← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

للربح، أو قارضه على أن يكون له شيء من الربح: لم يصح. ويصح تصرف العامل فيه؛ لوجود الإذن، والربح والخسران لرب المال، وعليه للعامل أجر مثل العمل، ربح أو لم يربح. ولو قال: قارضتك على أن الربح بيننا نصفان: صح، وإن قال: "بيننا" ولم يقل: "نصفان": فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ ويكون مناصفة. والأصح: أنه لا يصح؛ لأنه لم يبين ما يكون لكل واحد منهما. ولو قال: قارضتك على أن لك نصف الربح، ولم يتعرض للباقي: صح، ويكون الباقي لرب المال، ولو قال: على أن نصف الربح، ولم يتعرض للباقي: ففيه وجهان: أحدهما- قاله ابن سُريج: يصح، ويكون للعامل كما في الصورة الأولى. والثاني- قاله المزني، وهو الأصح-: لا يصح؛ بخلاف الصورة الأولى، إذا قال: على أن لك نصف الربح: صح؛ لأن عند الإطلاق: جميع الربح يكون لرب المال، فإذ شرط النصف للعامل: بقي الباقي لرب المال، وإذا أضاف البعض إلى نفسه: لا يدل على أن الباقي يكون للعامل. ولو قال: قارضتك على أن لك من الربح ما شرط فلان لفلان- نُظر: إن كانا عالمين بما شرط فلان لفلان: صح على ذلك، وإن كانا جاهلين به أو أحدهما: لا يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا الثوب بما باع فلان ثوبه، فإن كانا عالمين به، جاز، وإن جهل أحدهما: لم يجز. ولو قال: قارضتك على أن لك ثلث الربح، وأن الباقي ثلثاه لك، وثلثه لي: صح الربح. ولو قال: قارضتك على أن لك ربح نصف المال. قال أبو ثور: يجوز كما لو قال: لك نصف ربح المال. والمذهب أنه لا يجوز؛ لأنه جعله شريكاً في ربح بعض المال؛ كما لو دفع إليه كيسين؛ ليتصرف فيهما؛ على أن له ربح ما في أحد الكيسين، أو دفع إليه ألفين على أن له ربح أحد الألفين: لا يصح [كما] لو أعطى إليه ألفاً؛ على أن يكون له ربحها على أن يتصرف له في ألف أخرى: لا يصح.

стр. 1647

ولو قال: قارضتك على أن جميع الربح لي: ففيه وجهان: أصحهما- قراض فاسد، مراعاة للفظ؛ فعلى هذا: يكون الربح والخسران لرب المال، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن عمل العامل في القراض لا يخلو عن عوض. والثاني: لا، وهو قول المزني؛ لأنه عمل مجاناً. والوجه الثاني: لا يكون هذا قراضاً؛ بل هو بضاعة لرب المال؛ فيكون الربح والخسران لرب المال، ولا شيء للعامل، فلو قال: على أن جميع الربح لك: ففيه وجهان: أحدهما: فراض فاسد؛ مراعاة للفظ، وللعامل أجر المثل إذا عمل، والربح والخسران لرب المال. والثاني- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: هو قرض صحيح؛ مراعاة للمعنى؛ بخلاف المساقاة، إذا قال للعامل: على أن جميع الثمر لك-: لم يصح وجهاً واحداً؛ لأنه لا يمكن أن يجعل قرضاً. ولو قال: أبضعتك هذه الألف على أن الربح لك، فإن راعينا اللفظ، فهو بضاعة؛ فالربح لرب المال، وللعامل أجر المثل؛ لأن رب المال جعل له شيئاً بإزاء عمله، وإن راعينا المعنى: فهو قرض صحيح. ولو قال: أبضعتك على أن نصف الربح لك: فوجهان: أحدهما: بضاعة، والربح لرب المال، وللعامل أجر المثل. والثاني: قراض صحيح؛ مراعاة للمعنى. ولو قال: خذ هذه الألف، وتصرف فيها، أو اشتر بها شيئاً؛ على أن الربح لك: فهو قارض صحيح، وكان شيخي- ﵀: يقول: ليس هذا بقراض؛ لأنه لم يملكه المال، والربح والخسران لرب المال، وللعامل أجر المثل. ولو قال: تصرف فيها، والربح كله لي: فهو بضاعة. وأصل هذه المسائل: إذا قال: بعتك هذا بلا ثمن، أو قال: بعتك، ولم يقل: بكذا: فهل هو بيع فاسد أو هبة صحيحة؟ فيه وجهان.

стр. 1648

ولو قال: قارضتك على أن لك درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان، أو قال: على أن لي درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان، أو قال: على أن لي درهماً من الربح، والباقي بيننا نصفان: لا يصح؛ لأنه ربما لا يربح أكثر من درهم، أما إذا قال: على أن لك سدس الربح، أو قال: لي سدس الربح، والباقي بيننا نصفان: يصح؛ كما لو قال: بعتك سدس هذه الصبرة، ونصف الباقي بكذا: جاز، بخلاف ما لو قال: صاعاً من هذه الصبرة، ونصف الباقي: لا يصح؛ لأجل الجهالة. ولا يجوز أن يجعل حق أحدهما في عبد يشتريه بأن شرط أنه إن اشترى عبداً- أخذه برأس المال، أو أخذه العامل بحقه: لم يصح؛ لأنه قد لا يكون في المال فائدة إلا العبد. ولو قال: قارضتك على أن ثلث الربح لك، وثلثه لي وثلثه لعبدي، أو لمدبري، أو لأم ولدي: جاز؛ فكأنه شرط لنفسه الثلثين؛ لأن ما أضاف إلى عبده: يكون له؛ لأن العبد لا يملك؛ وكذلك: لو شرط لعبد العامل: جاز، وهو للعامل. ولو قال: ثلثه لك، وثلثه لي، وثلثه لزوجتي، او لمكاتبين أو لابني: لا يصح؛ لأنه شرط الربح لغير المالك والعامل؛ كما لو شرط لأجنبي؛ فلو شرط على المكاتب، أو على الابن عملاً، وشرط لهم شيئاً من الربح: صار وكأنه قارض رجلين. ولو قال: نصف الربح لك، ونصفه لي ومن نصيبي نصفه لزوجتي: جاز، وهو وعد من جهته للزوجة أن يعطيها شيئاً؛ فإن شاء وفى، وإن شاء لم يف. ولو قارض رجلان رجلاً على ألف، فقالا: قارضناك على أن نصف الربح لك، والباقي بيننا بالسوية: جاز. ولو قالا: على أن لك الثلث من نصيب أحدنا والربع من نصيب الآخر. إن لم يبينا. لم يجز وإن بينا نُظر: إن لم يقولا: الباقي بيننا: صح ويكون الباقي من نصيب كل واحد له. فإن قالا: الباقي بيننا: لا يصح؛ لأنه يبقى لمن شرط للعامل الثلث أقل؛ فلا يكون الباقي بينهما سواء؛ كما لو قال: ثلث الربح لك، والباقي بيننا أثلاث: لا يصح. ولو دفع إليه ألفاً، وقال: اشتر بها هروياً أو مروياً بالنصف: قال المزني: كان فاسداً؛ لأنه لم يبين، واختلفوا في وجه فساده. الأصح: أن فساده من حيث إنه أطلق له الشراء دون البيع، فعلى هذا يصح شراؤه، ولا يصح بيعه، والربح والخسران لرب المال وعليه، وللعامل أجر المثل.

стр. 1649

وقيل: فساده من حيث إنه قال: هروياً أو مروياً، ولم يبين. والأول أصح؛ لأنه جوز له الشراء، وفي هذه الصورة: لا يصح الشراء، أما إذا جعل الاختيار إليه؛ فقال: إن شئت تصرف في الهروي، وإن شئت في المروي: يصح. وقيل: بطلانه من حيث إنه قال: بالنصف، ولم يقل: لي أو لك، وفي صحة مثل هذا وجهان؛ والأصح: جوازه. ويشترط تسليم المال إلى العامل، وتسليطه على التصرف، فإن قال: أنا أعمل معك، أو قال: كلما اشتريت، فأنا أؤدي الثمن: لا يصح، وإن شرط أن يعمل معه غلامه، سواء شرط رب المال على نفسه أو شرط العامل: هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو ظاهر النص-: يجوز؛ كما في المساقاة؛ لأن عبد رب المال ماله؛ فكأنه ضم مالاً إلى مال؛ كما لو أعار منه دابة ليحمل عليها مال القراض، أو بيتاً ليضع فيه المتاع، أو كسباً لينتفع به: جاز؛ وكما لو أعار رب المال غلامه حتى يعمل معه متبرعاً من غير شرط: جاز. والثاني: لا يجوز؛ لأن يد العبد يد المولى؛ كما لو شرط رب المال أن يعمل معه: لم يجز؛ بخلاف المساقاة؛ لأن- ثم- بعض الأعمال على رب المال؛ فجاز شرط عمل الغلام فيه، وفي القراض: لا عمل على رب المال، فإذا شرط عمل الغلام: فكأنه شرط عمل رب المال، والمراد من النص: أن يشترط للغلام شيئاً من الربح، ولم يشترط عليه [العمل؛ فيجوز]. فصلٌ ويشترط أن يعقد القراض مطلقاً لا يقيده بمدة، ولو قيده بمدة، فقال: قارضتك شهراً أو سنة: نص على أنه لا يجوز: فمن أصحابنا من قال: لا يصح؛ كما لا يصح البيع مؤقتاً؛ بخلاف المساقاة: لا تصح إلا مع التأقيت؛ لأن حصول الثمر له وقت معلوم؛ فليس لحصول الربح في القراض وقت معلوم، فإذا قيده بمدة: لا يحصل له المقصود. ومن أصحابنا من قال: إذا قال: قارضتك مدة: فله أقوال: أحدها: أن يقول: قارضتك سنة على أنك بعد مضي السنة لا تبيع، أو قال: لا تبيع ولا تشتري: فهذا لا يصح؛ لأن العامل يحتاج إلى بيع العروض؛ لينض المال، و"يظهر" الربح؛ ففي منعه من البيع إضرار به.

стр. 1650

أما إذا قال: على أنك بعد مضي السنة لا تشتري، ولك أن تبيع: فهذا جائز؛ لأن مقتضى القراض أن رب المال يملك منع العامل من الشراء، متى شاء، ولا يملك منعه من البيع؛ لينض المال. ولو قال: قارضتك سنة، ولم يزد عليه: ففي صحته وجهان: الأصح: لا يجوز. وقيل: يجوز؛ ويحمل على أنه لا يشتري بعد السنة. ولا يصح تعليق القراض على شرط في المستقبل؛ مثل: أن يقول: إذا قدم فلان: فقد قارضتك، وإذا جاء رأس الشهر: فقد قارضتك بهذه الألف: لا يصح؛ كما لا يصح تعليق البيع؛ بخلاف الوكالة: جاز تعليقها على أحد الوجهين؛ أن ههنا شرط له ربحاً يحصل بعمله؛ فلا يجوز أن يحجر عليه التصرف في بعض الأزمنة؛ لأن الربح ربما يحصل فيه. ولو قال: قارضتك الآن، فإذا جاء رأس الشهر فتصرف: فقد قيل: يجوز؛ كالوكالة. والأصح: ألا يجوز؛ كالبيع؛ لو قال: بعتك بشرط ألا تملك إلا بعد شهر: لا يصح. ولو قال: قارضتك على أني لا أملك الفسخ قبل شهر: فهو فاسد؛ لأنه بخلاف قضية القراض. وينبغي أن يطلق له التصرف مع من يرى، وفيما يرى من الأموال. ولو قال: قارضتك على ألا تشتري إلا من فلان، أو لا تبيع إلا من فلان، أو لا تشتري إلا برأي فلان: لا يصح؛ لأن مقصود العقد لا يحصل إذا كان ممنوعاً من المعاملة مع كافة الناس، أما إذا قال: على ألا تبيع من فلان، أو قال: لا تشتري من فلان: جاز؛ لأنه أطلق له التصرف مع كافة الناس إلا مع واحد؛ فربما عرف منه ما يكره المعاملة معه. ولو شرط ألا يشتري إلا سلعة بعينها: لم يجز؛ لأنها ربما لا تباع. ولو قال: لا تشتري سلعة عينها، أو عبداً عينه: جاز. ولو قال: على ألا تتصرف إلا في نوع كذا- نُظر: إن كان ذلك عام الوجود شتاءً وصيفاً؛ كالحيوان، والثياب، والحبوب، ونحوها: جاز، وإن كان مما ينقطع؛ كالثمار الرطبة: فلا يصح؛ كما لو قيد القراض بمدة إلا أن يقول: إذا انقطع ذلك، تصرف في نوع

стр. 1651

كذا؛ فيجوز؛ وكذلك: لو شرط ألا يتصرف إلا فيما يعز وجوده؛ كالياقوت الأحمر والخيل البُلق وما أشبهها: لا يصح. ولو أذن له أن يتجر في صنف: لا يجوز أن يتجر في صنف آخر. ولو أذن له أن يتصرف في الحنطة: لا يجوز أن يتصرف في الدقيق، ولا في الشعير. ولو أذن له أن يتجر في البز: جاز أن يتصرف في أصناف البز المنسوج من القطن والإبريسم والكتان، وما يلبس من الأصواف؛ لأن اسم البز يقع على الكل. ولا يجوز في البسط والفرش، وهل يجوز في الأكسية؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه يلبس. والثاني: لا؛ لأنه لا يقال لبائعه: بزاز، بل يقال: كسائي. ولو شرط أن يشتري نخيلاً فيطلب ثمارها، أو دواباً، فينتظر نتاجها، أو مستغلات فيستغلها: لا يجوز؛ لأن قضية القراض أن يطلب الربح بطريق التجارة، وكذلك: لو شرط أن يشتري الحنطة، فيطحن ويخبز، أو يشتري الغزل فينسج، أو يشتري الثياب فيقصر أو يصبغ- لم يصح، وللعامل أجر المثل فيما عمل، فإن فعل العامل شيئاً من ذلك من غير شرط: فلا يستحق الأجر، وإن استأجر عليه أجير: فالأجرة في ماله، والربح بينهما على الشرط، وإذا طحن العامل الحنطة من غير شرط: صار ضامناً، سواء أذن له في التصرف مطلقاً، فاشترى الحنطة، أو أذن له في التصرف في الحنطة: فإن دخله نقص: ضمن النقص، فإذا باعه: جاز؛ لأ، القراض بحاله وثمنه: لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه. ولو شرط على العامل أنه إذا اشترى خزاً أو بزاً أو شيئاً يعجبه: يوليه بيعه، أو إذا اشترى دابة: يركبها رب المال، أو يركبها العامل، أو إذا اشترى ثوباً: يلبسه متى شاء: لا يصح. وكل موضع فسد القراض: فتصرف العامل نافذ؛ لوجود الإذن من رب المال، والربح والخسران يكون لرب المال وعليه، وللعامل أجر مثل عمله على رب المال، وإن زاد على المشروط له. وعند أبي يوسف: له أجر مثل العمل، ولا يزاد على المسمى.

стр. 1652

فصلٌ مال القراض يكون أمانة في يد العامل؛ يجب عليه حفظه ولا يعرضه للهلاك، ولا يجوز أن ينفق [منه شيئاً] على نفسه، ولا كسرة يدفعها إلى السقاء. وقال مالك- رحمة الله عليه-: يجوز أن ينفق على العادة؛ مثل الغذاء وكسرة السقاء دون الشعاء. ولا يجوز أن يسافر بمال القراض بغير إذن رب المال، فإن سافر به ضمن، وإن باعه في السفر- نُظر: إن كان ذلك المال أرخص بتلك البلدة: لم يصح البيع، وإن كان مثل هذا البلد أو أغلى: صح البيع والثمن يكون مضموناً عليه؛ لأنه مخاطر بسبب السفر، فإذا عاد لا يعود أمانه، ولا يجوز أن يؤدي شيئاً من مؤنة ذلك السفر من مال القراض. وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز للعامل أن يسافر بمال القراض. أما إذا سافر بإذن رب المال: جاز، ولا يضمن، وهل يستحق النفقة؟ قال في رواية المزني: له النفقة بالمعروف، وقال في رواية البويطي: لا يستحق النفقة. اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يستحق؛ كما في حال الإقامة. والثاني: يستحق؛ لأنه سلم نفسه لذلك الآمر؛ كالزوجة: تستحق النفقة، إذا سلمت نفسها إلى الزوج، وقبل التسليم: لا تستحق. ومنهم من قال: لا يستحق. وحيث قال: له النفقة بالمعروف، أراد به: المؤن التي تلزم المال من كراء الدابة وأجرة الحارس ونحوها. فإن قلنا: يستحقك فكم يستحق؟ فيه وجهان: أحدهما: جميع ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة والإدام. والثاني: يجب ما زاد بسبب السفر من الخف والإداوة والسطيحة ونحوها.

стр. 1653

ولو سافر بمال نفسه مع مال القراض: توزع النفقة على قدر المالين بالحصص؛ ليس له إخراج جميعها من مال القراض؛ فلو استرد رب المال منه المال في الطريق أو في البلد الذي خرج إليه: هل يجب عليه نفقة الرجوع؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجب؛ كما لو خالع زوجته في السفر: لا يجب عليه نفقة رجوعها إلى الوطن. ولو شرط العامل نفقة السفر في العقد؛ فإن قلنا: يستحق: فهو قضية العقد، وإن قلنا: لا يستحق: قال: يحتمل وجهين: أصحهما: يفسد العقد؛ كالمقيم إذا شرط لنفسه النفقة. والثاني: لا يفسد، ويستحق النفقة؛ لأنه من مصلحة العقد؛ لأنه إذا لم يعط النفقة: لا يسافر؛ فهو كالخيار في البيع. وعلى العامل أن يتولى بنفسه ما جرت العادة أن يتولاها العمال بأنفسهم: من طي الثياب، وذرعها، والإيجاب والقبول في البيع، وقبض الثمن، ووزن ما يخف؛ كالعود والمسك، وحفظ المتاع على الحانوت والنوم عليه في السفر، وحفظه؛ فإذا استأجر من يفعل شيئاً منها: يجب أن يعطي الأجرة من مال نفسه، فأما ما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه؛ كحمل المتاع من الحانوت إلى الخان، والسرداب، ووزن ما يثقل منه، والنداء على المتاع: فله أن يستأجر من مال القراض من يفعل ذلك. وكذلك: أجرة الحارس والرصدي وكراء الدواب في السفر: يكون من مال القراض، فإن فعل العامل شيئاً من ذلك بنفسه: لا يستحق الأجرة. وإذا غصب شيء من مال القراض، أو أتلف: فالخصم فيه رب المال، إن لم يكن فيه ربح، وإن كان فيه ربح: فهما خصمان، وقيل: للعامل أن يخاصم بكل حال؛ لأنه من باب حفظ المال. ولا يجوز أن يتجر إلا على النظر، والاحتياط. ولا يجوز أن يشتري بأكثر من رأس المال؛ لأن رب المال لم يأذن إلا فيه. ولا يجوز أن يبيع شيئاً نسيئة؛ لأنه ربما يجحد المشتري أو يفلس. ولا أن يشتري نسيئة؛ لأنه يغرق المال بالدين وعند أبي حنيفة يجوز أن يبيع ويشتري نسيئة، ويرهن ويرتهن. وبالاتفاق: لا يجوز أن يقرض ويستدين، وإذا باع حالاً: لا يجوز تسليم المبيع قبل

стр. 1654

قبض الثمن، وإذا سلم ضمن القيمة. وقيل: إذا كان الثمن أقل من القيمة: ضمن الثمن؛ لأن البيع صحيح، والصحيح يضمن القيمة في الحالين. ولا يجوز له السلم؛ لأن فيه تسليم رأس المال قبل أخذ عوضه، وإذا أذن له في البيع نسيئة: جاز أن يبيع نسيئة، ويجب أن يشهد عليه، فإن لم يشهد: ضمن، بخلاف ما لو باع حالاً: لا يجب الإشهاد؛ لأن هناك يمكنه حبس المبيع، لاستيفاء الثمن. ولو باع حالاً وأذن له في تسليم المبيع قبل قبض الثمن: جاز، ولا يجب الإشهاد؛ لأن العادة لم تجر بالإشهاد في البيع الحال، حتى لو جحد المشتري: لم يضمن؛ بخلاف ما لو باع مؤجلاً بإذنه، ولم يشهد، فجحد: ضمن. ولو باع أو اشترى بغبن يسير يتغابن الناس بمثله: جاز، ولو باع بغبن فاحش: لا يصح. ولو اشترى شيئاً بغبن فاحش- نُظر: إن اشترى بعين مال القراض: فالشراء فاسد، وإن اشترى في الذمة: يقع للعامل؛ فعليه أن يؤدي الثمن من مال نفسه، ويجوز أن يبيع بالعرض؛ لأن التجار يطلبون الربح بذلك الطريق؛ بخلاف الوكيل. ويجوز أن يشتري الشيء المعيب؛ لأنه قد يرى الربح فيه؛ بخلاف الوكيل، وإذا اشترى شيئاً على أنه صحيح، فوجد به عيباً: له الرد بالعيب، وإن رضي به رب المال؛ لأن له فيه حظاً، وإن كان مع ذلك العيب يساوي ما اشتراه به: هل يصح ذلك القراض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل وقع باطلاً، إن اشترى بعين مال القراض، وإن اشترى في الذمة: وقع للعامل؛ كما لو كان لا يساوي ما اشترى به. والثاني: صح القراض؛ لأنه لا ضرر فيه على رب المال. وإذا اشترى بمال القراض خمراً، أو خنزيراً أو أم ولد، وسلم المال: ضمن. وإذا اشترى جارية، ولم يعلم أنها أم ولد، فظهرت أم ولد، أو عصيراً، فظهر خمراً، وقد دفع الثمن: يجب عليه الضمان؛ لأن ضمان المال لا يسقط بالجهل. وقيل في الموضعين: لا يضمن.

стр. 1655

وقال الشيخ القفال، في أم الولد: لا يضمن، لأنها في صورة القنة؛ لا يمكن التمييز بينهما، وفي الخمر: يضمن؛ لأن التمييز بينها وبين العصير ممكن، فإذا لم يتأمل كان مفرطاً. وإذا اشترى العامل من يعتق على رب المال- نُظر: إن اشترى بغير إذن رب المال: فالبيع باطل، إن اشترى بعين مال القراض، وإن اشترى في الذمة: يقع للعامل، وعليه أن يؤدي الثمن من ماله؛ بخلاف ما لو وكل وكيلاً؛ ليشتري له عبداً، فاشترى من يعتق على الموكل: صح للموكل؛ لأنه أمره بتمليكه عبداً، وقد فعل، والعتق أمر حصل على ملكه، وفي القراض، أمره رب المال بالتجارة ليربح، ولا يحصل ذلك [بشراءه من] يعتق عليه. أما إذا اشترى بإذن رب المال: صح، ثم ينظر: إن لم يكن في المال ربح: عتق على رب المال، ثم إن اشترى بجميع مال القراض: ارتفع القراض وإذا اشترى ببعضه: فرأس المال ما بقي، وصار كما لو استرد ثمن العبد، وإن كان في المال ربح: جعل كأنما استرد المال أو بعضه، فيتبعه من الربح والخسران بقدره، ويبنى على أن العامل، هل يملك نصيبه من الربح بنفس الظهور أم يملك بعد المفاضلة؟ وفيه قولان؛ ذكرناهما في "كتاب الزكاة". فإن قلنا: يملك بعد المفاضلة- وهو الأصح-: عتق العبد كله على رب المال، ويغرم حصة العامل من الربح. وإن قلنا: يملك بنفس الظهور: عتق على رب المال حصته، ويقوم عليه حصة العامل، إن كان موسراً، وإلا تبقى حصة العامل رقيقاً؛ وكذلك: لو أعتق رب المال عبداً من مال القراض: فإن لم يكن في المال ربح: عتق كله، وإن كان فيه ربح؛ فإن قلنا: يملك العامل نصيبه بعد المفاضلة [وهو الأصح]: عتق العبد كله، وغرم حصة العامل. وإن قلنا: يملك بنفس الظهور: عتق بقدر حصته، وقوم عليه نصيب العامل، إن كان موسراً؛ وإلا بقي نصيب العامل رقيقاً. ولو اشترى العبد المأذون في التجارة من يعتق على مولاه بإذنه- صح، وعتق عليه، إن لم يكن عليه دين. وإن اشترى بغير إذنه: ففيه قولان: أصحهما: لا يصح؛ كالعامل في القراض.

стр. 1656

والثاني: يصح؛ كالوكيل. أما إذا اشترى العامل من يعتق عليه: صح، ثم إن لم يكن في المال ربح: لا يعتق ويباع؛ كالوكيل: يشتري أب نفسه: يصح للموكل، ولا يعتق. وإن كان في المال ربح: إن قلنا: يملك العامل نصيبه بعد المفاضلة: فلا يعتق، ويباع، وإن قلنا: يملك بنفس الظهور: عتق عليه حصته، ويقوم عليه نصيب رب المال، إن كان العامل موسراً، وإن كان معسراً: فلا يقوم. ولا فرق بين أن يكون الربح موجوداً يوم الشراء، أو ظهر بابتياعه؛ بأن يكون رأس المال مائة، فاشترى بها أباه، وهو يساوي مائتين، أو كان لا يساوي يوم الشراء إلا مائة، ثم ظهر الربح بارتفاع السوق، وكان شيخي- ﵀ يقول: يحتمل وجهاً آخر: أنه إذا ظهر الربح بعد الشراء: أن يعتق على العامل حصته، ولا يقوم عليه الباقي؛ لأنه لم يختر تملكه؛ بخلاف ما لو كان الربح ظاهراً يوم الشراء، أو ظهر بابتياعه، بناءً على ما لو باع من يعتق على وارثه بثوب، ومات، فوجد الوارث بالثوب عيباً ورده، واسترد شقص العبد: عتق عليه، وهل يسري إلى الباقي؟ فيه وجهان. وكذلك لو أعتق العامل عبداً من مال القراض: هل يعتق حصته؟ فهو كشراء من يعتق عليه. وعند أبي حنيفة: يملك العامل حصته بنفس الظهور، ويعتق عليه حصته، ثم ناقضوا، فقالوا: لو كان رأس المال ألفاً، وربح ألفاً، فاشترى بالكل عبدين، قيمة كل واحد ألف، ثم أعتقهما: قالوا: لا يعتق شيء منهما؛ لأن الربح غير متميز من رأس المال. ولو اشترى العامل بمال القراض جارية: ليس لرب المال وطؤها، وإن لم يكن في المال ربح؛ لأنها ربما تحبل؛ فيبطل مقصود العقد، فلو وطئها لا حد عليه؛ لأنها ملكه، وأما المهر هل يجب؟ نظر: إن لم يكن في المال ربح، أو كان، وقلنا: يملك العامل حصته بعد المقاسمة: فلا يجب، وإن قلنا: يملك بنفس الظهور: يجب بقدر حصة العامل. وإن استولدها: فكالعتق.

стр. 1657

ولو وطئها العامل: فإن لم يكن في المال ربح عليه الحد، وإن كان فيه ربح: فلا حد؛ للشبهة، ويجب المهر. قال الشيخ: ويؤخذ كله، ويوضع في المال: إن قلنا: يملك العامل الربح بالظهور؛ لأنه ربما يخسر، فيحتاج إلى جبر الخسران به. قال- ﵁: ولو استولدها: إن قلنا: لا يملك شيئاً من الربح قبل القسمة: فلا تصير أم ولد له، وإن قلنا: يملك بنفس الظهور: تصير حصته أم ولد له، ويقوم الباقي عليه؛ إن كان موسراً؛ كما في العتق. ولو وطئها أجنبي: أخذ المهر، وكان في القراض. قال- ﵁: والمهر يكون في الربح، والعامل إذا وطئها جاهلاً، ولا ربح في المال: وجب أن يؤخذ منه المهر، ويكون من الربح. قال- ﵁: ولو قطع أجنبي يد عبد القراض: يؤخذ منه نصف القيمة، ويكون في مال القراض، ثم إن كان نصف القيمة أكثر من أرش النقصان: فالفصل ربح، وإن كان أقل: يجبر النقصان من الربح، وإن قطع العامل يده، ولا ربح في المال: وجب أن يؤخذ منه نصف القيمة، والفضل على أرش النقصان ربح. ولو اشترى العامل زوجة رب المال، أو كان رب المال امرأة؛ فاشترى العامل زوجها- نُظر: إن اشترى بإذن رب المال: صح الشراء، وانفسخ النكاح، والقراض بحاله، وإن اشترى بغير إذنه: ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح، إذا اشترى بعين مال القراض؛ لأن رب المال يتضرر به بانفساخ النكاح؛ كما لا يشتري من يعتق على رب المال. والثاني: يصح وينفسخ النكاح؛ لأن الضرر ليس من ناحية القراض؛ فإنه لا يتلف شيء من مال القراض؛ بخلاف العتق. ولو اشترى بمال القراض عبداً، فكاتبه بغير إذن رب المال: لا يصح، وإن كاتباه معاً: جاز، وإن أدى المال: عتق، ثم إن لم يكن في المال ربح: كان ولاؤه لرب المال، وإن كان فيه ربح: فيكون بينهما؛ على حسب الشرط، وإن كاتباه على أكثر من قيمته: فالزيادة ربح يكون بينهما على حسب الشرط.

стр. 1658

ولا يجوز معاملة العامل مع رب المال، ولا معاملة رب المال معه في مال القراض؛ كالعبد المأذون في التجارة: لا يعامل المولى. وعند أبي حنيفة: يجوز للعامل أن يشتري من رب المال. ولو اشترى العامل شقصاً من دار بمال القراض، ولرب المال فيه شرك: فلا شفعة لرب المال؛ لأن الشراء وقع له بماله، فإن كان للعامل فيه شرك: فله أخذه بالشفعة؛ كالوكيل بالشراء. ولا يجوز للعامل أن يقارض بمال القراض رجلاً آخر بغير إذن رب المال؛ فإن قارض- نُظر: إن فعل ذلك بإذن رب المال: جاز؛ كما لو وكله بأن يقارض آخر، ويكون كما لو قارض بنفسه، فإن شرط الأول لنفسه شيئاً من الربح: كان فاسداً، والربح والخسران لرب المال وعليه، وللعامل الثاني أجر المثل على رب المال، وإن قارض بغير إذن رب المال: صار ضامناً للمال، إذا سلم إلى الثاني. ثم لا يخلو: إما إن تلف المال في يد الثاني، أو ربح: فإن تلف- نُظر: إن كانا عالمين، أو كان الثاني عالماً: فقرار الضمان على الثانين ويكون الأول طريقاً فيه، وإن كانا جاهلين، أو كان الثاني جاهلاً: فالقرار على الأول. قال- ﵁: وهل يكون الثاني طريقاً فيه؟ فعلى وجهين؛ كالمستودع الجاهل من الغاصب، هل يكون طريقاً في وجوب الضمان على الغاصب؟ فيه وجهان. فأما إذا تصرف العامل الثاني، وربح: فهذا يبنى على ما لو تصرف الغاصب في المال المغصوب، وربح: فالربح لمن يكون؟ فيه قولان: في الجديد: يكون للغاصب. وفي القديم: يكون للمالك. وكان شيخي- ﵀ يقول: يحتمل أن يكون هذا قولاً قطعاً في القديم: أن الربح يكون للمالك، حتى لو رده لا يرتد، ويحتمل أن يكون هذا جواباً على قوله في القديم: إن باع بمال الغير بغير إذنه: يكون موقوفاً على إجازته غير أن الشافعي- ﵁ قطع بأن الربح يكون للمالك، ولم يتعرض للإجازة والفسخ، لأن الغالب: أنه إذا رأى الربح يجيزه، ولا يرده؛ فعلى هذا: لو رده يرتد؛ سواء كان شراؤه بعين مال المغصوب منه أوفى الذمة [و] رجعنا إلى القراض.

стр. 1659

وإذا تصرف العامل الثاني، وربح: فإن قلنا: بقوله الجديد: أن الربح في الغصب يكون للغاصب: فههنا: ينظر إن اشترى بعين مال القراض: كان فاسداً، وإن اشترى في الذمة: ذكر المزني- ﵀ أن الربح كله للعامل الأول. ومن أصحابنا من قال: الربح كله للعامل الثاني على قوله الجديد؛ لأنه المتصرف؛ كما في الغصب: يكون للغاصب. ومنهم من قال- وهو الأصح-: الأمر كما قال المزني- ﵀ أنه يقع تصرفه للعامل الأول؛ لأنه اشترى له بإذنه؛ فكان كالوكيل من جهته، والربح والخسران يكون للعامل الأول، وعليه للثاني أجر مثل عمله، بخلاف الغاصب في غير القراض: فإنه اشترى لنفسه؛ فكان الربح له. وفي القديم، قال: الربح يكون بين العاملين وبين رب المال؛ سواءكان الشراء بالعين أو في الذمة؛ نصفه لرب المال، ونصفه بين العاملين. قال- ﵁: وهذا إما أن يكون قولاً قطعاً على هذا القول، أو على الوقف، إن جاز، كما ذكره الشيخ القاضي- ﵀. وعلى هذا القول: إذا جعلنا الربح بين رب المال والعاملين: فهل يرجع العامل الثاني على الأول بشيء؟ نُظر: إن كان قد قال له العامل الأول: قارضتك على أن لك نصف الربح، أو قال: على أن ما يرزقنا الله من الربح يكون بيننا: فلا يرجع عليه بشيء؛ لأنه سلم له ما شرط له، ولو قال: على أن الربح بيننا نصفان، أو قال: على أن نصف الربح لك: ففيه وجهان: أحدهما: لا يرجع بشيء؛ كما في الصورة الأولى؛ لأنه شرط له نصف الربح؛ فيكون له النصف من نصيبه. والثاني: يرجع عليه بنصف أجر مثل عمله؛ لأنه شرط له نصف ربح جميع المال، ولم يسلم له إلا ربع الربح. فصلٌ إذا تلف مال القراض في يد العامل: لا ضمان عليه؛ لأنه أمين، ثم إن تلف كله بآفة سماوية: ارتفع القراض، سواء تلف بعد ما شرع في العمل، أو قبله، ولا شيء للعامل ولا

стр. 1660

عليه، وإن تلف بعضه- نظر: إن تلف بعد الشروع في العمل والتصرف: فهو بمنزلة الخسران؛ يجبر بالربح، حتى لو دفع إليه مائة، فربح عليها خمسين، ثم تلف منها مائة، ثم ربح بعده خمسين: فكلها رأس المال. وإن تلف قبل الشروع في العمل: فيه وجهان: أحدهما: يُجبر ذلك من الربح؛ كما لو تلف بعد الشروع في العمل. والثاني: لا؛ بل يجعل كأنه لم يفع إليه إلا بقدر ما بقي؛ لأن العقد لم يتأكد [إلا] بالشروع في العمل. ولو سُرق بعض مال القراض، أو غصب، أو أتلف- نظر: إن ظهر بالمتلف، فأخذ بدله: فهو من القراض، حتى لو أتلف كله، فأخذ بدله: فهو في القراض، وإن لم يظفر ببدله، فربح على ما بقي: هل يُجبر المسروق والمتلف بالربح؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر؛ كما لو تلف بآفة سماوية. والثاني: لا يجبر؛ لأنه أعقب بدلاً؛ فلا يجب جبره من مال القراض. ولو كان مال القراض ألفاً، فاشترى بعينها شيئاً، فتلف الألف قبل التسليم: بطل العقد، وارتفع القراض، وإن اشترى في الذمة، ثم تلفت الألف: ففيه وجهان: أحدهما: كان العقد للعامل، وعليه الثمن من ماله، وارتفع القراض. والثاني: العقد لرب المال، وعليه ألف أخرى، وهو قول أبي حنيفة- ﵀ لأنه اشترى له كما لو تلف الثمن في يد الوكيل: يجب على الموكل الثمن؛ فعلى هذا: كم يكون رأس المال؟ فيه وجهان: أحدهما: ألف واحدة؛ لأن العقد وقع على ألف. والثاني: ألفان؛ لأنه دفع إليه ألفين. فإن قلنا: ألف: فأي الألفين؟ فيه وجهان؛ لأنه ربما يكون بين ألفين تفاوت في وصف. ولو اشترى بمال القراض عبداً، فقتل: فإن كان في المال ربح: لا ينفرد أحدهما بالاقتصاص، وإن لم يكن في المال ربح: فلرب المال أن يقتص؛ إن كان موجباً للقصاص، أو يعفو على غير مال، وإن كان موجباً للمال: فله أن يعفو عن المال، وارتفع القراض، فإن أخذ القيمة: فالقراض باق باق فيها حتى لو صالحه عن القود على أكثر من القيمة: فالزيادة ربح، وللعامل فيها نصيب.

стр. 1661

وإذا خلط العامل مال القراض بمال نفسه: كان ضامناً؛ كالمودع، إذا خلط الوديعة بماله. ولو قارضه رجل على مالين بعقدين، فخلط أحدهما بالآخر: ضمن. وعند أبي حنيفة: لا يضمن. وكذلك لو قارضه رجلان، كل واحد على مال فخلط العامل أحدهما بالآخر: صار ضامناً، ولو دفع إليه رجلان، كل واحد منهما ألفاً قراضاً، فاشترى بكل ألف عبداً ثم اشتبه عليه: ففيه قولان: أحدهما: أن العبدين للعامل، ويغرم ألفين؛ لأنه تعذر التمييز بتفريطه. والقول الثاني: يباع العبدان، فإن لم يكن فيه ربح: قسم الثمن بين ربي المال، وإن كان فيه ربح: كان بين العامل والمالكين؛ على حسب الشرط. ولو دفع إليه ألفاً قراضاً، فاشترى بها عبداً، ثم اشترى عبداً آخر للقراض أيضاً- نُظر: إن اشترى كل واحد من العبدين بعين تلك الألف: فالعقد الأول صحيح للقراض، والثاني باطل؛ لأن الألف صارت ملكاً للبائع الأول. فإن دفع الألف إلى الثاني: ضمن، فإن تلف في يده: فسد العقد الأول، وعليه رد مثله، وإن اشترى كلا العبدين في الذمة: فالأول للقراض، والثاني يقع للعامل؛ لأن ألف القراض صارت مستحقة الصرف إلى الأول؛ وكذلك: لو اشترى الأول بعين الألف، والثاني في الذمة: فالأول للقراض، والثاني للعامل، ولو اشترى الأول في الذمة، والثاني بعين الألف: لأن الأولى صارت مستحقة الصرف إلى الأول، فإن دفع الألف إلى الثاني: ضمن، فإن تلفت في يد الثاني: لا ينفسخ العقد؛ لأن العقد لم يقع على عينها، فيغرمها من عنده، ويصرفها إلى ثمن الأول. فصلٌ عقد القراض: عقد جائز من الجانبين، فأيهما أراد فسخه والخروج منه: له ذلك. ولو استرد رب المال شيئاً من المال قبل ظهور الربح فهو من رأس المال، ورأس المال ما بقي، ولو استرد بعد ظهور الربح: فهو من الربح ورأس المال جميعاً؛ حتى لو

стр. 1662

دفع إليه مائة قراضاً، وشرط له نصف الربح، فربح عشرين، ثم استرد رب المال عشرين، فانخفضت السوق، فعادت إلى ثمانين: ليس لرب المال أن يقول: دفعت إليك مائة، وأخذت عشرين، والآن معك ثمانون، فآخذها؛ لأنه أخذ العشرين حين كان الربح سدس المال، فما أخذه كان خمسة أسداسه من رأس المال، وسدسه من الربح، وهو ثلاثة دراهم وثلث، ونصفه للعامل، وهو درهم وثلثان؛ فيسترد ثمانية وسبعين وثلثاً. ولو دفع إليه مائة، فخسر عشرين، ثم أخذ رب المال عشرين: بقي في يد العامل ستون، فتصرف، وربح، فبلغ ثمانين: فليس لرب المال أخذ كلها؛ لأنه أخذ العشرين حين كان الخسران قدر ربع المال، فقابله ربع الخسران، وهو خمسة، لا يجب على العامل جبرها؛ بل عليه جبر ثلاثة أرباعها، وهو خمسة عشر في مقابلة ما بقي من رأس المال؛ فجبرنا خمسة عشر؛ صار رأس المال خمسة [و] سبعين؛ بقي خمسة للربح؛ يكون بينهما؛ فيسترد رب المال ستة وسبعين ونصفاً. ولو مات أحد المتقارضين، أو جن، أو أغمي عليه: ينفسخ العقد؛ لأنه عقد جائز؛ كالوكالة، والشركة. ثم إن مات رب المال؛ فإن كان عليه دين أو أوصى بمال: صرف المال إلى دينه ووصيته، ولم يكن لهم المقام على القراض. وإن كان قد تصرف فيه العامل، وفيه ربح: يقدم حق العامل على الدين والوصايا: فإن لم يكن عليه دين، ولا وصية- نُظر: إن أقام وارث رب المال والعامل على الدين والوصايا: فإن لم يكن عليه دين ولا وصية: انفسخ الذي حصل بالموت، وأخذ الوارث المال، إن لم يكن فيه ربح، وإن كان فيه ربح: اقتسما، وأخذ العامل حصته، وإن كان المال عرضاً: باعه العامل؛ لأن موت رب المال ليس بأكثر من فسخه، وبعد فسخه: كان له بيع العرض من مال القراض، فإذا باعه: أخذ حقه من الربح، إن كان فيه ربح، وإن لم يكن فيه ربح: كان ما حصل لوارث رب المال، وإن مات العامل: لم يكن لوارثه بيع المال بغير إذن رب المال، فإن لم يرض ببيعه، وفيه ربح- رفع إلى الحاكم حتى ينصب من يبيعه، فيأخذ رب المال رأس ماله؛ ويقسم الربح بينهما. فإن مات أحدهما، وأراد وارث الآخر مع الحي المقام على القراض الأول- نُظر: إن كان المال ناضاً: فلا يجوز إلا بعد استئناف عقد جديد؛ لأن الناض يقبل عقد القراض.

стр. 1663

وإن كان عرضاً: قال أبو إسحاق: إن مات رب المال، والمال عرض: جاز لوارثه أن يترك العامل على القراض، فيقول له: تركتك أو أقررتك على ما كنت عليه في حياة أبي، وإن مات العامل: لم يجز لرب المال أن يترك وارث العامل على القراض؛ وفرق: بأن الأصل في القراض المال والعمل، وإذا مات رب المال: فالمال قائم، والعامل حي؛ فجاز تقريره على العمل، وإذا مات العامل: فقد بطل العمل؛ فلا يمكن بناء عمل وارثه عليه. والمذهب: أنه لا يجوز، سواء مات رب المال أو العامل؛ لأن العقد قد انفسخ بالموت؛ فلا يمكن المقام عليه إلا باستئناف عقد جديد، والمال عروض؛ لا يجوز استئناف عقد القراض عليها؛ فهو كما لو فسخاً القراض في حال الحياة، والمال عرض لا يجوز المقام على العقد [المفسوخ، ولا ابتداء العقد على العقد]. وقول الشافعي- ﵁: "فإن مات رب المال-: صار لوارثه، فإن رضي-: تُرك المقارض على قراضه"- أراد به: إذا كان المال ناضاً، واستأنفا العقد؛ فيجوز، فإن كان المال ناضاً، وأراد استئناف القراض: فإن كان المال ربح: ينبغي أن يأخذ رب المال أو وارثه نصيبه من الربح، ثم يستأنفان القراض على الباقي، وإن كان فيه خسران، فشرط أن يجبر الخسران بتصرفه: لم يجز، وإن كان فيه ربح، وعقد القراض قبل أخذ العامل نصيبه من الربح؛ مثل: إن كان مال المورث ألفاً، ورحب العامل عليها ألفاً، وقد شرط له نصف الربح؛ فرأس مال الوارث ألف وخمسمائة، فعقد القراض على ماله قبل إفراز نصيب العامل: صح، وكان رأس ماله ألفاً وخمسمائة مشاعاً، ويجوز القراض على المشاع؛ كما يجوز على المفرز. ولو قارض رجل في مرض موته على أكثر من أجر مثل عمله؛ بأن قارضه على النصف، وأجر مثل عمله الثلث: لا تعتبر الزيادة من الثلث؛ لأن الذي يعتبر من الثلث ما يخرجه من ماله، والربح ليس من ماله، إنما يحصل بكسب العامل؛ وكذلك: يقدم حق العامل على الدين والوصايا؛ بخلاف ما لو ساقى إنساناً في مرض موته، وشرط للعامل أكثر من أجر مثل عمله: يعتبر من الثلث؛ على أحد الوجهين؛ لأن الثمن يحصل من غير الثمرة التي هي ملك المريض؛ فكأنه يخرجها من ملكه. فصلٌ في فسخ القراض إذا فسخا أو أحدهما عقد القراض: لم يكن للعامل أن يشتري بعده به شيئاً، ثم

стр. 1664

يُنْظر: إن كان المال ناضاً من جنس رأس المال، ولا ربح: أخذه رب المال، ولا شيء للعامل، وإن كان فيه ربح: اقتسما، وأخذ العامل حصته. وإن كان المال عرضاً، أو كان ناضاً من غير جنس رأس المال: فإن كان رأس المال دراهم، وفي يده دنانير: فهو كالعرض، وإن كان فيه ربح أو طمع ربح: فللعامل بيعها حتى تنض؛ فإن أبى رب المال: فلرب المال أن يكلفه البيع، وإن قال العامل: أنا أؤخر البيع إلى وقت الموسم: لرب المال ألا يرضى؛ لأن حقه معجل، وعند مالك- رحمة الله عليه: إن كان في البلد موسم: له أن يؤخر إلى الموسم. ثم إن كان نقد البلد من جنس رأس المال: باعه به؛ فإن لم يكن؛ فإن رأى النظر في بيعه برأس المال: باعه به، فإن لم يكن: فإن ادعى النظر في بيعه برأس المال: باعه به، وإن رأى في بيعه بنقد البلد: باعه به، ثم صرفه في جنس رأس المال، وإن كان رأس المال صحاحاً، وحصل في يده المكسر: فإن وجد من يشتريه بالصحاح بوزنه: باعه به، وإن لم يجد: باعه بغير جنسه، أو بعرض، ثم يشتري به الصحاح. ولو قال رب المال للعامل: لا أبيع العرض، ولكن أقومه بعدلين، وأعطيك قيمة حصتك، وأبى العامل إلا البيع: فهل للعامل بيعه؟ فيه وجهان؛ بناءً على أنه متى يملك حصته من الربح؟ إن قلنا: يملك بنفس الظهور: فله بيعه، ولا يجبر على أخذه؛ لأنه ربما يقع راغب، فيزيد في قيمته، وإن قلنا: يملك بعد المفاصلة: يجبر على أخذه، ولم يكن له بيعه؛ لأنه وصل إلى حقه. وقيل: يجبر على أخذه قولاً واحداً، كمن غرس في أرض رجل بإذنه: فمتى أعطاه رب الأرض قيمة الغراس: لزمه الأخذ. ولو قال العامل: تركت حقي إليك، ولا أبيعه، وفيه ربح، وأبى رب المال إلا البيع: فهل يجبر العامل على البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر؛ لأن البيع لحق البائع؛ حتى يصل إلى حقه، فإذا ترك حقه: لا يجبر عليه. والثاني: يجبر؛ لأنه أخذ المال على أن يرد رأس المال ناضاً؛ كما أخذه. وبعض أصحابنا بنى الوجهين على أن العامل متى يملك الربح؟ إن قلنا: يملك بالظهور: لزمه البيع؛ لأن الزيادة ملكه؛ فلا يجب على رب المال قبوله، وإن قلنا: لا

стр. 1665

يملك بالظهور، فإذا ترك حقه: صار متروكاً، لأنه ملك أن يملك، وقد تركه؛ كالشفيع: يسقط حقه بالعفو، وإن لم يكن في المال ربح: كان لرب المال إمساك العروض ومنع العامل من بيعه؛ لأنه لا حق له فيه، وهل له إجبار العامل على بيعه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا حق له فيه. والثاني: له ذلك؛ لأنه ضمن تنضيض المال. فإن قلنا: ليس له إجباره، أو اتفقا على ألا يباع، وأخذ رب المال العرض؛ ثم ارتفع السوق، وظهر فيه ربح: فهل للعامل فيه نصيب؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه حصل بكسبه. والثاني: لا؛ لأنه ربح حصل بعد ارتفاع القراض. ولو قارضه على نقد، فتصرف فيه العامل، ثم أبطل السلطان ذلك النقد: فعند المفاصلة: يرد النقد الذي عقد عليه، ثم يقتسمان الباقي. وقيل: يرد من النقد الذي حدث، ولي بشيء؛ لأنه يؤدي إلى دخول الربح في رأس المال، أو رأس المال في الربح. وإذا فسخ العقد، وهناك دين: وجب على العامل أن يتقاضاه؛ لأنه دخل في العقد علىن يرد رأس المال، وإذا فسخ عقد القراض: تباع جميع آلات السفر التي اشتراها بمال القراض من السفرة والإداوة والخف وغيرها؛ كسائر أموال القراض. وقال مالك- رحمة الله عليه-: تكون الآلات لرب المال، فإذا طلب أحدهما قسمة الربح قبل فسخ القراض: لا يُجبر الآخر عليه؛ لأنه إن طلب رب المال: يقول العامل: لا نأمن أن نخسر؛ فيحتاج إلى رد ما قسمنا، وإن طلب العامل: يقول رب المال: الربح وقاية رأس المال؛ فلا أعطيك حتى تسلم إلي رأس المال، فإن اتفقا، وقسما: جاز؛ لأن المنع لحقهما، وقد رضيا به، فإن ظهر بعده خسران: فعلى العامل جبره مما أخذ؛ لأنه لا يستحق الربح إلا بعد تسليم رأس المال. فصلٌ في الاختلاف إذا دفع مالاً إلى رجل ليشتري شيئاً، ثم اختلفا؛ فقال رب المال: وكلتك لتشتري

стр. 1666

لي، وقال العامل: [بل] قارضتني: فالقول قول رب المال، ثم إن كان قبل التصرف: استرد المال، وإن كان بعد ما تصرف، وربح: حلف رب المال، وأخذ الكل ولا شيء للعامل. ولو اتفقا على القراض، فقال رب المال: شرطت لك ثلث الربح، وقال العامل: بل نصف الربح: تحالفا، ثم العقد مفسوخ، والربح ولاخسران كله لرب المال وعليه، وللعامل عليه أجر مثل عمله؛ سواء كان أقل من نصف الربح أو أكثر. وقيل: إن كان أجر نصف المثل من نصف الربح؛ فليس له إلا نصف الربح؛ لأنه لا يدعي أكثر من ذلك. ولو اختلفا في رأس المال؛ فقال رب المال: دفعت إليك ألفين، وقال العامل: بل دفعت ألفاً، والفضل ربح: فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأنه اختلاف في قدر المقبوض. ولو اختلفا في أصل القبض: كان القول قول العامل كذلك في قدر المقبوض؛ كالمتبايعين: إذا اختلفا في قبض الثمن: كان القول قول البائع مع يمينه؛ بخلاف ما لو اختلفا في قدر الربح المشروط: يتحالفان؛ لأنه اختلفا في وصف العقد؛ كالمتبايعين؛ إذا اختلفا في قدر الثمن: تحالفا. ولو اشترى العامل عبداً، وفيه ربح، فقال رب المال: اشتريته بمال القراض، وقال العامل: بل اشتريته بمالي، أو كان فيه خسران، فقال رب المال: اشتريته بمالك، فقال: بل بمال القراض: فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأنه أعرف بما في ضميره. ولو اشترى عبداً، فقال رب المال: كنت نهيتك عن شرائه، وأنكر العامل: فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النهي، ولأن هذا دعوى خيانة على العامل، والعامل أمين. ولو اختلفا في الربح؛ فقال العامل: ربحت ألفاً، وقال رب المال: بل ربحت ألفين: فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأنه أمين. فإن قال العامل: ربحت ألفين، ثم قال: غلطت أو كذبت في الربح؛ خوفاً من انتزاع المال مني: لا يقبل رجوعه. وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان ثم موسم: ينتظره للتجارة والربح: يُقبل قوله.

стр. 1667

ولو قال- بعدما قال: غلطت أو كذبت في الربح: كنت قد ربحت، لكن خسرت بعده: يقبل قوله؛ لأن دعوى التلف: لا يكذب إقراره، وقوله: "غلطت": لم يكن تعدياً في المال حتى لا يقبل قوله بعده. ولو ادعى العامل تلف المال في يده- نُظر: إن ادعى تلفه بأمر خفي من غصب أو سرقة: يقبل قوله مع يمينه، فإن ادعى تلفه بأمر ظاهر وقوعه؛ من وقوع حريق أو غريق- نُظر: إن لم يعرف ذلك بتلك البلد: لا يُقبل قوله إلا ببينة، وإن عرف، وعم: قُبل قوله بلا يمين، وإن وقع، ولم يعم، واحتمل أنه لم يصيبه: قبل قوله مع يمينه، والله أعلم.

стр. 1668

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب المساقاة روي عن عبد الله بن عمر، قال: أعطى رسول الله- ﷺ [خيبر] اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها. المساقاة: عقد جائز؛ عند أكثر أهل العلم. وهي: أن يدفع نخيله أو كرمه إلى رجل ليتعهده؛ على أن ما يرزق الله تعالى من الثمرة يكون بينهما على ما يتشارطان.

стр. 1669

وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: لا تجوز المساقاة، وخالفه صاحباه والحديث حجة عليه. وهل يجوز على غير النخيل والكروم من الأشجار؟ نُظر: إن لم يكن لها ساق؛ كالزروع والخضروات والبطيخ والقثاء وقصب السكر، أو كان لها ساق؛ ولكنها لا تثمر؛ كالصنوبر، والعرعر والخلاف: لا تجوز المساقاة عليها؛ لأن المساقاة إنما تجوز على شجرة تبقى سنين لها ثمرة تحصل بتعهد العامل؛ فيكون جزء منها للعامل بإزاء عمله. أما سائر الأشجار المثمرة؛ كالتين والتفاح والكمثري والمشمش ونحوها: ففيها قولان: قال في القديم: تجوز املساقاة عليها؛ كالنخيل والكروم. وقال في الجديد- وهو الأصح: لا تجوز؛ بخلاف النخيل والكروم؛ لأن كل واحد منهما شجر له ثمر: تجب الزكاة في ثمرها؛ فجوزت المساقاة فيهما؛ نظراً للمساكين، ورب المال، ولأن النخيل والكروم ثمارها عناقيد متدلية؛ فيمكن خرصها والوقوف عليها، وسائر الأشجار ثمارها متفرقة في تضاعيف الأوراق، لا يمكن خرصها والوقوف عليها. وقيل: في الفرصاد قولان أيضاً على أوراقها؛ لأن أوراقها مقصودة؛ كثمار غيرها. وقال بعض أصحابنا: إن كان شجراً تقطع أغصانها في كل سنة أو سنتين؛ كالخلاف، فساقاه على أن تكون الأغصان بينهما نصفين أو أثلاثاً: يجوز على القول القديم، والمذهب: أنه لا يجوز. وقال ابن سُريج: تجوز المساقاة في المقل؛ تخريجاً على قوله الجديد؛ لأن ثمر المقل ظاهر كثمر النخيل والكرم. وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأن لا زكاة فيها؛ كالخوخ والمشمش. ويجوز عقد المساقاة قبل خروج الثمرة، ولا يجوز بعد خروجها وبدو الصلاح فيها؛

стр. 1670

لأن المساقاة عقد [غرر]؛ جوزت على الثمرة المعدومة للحاجة إلى من يقوم بتعهدها حتى يخرج؛ فإذا خرجت: زالت الحاجة؛ فلم يجز، وهل يجوز بعد خروج الثمرة قبل بدو الصلاح؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ كما بعد بدو الصلاح. والثاني: يجوز؛ لأن معظم العمل باقي. ويشترط بيان المدة في المساقاة، فلو قال: ساقيتك مطلقاً، أو إلى سنين، ولم يبين: لم يجز. ويجب أن يبين المدة بالسنين أو لأشهر: فإن قال: إلى أوان الجذاذ: لم يصح، ويجب أن يضرب مدة تدرك الثمرة فيها غالباً، فإن ساقاه على ودي إلى مدة لا تثمر فيها، أو لا تثمر غالباً: لا يصح، وإذا عمل العامل: فهل يستحق أجر المثل؟ فيه وجهان: أحدهما- وبه قال المزني: لا يستحق؛ لأنه رضي بالعمل بغير عوض. والثاني- وهو قول ابن سريج،- رحمة الله عليه-: يستحق؛ لأن العمل في المساقاة يقتضي العوض؛ فلا يسقط برضاه كالوطء في النكاح. وإن ساقاه إلى مدة تثمر غالباً: صح، ثم إن لم تثمر في تلك المدة: لا يستحق شيئاً؛ كما لو قارضه ولم يربح: لا يستحق شيئاً. وإن ساقاه إلى مدة يحتمل أن تثمر فيها، ويحتمل ألا تثمر فيها؟ ففيه وجهان: أصحهما- وهو قول أبي إسحاق-: لا يصح؛ لأنه عقد على عوض غير موجود، وليس الظاهر وجوده؛ كما لو أسلم في معدوم إلى محل يحتمل أن يوجد فيه، ويحتمل ألا يوجد: لا يصح. والثاني: يصح؛ لأنه يقبل من الغرر ما لا يقبله السلم؛ كالنخيل الكبار: تجوز المساقاة عليها، وإن احتمل ألا تثمر. والأول أصح؛ بخلاف الكبار؛ لأن الغالب والأصل: أنها تثمر إلا لعارض؛ والودي بخلافه. فإن قلنا: يصح: فإن أثمرت في تلك المدة: يستحق المشروط، وإن لم تثمر: لا يستحق شيئاً؛ كما لو ساقاه إلى مدة تثمر فيها غالباً، فلم تثمر، وإن قلنا: لا يصح: يستحق أجر المثل، أثمرت أو لم تثمر؛ لأنه إذا كان يجوز أن تثمر: فلم يتطوع بالعمل.

стр. 1671

وهل تجوز المساقاة أكثر من سنة واحدة؟ فيه أقوال؛ كما في الإجارة، فإن جوزنا أكثر من سنة: وكانت الشجرة تثمر كل سنة: هل يشترط أن يبين حصته كل سنة أم يجوز أن يقول؟ على النصف، ثم يكون له نصف ثمر كل سنة: ففيه وجهان؛ كما في الإجارة، فإن جوزنا أكثر من سنة: فإذا انقضت المدة، ثم أطلعت: لا حق للعامل فيها؛ لأنها ثمرة حدثت بعد المدة، وإن انقضت المدة، وهي طلع أو بلح: تعلق بها حقه؛ لأنها حدثت في المدة، ولو ساقاه خمس سنين، وجوزنا، وشرط له ثمرة سنة بعينها: إما السنة الأولى أو الأخيرة- نُظر: إن كانت الشجرة مما تثمر كل سنة: فلا يصح؛ لأنه ربما لا تثمر إلا تلك السنة؛ فلا يكون لرب المال شيء أو ربما لا تثمر تلك السنة؛ فلا يكون للعامل شيء، أما إذا كان الشجر ودياً لا تثمر إلا بعد خمس سنين، وجوزنا على أكثر من سنة، وشرط له جزءاً معلوماً من ثمرة السنة الخامسة: جاز؛ لأنه جعل له نصيباً من جميع الثمرة. ويجوز العقد بلفظ "المساقاة" بأن يقول "ساقيتك نخيلي على كذا"؛ لأنه لفظ موضوع له. ويجوز بكل لفظ يؤدي معناه؛ بأن يقول: "سلمت إليك، أو دفعت إليك نخيلي؛ لتتعهدها على كذا"، أو قال: "تعهد نخيلي على كذا". ولا يجوز بلفظ "الإجارة"، فإن قال: ساقيتك على أن لك نصف الثمرة أجرة- جاز؛ لأن لفظ "المساقاة" قد سبق؛ فلا يضر ذكر الأجرة من بعد. فصلٌ فلو ساقاه نخيلاً، وبينها بياض لا يتوصل إلى سقي النخيل إلا بسقيه: يجوز أن يزارعه في البياض، ويشترط له جزءاً معلوماً من الزرع تبعاً للمساقاة؛ لأن النبي- ﷺ عامل أهل "خيبر" على نصف الثمرة والزرع، والمعنى فيه: أن سقي النخيل لا يمكن بدون سقي البياض، ولا يمكن إفراد البياض بالعقد، فدعت الحاجة إلى جواز العقد عليه تبعاً، فإن كان يتوصل إلى سقي النخيل دون البياض: لا تصح المزارعة على البياض. وهل يشترط أن يكون البياض أقل من النخيل؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط؛ لأنه تبع، ولا يكون الأكثر تبعاً للأقل. والثاني- وهو الأصح-: لا يشترط، بل يجوز، وإن كان البياض أكثر؛ لأن الضرورة موجودة في الحالتين.

стр. 1672

وينبغي أن يقدم لفظ "المساقاة"؛ فإن قدم لفظ "المزارعة" فقال: زارعتك على البياض، وساقيتك على النخيل على كذا: لا يصح؛ لأن التابع لا يقدم على المتبوع؛ كما لو باع بشرط الرهن، فقدم لفظ "الرهن" على البيع: لا يصح. وينبغي أن يقول: ساقيتك على كذا، "وزارعتك" متصلاً به، فلو ساقاه، ثم بعده زارعه منفرداً: فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ لأنها تبع، وقد جعلها مقصوداً بالإفراد؛ كما لو زارع مع غير المساقي: لا يجوز. والثاني: يجوز؛ لأنهما حصلا لواحد؛ كما لو جمع بينهما في العقد؛ نظيره: إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح من مالك الشجرة. وهل يحتاج إلى شرط القلع؟ فيه وجهان: الأصح: يحتاج إليه. ولو فاوت بين العقدين في نصيب العامل؛ فإن شرط له ثلث الثمرة، وربع الزرع: هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأنه بمنزلة عقدين. والثاني: لا يجوز؛ لأنهما إذا تفاضلا- تميزاً؛ فلم يكن أحدهما تبعاً للآخر. ولو زرع العامل البياض من غير إذن رب النخيل: يقلع مجاناً. وقال مالك- رحمة الله عليه: إن كان البياض أقل من ثلث الحائط- دخل في العقد تبعاً، وفي المزارعة: يكون البذر على رب مال الحائط. فلو شرط على العامل: فهي مخابرة. وهل تجوز المخابرة؛ تبعاً للمساقاة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كالمزارعة. والثاني- وهو الأصح، وهو المذهب-: لا يجوز؛ بخلاف المزارعة؛ لأن السنة وردت بها؛ ولأن المزارعة في معنى المساقاة من حيث إنه ليس على العامل فيها إلا العمل، وفي المخابرة: يكون البذر على العامل. ولو كان بين النخيل أو في الكروم أشجار أخر؛ كالتفاح والمشمش والسفرجل ونحوها: قلنا: لا تجوز المساقاة عليها على الانفراد، فهل تجوز تبعاً للنخيل والكرم؟

стр. 1673

واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تجوز كالمزارعة، ومنهم من قال: لا تجوز؛ لأن الأشجار أصول لا يتبع بعضها بعضاً؛ بخلاف البياض، فإنه ليس بأصل ينتفع به وحده؛ فكان تبعاً للأشجار، فحيث جوزنا المزارعة تبعاً للمساقاة: فلو كان في البياض زرع موجود يوم العقد: هل تجوز المزارعة عليه؟ فيه وجهان؛ بناءً على جواز المساقاة على الثمار الموجودة، وفيه قولان. فصلٌ ولا تصح المساقاة حتى يجعل للعامل جزءاً معلوماً من الثمار، فيقول: ساقيتك على أن لك نصف الثمرة، أو ثلثها؛ فإن قال: لك بعضها، أو جزء منها: لا يجوز؛ لأنه غير معلوم. فإن قال: على أن الثمرة بيننا نصفان: صح، وتكون بينهما سواء، ولو قال: بيننا، ولم يزد عليه: فيه وجهان: الأصح: لا يجوز؛ لأنه يحتمل المساواة، ويحتمل التفاوت. ولو قال: على أن لك ثلث الثمرة، ولم يقل: الباقي لي: صح، وكان الباقي لرب الحائط. ولو قال: على أن لي ثلث الثمرة فيه وجهان: أحدهما: يجوز، ويكون الباقي للعامل. والثاني- وهو الأصح، وبه قال المزني-: لا يصح؛ بخلاف الصورة الأولى؛ لأن ثمرة الحائط كلها لرب الحائط، فإذا بين نصيب العامل: تعين الباقي له، وإذا أضاف البعض إلى نفسه: فلا يدل على أن الباقي يكون للعامل؛ كما ذكرنا في القراض. ولو ساقاه على ثمرة نخلة بعينها: لم يجز، [لأنها ربما لا تثمر تلك النخلة]، وكذلك: لو قال: على أن لك صاعاً من الثمرة، والباقي بيننا، أو على أن لي صاعاً والباقي بيننا: لا يصح؛ لأنه ربما لا يحصل إلا صاع؛ فلا يكون للآخر نصيب. ولو قال: [على] أن لك الثلث، والباقي بيننا نصفان: يصح؛ كما ذكرنا في "القراض".

стр. 1674

ولو قال: ساقيتك إلا على هذه النخلة: جاز وصحت المساقلق على نخيل الحائط سواها. قلت: ولو قال: ساقيتك على هذه النخلة الواحدة: جاز؛ كما لو كان له حائطان ساقى على أحدهما: يجوز. ولو ساقى رجلان على أن جميع الثمرة للعامل: لا يصح؛ فإذا عمل: فله أجر المثل. ولو ساقاه على أن جميع الثمرة لرب النخيل: لا يصح أيضاً، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول المزني: لا يستحق؛ لأنه عمل مجاناً. والثاني- وهو قول ابن سريج: يستحق. ولو كان بين رجلين نخيل لكل واحد نصفها، فساقى أحدهما صاحبه على أن للعامل ثلثي الثمرة: جاز؛ لأن دفع إليه نصيبه؛ فساقاه على أن له ثلث نصيبه. ولو شرط للعامل ثلث الثمرة: لا يجوز؛ لأن للعامل له نصف الثمرة بحكم الملك؛ فكأن المساقي شرط أن يعمل له العامل، ويترك إليه مع العمل ثلث نصيبه من الثمرة؛ كما في القراض. لو كان بينهما ألفان، قارض أحدهما صاحبه، وشرط للعامل ثلث الربح: جاز، ولو شرط العامل للآخر الثلثين: لم يجز. ثم في هذه الصورة: هل يستحق العامل في القراض والمساقاة أجر المثل؟ فعلى وجهين: على قول المزني، وهو الأصح: لا يستحق؛ لأنه عمل مجاناً. وعلى قول ابن سريج: يستحق. ولو كان بينهما نخيل، فساقى كل واحد منهما صاحبه على أن يعملا معاً؛ على أن يكون لأحدهما ثلثا الثمرة، وللآخر الثلث: فهذا فاسد للاشتراك في العمل، والثمرة تكون بينهما على قدر الملكين، ثم إن استويا في العمل: لا شيء لأحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد عمل لنفسه، وإن كان عمل أحدهما أكثر- نُظر: إن كان عمل من شرط له الزيادة أكثر: يستحق أجر مثل تلك الزيادة، وإن كان عمله أقل: فالآخر هل يستحق أجر زيادة عمله؟ فعلى الوجهين.

стр. 1675

ولو كانت بين رجلين نخيل، فعقد المساقاة مع رجل، وشرطا له ثلث الثمرة، أو ربع الثمرة: جاز، وإن لم يعلم العامل، كم نصيب كل واحد من الحائط؟ فإن فاوتا، فقالا: على أن لك من نصيب أحدنا الثلث، ومن نصيب الآخر الربع، ولم يبينا: أن الثلث من نصيب أيهما لم يجز، وإن بينا أن له الثلث من نصيب زيد، والربع من نصيب عمرو- نظر: إن علم العامل قدر نصيب كل واحدم ن الحائط: جاز، وإن لم يعلم: لم يجز؛ لأنه لا يدري، كم له من ثمر الحائط؟ ولو كانت النخيل لواحد، فساقى رجلين، وشرط لأحدهما نصف الثمر، وللآخر الثلث، وبين لمن النصف، ولمن الثلث: جاز، ولو كان في حائطه أنواع من الثمر: دقل وعجوة، وصيحاني، فساقى رجلاً، وشرط له نصف الكل، أو ثلث الكل: جاز، وإن لم يعلم العامل؛ كم فيه من كل نوع، وإن شرط له من بعض الأنواع النصف، ومن البعض الثلث، وبين- نظر: إن علما قدر كل نوع منها: جاز، وإن جهلا أو أحدهما: لم يجز؛ كما لو ساقاه في حائطين على أن له من أحدهما النصف، ومن الآخر الثلث، ولم يبين: لم يجز، وإن بين فقال: ساقيتك في هذين الحائطين على أن لك من هذا النصف، ومن الآخر الثلث: جاز. ولو ساقاه نخيلاً على النصف على أن يساقيه العامل حائطه على الثلث، أو على أن يساقيه رب النخيل حائطاً آخر على الثلث: لا يصح؛ لأنه شرط عقد في عقد؛ كما لو قال: بعتك عبدي بألف على أن تبيعني عبدك: لا يصح، وهل تصح المساقاة الثانية؟ - نُظر: إن عقدها على شرط العقد الأول: لا يصح؛ وإلا فيصح. ولو ساقاه نخيلاً على أنه إن ساقاها بماء السماء- فله الثلث، وإن ساقاه بالنضح- فله النصف: لا يصح لأنه لا يدري بماذا يستحق؛ كما لو قارضه دراهم على انه إن ربح على البحر فله النصف، وإن ربح على البر- فله الثلث: لا يصح، وللعامل أجر المثل. وكل موضع فسدت المساقاة: يستحق العامل أجر المثل، وإن هلكت الثمار إلا في موضع واحد اختلفوا فيه وهو: أن يكون العامل متبرعاً بالعمل؛ بأن شرط جميع الثمرة لرب النخيل؛ فلا أجر له؛ على أصح الوجهين. أما في المساقاة الصحيحة، إذا هلكت الثمرة: فلا شيء للعامل؛ لأن في المساقاة الصحيحة حق العامل في الثمر، فإذا هلكت الثمرة: لا شيء له، وفي الفاسد حقه في ذمة رب النخيل؛ فلا يسقط بهلاك الثمرة.

стр. 1676

ولو ساقاه نخيلاً سنة، فأدركت الثمرة قبل مضيها: يجب على العامل أن يعمل في الحائط بقية المدة، ولا أجرة له سوى المشروط من الثمرة، وإن تمت السنة، ولم تدرك الثمرة: فإن كانت طلعاً أو بلحاً: فعلى رب المال تعهدها حتى تدرك ويأخذ العامل منها حقه، وإن لم تطلع حتى انقضت المدة: فلا حق للعامل فيها. ولو استأجر رجلاً؛ ليتعهد نخيله على مال معلوم: جاز؛ سواء كان بعد خروج الثمرة أو قبلها. أما إذا استأجره على جزء من ثمر تلك النخيل ينظر: إن كان قبل خروج الثمرة: لا يجوز، سواء شرط له ثمرة نخلة بعينها أو شرط له جزءاً شائعاً؛ لأن الإجارة صنف من البيوع؛ فلا يجوز إلا على معلوم موجود، والمساقاة معاملة على أصل يعمل فيه؛ ليكون له جزء مما يظهر بعمله؛ كالقراض. وإن كان بعد خروج الثمرة- نُظر: إن كان بعد بدو الصلاح في الثمرة: جاز، سواء شرط له جزءاً شائعاص أو ثمرة نخلة بعينها. وإن كان قبل بدو الصلاح: فإن شرط له ثمرة نخلة بعينها: جاز بشرط القطع، وإن لم يشرط القطع: لم يجز؛ كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح، وإن شرط له جزءاً شائعاً: لم يجز، وإن شرط القطع؛ لأنه لا يمكن قطع بعضها شائعاً إلا بقطع الكل. فصلٌ كل عمل يتكرر كل سنة في الحائط، وفيه مستزاد في الثمرة: يجب ذلك على العامل في المساقاة؛ مثل: إصلاح طريق الماء وتنقية السواقي وتنقية البئر وإدارة الدولاب والسقي وتصريف الجريد وقطع الحشيش المضر وإبار النخيل، وهل يجب شرطه في العقد؟ قيل: يجب. والأصح: لا يجب؛ ومطلق العقد يقتضيه. ولو شرط شيء من ذلك على رب النخيل: بطل العقد، أما ما فيه حفظ الأصل؛ مثل: سد الحيطان وحفر النهر الجديد والبئر وعمل الدولاب: فهي على رب النخيل، ولو شرط شيء من ذلك على العامل: بطل العقد، ولو فعله العامل بغير إذن رب النخيل: لم

стр. 1677

يستحق شيئاً، وإن فعل بإذنه: استحق أجر المثل، وتكريب الأرض وإدارتها في الزراعة على العامل؛ كقطع الحشيش، وتجب الآلات؛ كالفأس والمنجل والمعول والثيران، على رب الحائط، وقيل الثيران والفدان على من شرط عليه منهما، فإن سكتا عن شرطه: لم يصح العقد. واختلف أصحابنا في الجذاذ واللقاط: فمنهم من قال: يلزم العامل؛ لأنه لا تستغني عنه الثمرة؛ كإبار النخيل، ومنهم من قال: لا يلزمه؛ لأنه يحتاج إليه بعد تكامل الثمار، وهل يجب على العامل حفظ الثمار عن الطيور؟ فيه وجهان: ويجب حفظ الأمتعة. وقيل: لا يجب عليه حفظه عن اللصوص، بل على كل واحد حفظ نصيبه، وهل على العامل وضع الجدار على الجدار؟ فيه وجهان. والخراج يكون على رب الحائط، والتعريش على العامل، إن كان فيه مستزاد في الثمرة، وكل عمل يلزم العامل. ولو استأجر رب النخيل على أن يعمله: جاز، ولو ساقاه نخيلاً على أن يعمل فيه جميعاً: لم يصح؛ كما في القراض، أو شرط رب المال أن يعمل فيه: لم يصح. ولو شرط العامل على رب النخيل غلماناً يعملون معه: نص على جوازه، وقد ذكرنا في القراض وجهين: فمن أصحابنا من جعل في المساقاة أيضاً- وجهين؛ كالقراض. أحدهما: لا يجوز؛ لأن عمل الغلام كعمل رب المال، فإذا لم يجز شرط عمل رب المال: لم يجز شرط عمل غلامه، والمراد من النص الأعمال التي تلزم رب المال من سد الحيطان وحفر الأنهار ونحوها؛ لا أنها تلزم العامل. والوجه الثاني: يجوز فيما يلزم العامل؛ لأن غلامه ماله؛ فجاز أن يجعله تابعاً لماله؛ كالثور في عمل الدولاب والحمار لحمل المتاع؛ بخلاف رب المال؛ فإنه مالك لا يجعل تابعاً لماله.

стр. 1678

ومنهم من قال في "المساقاة": يجوز وجهاً واحداً؛ لأن في المساقاة: يكون بعض الأعمال على رب المال؛ فلا ينفرد به العامل باليد؛ فجاز أن يشترط فيها عمل غلامه، وليس على رب المال في القراض عمل؛ فلا يجوز شرط عمل الغلام فيه، وليس كما لو شرط أن يعمل معه رب النخيل: لم يجز؛ لأن رب النخيل، إذا دخل معه: يكون أصلاً، ويكون اليد له، والغلمان يكونون تحت يد العامل؛ يصرفهم كيف يشاء، فلا تكون اليد لهم؛ بدليل أنهما لو تنازعا في شيء، وكان الشيء في يد العامل: كان القول قول العامل. فإن قلنا: يجوز: لم يصح حتى يعرف الغلمان بالرؤية أو بالوصف. ويجب أن يكون الغلمان تحت أمر العامل؛ فإن جعل التدبير إلى الغلمان: لم يجز؛ لأن العاملح حينئذ- يكون تبعاً، ولا يكون متبوعاً، ونفقة الغلمان على ما يتشارطان؛ فإن شرطا على العامل: جاز؛ لأنهم أعون له، وإن أطلقا: فالنفقة على رب النخيل؛ لأنه مالكهم. وعند مالك- رحمة الله عليه: على العامل، وإذا شرطا على العامل، هل يشترط بيان قدرها؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط أن يبين نفقة كل يوم من الخبز والإدام. والثاني: لا يشترط، بل على العادة؛ لأن العمل مجهول؛ كذا النفقة: جاز ألا تكون معلومة. ولو شرط نفقتهم في الثمار: لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً، ثم بعد فراغ الغلمان من عمل الحائط: ليس للعامل أن يستعملهم في عمل نفسه، ولو شرط ذلك: بطل العقد؛ لأنه شرط لنفسه جزءاً من الثمرة، مع عمل الغلام. ولو شرط العامل أن يعمل معه غلمانه، أو يستأجر أجراء يعملون معه، وتكون نفقة الغلمان وأجرة الأجراء من الثمرة: لا يصح؛ لأنه مجهول، ولأن مقتضى المساقاة، أن يكون العمل على العامل؛ فإذا شرط أن يعمل معه غيره، ويكون أجرته من الثمرة: فقد أسقط عن نفسه بعض ما يلزمه من العمل؛ بخلاف ما لو شرط في القراض أجرة الأجراء؛ مثل: الدلال والحمال والمنادي من مال القراض: جاز؛ لأن مؤنة هذه الأعمال: تكون في مال القراض عند إطلاق العقد؛ فلا يتعين بالشرط حكم العقد. وإذا كان له حائط له فيه غلمان يعملون فساقى رجلاً: لا يدخل الغلمان فيه؛ لأن قصده تفريغ الغلمان لشغل آخر.

стр. 1679

وعند مالك- رحمة الله عليه-: يدخل الغلمان في العقد. فصلٌ عقد المساقاة: عقد لازم، فبعد تمام العقد: لا يجوز لأحدهما فسخه؛ لأن النماء فيه متأخر، فلو قلنا: يملك الفسخ: لم نأمن أن يفسخ بعد العمل قبل حصول الثمرة؛ فيضيع عمل العامل، والعامل يملك نصيبه من الثمار بنفس الظهور، حتى يجب عليه زكاة نصيبه من الثمار، إذا كان مجموع الثمر نصاباً؛ بخلاف القراض: لا يملك العامل يه حصته من الربح بنفس الظهور؛ على أصح القولين، ولا يجب عليه زكاة نصيبه؛ حتى يقتسما؛ لأن الربح في القراض وقاية لرأس المال لا يستقر عليه ملك العامل، ما لم يقتسما بدليل أنه لو خسر بعدما ربح: لم يكن للعامل فيه نصيبن والثمرة في المساقاة ليست وقاية لرأس المال؛ بدليل أنه لو تلف جميعها إلا قليلاً: كان ذلك القليل بينهما. فلو هرب العامل في المساقاة، أو مرضن فإن تبرع المالك بالعمل وبالنفقة: فإذا رجع العامل: أخذ نصيبه من الثمرة، ولم يرجع المالك عليه بما أنفق، وإن لم يتبرع: رفع الأمر إلى الحاكم، حتى يستأجر من مال العامل من يكمل عمله، وإن لم يجد له مالاً؛ فإن كان بعد بدو الصلاح في الثمار: باع بعض نصيب العامل، إما من رب المال أو من غيره، فإن احتاج إلى بيع كله: باع كله واستأجر من يعمل فيه. وإن كان قبل خروج الثمرة، أو قبل بدو الصلاح: لا يمكن بيع بعضه، فيستقرض عليه من رجل، أو من بيت المال، وعلى العامل أداؤه إذا رجع أو يقضي من الثمرة، إذا أدركت. ولو استقرض الحاكم من رب النخيل مالاً، فأنفق منه: جاز، ثم رجع على العامل أو أخذ من نصيبه من الثمرة. ولو أنفق رب النخيل ليرجع عليه، أو عمل فيه بنفسه ليرجع- نظر: إن فعل بغير أمر الحاكم وهناك حاكم: فهو متبوع لا يرجع. وإن لم يقدر على حاكم: فإن أشهد؛ المذهب: أنه يرجع؛ لأنه موضع ضرورة، وإن لم يشهد: فلا يرجع، إن أمكنه الإشهاد، فإن لم يمكنه الإشهاد: فعلى وجهين. وإن أنفق بأمر الحاكم: ففيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأنه فعل بإذن من إليه الأمر. والثاني: لا يرجع؛ لأنه متهم في حق نفسه، بل يجب أن يدفع المال إلى الحاكم ليدفع إلى غيره؛ فينفق عليه؟

стр. 1680

وإن لم يجد الحاكم من يستقرض منه، ولم يكن في بيت المال مال- ينظر: إن كان قبل خروج الثمرة: للمالك أن يفسخ العقد؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، كما لو اشترى عبداً، فأبق من يد البائع: وللعامل أجر مثل ما عمل. وإن كان بعد خروج الثمرة: فهي مشتركة بين رب المال والعامل. وإن كان بعد بدو الصلاح: يباع نصيب العامل: إما من رب النخيل، أو من غيره، فإن لم يوجد من يشتري، أو كان قبل بدو الصلاح: لا يمكن بيع نصيب العامل؛ لأن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح: لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع بعضه؛ إلا بقطع كله، فيترك حتى يبدو الصلاح، أو يصطلحا على شيء. وإذا ظهر من العامل خيانة: فلا فسخ لرب المال؛ لأنه عقد لازم، ونص- ههنا- أنه يكارى عليه من يعمل عنه، وقال في موضع آخر: يضم إليه أمين، وأجرته على العامل: فمن أصحابنا من قال فيه: قولان. ومنهم من قال: هي على حالين: فإن كان العامل قوياً لا يقدر الأمين على منعه من الخيانة: ينتزع من يده، ويمنع من دخول الحائط، ويكتري عليه من يعمل عنه، والأجرة عليه، وإن قدر الأمين على منعه: ضم إليه أمين، وإن توهم الخيانة: لا يتكارى عليه، ما لم يظهر. ولو مات العامل أو رب النخيل أو هما: لا ينفسخ العقد، إلا أن العامل إذا مات: فإن أتم وارثه العمل، أو استأجر من تركته من يتم العمل: جاز، ويستحق نصيبه، وإن لم يعمل الوارث: لا يجبر عليه؛ لأن المعاقدة لم تجر معه، بل يكتري الحاكم من تركته من يتم العمل؛ كما لو كان عليه دين يؤدي من تركته، وإن لم تكن له تركة: لا يستدان على الميت؛ لأنه لا ذمة له، ولرب النخل فسخ العقد، إن كان قبل خروج الثمرة، وإن كان بعد خروجها: فهي مشتركة بين المالك والعامل؛ فيباع نصيب العامل، إن كان بعد بدو الصلاح؛ كما ذكرنا في هرب العامل. وإذا مات رب النخيل: يتم العامل العمل، ويأخذ حقه. ولو احتاج إليها- نظر: إن احتاج كلها: انفسخ العقد، ولا شيء للعامل، وإن احتاج بعضها: فالعامل بالخيار بين أن يفسخ العقد، ولا شيء له، وبين أن يجيز، ويتم العقد، وله حصته مما بقي.

стр. 1681

ولو ظهر للنخيل مستحق: أخذها المستحق مع الثمار، ولا شيء عليه، ويرجع العامل على من ساقاه بأجر مثل عمله؛ لأنه غره؛ كمن غصب نقرة من إنسان، فدفعها إلى آخر، حتى طبعها دراهم: أخذ المغصوب منه الدراهم، ويرجع الطابع على الغاصب بالأجرة: وإن كانت الثمرة تالفة؛ فإن كانا قد اقتسماها، فأكلاها، وتلفت في أيديهما: فالمستحق بالخيار بين أن يغرم الدافع أو العامل: فإن غرم الدافع: له أن يطالبه بجميع قيمة الثمرة، وإن تلف شيء من أصول النخل: يطالب بضمانه، وإن غرم العامل، كم يغرمه؟ ظاهر كلام المزني: أنه يغرم قيمة النصف الذي شرط له؛ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال- وهو الأصح-: الأمر كما ذكر المزني؛ أنه يغرمه نصف الثمر المشروط له؛ لأنه أخذ ذلك النصف بعقد معاوضةن وتلف في يده؛ فيلزمه ضمانه، وبعد ما غرم: لا يرجع على الدافع بما غرم، بل يأخذ منه أجر مثل عمله، أما النصف الآخر: لم يكن في يد العامل؛ وكذلك: أصول الأشجار؛ بدليل أنه لا يلزمه حفظها، ولو جعل في يده: لزمه حفظها؛ كما يلزم العامل في القراض حفظ مال القراض: فعلى هذا: يأخذ ضمان النصف الآخر، وضمان أصول الأشجار من الدافع؛ لأنه الغاصب، ولم يكن له مطالبة العامل به، وإذا أخذ الكل من الدافع: فهو يرجع على العامل بنصف قيمة الثمرة. ومن أصحابنا من قال: يجوز للمستحق أن يغرم العامل جميع قيمة الثمرة، وما تلف من أصول الأشجار؛ لأنها كانت في يده من طريق المشاهدة؛ فتصرف فيها؛ كالعامل في القراض، إذا هلك المال في يده، وخرج مستحقاً- يغرمه المستحق كله؛ فعلى هذا: إذا غرم العامل المستحق كله: لم يرجع العامل على الدافع بقيمة النصف الذي أخذه؛ عوضاً عن عمله، وهل يرجع بالنصف الآخر؟ فيه وجهان: قال الشيخ: أحدهما: يرجع؛ كالمستودع من الغاصب إذا ضمن: يرجع على الغاصب. والثاني: لا يرجع؛ لأنه كان يحفظ ويتصرف لحق نفسه؛ بخلاف المستودع، وإن غرم الدافع كلها: رجع الدافع على العامل بالنصف.

стр. 1682

فصلٌ إذا اختلف العامل ورب النخيل في العوض المشروط، فقال العامل: شرطت لي النصف، وقال رب النخيل: شرطت الثلث: تحالفا، وبعد التحالف: للعامل أجر مثل عمله؛ سواء كان أكثر مما أقر به رب النخيل، أو أقل، وإن أقام أحدهما بينة: قضى له، وإن أقام كل واحد بينته: ففي قول: يتهاتران، وهو الأصح؛ فعلى هذا: يتحالفان، وفي قول: يستعملان، فعلى هذا: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة: قضى له، ولا يأتي قول الوقف والقسمة. وقيل: يأتي قول القسمة، فيجعل السدس المختلف فيه بينهما نصفين، ولو ساقاه رجلان، ثم اختلفوا؛ فقال العامل: شرطتما لي النصف، فصدقه أحدهما، وكذبه الآخر، وقال: بل الثلث: يأخذ العامل النصف من نصيب المصدق، وهو مع المكذب: يتحالفان، وبعد الحلف: يأخذ منه أجر مثل عمله، ولا شيء له من نصيبه من الثمر، ولو شهد المصدق للعامل: قبلت شهادته، فيحلف معه العامل، ويأخذ النصف؛ وكذلك: لو شهد لشريكه أنه ساقاه على الثلث: يقبل. ولو أنكرا جميعاً، ثم شهد أحدهما لصاحبه مع نفسه، فقال ساقيناه على الثلث: فشهادته في حق نفسه باطلة، وهل يبطل في حق صاحبه؟ فعلى قولي تبعيض الشهادة. ولو ادعى رب النخيل على العامل خيانة: لا يسمع حتى يبين قدر الخيانة، فإذا بين، وأنكر العامل: فالقول قول العامل مع يمينه. وكذلك: لو ادعى هلاك شيء من المال: قُبل قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، والله أعلم.

стр. 1683

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإجارة قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال جل

стр. 1684

ذكره؛ إخباراً عن شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].

стр. 1685

وروي عن ابن عباس؛ أن النبي- ﷺ "احتجم وأعطى الحجام [أجره] ". الإجارة: جائزة عند عامة أهل العلم. وهي بيع منافع الأعيان، جوز مع كون المنافع معدومة للحاجة الداعية إليه، ثم كل عين ظاهرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجري الإباحة في منفعتها: جاز إجارتها؛ كالدور والأراضي والعبيد والدواب ونحوها. ويجوز استئجار الحر وأم الولد والمدبر. أما ما لا يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه؛ كالأطعمة: لا يجوز إجارتها، وهل يجوز استئجار الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
следующие страницы →