضرره، فإنه لو تردى فيها شيء وهلك: يجب عليه ضمانه، فلو أبرأ الغاصب عن ضمان ما يقع: ففيه وجهان: أحدهما: يصح الإبراء، ولم يكن له بعد ذلك طمها؛ كما لو حفر بإذنه. والثاني: لا يصح؛ لأنه أبرأه عن شيء لم يجب. وإن كان الغاصب طوى البئر بآلة نفسه: فللغاصب نقل تلك الآلة، وللمالك إجباره على نقلها، وإن تركها إليه: لا يلزمه القبول؛ كما لو غرس وبنى في الأرض، ثم ترك الغراس والبناء إلى المالك: لا يُجبر على قبوله.

стр. 1595

ولو نقل التراب عن الأرض المغصوبة: فللمالك إجباره على رد التراب، فإن كان تالفاً: فعليه رد مثله، وإن لم يقدر: ضمن النقص الذي دخل الأرض، فإذا أخذ التراب مبسوطاً، ورده: للمالك إجباره على بسطه، وعلى الغاصب أجر مثل الأرض لمدة رد التراب وبسطه، وإن رضي المالك بألا يبسطه: ليس له بسطه، وإن كان أخذ التراب من موضع: ليس للمالك إجباره على نقله إلى أقصى الأرض، وإن رضي المالك بألا يرد التراب المنقول- هل للغاصب رده؟ نُظر: إن كان قد حفر فيها حفرة: له رده؛ لأنه يخاف ضررها، وإن لم يحفر- نُظر: إن نقل التراب إلى ملك الغير، أو إلى شارع: فله رده؛ لأنه يخاف ضرره؛ فإنه لو زلقت به رجل حيوان، فتلفت: يجب عليه الضمان، وكذلك: لو نقل إلى ملك نفسه: له رده، أو كان قد دخل الأرض نقص يريد المالك تضمينه: فله رده، ولو لم يكن شيء من ذلك، وكان نقل التراب إلى موات: لم يكن له رده، فلو رده، هل للمالك إجباره على إخراجه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ملكه. والثاني: له ذلك؛ لأنه ترك حقه فيه؛ فذاك حقه إلى كافة الناس. ولو غصب داراً، فزوقها- نُظر: إن كان يحصل منه عين مال، لو نزع: فللغاصب نزع التزويق؛ سواء كان لذلك التزويق قيمة أو لم يكن؛ لأنه عين ماله؛ كالصبغ في الثوب، ويغرم أرش نقص يدخل الدار، وللمالك إجباره على نزعه، فلو ترك الغاصب التزويق إليه: هل يُجبر على قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يُجبر؛ كالقصارة في الثوب؛ لأنه صار صفة لملكه، فعلى هذا: ليس له أن يكلفه النقل. والثاني: لا يُجبر؛ لأنه عين ماله، ولا يجبر على تمليك مال الغير؛ كما لا يجبر على قبول الغراس والبناء. وإن كان التزويق تمويهاً لا يحصل منه شيء: ليس للغاصب نزعه، إذا رضي به المالك، وهل للمالك إجباره على نزعه؟ فيه وجهان: أصحهما: ليس له ذلك؛ لأنه لا غرض له فيه؛ كالثوب إذا قصره. والثاني: له ذلك؛ لأن له غرضاً، وهو أن يأخذ أرش النقصان. ولو غصب قطناً، فغزله: فالغزل للمالك، وإن دخله نقص: فعلى الغاصب أرش النقصان، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب؛ كما لو غصب ثوباً، فقصره، وزادت

стр. 1596

قيمته أو حنطة، فطحنها: لا شيء للغاصب، وإن انتقصت قيمته: عليه أرش النقصان؛ وكذلك: لو غصب غزلاً، فنسجه: فالكرياس للمالك، وإن دخله نقص: غرمه الغاصب، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب، وليس للغاصب نقضه، إذا رضي به المالك؛ لأنه ليس له فيه عين مال، وهل للمالك إجباره على نقضه؟ نُظر: إن كان لا يمكن نسجه ثانياً، ولا رده إلى الحالة الأولى: ليس له ذلك، وإن أمكن نسجه ثانياً؛ كالخز: فله إجباره على نقضه، فإن بقي فيه نقص: أخذ أرشه، وإن كان قيمة الغزل عشرة، فبلغت قيمته بالنسج خمسة عشر، فنقصه، فانتقصت قيمته عن عشرة: يضمن النقصان عن العشرة، وهل يضمن النقصان عن خمسة عشر إلى العشرة؟ نُظر: إن نقصه بأمر المالك: لا يضمن؛ لأنه رضي بذلك النقص، وإن نقصه دون أمره: ضمن. ولو غصب نُقرة، فطبعها دراهم أو نُحاساً، فاتخذ منه إناء أو جوهر زجاج، فاتخذ منه قدحاً أو طيناً، فضرب منه لبناً: للمالك إجباره على الرد إلى الحالة الأولى، فإن رضي به المالك: ليس للغاصب رده إلى الحالة الأولى، وعليه أرش النقصان، وإن كان قد أدخل في النقرة غشاً: للمالك إجباره على إخراج الغش. قال المُزني- ﵀: ليس للغاصب دفن البئر، ولا نزع التزويق، ولا رد التراب الذي نقله إذا رضي به المالك، كالنقرة يطبعها، والطين يضرب منه اللبن، والغزل ينسجه. قلنا: في دفن البئر، ورد التراب له منفعة، وفي نزع التزويق: يأخذ عين ماله، ولا منفعة له في رد الدراهم واللبن إلى الحالة الأولى، ولا في نقص الكرباس. ولو غصب ثوباً، فصبغه بصبغ من عند نفسه: فإن كان الصبغ، لو نزع: يحصل منه عين نمال-: فللغاصب إخراجه، وللمالك إجباره على إخراجه؛ سواء كان لذلك قيمة بعد الإخراج، أو لم يكن؛ لأنه عين مال. قال ابن سُريج: إذا أراد صاحب الثوب استخراج الصبغ، وامتنع الغاصب: لا يجبر عليه؛ لأن الصبغ يهلك بالاستخراج؛ بخلاف الغراس: يجبر على إخراجه؛ لأنه لا يهلك بالقلع؛ بل تنتقص قيمته، والأول أصح؛ أنه يجبر على إخراجه؛ كالغراس: فإن دخل الثوب نقص: يغرم أرش النقصان، ولو ترك الغاصب الصبغ إليه: هل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا في التزويق، وإن كان الصبغ لا يحصل منه شيء بالإخراج: ليس

стр. 1597

للغاصب إخراجه، وإن كان يزداد به قيمة الثوب؛ لأنه يتصرف في ملك الغير، وهل للمالك إجباره على إخراجه؟ فيه وجهان؛ كالتزويق، وإن كان الصبغ يحصل منه شيء، فتراضيا على ترك الصبغ فيه: فهما شريكان فيه، كل واحدب قدر ملكه؛ بخلاف ما لو قصر الثوب: لا يكون شريكاً؛ لأنه ليس له عين مال في القصارة؛ مثل: إن كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، وبعد الصبغ: قيمته عشرون: فهو بينهما يباع ويأخذ كل واحد نصف ثمنه؛ وكذلك: إذا زادت قيمته؛ فصارت ثلاثين: فهو بينهما يأخذ كل واحد نصف ثمنه؛ لأن الزيادة حصلت في ملكهما، وإن انتقصت قيمته، وإن كانت قيمته بعد الصبغ خمسة عشر: فهو بينهما أثلاثاً: الثلثان لمالك الثوب، والثلث للغاصب، ويجعل النقصان من الصبغ؛ لأن النقصان حصل بفعل الغاصب. ولو غبن إنسان، وبيع منه بأكثر من خمسة عشر: يكون الكل بينهما أثلاثاً. ولو نزع الغاصب الصبغ، فانتقصت قيمته عن عشرة: يغرم النقصان عن عشرة، وهل يغرم النقصان عن خمسة عشر؟ نُظر: إن نزع بمطالبة المالك: لا يغرم؛ وإلا فيغرم، ولو كانت قيمته بعد الصبغ عشرة: حُسب النقصان على الغاصب؛ فإن بيع الثوب بعشرة: تكون كلها لصاحب الثوب، فإن انتقص عن العشرة: فهو للمالك، وعلى الغاصب أرش النقصان عن العشرة، وإذا لم تزد قيمة الثوب على العشرة، أو انتقصت عن العشرة: لم يبق للغاصب في الثوب حق؛ لأن ماله- وهو الصبغ- مستهلك، فإذا أراد استخراج الصبغ: إذا كان يحصل منه شيء- أجيب إليه؛ لأنه عين ماله؛ كما لو غرس في الأرض المغصوبة، وأراد قلعه- له ذلك، ثم إذا انتقص قيمة الثوب باستخراج الصبغ: ضمن النقصان، وإذا زادت قيمة الثوب بالصبغ، ولم يتفقا على البيع- نظر: إن أراد صاحب الثوب البيع، وامتنع الغاصب: يباع؛ لأن الغاصب متعد: لا يملك منع المالك من بيع ماله. فإن أراد الغاصب البيع، وامتنع المالك، هل يجبر عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يُجبر؛ كما يجبر الغاصب. والثاني: لا يُجبر؛ لأن الغاصب متعد؛ فلا يستحق إزالة ملك المالك عن ثوبه. ولو غصب ثوباً وصبغاً من رجل، فصبغه به- نُظر: إن لم تنتقص قيمة الثوب والصبغ: أخذه المالك، ولا شيء له، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب، وإن انتقصت قيمة واحد منهما: غرم أرش النقصان، وقوم كل على الانفراد، فلو أراد المالك إجباره على إخراج الصبغ: له ذلك، إذا كان يحصل منه شيء.

стр. 1598

قال الشيخ- ﵀: وإن كان لا يحصل منه شيء: له إجباره- أيضاً- على إخراجه لرد الثوب إلى ما كان عليه، إن أمكن، فإن رضي به المالك: لم يكن للغاصب نزعه؛ لأنه ليس فيه عين مال؛ كالطين: يضرب منه لبناً. ولو غصب ثوباً من رجل، وصبغاً من آخر، وصبغه به: فإن لم تزد قيمته: فالثوب بينهما على قدر الملكين، وإن زاد: فالزيادة بينهما على قدر الملكين، وإن انتقص بأن كانت قيمة كل واحد عشرة، وكان بعد الصبغ قيمته خمسة عشر: فالثوب بينهما نصفان، ويرجعان على الغاصب بخمسة. وقال- ﵁: القياس أن يكون الثوب بينهما أثلاثاً، ولو غصب أرضاً وبذر بذره فيها: للمالك إجباره على إخراج البذر، ويغرمه النقصان، فلو رضي به المالك: ليس للغاصب إخراجه؛ لأنه ليس له فيه عين مال. فصلٌ [فيما لو غصب شيئاً فخلطه] ولو غصب شيئاً، فخلطه بما لا يتميز فيه من جنسه؛ مثل: إن غصب زيتاً فخلطه بجنسه، أو حنطة فخلطها بحنطة أخرى- نُظر: إن خلطه بمثله أو بأجود منه، فإن أعطى الغاصب مكيلته منه: يجبر على القبول، وإن أعطى من موضع آخر- هل يجبر على قبوله؟ فيه قولان: أصحهما: يجبر؛ لأن ماله صار مستهلكاً بالخلط، والخيار فيه إلى الغاصب. والثاني: لا يجبر؛ لأن عين ماله قائم، بل يكون شريكاً فيه؛ فعلى هذا: إن كان يخلطه بمثله: أخذ منه مكيلة زيته، وإن خلطه بأجود: يكون شريكاً فيه بقدر حقه؛ مثل: إن كانت قيمة مكيلته درهماً، أو قيمة مكيلة الغاصب درهمين، فيباع ويقسم الثمن بينهما أثلاثاً: الثلث للمغصوب منه، والثلثان للغاصب، وإن أراد القسمة؛ ليأخذ المالك ثلثه: فالمذهب أنه لا يجوز؛ لأن القسمة بيع، ولا يجوز قسمة مال الربا متفاوتاً مع استواء الحقين في القدر. وقال في رواية البويطي: يجوز، وهذا يخرَّج على قولنا: إن القسمة إفراز حق؛ فإن جوزنا إنما نُجوز بالتراضي.

стр. 1599

وإن خلط بأردأ؛ مثل: إن كانت قيمة المغصوب درهمين، فخلط بمكيلة زيت، قيمته درهم. فإن قلنا: ماله مستهلك بالخلط: يجب على الغاصب مثل زيته من غيره، ويجبر المالك على قبوله، وإن قلنا: غير مستهلك: يكون شريكاً فيه؛ فيباع ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمة ملكيهما. ولو أخذ المالك مكيلة زيته منه: هل له أن يأخذ أرش النقصان أم لا؟ إن قلنا: ماله مستهلك: ليس له ذلك؛ لأنه رضي بالأردأ؛ كما لو أعطى صاعاً رديئاً من موضع آخر، ورضي به، وإن قلنا: ماله قائم: فله أن يأخذ أرش النقصان. ولو غصب دقيقاً، فخلطه بدقيق له. قال ابن سُريج: الدقيق مثلي؛ لأن تفاوته في النعومة والخشونة: ليس بأكثر من تفاوت الحنطة في صغر الحب وكبره؛ فعلى هذا: حكمه حكم الحنطة يخلطها بحنطة أخرى، والصحيح: أن الدقيق متقوم؛ لأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ فعلى هذا: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه قيمته؛ لأنه صار بالخلط مستهلكاً. والثاني: يكون الدقيق مشتركاً بينهما؛ فيباع ويقسم الثمن بينهما؛ كما ذكرنا فيما لو خلط الزيت بالزيت. أما إذا خلط المغصوب بغير جنس حقه- نُظر: إن أمكن التمييز بينهما؛ مثل: إن خلط الحنطة بالشعير، أو بالدرة: يجبر على أن يميز، ويرد المغصوب؛ وكذلك: لو غصب حنطة بيضاء، فخلطها بحنطة سمراء: يجب عليه التمييز، وإن شق عليه، وإن لم يمكن التمييز؛ مثل: إن غصب زيتاً، فخلطه ببانٍ أو دقيق حنطة فخلطه بدقيق شعير: فماله مستهلك؛ يجب عليه؛ مثل: زيته وقيمة دقيقه. ولو غصب زيتاً فنجَّسه: يجب عليه رد مثله، والمالك أولى بالاستصباح به؛ كمن غصب شاة، فماتت في يده غرم قيمتها، والمالك أولى بدبغ جلدها. ولو صُب في الزيت ما أمكن التمييز: عليه أن يميز، ويغرم ما يدخله من النقص، وإن لم يكن: فهو كما لو خلطه ببانٍ.

стр. 1600

فصل فيما لو أحدث صنعة بالمغصوب إذا غصب زيتاً، فأغلاه- نُظر: إن لم ينتقص قيمته، ولا عينه: رده، ولا شيء عليه، فإن زادت قيمته: فلا شيء له، وإن انتقصت عينه دون قيمته: رده، ويُغرم مثل ما انتقص من عينه، وإن زادت قيمة الباقي: لا يُجبر بزيادة القيمة نقصان العين، وإن انتقصت قيمته دون عينه: رده مع أرش النقصان؛ فإن انتقصت العين- نُظر: إن استويا بأن كانت قيمته أربعة دراهم، فذهب بالإغلاء نصفه، وقيمة الباقي درهمان- يرده، ويغرم مثل ما انتقص من العين، وإن كان نقصان القيمة أكثر بأن ذهب نصفه، وعادت قيمة الباقي إلى درهم: يجب عليه مثل نصفه، وارش نقصان الباقي، وهو درهم، وإن كان نقصان العين أكثر، بأن ذهب نصفه، وكانت قيمة الباقي ثلاث دراهم: يجب عليه مثل نصفه. ولو غصب عصيراً، وأغلاه، وانتقصت عينه دون قيمته، أو صار خلاً، فانتقصت عينه دون قيمته: عليه رده، وهل يلزمه نقصان العين؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه مثل ما انتقص من عينه؛ كما في الزيت. والثاني- وهو قول ابن سريج-: لا يلزمه نقصان العين؛ بخلاف الزيت؛ لأن الذاهب من الزيت زيت، وهو متقوم، والذاهب من العصير ماء ورطوبة، لا قيمة له، وحلاوته باقية. فصلٌ ولو غصب لوحاً أو آجُرّاً، وبنى عليه: لا يملكه الغاصب؛ فعليه إخراجه من البناء، ورده إلى المالك. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يملكه، ويرد قيمته. قلنا: بنى ملكه على ملك الغير بجهة العدوان؛ فلا يزول ملك المالك عنه؛ كما لو غصب أرضاً، وبنى فيها: لا يملكها. ولو غصب لوحاً، فأدخله في سفينة: ينزع ويرد، فإن كانت السفينة في لُجة البحر- نُظر: إن كان اللوح في أعلاها بحيث لو نزع لا يدخلها الماء: نُزع، ويُرد، وإن كان في أسفلها، ويخاف من نزعه الغرق- نُظر: إن كان فيها حيوان محترم آدمي، أو حيوان آخر، أو

стр. 1601

الغاصب نفسه: لا ينزع حتى يصل إلى الشط، بل يأخذ القيمة للحيلولة، وإذا بلغ الشط رد القيمة، وأخذ اللوح. وإن لم يكن فيها حيوان، فإن كان فيها مال من لم يعلم أن فيها لوحاً مغصوباً: لا ينزع، وإن لم يكن فيها إلا مال الغاصب، أو مال من علم أن فيها لوحاً مغصوباً، فوضع فيها ماله مع علمه: فهل ينزع؟ فيه وجهان: أحدهما: ينزع، وإن غرقت أموالهم؛ كما يهدم البناء، ويرد اللوح والآجُر إلى المالك. والثاني: لا ينزع؛ لأن له نهاية يصير إليها، فيرد اللوح من غير إتلاف، وهو إتيان الشط؛ بخلاف ما لو أدخل اللوح في البناء؛ فيأخذ في الحال قيمته، فإذا أتى الشط: ردها، وأخذ اللوح. ولو غصب خيطاً، فخاط به ثوباً: يجب عليه نزعه، ورده، فإن دخله نقص: غرم الأرش، وإن بلي: فهو مستهلك يسقط رده، وعليه قيمته؛ وكذلك: اللوح في البناء، فإن خاط به جُرح حيوان- نُظر: إن لم يكن الحيوان محترماً؛ كالمرتد والحربي، أو خاط به جُرح كلب عقور أو خنزير: ينزع، ويرد. وإن كان محترماً- نُظر: إن كان آدمياً: يستوي فيه الغاصب وغيره، أو حيواناً لا يؤكل لحمه- ينظر: إن كان بعد نبات اللحم، أو كان يخاف من نزعه الهلاك أو زيادة العلة: لا ينزع، بل يغرم قيمته؛ للحيلولة- وإن كان حيواناً مأكول اللحم؛ فإن كان لغير الغاصب لا ينزع، وإن كان للغاصب- فيه قولان: أحدهما: يُذبح الحيوان، ويُرد الخيط؛ لأن ذبحه مباح. والثاني: لا يُذبح، بل يُغرم القيمة للحيلولة؛ لأن النبي- ﷺ : "نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله"، فحيث قلنا: لا ينزع، ويغرم القيمة: فإذا مات، هل ينزع؟ نظر: إن كان الحيوان بهيمة: ينزع، ويرد، وإن كان آدمياً- فيه وجهان: أحدهما: ينزع؛ كغير الآدمي. والثاني: لا ينزع لحرمته. أما إذا أكله سبع، وبقي الخيط: يرده ويسترد القيمة، وهل يجوز ابتداء غصب الخيط لخياطة جُرح حيوان محترم؟ نظر: إن كان يجد خيطاً حلالاً: لا يجوز، وإن كان لا

стр. 1602

يجد: فإن كان الحيوان غير مأكول: يجوز، وإن كان مأكولاً: فعلى وجهين؛ بناءً على القولين في النزع. فصلٌ إذا فتح قفصاً عن طائر، فطار، أو حل رباط دابة، أو فتح باب إصطبل، فذهبت- نُظر: إن طار أو ذهب عقيب الفتح: يجب عليه الضمان؛ لأن الطيران والذهاب، إذا اتصل بالفتح: صار كأنه نفره، ولو نفره: يلزمه الضمان؛ كذلك هذا. وإن وقف بعد الفتح، ثم طار: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان: أصحهما- وهو قوله الجديد-: لا يلزمه الضمان؛ لأنه طار باختياره، وللطائر والبهيمة اختيار وقصد، ألا تراهما يقصدان أكل ما ينفعهما، ويتوقيان ما يضرهما؛ فقد وجد من فاتح القفص سبب، ومن الطائر مباشرة، واختيار؛ فكان الحكم مُحالاً على المباشرة. وفي القديم: يضمن؛ لأنه لو لم يفتح القفص: لم يمكنه الخروج. وقيل: القولان فيما إذا طار عقيب الفتح. أما إذا وقف بعد الفتح قليلاً، ثم طار: فلا ضمان قولاً واحداً. وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يضمن في الحالين. وقال مالك- رحمة الله عليه-: يضمن في الحالين. ولو حل: القيد عن رجل عبدٍ، فأبق: نُظر: عن كان العبد مجنوناً، أو كان آبقاً: فكالطائر إن ذهب في الحال: يضمن، وإن ذهب بعده: فقولان، وإن كان عاقلاً غير آبق: فلا يضمن بحال؛ لأن له اختياراً صحيحاً. ولو وقع طائر لغيره على طرف جداره، فنفره، أو رماه بحجر، فطار: لا يضمن؛ لأن رميه لم يكن سبباً لتنفيره؛ فإن كان ممتنعاً تراجع من قتل. أما إذا رماه في الهواء، فقتله: ضمن؛ سواء كان في هواء داره، أو في غير داره؛ لأنه لا يملك منع الطائر من هواء داره. ولو فتح زقاً فيه مائع، فسال ما فيه: يضمن سواء كان ملقى على الأرض، أو كان منتصباً سال منه قليلاً قليلاً حتى ابتل أسفله، فسقط، وإن كان منتصباً لا يسيل منه شيء،

стр. 1603

فسقط بتحريك أو ريح: لم يضمن، وإن كان ما فيه جامداً، فشرقت عليه الشمس، فذاب، وخرج: هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يخرج بفعله؛ كما لو كان منتصباً، فهب ريح، فسقط. والثاني: يضمن؛ لأن الشمس لا تخرجه، بل تذيبه، والخروج كان بسبب فعله. ولو حل زقاً فيه جامد، فأوقد رجل، آخر بقربه ناراً، فذهب، أو كان الزق محلولاً، فأوقد رجل بقربه ناراً، فذاب، وخرج: هل يضمن موقد النار؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن هو ولا من حله؛ لأن الذي حل لم يوجد منه فعل موجب الضمان، وموقد النار لم يباشر. والثاني: يضمن موقد النار؛ لأنه بإدناء النار منه مباشر، وكذلك: لو حله موقد النار، ثم أوقد بقربه ناراً، فذاب: هل يضمن؟ فيه وجهان. ولو فتح زقاً منتصباً، فيه ذائب، فاندفق بعض ما فيه، ثم جاء آخر ونكسه حتى خرج باقيه: يجب ضمان ما خرج بعد التنكيس على الثاني. ولو حل رباط سفينة، فغرقت- نظر: إن غرقت في الحال: ضمن؛ لأنها تلفت بفعله، وإن غرقت بعد ساعة- نُظر: إن كان بسبب حادث؛ كريح هبت: لم يضمن، وإن غرقت من غير سبب: فعلى وجهين. فصلٌ في الاختلاف إذا اختلف الغاصب والمالك في تلف المغصوب، فقال الغاصب: قد تلف، وقال المالك: بل هو باق: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يتعذر إقامة البينة عليه، فإذا هلك المغصوب في يد الغاصب، ثم اختلفا في قيمته، فقال المالك: قيمته عشرة، وقال الغاصب: بل خمسة: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته. قال الشافعي- ﵁: ولا أقومه على الصفة، يعني: لو شهد الشهود أنها كانت توصف كذا: فالقول قول الغاصب، ولا يقومه على الصفة؛ لأنه قد يكون بتلك الصفة: لا يستملح.

стр. 1604

فلو شهد شاهدان؛ كانت قيمته ألفاً، وادعى المالك أكثر: فالقول قول الغاصب في الزيادة، ولو قال المالك: لا أدري كم كانت قيمته: لا تسمع دعواه حتى يبين؛ فإن بين، فقال الغاصب: كان أنقص منه، ولا أدري كم كان: لا يقبل حتى يبين، وإن بين حلف عليه. ولو شهد شاهدان: أن قيمتهما أكثر من خمسة، ولم يبينا: قال الشيخ القفال: يُقبل،

стр. 1605

ولو قال: غصبت مني داراً بالكوفة، فقال: بل غصبت بالمدينة- نظر: إن صدقه المدعي في دار المدينة: ثبت ذلك؛ فالقول قول المدعى عليه في نفي دار الكوفة، وإن أنكر المدعي داراً بالمدينة: ارتد برده، وهو مدع دار الكوفة؛ فالقول قول المنكر مع يمينه. ولو باع رجل عبداً من رجل، ثم جاء رجل يدعي أنه ملكي غصبه مني البائع: فله أن يدعي على المشتري عينه، وهل له أن يدعي على البائع قيمته؟ قد قيل: فيه قولان؛ كما لو قال: هذه العين لفلان، لا بل لفلان: يسلم على الأول، وهل للثاني أن يدعي عليه القيمة؟ فيه قولان، والمذهب- ههنا-: أن المدعي يدعي القيمة على البائع قولاً واحداً؛ لأنه يدعي أنه تصرف في ملكه بالبيع، فإذا ادعى على البائع القيمة، فإن صدقه دفع القيمة إليه، ولا يُقبل قوله في إبطال حق المشتري. ثم المدعي إذا ادعى العبد على المشتري، وصدقه المشتري: رد العبد إليه، واسترد الثمن من البائع، ورد المدعي القيمة إلى البائع، وإن كذبه المشتري: حلف، وبقي العبد له: فلو عاد العبد يوماً إلى البائع؛ بأن رُد إليه بعيب، أو بسبب آخر: دفعه إلى المدعي، واسترد القيمة، وإن كذبه البائع: حلف، ثم المدعي يدعي العبد على المشتري. ولو ادعى المدعي أولاً على المشتري العبد: فإن صدقه: دفع إليه، ولا رجوع له على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالإقرار. وإن كذبه المشتري: فإن أقام المدعي بينة: أخذ العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، وإن لم تقم بينة: حلف المشتري، وبقي العبد له، ثم المدعي يدعي القيمة على البائع. ولو نكل المشتري عن اليمين: حلف المدعي، وأخذ العبد، ولا دعوى له على البائع، ولا رجوع للمشتري على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالنكول، ولو صدقاه جميعاً: أخذ المدعي العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، فإن كان المشتري قد أعتق العبد، ثم صدقاه: لا يبطل العتق بتصديقهما؛ لأنه حق الله ، وإن صدقهم العبد على ذلك: فللمدعي قيمته، ثم إن كانت قيمته في يدهما سواء، أو كانت في يد المشتري أكثر: غرم المدعي أيهما شاء، وقرار الضمان على المشتري، وإن كانت قيمته في يد البائع أكثر: فيرجع بالزيادة على البائع، دون المشتري، وبالأصل: يغرم أيهما شاء، والقرار على المشتري. ولو كاتبه المشتري، ثم تصادقا؛ أنه للمدعي: يفسخ الكتابة؛ لأنه يقبل الفسخ، والعتق لا يقبل الفسخ؛ فهو كالاستيلاد لا يرد بتصادقهما، والله أعلم.

стр. 1606

كتاب الشفعة روي عن جابر، أن النبي- ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا

стр. 1607

شفعة". ويروى: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة". الشفعة: حق ثبت في الريع للشريك القديم على الشريك الحادث، دفعاً لمؤنة المقاسمة عن نفسه، وهو أن يكون ريع بين شريكين أو بين جماعة، فباع واحد منهم نصيبه: ثبت للشريك أن يأخذه من المشتري بالثمن الذي اشتراه.

стр. 1608

والشفعة: لا تثبت إلا في العقار، وفيما يدخل في مطلق بيع العقار من البناء والأشجار. أما المنقولات: فلا شفعة فيها؛ وكذلك؛ لو باع البناء والأشجار المشتركة دون الأصل: فلا شفعة فيها؛ لما روي عن جابر، قال: قضى رسول الله- ﷺ "بالشفعة في كل شرك لم يقسم ريعه أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه؛ فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك". فإن باع، ولم يؤذنه: فهو أحق به؛ وهذا لأن الشفعة إزالة ملك المشتري بطريق القهر؛ فلا تباح إلا لضرورة لا يمكن دفعها إلا به، وتلك الضرورة تتحقق في العقار؛ لأن ضرره يتأبد بسوء المشاركة، والمنقول لا يبقى على الدوام؛ فلا يتأبد ضرره. ولا تثبت الشفعة للجار؛ يُروى ذلك عن علي وابن عباس وجابر- ﵃ وبه قال مالك والأوزاعي،- رحمة الله عليهما-.

стр. 1609

وقال شُريح والشعبي وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: تثبت للجار الملاصق، ولا تثبت للجار المقابل، إذا كان الطريق بينهما نافذاً. والحديث حُجة عليهم. وتثبت الشفعة في الربع المنقسم، وفيه معنيان: أصحهما: لما يلحقه من مؤنة المقاسمة في إمرار المرافق. والثاني: لسوء المشاركة فيما يتأبد ضرره، وهل يثبت في غير المنقسم؟ فيه وجهان؛ بناءً على المعنيين:

стр. 1610

إن قلنا بالأول: فلا يثبت، وهو الأصح؛ لأنه لا يقبل القسمة؛ فلا يلحقه مؤنة المقاسمة. وإن قلنا بالثاني: ثبت، وهو قول ابن سُريج- رحمة الله عليه-: وبه قال الثوري وأبو حنيفة- رحمة الله عليهما- واختلفوا في المنقسم: قيل: هو ألا ينقص قيمة نصيب كل واحد منهما بعد القسمة عما كانت عليه قبل القسمة نقصاناً فاحشاً. وقيل: ما يمكن الانتفاع به بعد القسمة: حسب الانتفاع به من قبل. وقيل: ما يمكن الانتفاع به بعد القسمة بوجه من الوجوه: خرج من هذا أنه إذا كان بين رجلين أرض، تسعة أعشارها لأحدهما، وللآخر عُشرها، ولا ينتفع به بعد القسمة: فإن طلب صاحب العشر القسمة: لا يجاب إليها، وإن طلب صاحب تسعة الأعشار: يجاب إليها؛ فلو باع صاحب التسعة الأعشار نصيبه: فتثبت الشفعة لصاحب العشر لوجود المعنيين في حقه، وإن باع صاحب العشر نصيبه: هل تثبت الشفعة لصاحب التسعة الأعشار؟ فعلى وجهين: إن قلنا بالمعنى الأول- وهو الأصح-: لا تثبت؛ لأنه لا يلحقه مؤنة المقاسمة، وإن قلنا بالمعنى الثاني: ثبت، وإن كان بين رجلين بئر أو حمام أو طاحونة أو مسيل ماء، فباع أحدهما نصيبه: هل يثبت للآخر الشفعة؟ نظر: إن كان منقسماً بأن كانت البئر واسعة يمكن أن يبني فيها، فيتخذ بئرين تختلف فيهما للدلاء، وفي بياضهما سعة لإلقاء التراب ووقوف المستقي، ويمكن أن يتخذ من الحمام حمامات، لكثرة البيوت، أو البيوت واسعة يمكن أن يتخذ كل بيت بيتين، والطاحونة كبيرة يمكن أن تتخذ طاحونتان لكل واحدة نهر ورحاً. وكذلك: النهر ومسيل الماء: يثبت فيه الشفعة، وإن لم يمكن: فلا يثبت؛ على أصح الوجهين. ولو كانت لرجل أرض ومسيل مائهما مشترك بين اثنين، أو مزرعة لرجل والبئر مشتركة، فباع صاحب الأرض والمزرعة: لا تثبت الشفعة للشريك في البئر ومسيل الماء، وإن باعها مع شريكه في النهر والبئر: فلا شفعة في الأرض، وثبت في النهر والبئر، إن كان منقسماً؛ وكذلك: لو كانت الشركة في المزرعة دون البئر، فباع صاحب البئر البئر مع نصيبه من المزرعة: تثبت الشفعة في المزرعة دون البئر، فباع.

стр. 1611

وإن كانا مشتركين بينهما، فباع أحدهما نصيبه منهما: فلشريكه الشفعة فيهما، إن كانت البئر منقسمة، وإن لم تكن منقسمة، وقلنا: لا شفعة في غير المنقسم: فتثبت الشفعة في المزرعة، وهل تثبت في البئر تبعاً للمزرعة؟ فيه وجهان: الأصح: لا تثبت. ولو باع داراً في سكة نافذة: فلا تثبت الشفعة في الطريق؛ لأنه غير مملوك؛ بل هو ممر لكافة الناس: لا يدخل في البيع، ولا يجوز بيعه. ولو باع داراً في سكة غير نافذة، وقلنا: يدخل الطريق في البيع، أو باع مع الطريق: تثبت الشفعة لشركاء السكة في الطريق، إن كان منقسماً، ولا تثبت في الدار، إن أمكن المشتري فتح باب في سكة أخرى، وإن لم يمكن: فلا شفعة في الطريق؛ لما فيه من إلحاق الضرر بالمشتري. وقيل: لهم الشفعة وللمشتري الاستطراق. وقيل: لهم الشفعة والطريق للمشتري؛ لأنه ضيع حق نفسه حيث أقدم على هذا الشراء، وخرج ابن سريج وجهاً، وبه قال مالك وأبو حنيفة- رحمة الله عليهما-: أنه تثبت الشفعة في الدار؛ لأجل الشركة في الطريق؛ والأول المذهب؛ كما لو باع شقصين من دارين، لأحدهما شفيعٌ: لا يأخذ الشفيع إلا ماله فيه شرك. أما إذا كان الطريق ضيقاً، إذا قسم له: لم يصب كل واحد طريقاً يدخل فيه كل ملكه؛ فلا شفعة فيه؛ على ظاهر المذهب. وحكم الخان إذا كان بيوتها لجماعة، لا على وجه الشركة، والصحن مشترك بينهم: فحكم السكة غير النافذة. وإن كان بين رجلين جدار، فباع أحدهما نصيبه- نُظر؛ إن لم تكن الأرض مشتركة بينهما: فلا شفعة؛ فلأنه كالمنقول، وإن كانت الأرض مشتركة بينهما، فباع أحدهما نصيبه: ثبت للآخر الشفعة في الكل، إن كان منقسماً؛ وكذلك: إذا كانت غرفة مشتركة بين رجلين، والسفل لأحدهما، فباع أحد الشريكين نصيبه من الغرفة: لا شفعة للآخر؛ لأن الشفعة كالمنقول؛ وكذلك: لو كان السفل لواحد، والعلو لواحد، فباع أحدهما ملكه: لا تثبت الشفعة للآخر، ولو كان السفل مشتركاً بينهما، والعلو لواحد، فباع صاحب العلو نصيبه من السفل مع جميع العلو: ثبت لشريكه الشفعة في سهم السفل والأرض، ولا

стр. 1612

يثبت في العلو؛ وكذلك: لو كانت بين رجلين أرض، وفيها لأحدهما أشجار، فباع صاحب الأشجار نصيبه من الأرض مع جميع الأشجار: كان لشريكه أن يأخذ الأرض بالشفعة، وبحصتها من الثمن. ولا شفعة له في الأشجار، قال الشيخ أبو علي السجزي: كنت سمعته من الشيخ القفال في العلو، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: الشفعة تثبت في نصف العلو، ونصف الشجر تبعاً لنصف الأرض؛ لأن ذلك القدر يدخل في بيع الأرض من غير شرط، وكذلك: يتبع في الشفعة. قال الشيخ أبو علي- ﵀: عندي الأول أولى؛ لأن الشفعة لا تثبت فيما لا شركة فيه للشفيع من الأصول؛ وكذلك: لا تثبت في بناء وشجر لا شركة فيه؛ وإنما يتبع البناء والشجر الأرض، إذا كان في مثل حال الأرض بأن يكون مشتركاً، والله أعلم. فصلٌ في العقود التي تثبت بها الشفعة وما يأخذ به الشفيع إذا اشترى شقصاً مشفوعاً: فالشفيع يأخذه من المشتري بالثمن الذي اشتراه: فإن اشتراه بشيء من النقدين أو بشيء مثلي من حنطة أو شعير أو نحوه: أخذه بمثله؛ إن اشتراه كيلاً أخذه بمثله كيلاً، وإن اشتراه وزناً أخذه بمثله وزناً، وإن اشتراه بشيء متقوم من عبد أو ثوب أخذه بقيمة الثمن. وتعتبر قيمته بيوم استقرار العقد، وهو حالة انقضاء الخيار، لا عبرة بما يزيد وينقص بما بعد. ولو جعل رأس مال السلم شقصاً مشفوعاً: أخذه الشفيع بمثل المسلم فيه، إن كان مثلياً، وإن كان متقوماً: فبقيمته. ولو اشترى بكف من دراهم غير معلوم الوزن، أو بصبرة حنطة غير معلوم الكيل: لا يأخذه الشفيع حتى يصير معلوماً، ولا يبطل حقه بهذا التأخير. ولو صالح عن دين على شقص مشفوع، سواء كان ذلك الدين ثمناً أو بدل إتلاف أو قرضاً أو أجرة، أو إجارة: يأخذ الشفيع بمثل ذلك الدين، إن كان مثلياً، أو قيمته: إن كان متقوماً. ولو حط البائع بعض الثمن عن المشتري في زمان الخيار: إن قلنا: يلتحق بأصل العقد: ينحط عن المشتري والشفيع جميعاً، وإن قلنا: لا يلتحق: ينحط عن المشتري، ولا ينحط عن الشفيع؛ كما لو حط بعد مضي زمان الخيار.

стр. 1613

ولو زاد في الثمن في زمان الخيار: إن قلنا: يلتحق بأصل العقد: فيلزم المشتري والشفيع جميعاً، وإن قلنا: لا يلتحق: فلا يلزم واحد منهما؛ كما لو زاد بعد إبرام العقد. ولو حط البائع جميع الثمن في زمان الخيار: فإن قلنا: لا يلتحق بأصل العقد: فلا يلزم في حق الشفيع، وإن قلنا: يلتحق: فيصير كما لو باع بلا ثمن، وفيه وجهان: أحدهما: يبطل. والثاني: يكون هبة. وعلى الوجهين: لا شفعة للشفيع؛ فلو خط بعض الثمن بعد زمان الخيار: لا ينحط في حق الشفيع. وعند أبي حنيفة: ينحط. ولو نكح امرأة على شقص، أو خالع زوجته على شقص: أخذه الشفيع بمهر مثلها يوم عقد النكاح أو يوم وقع الخلع. ولو أجر داره على شقص أو رد آبقه على شقص: أخذه الشفيع بأجر مثل الدار أو أجر مثل العمل؛ غير أنه في الإجارة يثبت بالعقد، وفي الجعالة: بعد العمل. ولو صالح عن دم العمد الموجب للقصاص أو عن الجراحة الموجبة للقصاص- على شقص: جاز، وأخذه الشفيع بالدية. ولو صالح عن دية الخطأ على شقص: ففي صحة الصلح قولان، فإن جوزنا: أخذه الشفيع بالدية، ولو جعل الشقص متعة في طلاق امرأة: أخذ الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر؛ لأن الواجب بالطلاق المتعة لا المهر. وعند أبي حنيفة: لا تثبت الشفعة في هذه المواضع إلا في البيع. فنقول: مملوك بعقد معاوضة، فأشبه المملوك بالشراء. ولو أوصى له بشقص مملوك مشفوع، فمات الموصي، وقبل الموصى له: لا شفعة فيه؛ لأنه لم يملكه بعقد معاوضة؛ كما لو وهب شقصاً مشفوعاً: لا يثبت للشفيع الشفعة. أما إذا وهب بشرط الثواب، هل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان:

стр. 1614

أصحهما: تثبت؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة؛ كما لو اشترى. وقيل: لا يثبت؛ لأنه ليس المقصود منه المعاوضة. فإن قلنا: تثبت، هل يجوز للشفيع أخذه قبل قبض الموهوب له؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض. والثاني: جاز؛ لأنه صار بيعاً بشرط الثواب. ولو قال لأم ولده: إن خدمت ورثتي شهراً: فلك هذا الشقص، فخدمتهم: ملكت الشقص، وهل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: تثبت؛ لأنها ملكته بالخدمة؛ كالمملوك بعقد الإجارة. والثانيك لا تثبت؛ لأنه وصية في الحقيقة؛ لأنها تعتبر من الثلث، كسائر الوصايا. ولو بيع شقص مشفوع مع عوض بثمن واحد: يوزع الثمن عليهما باعتبار القيمة يوم العقد؛ فالشفيع يأخذ الشقص بمقابله من الثمن، وليس له أخذ العوض. ولا يثبت للمشتري الخيار من فسخ البيع بتفريق الصفقة عليه؛ لأنه دخل في العقد على بصيرة أن الصفقة تفرق عليه. ولو اشترى شقصاً، وفيه أشجار وأبنية: يدخل الكل في البيع، ويجوز للشفيع أخذ جميعها تبعاً للأرض، وكذلك؛ لو اشترى شقصاً من دار: للشفيع أن يأخذ جميع ما يدخل في مطلق بيع الدار من الأبواب والسقوف وغيرها. ولو اشترى شقصاً وفيه نخل عليها ثمرة مؤبرة: لا تدخل الثمرة في ملطق البيع، فلو اشتراها مع الثمرة: للشفيع أخذ الشقص مع النخيل بحصتها من الثمر، ولا يأخذ الثمرة، وإن كانت فيها نخيل مطلعة: يدخل الطلع في البيع، وهل للشفيع أخذ الطلع؟ فيه وجهان: أصحهما: يأخذ؛ لأنه يدخل في مطلق البيع. والثاني: لا يأخذ؛ كالثمرة المؤبرة. فإن قلنا: لا يأخذ: أخذ الأرض والنخيل بحصتها من الثمر، وإن قلنا: يأخذ: فلو تأخر الأخذ بالشفعة تعذر حتى يرث الثمار، هل للشفيع أخذ الثمار؟ فيه وجهان:

стр. 1615

أحدهما: يأخذ؛ كالفسيل إذا كبر. والثاني: لا يأخذ؛ لأنها صارت بحيث لا تتبع الأرض؛ بخلاف الفسيل. فإن قلنا: ليس له أخذها- هل يحط شيء من الثمن؛ لأجل الثمر؟ فيه وجهان: أحدهما: يحط، كما في الثمرة المؤبرة: يوزع الثمن على الأرض والنخيل وعلى الطلع. والثاني: لا يحط، وعليه جميع الثمن؛ فهو بمنزلة عيب حدث بالشقص: فإن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك. أما إذا اشترى شقصاً، وفيه نخيل حائلة، فأثمرت، ثم جاء الشفيع- نُظر: إن جاء بعد تأبير الثمار: لم يكن له أخذ الثمار؛ بل يأخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن، وإن جاء الشفيع، والثمر طلع: هل للشفيع أخذ الطلع؟ فيه قولان: قال في القديم: يأخذ؛ لأنه يتبع الأصل، ويدخل في مطلق البيع. وفي الجديد: لا يأخذ؛ بل يبقى للمشتري كالمؤبرة؛ لأنه تملك بغير التراضي؛ فلا يؤخذ به إلا ما دخل في العقد؛ بخلاف البيع؛ فإنه يملك بالتراضي؛ يقدر فيه على استثناء الطلع؛ فإذا لم يستثن: تبع الأصل. ولو اشترى شقصاً، وفيه زرع- نُظر: إن كان الزرع مما لا يجز مراراً: لا يدخل في مطلق البيع، وإن اشتراه مع الزرع: أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن دون الزرع، وإن كان الزرع مما لا يجز مراراً: فالجزة الظاهرة لا تدخل في البيع، ويدخل الأصل، ويأخذه الشفيع مع الأصل. ولو اشترى شقصاً من طاحونة: فالحجر السفلاني: إن قلنا: يدخل في البيع: أخذه الشفيع، أما العلياني: إن قلنا: يدخل في البيع: هل يأخذه الشفيع؟ فيه وجهان؛ بناءً على الطلع، وإن قلنا: لا يدخل في البيع: لا يأخذه الشفيع. ولو اشترى شقصاً من دار، ثم بعد البيع: تكسر منها جذع، أو اعوجت أسطوانة، أو حدث عيب آخر: فالشفيع: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك.
следующие страницы →